مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 266 حزيران 1993
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

وظائف الإعلام الجماهيري والمجتمعات العربية ـــ د.فريال مهنّا

قبل الخوض في موضوع الوظائف، لا بد من تحديد معنى كلمة (إعلام) وكلمة (جماهيري) بشكل دقيق، ومعرفة أوجه التشابه والاختلاف بين مصطلح (إعلامي جماهيري) وبين مصطلحات أخرى تستخدمها أدبيات إعلامية عربية وأجنبية للتعبير عن المضمون نفسه.‏

يقول فرانسيس بال (أستاذ في جامعة باريس للحقوق والاقتصاد والعلوم الاجتماعية ومدير معهد الصحافة الفرنسي في باريس) أن كلمة (إعلام Information) تعبر عن معان متباينة بشكل عام، غير أنها تحمل- وهو ما يعنينا في هذا المجال- عدة معاني، أيضاً في حقل العلوم الاجتماعية الإعلامية: فكلمة (Information) تغطي في الوقت ذاته "معنى المضمون ومعنى الطريقة التي ينقل بها هذا المضمون"(1). أي أن هذه الكلمة تحمل "عنصراً خاصاً بالمعرفة والتقويم، متيسر الفهم لأي كان وبأي شكل كان"(2)، فالمصطلح هنا يأخذ "معنى خبر أي (Nouvelle) باللغة الفرنسية"(3)، كما أنها تحمل، في مجرى آخر كثير الاستخدام معنى "مجمل التجهيزات والمعدات والأجهزة التي تسمح، في لحظة ما، وفي مجتمع ما، بموجب تقنية صناعية معينة، بانتشار عناصر المعرفة والتقويم هذه"(4).‏

ويقول بال أن كلمة (إعلام Information) إذا، تعني أيضاً "طريقة معالجة نشر"(5)، أي تعني "الصحف والإذاعة والتلفزة"(6).‏

وبتعبير أشمل، يعتبر بال أن كلمة (Information) ترتدي معنى "واقع اجتماعي تشكل الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزة معاً"(7)، من جهة ومعنى "مجمل المواقف والقناعات الجماعية التي ينتجها هذا الواقع"(8) من جهة أخرى.‏

ونتيجة لوجود هذه المعاني كلها في كلمة (Information)، يفضل بال استخدام مصطلح آخر (للإعلام الجماهيري) هو (Entreprises de diffusion) أي (مؤسسات الانتشار) أو (مؤسسات البث)(8)، لأنه يعتقد أن هذا المصطلح أقل غموضاً من مصطلح (Communication de masse) أي الاتصال الجماهيري) وأكثر ملاءمة من مصطلح (Information) غير أنه من الملاحظ أن معظم علماء الاجتماع الفرنسيون يستخدمون مصطلح (Communication de masse) في أبحاثهم الإعلامية، كما يستخدمون أيضاً مصطلح (L'information) للتعبير عن ذات المعاني التي ذكرها فرانسيس بال.‏

علماء الاجتماع الأمريكيون عمموا مصطلحاً مركباً (Mass-Media) مؤلفاً من كلمتين: إحداهما انكليزية (Mass) وتعني فيما تعنيه (كتلة كبيرة- ضخامة- عدد أو مقدار كبير- جمهور- جماهير- العامة- جماهيري- جماعي- جملي- على نطاق واسع- إجمالي- على وجه الإجمال)(10)، والأخرى لاتينية (Media) وتعني (متوسط- وسيط- وسيلة- واسطة)(11)، فأصبحت الكلمة المركبة (Mass-Media) تعني (الإعلام الجماهيري) رغم أن معناها الحرفي (وسيط جماهيري- أو واسطة جماهيرية- أو وسيلة جماهيرية- أو وسيلة العامة الخ..).‏

ورغم أن بعض الأكاديميين الإعلاميين الفرنسيين يقولون أن هذا المصطلح الذي أوجده الانكلوساكسون يثير الدهشة والاستغراب، لأنه مؤلف من كلمة انكليزية وأخرى لاتينية، إلا أن علماء الاجتماع الفرنسيين، بمن فيهم فرانسيس بال، غدوا يقتصرون، في مؤلفاتهم الإعلامية الحديثة على الكلمة اللاتينية فقط (Media) إذ يضعونها دوماً بصيغة الجمع (Les medias).‏

ويطلق اللاتينيون والانكلوساكسون على (الاتصال الجماهيري) ذات المصطلح Communication de Masse بالفرنسية) و(Mass Communication بالانكليزية).‏

الحقيقة أن الأمريكيين فرضوا مصطلحهم (الإعلام الجماهيري (Mass-Media) في كل مكان، فأصبح يستخدم كما هو في العديد من لغات العالم.‏

ونأتي إلى المصطلح باللغة العربية:‏

تستخدم الأدبيات الإعلامية العربية، وخاصة المصرية منها، كلمة Masi-Media كما هي أحياناً، وتستخدم مصطلح (الاتصال الجماهيري- الاتصال الجمعي- الاتصال الجماعي- الإعلام الجماهيري- وسائل الاتصال الجماهيري- وسائل الإعلام الجماهيري) للتعبير عن ذات المعنى وذات المضمون، أحياناً أخرى.‏

لعله من الأفضل الاستغناء عن المصطلح الأجنبي، وتثبيت مصطلح عربي (الإعلام الجماهيري) لأنه يؤدي المعنى، مضموناً وشكلاً بصورة مقبولة.‏

فكلمة (إعلام) مشتقة من أعلم- يعلم- أي بلَّغ- يبلَّغ أو أبلغ- يبلغ- أي أحاط علماً أو أعطى معلومة.‏

أما كلمة (جماهيري)، فهي مشتقة من (جماهير). ويمكن استخدام كلمتي (جمعي أو جماعي) فيصبح المصطلح مؤلفاً من كلمتين (الإعلام الجماهيري) أو (الإعلام الجمعي) أو (الإعلام الجماعي).‏

غير أنني أفضل تثبيت مصطلح (الإعلام الجماهيري)، لأن كلمة (جماهيري) تؤدي أكثر من كلمتي (جمعي وجماعي) معنى الكثرة والاتساع والشمول والغزارة. وهو المعنى المطلوب في هذا المجال، لأن المتلقي لما تنشره وتبثه الصحافة والإذاعة والتلفزة، لا يقدر بآلاف أو بمئات الآلاف. وإنما يقدر بالملايين وعشرات الملايين بل بمئات الملايين أحياناً.‏

أما فيما يتعلق بمصطلحات (الاتصال الجماهيري) و(وسائل الاتصال الجماهيري) و(الإعلام الجماهيري) و(وسائل الإعلام الجماهيري)، فمن الضروري عدم الخلط بينها لأنها تحمل معاني غير متطابقة:‏

1-فالاتصال الجماهيري مصطلح أكثر اتساعاً وعمقاً من مصطلح (وسائل الاتصال الجماهيري) لأن هذا الأخير يعني الأجهزة والمعدات والتجهيزات التقنية والصناعية فحسب، في حين يعني (الاتصال الجماهيري) هذه الأجهزة والمعدات والتجهيزات، بالإضافة إلى كل ما يصدر عنها من معلومات ومضامين ومعطيات.‏

2-أيضاً الإعلام الجماهيري مصطلح أكثر سعة وعمقاً من مصطلح (وسائل الإعلام الجماهيري)، كما سنرى بعد قليل.‏

3-أما بالنسبة للفرق بين الاتصال الجماهيري وبين الإعلام الجماهيري، فإن المصطلح الأول أكثر شمولية من المصطلح الثاني. ويمكن القول أن الأول يحتوي الثاني. فالاتصال الجماهيري يحتضن، مضموناً ووسائل، الصحافة أن النص التلفزي، و(التيليماتيك) أي تقنية تلقي معلومات من الحواسيب ومراكز المعلومات عبر الهاتف، والأقمار الصناعية والسكابل. إضافة إلى أشكال اتصال جماهيري أخرى موجودة في مجتمع ما.‏

أما الإعلام الجماهيري فهو مجمل ما يتعلق مضموناً ووسائل، بالصحافة والإذاعة والتلفزة فقط. ذلك أن هذه الوسائل بالذات تتفرد بطبيعة ومميزات خاصة بها، ناجمة عن بنيتها ووظائفها وأهدافها وموقعها داخل المجتمع كظاهرة اجتماعية تتأثر وتمارس تأثيرات من نوع معين، على مختلف الظواهر الأخرى السياسية والاقتصادية والثقافية والعقلية والقيمية والحضارية بشكل عام، ضمن إطار واقع اجتماعي معقد متشابك، دائب الحركة والتغير.‏

إذاً، ما هو الإعلام الجماهيري؟‏

استناداً إلى مجمل ما ذكر، يمكن القول أن الإعلام الجماهيري هو:‏

1-جميع الكلمات والصور والمشاهد والأصوات الحاملة للمعلومات والأفكار والآراء والمواقف والقيم التي تتضمنها الرسالة الإعلامية المطبوعة والمسموعة والمتلفزة، في جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمجتمع ما.‏

2-جميع المعدات والتجهيزات والأجهزة الصناعية والتقنية التي تحقق انتشار الرسالة الإعلامية على أوسع نطاق عبر الصحافة والإذاعة والتلفزة.‏

3-كل من يستخدم تلك الأدوات اللغوية والتقنية في المطبوع والمسموع والمتلفز، لصنع رسالة إعلامية ونشرها أو بثها ضمن نطاق إرادة سياسية معينة واستراتيجية إعلامية محددة(12).‏

أي أن الإعلام الجماهيري مؤلف من عنصر فكري (الرموز اللغوية والفنية الحاملة للدلالة) ومن عنصر تقني (وسائل الإعلام الجماهيري) ومن عنصر إنساني (رجل الإعلام الذي، وإن كان يتحرك في إطار سياسة إعلامية محددة، فهو يحمل صفات ثقافية واجتماعية، وتربوية وعقلية ونفسية خاصة به).‏

[أعتقد أن فرانسيس بال يتجاوز إطار الإعلام الجماهيري، كبنية وكمؤسسة، إذ يدرج، إضافة إلى عنصر المعلومات والأفكار والقيم والمواقف (أو ما يطلق عليه بال عناصر المعرفة والتقويم أو الواقع الاجتماعي الذي تشكله الصحافة والإذاعة والتلفزة)، وإضافة إلى الأجهزة والمعدات، عنصراً آخر هو المواقف والقناعات التي تنجم عن الإعلام الجماهيري. أي بمعنى آخر، يدرج التأثير الذي يمارسه هذا الإعلام على الجمهور. أي على المجتمع. في حين أن هذا التأثير يقع خارج نطاق بنية الإعلام الجماهيري نفسها، ويدرس في مجال العلاقة والتفاعل بين الإعلام كبنية وكمؤسسة من جهة، وبين الجمهور الإعلامي، أي كل من يتلقى الرسالة الإعلامية من جهة أخرى. أو بمعنى آخر، بين الإعلام الجماهيري كظاهرة اجتماعية وبين المجتمع بمختلف ظواهره الاجتماعية الأخرى.‏

والملفت أن بال، في الوقت الذي يخرج في تفنيده لماهية الإعلام الجماهيري، على تركيبة هذا الإعلام وهيكليته، فإنه يطلق عليه مصطلح (Entreprises de diffusion) أي مؤسسات البث أو الانتشار، وهو مصطلح تقني بحت يتجاهل حتى العنصر الفكري (عناصر المعرفة والتقويم) الذي أورده بال نفسه].‏

تلك هي بنية الإعلام الجماهيري، فما هي وظائف هذه البنية المنغرسة في قلب المجتمع؟‏

طرح مفكرون سياسيون وعلماء اجتماع وباحثون إعلاميون جملة من الوظائف استناداً إلى مدارس ومفاهيم إعلامية مستمدة من منطلقات سياسية واقتصادية وفلسفية وفكرية متباينة، ظهرت وتطورت في العديد من المجتمعات الإنسانية المعاصرة.‏

فالمدرسة اللينينية للإعلام التي تنطلق من التحديدية الاقتصادية الماركسية والصراع الطبقي، ومن نظام الحزب الواحد وديكتاتورية البروليتاريا ودور الطليعة الثورية، وتستند إلى تعاليم بليخانوف، تنيط بالإعلام الشيوعي وظائف الدعاية والتحريض والتنظيم.‏

فالصحافة في تصور لينين البلشفي هي "أداة لتربية الجماهير الشعبية وأداة لتدريب وتهذيب الشعب"(13)، ووسيلة "لتعليم الشعب آلية تنظيم العمل بطريقة جديدة"(14)، وهي "حزام يربط الجماهير بالحزب ويدفعها إلى الالتحاق بالطليعة(15)، والصحافة "منظم جماعي يشكل رؤية للعالم خاصة بجماعة معينة، ويصيغ وعي هذه الجماعة واندماجها في المجتمع"(16).‏

ويمكن القول أن مختلف الأبحاث الإعلامية الشيوعية في الشرق والغرب لم تخرج قط عن جوهر المفهوم اللينيني للصحافة، واستمرت في التركيز على هذه الوظائف دون غيرها، في جميع مراحل تطور وسائل الاتصال الجماهيري ضمن إطار الثورة العلمية الثقافية التي شهدتها المجتمعات المتقدمة، وخاصة في العقود الأخيرة من هذا القرن.‏

أما المدارس الإعلامية الغربية التي تنطلق من الاقتصاد الليبرالي أو اقتصاد السوق، ومن فلسفة التنوير العقلي وامتداداتها الفكرية المعاصرة، ومن المفهوم البرجوازي للحرية والديمقراطية، فهي تجمع على أن الوظيفة الأساسية للإعلام الجماهيري هي الوظيفة الإخبارية.‏

يقول جان ستويتسيل، الذي يصفه علماء الاجتماع الغربيون بأنه أول من حدد بوضوح ودقة مختلف وظائف الصحافة في المجتمع: "إن الوظيفة المركزية للصحافة هي في أن تسمح (هذه الصحافة)- بصورة متفردة، وبالتناغم مع مؤسسات عديدة أخرى- بالاتصال داخل مجتمع.. وتحقق الصحافة هذه الوظيفة الاتصالية من خلال نشرها للمعلومات"(17).‏

وفي نطاق بحث مطول، طرح فيه تشارلز رايت صيغة متكاملة لدراسة تأثيرات نظام الاتصال الجماهيري الفرعي على الجمهور الإعلامي، داخل النظام الاجتماعي العام، منطلقاً من التحليل الوظيفي للإعلام الجماهيري، ومستنداً إلى مفهوم روبيرت ميرتون حول ضرورة التمييز بين أسباب قيام الإعلام الجماهيري بنشاط ما، وبين النتائج المترتبة على هذا النشاط، وإلى رؤية ميرتون، بالتالي، للوظائف المعلنة والكامنة والخلل الوظيفي للاتصال الجماهيري بشكل عام، نجد أن رايت يضع في رأس صيغته المؤلفة من اثني عشر عنصراً، الوظيفة الإخبارية للإعلام الجماهيري إذ يقول "وظيفة الرصد- الأخبار- للاتصال الجماهيري"(18)، ويصفها بأنها عبارة عن "قيام الإعلام الجماهيري بعملية اصطفاء المعلومات المحلية والوطنية والدولية وصياغتها ونشرها"(19).‏

أما هارولد لاسويل، فيصف الوظيفة الإخبارية بأنها وظيفة "رصد الوسط المحيط"(20) التي تضطلع بها "مجموعة تتحرى في الوسط السياسي للدولة"(21).‏

فرانسيس بال يقول عن المعلومات التي تبثها وتنشرها وسائل الإعلام الجماهيري أنها "تزود المجتمع بوسائل تجعله قادراً على كشف ذاته لذاته.. وتحقق له معرفة ما يريد وما لا يريد لنفسه"(22)، وأنها "توفر إمكانية تغيير الإنسان من قبل الإنسان، وإمكانية تغيير المجتمع من قبل المجتمع نفسه"(23)، وأنها أيضاً وخاصة "تجعل الخيارات المتعلقة بالمصير الجماعي أكثر وضوحاً، وتجعل الحلول للوصول إلى هذه الخيارات أكثر فعالية وأقل غموضاً"(24).‏

ويرى مالكوم ويلي أن إحدى وظائف الإعلام "تزويد المتلقي بالأخبار وبالمعلومات الخام"(25).‏

وبصورة عامة، نلاحظ، عبر مطالعتنا للأبحاث الإعلامية الغربية الأوروبية والأمريكية، أن اعتبار الوظيفة الإخبارية وظيفة مركزية للإعلام الجماهيري، أمر مفروغ منه وغير مطروح للنقاش(26).‏

إلى جانب الوظيفة الإخبارية، يطرح علماء الاجتماع الغربيون وظائف أخرى للإعلام الجماهيري، أهمها الوظيفة التي يقول عنها بيير ألبير أنها "تفتح حواراً مع العالم وتكسر عزلة الأفراد"(27)، وأنها تساعد على انتشار القيم السياسية.. وتشارك في تفعيل الحياة الاجتماعية، وتحقق التناغم في ردود الأفعال والتوازن وتخلق الضمير الجماعي"(28).‏

وهي الوظيفة التي يصفها جان ستويتسيل بأنها تحقق "الانتماء الاجتماعي"(29) للأفراد والمجموعات داخل المجتمع، والتي يطرحها رايت في صيغته على أنها وظيفة "إقامة العلاقة"(30) بين مختلف عناصر المجتمع، والتي يعدها هارولد لاسويل وظيفة "تنسيق ردود أفعال مختلف أطراف المجتمع على الوسط المحيط"(31).‏

ثمة وظيفة أخرى للإعلام الجماهيري يسميها لازرسفيلد وميرتون وظيفة تثبيت "احترام الضوابط الاجتماعية"(32) أو وظيفة فرض "المعيار الأخلاقي"(33). ويصف ميرتون ولازرسفيلد هذه الوظيفة بأنها "تقوي الضبط الاجتماعي تجاه الأفراد الأعضاء في المجتمع الكلي وذلك بلفت نظر الجمهور إلى انحرافات هؤلاء الأفراد، من خلال شن حملات إعلامية ضدهم"(34)، إذ إن "الأعمال التي خرق بها أولئك الأفراد، الأنظمة، قد تكون معروفة بالنسبة للعديد من أعضاء هذا المجتمع، على الصعيد الشخصي، ولكن اكتشاف تلك الأعمال من قبل الجمهور، عبر وسائل الاتصال الجماهيري، يخلق شروطاً اجتماعية تفرض على معظم الأفراد وجوب إدانة هذا الخرق وتأييد القواعد الأخلاقية العام"(35).‏

ويعتقد جان ستويتسيل أن للإعلام وظيفة "علاج نفسي"(36)، وهو يوضحها إذ يقول: "إن شروط الوجود في المجتمعات الجماهيرية تميل إلى مضاعفة الإحباطات الفردية، فهي تخلق بين الناس علاقات مجردة، مجزأة، وظيفية، خيالية تماماً من الصميمية"(37)، وهذا ما يؤدي إلى "تفاقم الإحساس بعدم الأمان والحصر النفسي، وإلى التناقض بين التحريض المستمر لحاجاتنا من قبل الإعلانات وحب تقليد "الغير"، وبين محدودية إمكانياتنا المالية".‏

من جهة أخرى، يجد ستويتسيل أن الحياة الاجتماعية المعاصرة "تكبح ميولاً بيولوجية ونزعات ثقافية عديدة: فنحن نرغب في أن نسيطر ولكننا تابعون، ونريد أن نكون أحراراً ولكن يتوجب علينا أن نطيع. نزعاتنا الفطرية والمكتسبة معرضة دوماً للإخفاق، وهذا ما ينتج عنه قمع مزعج لهذه النزعات، وجنوح إلى الاعتداء لا يستطيع أن يعلن عن نفسه". وهنا يتدخل الإعلام ليقدم علاجاً نفسياً، حيث "يحررنا من نزعاتنا ويسمح لنا بإسقاط شعورنا بالإثم على الآخرين، ويشرع لنا اندفاعاتنا العدائية بأن يفضح المرتكبين، ويمنح رضا متخيل أو صوري لعنفنا، لمتطلباتنا، لحاجتنا إلى الاحتجاج".‏

ويعتقد ستويتسيل أنه على الرغم من أن التحقيقات والحملات التي يثيرها الإعلام، تتوقف في لحظة ما، تاركة القضية قبل التوصل إلى نتيجة ترضي الناس، فإن هذا الإعلام "يخفف وطأة الضيق والتوتر النفسي لدى الجمهور" وهذا ما يعده ستويتسيل "وظيفة مفيدة للإعلام لأنها تلبي حاجات حقيقية تتطلبها طبيعة المجتمع الراهن".‏

ويتناول إدغار موران أيضاً الوظيفة النفسية للإعلام الجماهيري، ولكن برؤية مختلفة تماماً عن تفسيرات جان ستويتسيل. يقول موران:‏

"إن الشخصيات التي تظهر في الصحف والمجالات وعلى شاشة التلفزة تشكل النماذج الإنسانية القابلة للتقليد"(38)، ذلك أن هذه الشخصيات التي تتحول إلى نجوم "تؤثر في الخيال الفردي عبر آلية أولى هي آلية الإسقاط (Projection)"(39) فالقارئ أو المشاهد "يسقط خارج ذاته كل ما لا يستطيع أن ينجزه هو نفسه أو من خلال نفسه"(40)، بهذا الشكل يقوم هؤلاء النجوم "بإنجاز ما تمنعنا الحياة اليومية من إنجازه" وهذا يعني أن نعيش "بالتفويض، حياة تحرمها علينا شروطنا العادية" وهكذا، فإن "قوى الإسقاط أو الإبعاد أو التعويض، تتكاثر يوماً بعد يوم".‏

ويعطي موران لهذه العملية بعداً آخر إذ يقول: ".. وتنبثق من قلب هذا الإسقاط آلية أخرى موازية هي التوحد (Identification) ففي ذات الوقت الذي يحرر فيه القارئ أو المشاهد نفسه من نزعات نفسية ويسقطها على أبطال متخيلين، فإنه يتوحد مع شخصيات هي في الحقيقة غريبة عنه، ويشعر بأنه يعيش تجارب هي في الواقع ليست تجاربه، فالبريء المضحى به أو ضحية القوى الشريرة المكفر عنها. يصبحان الذات الأخرى للقارئ أو المشاهد". ولكن هذه الذات الأخرى "هي ذات جُعلت مثالية، حيث أنها تحقق، بصورة أفضل، ما يشعره هذا القارئ أو المشاهد داخل نفسه في الحالة الافتراضية، فالشخصية المخلوقة تغدو نموذجاً".‏

وهكذا، فإن موران يقدم تفسيره حول الآلية التي تصبح الثقافة الجماهيرية بموجبها مصدر تروية لما يسميه هو "الخيال الجماعي"(41).‏

ويصيغ جان كازنوف لهذه الوظيفة النفسية مفهوماً مغايراً ينطلق من المجتمع في كليته وليس من الفرد. فهو يصف هذا المجتمع بأنه "مجتمع محكوم عليه دوماً بأن ينظم العلاقات القائمة بين الإنسان وبين الشرط الإنساني"(42)، ومحكوم عليه أيضاً بأن ينظم العلاقات القائمة بين "هذا الشرط الإنساني وبين اللامشروط"(43).‏

ويرى كازنوف أن "الطقوس والأساطير كانت تؤدي هذه المهمة في المجتمع التقليدي، حيث كانت تقدم حلاً لحاجة البشر المتناقضة في توقهم إلى الخروج من شرطهم، وفي رغبتهم بالانغلاق داخل هذا الشرط"(44).‏

ويقول كازنوف "أن تلك الأساطير والطقوس قد نُسفت وأن المقدس قد اختفى ويجب إيجاد من يخلفه"(45).‏

ويعتقد كازنوف "أن الإعلام الجماهيري هو الذي يسد الثغرة التي سببتها إزالة الصفة المقدسة عن الإطار الاجتماعي.. إذ يضطلع هذا الإعلام اليوم بوظيفة تحويل وجه الواقع إلى عرض مسرحي".‏

وعبر هذا التغيير الذي يحدثه الإعلام الجماهيري "فإن الاجتماعي نفسه هو الذي يصبح عرضاً مسرحياً، والإنسانية نفسها هي التي تعيش حياتها وهي التي، في الوقت ذاته، تنظر إلى نفسها، وهي تعيش كشيء".‏

إن فرضية كازنوف هذه تنفي وجود التمييز التقليدي المتعارف عليه بين الواقع والخيال، إذ تعتبر أن الرسائل التي ينقلها الإعلام الجماهيري هي "عناصر ملتصقة بالواقع وملتصقة بالخيال في اللحظة نفسها وإن بنسب متغيرة"، ولذلك، فإن التمييز بين عناصر الواقع وبين عناصر الخيال يصبح "تمييزاً مصطنعاً منذ اللحظة التي تفرض فيها وظيفة الإعلام الجماهيري هذه، عليه، تبديل الواقع".‏

لهذا كله، فإن "الصحافة والإذاعة والتلفزة مضطرة جميعاً للهروب في كل لحظة، من الواقع، محتفظة، في الوقت نفسه، بصلة وثيقة مع هذا الواقع".‏

ويشير كازنوف إلى أنه متفق تماماً مع تشارلز رايت فيما يتعلق بالوظائف المختلفة التي أسندها هذا الأخير للإعلام الجماهيري، إلا أن كازنوف يعتقد بأن جميع هذه الوظائف ما هي سوى "مشتقات للوظيفة الوحيدة التي يقوم بها الإعلام الجماهيري" أي وظيفة تبديل الواقع التي يطلق عليها كازنوف "وظيفة الاستحالة" Transmutation.‏

يشير بعض الباحثين الاجتماعيين إلى وظائف للاتصال الإنساني بكل أشكاله كوظيفة "نقل الثقافة" ووظيفة "نقل الإرث الاجتماعي من جيل إلى جيل". ولقد أصبح من المسلم به أن الإعلام الجماهيري يسهم، بأساليبه وطرائقه وتقنياته الخاصة، إلى جانب مؤسسات وهيئات وتنظيمات أخرى، في عملية نشر ثقافة معينة وتراث معين، وفي عملية نقل الإرث الاجتماعي عبر الأجيال.‏

يتفق الباحثون الإعلاميون، بمختلف اتجاهاتهم، على وجود وظيفة ترفيهية، وأخرى إعلانية، للإعلام الجماهيري، غير أنهم يقدمون تحليلات مختلفة لمعنى الترفيه وأشكاله في المطبوع والمسموع والمتلفز، تستند إلى خلفيات ثقافية وحضارية لكل منهم. كما أنهم يحللون الوظيفة الإعلانية انطلاقاً من مفاهيم اجتماعية واقتصادية سائدة في المجتمعات الغربية.‏

لا ريب أن كل بحث يتناول الوظائف التي تقوم بها أية بنية فرعية داخل النظام الاجتماعي الكلي، يستدعي التطرق إلى ما قد يصيب هذه الوظائف من اختلال، في مراحل تطورية مختلفة من حياة المجتمع، ويتطلب، بالتالي، معرفة طبيعة هذا الخلل واتجاهاته وشروطه.‏

رأينا أن صيغة التحليل الوظيفي للإعلام الجماهيري التي يطرحها رايت، منطلقاً من نظرية ميرتون للوظائف، تبحث هذه المسألة، مقدمة بعض الأسس التي من شأنها أن تحدد جوانب الخلل.‏

ولقد استخدم العديد من الباحثين الاجتماعيين هذه الصيغة لإبراز ظواهر مرضية ناجمة عن نشاط الإعلام الجماهيري في المجتمعات المعاصرة:‏

فميرتون ولازرسفيلد يشيران إلى خلل وظيفي يظهر في ممارسة الإعلام دور "المخدر الاجتماعي" Narcotique social للأفراد والمجموعات، وللنظام الاجتماعي بأكمله.‏

أما جوزيف كليبر، فهو يركز على "التهربية L'éscapism" حيث يدفع الإعلام الجماهيري الإنسان إلى "اهتمامات تحرفه عن المشكلات الحقيقية التي يجب أن يتصدى لها" مما يؤدي إلى حصوله على "رضا وهمي، وهو، بعيداً عن أن يخفف من حدة توتر هذا الإنسان، يجير آخر طاقاته إلى إنجازات لشخصيات وهمية، فيصبح الهروب من الواقع عملية لا رجعة منها" ويغذى الهروب نفسه بصورة تلقائية فيتحرك الإنسان "داخل حلقة مفرغة"..‏

ولقد تعرض مفهوم التحليل الوظيفي لانتقادات عديدة، إذ وصفه بعض الباحثين الإعلاميين(46) بالمحدودية والغلو، وحذر بعض آخر(47) من مخاطر استخدام الوظيفيين لمعنى الهروب والتهربية، ومن مزالق ذهابهم كل مذهب في التركيز على الأثر التخديري، وأبدى تحفظاته على النتائج التي خرج بها هؤلاء في أبحاثهم المتعلقة بتأثيرات الثقافة الجماهيرية التي ينتجها الإعلام الجماهيري.‏

أعتقد أن معظم هذه الانتقادات مصيبة لأن بعض الباحثين الإعلاميين اندفعوا في استخدام صيغة التحليل الوظيفي وعمموا، خلال العقود الماضية، تجارب ميدانية واختبارات عملية غير صالحة للتعميم، لأنها عالجت حالات محدودة جداً، زمانياً ومكانياً(48)، ولأن طرائق تلك الأبحاث التجريبية وأساليبها افتقرت إلى الدقة وجنحت أحياناً إلى الإيحائية، واستخلصت، بعجالة، أحكاماً نهائية.‏

كما أعتقد أن بعض مستخدمي التحليل الوظيفي وضعوا تصنيفاً كيفياً للوظائف المعلنة أو الرسمية، وللوظائف الكامنة أو الناجمة، وأعطوا تقويماً ذاتياً لمفهوم الخلل الوظيفي، إذ لم يربطوا ربطاً موضوعياً بين الوظائف وبين الحاجات الحقيقية للمجتمع، مما حال دون وصولهم، في كثير من الأحيان، إلى نتائج واقعية تبين العلاقة الفعلية بين الوظائف والحاجات.‏

والأهم من ذلك كله، أن نظرية التحليل الوظيفي نفسها تتجاهل الإطار الاجتماعي العام الذي يمارس الإعلام الجماهيري نشاطه في داخله، إذ تهمل البعد التاريخي للظاهرة، الذي يقول دوركهايم بصدده: "عندما نشرع في تفسير ظاهرة اجتماعية، يجب أن نبحث، بصورة منفصلة، العلة الفاعلة التي أوجدتها، والوظيفة التي تؤديها هذه الظاهرة" بتعبير آخر، أستطيع القول أن استخدام النظرية الوظيفية على صعيد عملي جرى ضمن نطاق مجتمع مجهري (Microsociety)، ولم يستوعب المجتمع الكلي (Macrosociety)، ثم عاد فعمم النتائج على المجتمع برمته.‏

رغم هذا يبقى الاقتراب الوظيفي من الظاهرة محاولة مجدية، لأن ميرتون، في حديثه عن الوظائف الظاهرة أو المقصودة، والوظائف الكامنة أو غير المتعمدة أو غير المتوقعة، يترك الخيار مفتوحاً أمامنا لكشف وجود الخلل أو عدم وجوده ولتحديد طبيعته وعناصره.‏

فصيغة رايت لا تفرض علينا مفهوماً مطلقاً للخلل، وإنما تزودنا بأداة فعالة ومفيدة للتعرف إلى هذا الخلل في إطار نسبي يتلاءم وخصوصية كل مجتمع.‏

غير أن استخدام هذه الصيغة يجب أن يقترن بشرطين أساسيين:‏

1-رصد الحاجات الحقيقية للمتلقي، والتأكد من تلبية الإعلام الجماهيري لضرورات اجتماعية تضمن استمرارية المجتمع وتطوره.‏

2-دراسة وظائف الظاهرة الإعلامية في إطار اجتماعي كلي يكشف آليات تفاعلها مع الظواهر الاجتماعية الأخرى، خلال مرحلة تاريخية معينة من حياة المجتمع.‏

انطلاقاً من هذا البعد للنظرية الوظيفية، لعله من المفيد الإشارة، باختصار شديد، إلى بعض الجوانب المتعلقة بوظائف الإعلام الجماهيري في المجتمعات العربية، وذلك من خلال رؤية نظرية تعتمد على الملاحظة، في غياب إمكانية حوض بحوث ميدانية مثمرة لأسباب عديدة موضوعية وذاتية.‏

يثير موضوع وظائف الإعلام الجماهيري في المجتمعات العربية جملة من المسائل والقضايا والمشكلات التي تختلف في طبيعتها وأشكالها عن تلك التي يجري بحثها في المجتمعات المتقدمة، فهذه الأخيرة، تعيش مؤثرات ثورات علمية وتقنية متتالية، خلقت أنساقاً وسياقات جديدة من التناقضات، محققة، في الوقت نفسه، حالة من الرفاه والوفرة، لم تشهدها المجتمعات الإنسانية من قبل.‏

رأينا أن الباحثين الإعلاميين في الغرب يعدون قيام الإعلام الجماهيري بوظيفته الإخبارية أمراً مقرراً ومكتسباً، ويطرح بعضهم انعكاسات تلك الوظيفة في إطار تقويم التأثيرات الإيجابية والسلبية للثقافة الجماهيرية بشكل عام.‏

أما في المجتمعات العربية، فالسؤال الذي يطرح نفسه ليس: كيف يقوم الإعلام الجماهيري بوظيفته الإخبارية؟ وإنما هو: هل يؤدي الإعلام الجماهيري وظيفة إخبارية في المجتمعات العربية؟‏

ليس من العسير أن نلاحظ أن الإعلام في المجتمعات العربية، بصورة عامة لا يؤدي ما يسميه ستويتسيل وظيفة نشر المعلومات أو ما يدعوه لاسويل ورايت وظيفة رصد الوسط المحيط، أو ما يطلق عليه بال وظيفة تزويد المجتمع بأدوات تكشف له عن نفسه وتعرفه بذاته.‏

ورغم أن هذا الإعلام يعلن بأنه يضطلع بوظيفة إخبارية، فإنه، في واقع الأمر، يمارس وظيفة أخرى هي تلك التي يصفها هؤلاء الباحثون بأنها وظيفة إقامة العلاقة أو وظيفة تحقيق الانتماء أو وظيفة تنسيق ردود أفعال أطراف المجتمع، وهو ما يمكن أن نطلق عليه وظيفة صياغة الرؤية.‏

هذا يعني أن الإعلام العربي، في معظمه، يحاول تنظيم رد الفعل على الوسط المحيط دون أن يرصد هذا الوسط، ويسعى إلى تحقيق الانتماء الاجتماعي دون أن يقدم معلومات حول هذا الاجتماعي.‏

بكلمات أخرى نقول أن هذا الإعلام يكون دون أن ينبئ ويوجه دون أن يخبر وينظم دون أن يتحرى.‏

لا ريب أن هذا الخلل يعود لأسباب عديدة منها أن الوطن العربي عرف تاريخاً حديثاً ومعاصراً تميز باحتلال عثماني استمر قروناً طويلة وباحتلال أوروبي أعقب سقوط الثورة العربية الكبرى. ولم تكن بعض أجزاء هذا الوطن تستعيد استقلالها حتى حلت نكبة فلسطين التي طبعت جميع الأحداث اللاحقة بطابعها ولا تزال.‏

كان من الطبيعي أن تؤدي مثل هذه الظروف إلى نشأة وتطور صحافة رأي وصحافة موقف. فالطليعة المتنورة بمختلف تياراتها، كانت تسعى لتحقيق تعبئة شعبية تترجم إلى سلوك نضالي، وقد وجدت في الصحافة إحدى الأدوات الفعالة.‏

واستمرت الصحافة العربية، عبر مراحل تاريخية متتالية، في تجاهل الوظيفة الإخبارية نتيجة استتباب مفاهيم فكرية فرضتها ضرورات تعميق السيادة الوطنية وتحقيق الاستقرار السياسي وخلق أسباب القوة لمواجهة استعمار استيطاني يتجه بطبيعته نحو التوسع.‏

ولقد أدى تطور وسائل الإعلام الالكترونية وانتشارها إلى تفاقم هذا الخلل الوظيفي الذي أصبح معبراً مفضلاً لصراعات عربية- عربية متنوعة الأسباب والدوافع، ووسيطاً لا غنى عنه لإضفاء سمة الموضوعية على هذه الصراعات.‏

ولا شك أن غياب الوظيفة الإخبارية يحدث خللاً في وظيفة صياغة الرؤية نفسها، لأن عملية تنظيم رد الفعل داخل المجتمع يتخذ طابعاً ذاتياً متقلباً، حيث يستند إلى صيغ افتراضية ملفقة وليس إلى معلومات ومعطيات ناجمة عن تفاعلات واقعية.‏

ومن أجل الدفاع عن وجودها الفيزيولوجي وسد ثغرات هذا الخلل المزدوج، تشكل المجتمعات العربية لنفسها شبكة داخلية موازية تمارس نشاطها المعلوماتي عبر أشكال اتصالية مباشرة تعتمد على علاقات أولية كثيفة ومتشعبة وذلك بمعزل عن الإعلام الجماهيري الرسمي. وتلجأ هذه المجتمعات، في الوقت نفسه، إلى إعلام خارجي يرصد لها محيطها في الداخل ويغذي الشبكة الموازية التي صنعتها.‏

ويمكننا أن نتصور حجم الخطر الذي تتعرض له مجتمعاتنا النامية (حيث يبهت العقلاني أمام الهوى وينهزم الوعي أمام هيمنة أكثر مواقع اللاوعي ظلمة وتندحر الواقعة أمام الشائعة والوهم)، نتيجة تقاعس المؤسسة الإعلامية عن القيام بوظيفة حيوية تلبي ضرورة حياتية يومية وحاجة ماسة، في عالم غدا الاتصال الجماهيري فيه نشاطاً مفتوحاً لا يعرف حدوداً أو مسافات.‏

للإعلام الجماهيري وظيفة وسيطية تجري في مستويين: أولهما يتعلق بالصلة التي يعقدها الإعلام بين مؤسسات المجتمع كافة وبالوساطة التي يقوم بها بين كل مؤسسة من هذه المؤسسات وبين الأفراد والمجموعات.‏

أما المستوى الآخر فيتصل بتوسط الإعلام بين العلوم والفنون والآداب بكل فروعها وتشعباتها داخل المجتمع وفي مجتمعات خارجية وبين الجمهور. ويتجلى هذا التوسط في نقل الثقافة والتراث والإرث الاجتماعي عموماً، بأساليب مبسطة ومكثفة وتقنيات تضمن أوسع انتشار للثقافة الجماهيرية.‏

أعتقد أن الإعلام العربي يقوم بدور في المستوى الأول حيث يقيم صلة بين المؤسسات الموجودة داخل كل مجتمع، ويقيم صلة بين كل مؤسسة من جهة وبين الأفراد والمجموعات من جهة أخرى.‏

إلا أن آليات هذه الصلة الأخيرة التي يبنيها الإعلام العربي تشكو اختلالاً يظهر في التواصل غير المتوازن من ناحية، وفي التقطع وعدم الاستمرارية من ناحية أخرى. حيث نلاحظ أن حركة التدفق عبر الإعلام غالباً ما تتجه من المؤسسات إلى الأفراد والمجموعات وقلما تتجه من الأفراد والمجموعات نحو المؤسسات. كما نلاحظ أن عملية التدفق هذه مستمرة وكثيفة في الاتجاه الأول، في حين أنها متقطعة ومخلخلة في الاتجاه الثاني. ويرجع ذلك إلى أن الإعلام الجماهيري في المجتمعات العربية، بشكل عام، يتهاون في تقوية الضبط الاجتماعي وفرض المعيار الأخلاقي الذي أشار إليه لازرسفيلد وميرتون، ويعجز عن تخفيف وطأة الضيق والتوتر والإحباط الذي يعاني منه الإنسان العادي، ويخفق في منح المتلقي العربي الراهن حتى ذلك الرضا الصوري الذي يتحدث عنه ستويتسيل ويعده ملبياً لحاجة حقيقية.‏

وإذا بحثنا عن مسببات هذا الاختلال، نجد أنها استطالات لمسببات اضمحلال الوظيفة الإخبارية، وامتداد لمسببات الغموض والتشويش الحاصلين في وظيفة صياغة الرؤية. وهي في مجملها مسببات ناجمة عن طبيعة النظام الاجتماعي السائد في معظم المجتمعات العربية، وعن الخلفيات التاريخية البعيدة والقريبة لهذا النظام.‏

أما بالنسبة للمستوى الآخر من هذه الوساطة، فنلاحظ أن الإعلام العربي، بصورة عامة، يجتر الإرث الاجتماعي بمضامين وتقنيات بدائية، ويصيغ التراث صياغة ذرائعية تتناقض في كثير من الأحيان، مع متطلبات العلمنة والعقلنة والتأصيل، ويصنع ثقافة جماهيرية حفظية ونقلية تجمد حوافز الحوار الداخلي للإنسان، وتغلق قنوات النقاش العام في المجتمع وتؤدي إلى ضمور القدرات النقدية للمتلقي. وكل ذلك يتعارض مع الهدف المعلن لهذا الإعلام، وهو الإسهام في تحقيق تنمية شاملة.‏

وإذا أردنا ربط الوظيفة الوسيطية هذه بالحاجات الحقيقية للمجتمعات العربية، نلاحظ أن ثمة خللاً يتجلى في عدم تلبية الإعلام، بفعالية حاجات التطور المادي بجميع فروعه، وضرورات التنمية العقلية التي تعد المحرك الأساسي للارتقاء الاجتماعي.‏

ولا بد هنا من الرد على تساؤل قد يطرحه البعض وهو: ما دامت هذه الثقافة التي ينتجها الإعلام الجماهيري لا تلبي حاجات حقيقية لمجتمعات نامية فكيف نفسر إقبال الجمهور العربي على تلك الثقافة؟ قد يجيب هذا البعض فيقول: لو لم تكن هذه الثقافة تلبي حاجة واقعية، لما حظيت بمتابعة يومية من قبل أغلبية الجمهور.‏

إذا، هناك توافق بين تأدية الإعلام لتلك الوظيفة وبين الحاجات الفعلية، وهذا ما ينفي الخلل.‏

لا سبيل إلى الإنكار بأن قطاعات عريضة من الجمهور العربي تقبل على هذه الثقافة الجماهيرية. ولكن هذا لا يعني البتة أن الإعلام يؤدي وظيفته الوسيطية بما ينسجم وأهدافه المعلنة وهي الإسهام في خلق مقومات التطور. وواقع الأمر أن وجود جمهور عريض لهذه الثقافة الجماهيرية نابع فقط من قوة التعود على هذا الإعلام الذي أصبح جزءاً من العادات اليومية الروتينية للإنسان العربي الراهن، بقطع النظر عما إذا كان يلبي حاجة حقيقية أو حاجة وهمية. فكما يقول توكفيل: أن ما نسميه مؤسسات ضرورية، غالباً ما يكون مجرد مؤسسات أعتدنا وجودها.‏

ولذلك نقول أن استهلاك السواد لهذه الثقافة التي يقدمها الإعلام الجماهيري عبر وظيفته الوسيطية، لا يعني أن هذا الإعلام يؤدي وظيفة تسد ضرورات اجتماعية حقيقية، وإنما يعني أن هذا الإعلام يحجب الرؤية عن مقتضيات التقدم وشروط الاقتراب الحضاري من المشكلات المطروحة داخل مجتمعاتنا النامية.‏

إن تحليل العلاقة القائمة بين الثقافة الجماهيرية العربية وبين قضايا التنمية، يتطلب عمليات استقصاء ميدانية طويلة الأجل ودراسات وافية لبنيات الجمهور وعقلياته، ويستوجب نقاشاً مستفيضاً وأبحاثاً متأنية حول الإطار الاجتماعي العام الذي يتحرك الإعلام الجماهيري في داخله، خاصة أن هذه الثقافة الجماهيرية التي تحمل بعض السمات المشتركة، تختلف، في جوانب عدة، من مجتمع عربي لآخر.‏

بطبيعة الحال، لا يتسع هذا البحث المخصص لعرض وظائف الإعلام بإيجاز، لمعالجة هذه المشكلة الهامة. ولذلك، فإن ما طرحته عبر تناول مكثف للوظيفة الوسيطية، هو مجرد رؤوس أقلام قد تكون صالحة لبحث معضلة الثقافة الجماهيرية العربية أو ما يطلق عليها ثقافة وسائل الإعلام، وانعكاساتها المستقبلية.‏

ولا ننسى، في هذا السياق، أن نلمح إلى أن عناصر الثقافات الخارجية التي تدخل في صلب الثقافة الجماهيرية العربية، تمارس تأثيرات متناقضة على الجمهور العربي، تحتاج هي الأخرى، إلى دراسات وتحاليل في ضوء متطلبات النمو والتطور.‏

للإعلام الجماهيري، في أغلب المجتمعات العربية، وظيفة إعلانية، لها تأثيراتها ومنعكساتها على الإعلام كمؤسسة اقتصادية من جهة، وكمضمون قيمي من جهة أخرى.‏

ونلاحظ بأن الإعلام العربي يقوم بهذه الوظيفة بأساليب متأثرة بالمفهوم الغربي للإعلان بشكل عام.‏

غير أن التقنيات التي يستخدمها لا تزال في طورها البدائي رغم أنه يحاول، وخاصة في المتلفز، تحسين أدوات الإعلان وفنونه.‏

أيضاً في مجال الوظيفة الإعلانية للإعلام الجماهيري العربي، لا بد من طرح الحاجات الحقيقية والحاجات المختلفة في إطار عمليات التنمية التي تخوضها المجتمعات العربية.‏

أما فيما يتعلق بالوظيفة الترفيهية، فنلاحظ أن معايير الترفيه بحد ذاته، شهدت تغيرات كبيرة في المجتمعات العربية المعاصرة، عقب انتشار وسائل البث الجماهيري وخاصة التلفزة، ونتيجة للتبدلات العميقة التي أحدثتها اتجاهات النمو الاقتصادي في العقود الأخيرة، حيث نرى أن هذه الاتجاهات أفرزت، على صعيد الممارسة، شرائح اجتماعية جديدة، مقلصة فئات اجتماعية تقليدية، مبدلة مواقع فئات ثالثة في السلم الاقتصادي والاجتماعي.‏

إن هذه الطفرات التي اجتاحت البنيات الاجتماعية العربية، فرضت نماذج للترفيه الجماهيري لم تكن سائدة من قبل، ولقد عكس الإعلام الجماهيري هذه النماذج في العديد من مواده وبرامجه الترفيهية.‏

ونستطيع القول، من خلال متابعة طويلة لهذه الأنماط الترفيهية التي تشكل جزءاً من الثقافة الجماهيرية الراهنة، أن الطابع المميز للعملية الترفيهية في الإعلام الجماهيري العربي يجنح، في أغلبيته، نحو التدني والإسفاف موضوعاً وشكلاً وتقنية. ولذلك، لا بد من القيام بأبحاث متخصصة تحدد عوامل ظاهرة الهبوط هذه، أيضاً في ضوء مسألة الامتثالية والتغيير في الإعلام الجماهيري، ومن خلال إيجاد معايير موضوعية للحاجات الفعلية وغير الفعلية، انطلاقاً من ضرورات المرحلة الحالية من التطور الاجتماعي والثقافي.‏

يسند بعض الباحثين وظيفة تعليمية للإعلام هي في الواقع جزء من الوظيفة الوسيطية التي أشرت إليها.‏

ونلاحظ بأن الإعلام العربي يقوم بهذه الوساطة في مجال التعليم رافداً المؤسسات التعليمية التقليدية ضمن إطار خطط محددة.‏

ولكن هذا الأمر يحتاج هو الآخر إلى دراسات تفصيلية قابلة للتطبيق يقوم بها باحثون في حقل التعليم والتربية وعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي والإعلام للتوصل إلى أفضل السبل التي تحقق الاستخدام الأفضل لوسائل الاتصال الجماهيري في هذا المضمار.‏

ينيط بعض الباحثين الغربيين بالإعلام الجماهيري وظائف نفسية منفصلة عن الوظائف التي أوردتها أثناء معالجتي لوظائف الإعلام الجماهيري العربي. وقد اطلعنا على بعض ملامح هذه الوظائف في هذا البحث.‏

أظن أن طرح تلك الوظائف، بصورة مستقلة، أمر غير وارد، لأن العنصر النفسي، بأبعاده الجماعية، لا يعد وظيفة بحد ذاتها، وإنما يشكل عنصراً حيوياً لا غنى عنه من عناصر كل وظيفة من وظائف الإعلام الجماهيري. فالنفسي موجود في كل لحظة من لحظات النشاط الإعلامي لأن هذا النشاط هو، في جوهره، عمل إقناعي.‏

كذلك الدعاية لا يمكن اعتبارها وظيفة قائمة بذاتها، فهي تدخل كعنصر دائم، بنسب متفاوتة، وبأشكال شتى، في خواص الوظيفة الإخبارية ووظيفة صياغة الرؤية والوظائف الوسيطية والإعلانية والترفيهية.‏

لهذا أعتقد أن موضوع الدعاية لا يشكل مادة للخلاف حول وظائف الإعلام الجماهيري، لأنه لا معنى لطرح الدعاية كوظيفة مستقلة، ما دامت هذه الدعاية هي هدف كل الوظائف.‏

لا بد من التأكيد أن تلك الوظائف التي ينهض بها الإعلام الجماهيري ترتبط ارتباطاً وثيقاً فيما بينها، إذ إنها تتحرك، على الصعيد الواقعي، بشكل متداخل ومتشابك. فالإعلام يخبر عندما يصيغ رؤية، ويتوسط عندما يخبر، ويصيغ رؤية عندما يعلن ويرفه وهكذا...‏

كما لا بد من التنويه، مرة أخرى، بأن الظاهرة الإعلامية تمارس وظائفها متبادلة التأثير ومتفاعلة مع الظواهر الاجتماعية الأخرى المؤلفة للنظام الاجتماعي الكلي. وهذا ما لمسناه لدى تشخيص بعض جوانب الخلل الوظيفي الذي يعاني منه الإعلام العربي.‏

على أية حال، يبقى هذا التشخيص اقتراباً نظرياً، يمكن أن يشكل مدخلاً ملائماً لأبحاث تفصيلية وتحليلات معمقة مبنية على دراسات ميدانية طويلة الأجل، ضمن إطار منهجية محددة.‏

هوامش‏

1-Balle Troncis- L’information- Enyclopoche Larousse- Librairie Larousse- Paris- 1977- PP.5-14.‏

2-و3 و4 و5 و6 و7 و8 و9- المصدر نفسه.‏

10-المورد 1986.‏

11-القاموس الفريد- إيطالي عربي- دار الجيل- بيروت- 1975.‏

12-تورد المصادر الأجنبية التي اطلعت عليها العنصرين، الفكري والتقني، ولا تشير البتة إلى العنصر الإنساني في تعريفها للإعلام الجماهيري.‏

أعتقد أن ثمة ضرورة في إضافة هذا الأخير إلى بنية الإعلام الجماهيري كعنصر مستقل عن الفكري والتقني، لأنه غير قابل للدمج الكلي مع الفكري، ولأن هذا الوجود الإنساني بحد ذاته، يقدم معطيات هامة تغني الدراسة السوسيولوجية للإعلام وتؤدي إلى نتائج أكثر واقعية وعمقاً.‏

لا بد من الإشارة، في هذا السياق، إلى أن بحث العنصر الإنساني اجتماعياً ونفسياً في بنية الإعلام الجماهيري لا صلة له، موضوعاً وكيفية، بالدراسات التقليدية العامة للكادرات الإعلامية.‏

13-Lenin .V.- Despre Presa- eol. Politica- Bucarest- 1960- P.637.‏

14-المصدر نفسه- ص 638.‏

15-Domenach gean Marie- La Propagande Politique Collection «Quesais- je» 7ed.- Paris- 1973- P.22.‏

16-Moscovici Serge- Lapsychanalyse: Son image et Son Pullic- P.U.F. Paris- 1961- P.560.‏

17-Stoetzel Jean- Fonctions de la presse à coté de l’information- Etudes de presse- 1951- Vol. III n 1- PP.37-42.‏

18-Wright R. Charles- Analyse Fonctionnaliste et Communication de masse- Pullic Opinion Quaterly- vol. 24- 1960- PP. 605-620- Princeton tniversity- in Sociologie de L’information- Librairie Larousse- Paris- 1973- PP>53-65.‏

19-المصدر نفسه.‏

20-Lasswell D. Harod- Sturcture et Fonction de la Communication dans la société the Communication of ideas- Harper- New York- 1948- in Sociologie de L’information- PP.31-41.‏

21-المصدر نفسه.‏

22-مصدر سابق Balle F.- L'information- PP. 10-11‏

23-المصدر نفسه.‏

25-Balle F.- Medias et société- ed. Montchrestien- 3 ed. - Paris- 1984- P. 550.‏

26-انظر:‏

Molies H. L’image- Communication Fonc tionnelle- Casterman- Paris- 1981.‏

Berelson B.- Lazarsfeld P.- Gaudet- the people’s Choice- New York- Duelle, Sloan and Pearce- 1944.‏

Klapper Joseph- the effects of mass Communication- New York- Free Press- 1960 (Foundation of Commu nication research).‏

27-Allert Pierre- Lapresse- Encyclopoche Larousse Paris- 1977- PP. 35-39.‏

28-المصدر نفسه- ص 35-39.‏

29-مصدر سابق Stoetzel J.- Fonctions de la Presse- PP. 37-42.‏

30-مصدر سابق Wright R. Ch.- in Sociologie de L'information.‏

31-مصدر سابق‏

Lasswell H.- Sturcture et Fonction dela- Communication dans la Aociété- in Sociologie de L’information- PP. 31-41.‏

32-مصدر سابق Lazarsfeld P. et Merton R.- Sociologie de L'information- P. 59.‏

33-المصدر نفسه.‏

34-المصدر نفسه.‏

35-المصدر نفسه.‏

36-مصدر سابق Stoezel J.- Fonctions de la Presse- P.40.‏

37-المصدر نفسه.‏

38-Morin Edgar- L’exprit du temp- ed. Grasset Paris- 1962- PP. 78-89.‏

39- و40- المصدر نفسه.‏

41-المصدر نفسه.‏

42-Cazeneuve Jean- Lasociété de L’uliquité ed. Denoël Paris- 1972- PP. 64 et S.‏

43- و33 و45- المصدر نفسه.‏

46-المصدر نفسه.‏

47-Elihu Katz et David Faulks- Public Opinion Quaterly 72- Vol. 26- 1962- PP. 377-388 (Princeton university) in Sociologie de L’information- PP. 305-317.‏

48-انظر البحوث الميدانية التي أجراها الوظيفيون في:‏

Medias et société- PP. 544-567‏

Sociologie de L’information- PP. 305-317.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244