مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 273-274-275 كانون الثاني وشباط وآذار 1994
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

أول الكلام: أسئلة على مدخل القرن القادِم ـــ رئيس التحرير

ـ 1 ـ‏

شجرة اللوز لا تزهر إلا مطلع الربيع:‏

ذلك أنها محكومة بقانون الفصول، الذي يعني أن هناك فعلاً لا مرئباً يحدث داخل التربة، هو الذي يتحول، حين يصير مرئياً. إلى زهر يتفتح على الأغصان. هذا الفعل اللامرئي الذي يحدث للنبات هو ذاته الذي يحدث للثقافة، الثقافة، هي الأخرى، محكومة بقانون الأعماق. إنها تتجدد وفق هذا القانون.‏

وحين نقول "قانون الأعماق" فنحن إنما نعني حالة الصيرورة المستمرة التي يتحول بها العالم. هناك حركة دائمة، وفي كل حركة انتقال، وفي كل انتقال تغير. التغير الدائم سمة العالم. ولأن الثقافة تتعامل، أساساً، مع روح العالم، فإنهأن ضرورة، تتعامل مع التغير. ولأن الثقافة حاملة للمعرفة، فالمعرفة الإنسانية ذاتها متحولة لا ثابتة. خناك جديد في المعرفة البشرية كل يوم. وهذا الجديد في المعرفة يقتضي، بالضرورة، جديداً في الأشكال الفنية التي تحمل هذه المعرفة، هذا يعني أنه ما من شكل نهائي للفن.. ما من منهج، أو مدرسة، أو تيار، إلا ويخضع لقانون التحول الذي هو قانون الأعماق.‏

ـ 2 ـ‏

بعض العقائد والمذاهب المعرفية ترفض الخضوع لهذا القانون، فتتشبث بمواقعها القديمة، فتتخلف، و تصير عاجزة عن مواكبة الفعل الإنساني المتجدد، فتموت، تماماً، كما تموت شجرة اللوز التي لا تزهر مطلع الربيع: يأتيها الخريف فيحولها إلى حطب. إن كثيراً من المذاهب المعرفية تجاوزتها الحياة، لأنها عجزت أن تورق فيهاً، فتراجعت، وتحولت إلى حطب ثقافي مخزون في رفوف المكتبات.‏

يقيناً، نحن لا نتكلم في الشكل فقط. فالشكل، على النقيض مما هو متوارث، ليس إناءً للمعرفة، الشكل جسد. والجسد كما يحمل الحياة يحمل الموت أيضاً. والمعرفة ليست سوى طاقة الحياة في هذا الجسد. الجسد لا يموت، أعني أنه لا يفني. موت الجسد يعني تحوله، داخل الأرض، إلى نسغ يمد الأجساد الجديدة القادمة بالحياة. هذه الأجساد، بدورها تتحول إلى نسغ للأجساد الأجد، هذا. على الأقل، ما أفهمه من معنى التراث: لك أن تحوله إلى حطب مخزون، أو إلى نسغ يجري.‏

هكذا لا ينبغي أن ننظر إلى الماضي، كما لو أنه انتهى واندثر. الماضي لا يندثر. الماضي يتوقف، لا يموت، بل ليصير ماضياً يمد الحاضر الذي يأتي، الذي هو مستقبل الحاضر. ذلك يعني أن "الأفعال" بمعناها الزمني، لا وجود لها في مسألة المعرفة الإنسانية، هناك جسر معرفي مفتوح باستمرار بين الأزمنة، وعلى هذا الجسر تظل المعرفة تنتقل من جيل إلى جيل.‏

ـ 3 ـ‏

من السابق إلى اللاحق، تنتقل المعرفة مضافة إليها خبرة اللاحق، التي هي خلاصة تجربته في العصر، لكل عصر، كما نعلم، روحه الخاصة، طينته التي منها تصاغ المعرفة. الطين الذي صيغت منه معرفة القرن العشرين، هو غير الطين الذي ستصاغ منه معرفة القرن القادم. أن البشرية تزداد اكتشافاً لنفسها كلما ازدادت اكتشافاً لأسرار كونها الغامض. في كل عصر يطرأ اكتشاف جديد على هذه الأسرار المقدسة، وشيئاً شيئاً أخذ الوجود يتعرى أمام العقل الإنساني. إن امتلاك الأسرار أو محاولة الكشف عنها من أجل امتلاكها، هي السمة التي تميز تتالي العصور البشرية. كل عصر يكشف الغطاء عن جانب غامض. كل عصر يقدم إضاءته الخاصة لرؤيا العالم.‏

والثقافة هي التي تعكس هذه الإضاءات.. هي التي تتلقاها وتعكسها على مراياها الخاصة.‏

ولكن المرايا تتغير بتغير الأزمنة. ذلك يعني أن الجديد لا يبقى جديدا. ما هو اليوم جديد، غداً يصير قديماً. الإثبات هو السمة الدائمة الزمن الثقافي. نحن أمام عالم متحول باستمرار، أمام ثقافة متحولة باستمرار.‏

وهي، في تحولاتها، تقدم عروضها المختلفة. وفي كل عرض تنضاف مشاهد جديد، لغة جديدة، رؤيا جديدة، وروح جديدة.‏

إن "دون جوان" مثلاً، خرج من يد كاتب القرن السابع عشر (الإسباني) ليتحول، على يد الآتين، في القرون الثلاثة اللاحقة، إلى مئات "الدون جوانات". حقاً، هو دون جوان ذاته، إنما كل كاتب، كل مسرحي، كل موسيقي. قرأه بلغة عصره، فأضاف إليه ما لم يكن له في الأصل، هكذا "فاوست".‏

هكذا "هملت". هكذا "أوديب"... إن "اودسيوس" في ملحمة "كازانتزاكي هو أودسيوس هو ميروس في الأوديسة، مضافة إليها رؤيا الكاتب اليوناني الحديث للقرن العشرين. انه بطل جديد يعاني مصيراً آخر غير المصير الذي كان يعانيه بطل هوميروس.‏

ماذا سيكون أودسيوس، مثلاً، في القرن الحادي والعشرين؟‏

كيف، مثلاً، سيكون أوديب؟‏

كيف، مثلاً، سيكون شكل الحلم الغني في القرن القادم؟‏

ما هي ملامح بطل الأدب في القرن الجديد؟‏

ما مصير الثقافة المكتوبة أمام الثقافة المنطوقة، أو المرئية؟‏

تلك بعض الأسئلة التي تطرح نفسها عليهاً، ونحن نقف على مدخل القرن الجديد.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244