|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
من استكشاف الهوية إلى بناء الاختلاف ـــ علي مصباح "إذا أولى الجنيالوجي عنايته للإصغاء إلى التاريخ بدلاً من الثقة في الميتافيزيقا، فماذا يتعلم؟ انه سيدرك أن وراء الأشياء شيئاً آخر" لكنه ليس السر الجوهري الخالد للأشياء، بل سر كونها أنها بلا سر جوهري وكونها من غير ماهية، أو كون ماهياتها قد أنشئت شيئاً فشيئاً انطلاقاً من أشكال غريبة عنها". ـ فوكو. "نيتشة ـ الجينيالوجيا والتاريخ" ـ "ليست مجاوزة الميتافيزيقا إذاً هدما لكل حقيقة، وإنما هي وعي الفكر أن كل تفكير ليس إلا مفعولاً لتأويله، وأن تاريخ الحقيقة والمعنى هو تاريخ ما قيل حول الحقيقة، وما أريد له أن يكون معنى". عبد السلام بنعبد العالي "أسس الفكر الفلسفي المعاصر" هناك مدار للفكر من حيث هو سعي دائم لبناء الاختلاف والتملص من سطو المعهود والمتداول. وهناك مدار للميتافيزيقا كمؤسسة ذهنية قائمة على ترسيخ القواعد والمسبقات وبناء السقوف والبداهات. وبينهما مدار للاستلاب والتيه. مدار تنسحب فيه الميتافيزيقا على الفكر وتلفه بظلها الثقيل فيما يظل يعتقد أنه يسلك دربه المستقل نحو المعرفة، لا يشك لحظة واحدة في "مكر الميتافيزيقا" (حسب تعبير الأستاذ اليوسفي) وقدرتها ـ الإنسراب في كيانه. بالضبط، من المواقع التي يظنها تؤمن حصانته. إنها لحظة المغالطة الخطيرة. لحظة يتجرد الفكر من طاقة الاستنفار الصحي (أو ما يسميه ليوتار بـ"التنبه" والتنطع الدائم ليركن إلى دفء المسلمات. كل المسلمات (بما في ذلك نتائج عملية تفكيره ذاتها)، مسلماً ببراءة المنظومات والمؤسسات أو منساقاً إلى جاذبية فعالية من الفعاليات الظرفية (الفكرية. أيديولوجية أو سياسية). فالميتافيزيقا لا تتجلى انتشاراً على سطح النص ـ الخطاب. بل غالباً ما تحضر حضوراً خفياً ماكراً: (PRESENCE MALIGNE) بلغة الطب تجري في الشرايين، معششة في النواة الحفية التي لا تدركها غير العين المجهرية، لا تنفك تفرخ في خلايا الفكر عبر طرق وتشكلات عديدة. متمظهرة في أكثر من صورة. وهذا هو عين المكر لدى الميتافيزيقا وجوهر قدرتها على التخفي والمخاتلة والمباغتة بهدف الاستحواذ. أليست الميتافيزيقا في النهاية ساكنة روح الأيديولوجيا عموماً؟ كل الأيديولوجيات بما في ذلك تلك التي أتت تدعي تقويض الميتافيزيقا من الأساس؟ والأيديولوجيا؟ وهي تشكل منظومة كلية شمولية للمعرفة وإطاراً متعالياً ينظم الممارسة، هل هي غير الجسد ـ الكساء الذي تلبسه الميتافيزيقا رغبة في السطو ونزوعاً إلى الاستحواذ الكلي على الفكر والوعي بدعوى أنها ذات الوعي. أو أنها الوعي ذاته؟ أليست رغبة السطو هذه، التعبير التاريخي عن إرادة احتكار السلطة؟ أي التعبير الأكثر صراحة عن الرغبة في احتكار القوة (والعنف واللذة) بادعاء امتلاك ناصية المعرفة. امتلاك الحقيقة؟ هذه هي حلقة التوتر الدائم بين الفكر والميتافيزيقا. بين الفكر وذاته. أي بين الفكر وما تلبس به من روحها المتسلطة. بين الكتابة كفعل تنطع وتجاوز دائمين والسلطة (أية سلطة) كآلة للاحتواء والتدجين. وهي إشكالية أساسية من ضمن الإشكاليات التي تثيرها كتابات الأستاذ محمد لطفي اليوسفي: علاقة النص الشعر (كفعل إبداع وتجاوز) بالنقد (سلطة التقييم والتقويم) والنظرية (سلطة التثبيت والتقنين)، وعلاقة الكتابة باللحظة التاريخية والفعل الثقافي. فالكتابة، مهما كانت مفتنة بذاتها أو منشغلة بهموم الإنسان الفرد الذي يمارس فعل إنجازها تظل في جميع الحالات منفتحة على هموم العصر ومشاغله وإشكالياته. ذلك أنها بحث دائم عن الخلاص لأنها فعل وجود. وهي لا يمكن أن تكون فعل وجود إلا لأنها حالما تتشكل تكون قد انفتحت على هموم العصر وإشكالياته. لكن كيف يمكن لها أن تضمن فعل الوجود ذلك دون أن تسرقها منه هموم العصر ومشاغله لأنها هي أيضاً من مكوناته ومعيقاته؟ * من الكتابة الافتتان إلى التنظير: ما الذي دفع الأستاذ اليوسفي إلى إعادة قراءة نظرية الشعر عند العرب بعد مرور ما يقارب عشرة قرون من كتابتها حتى آخر مرة قبل ابن رشد، وبعد أن تناولها بالدرس والتعليق العديد من الكتاب والنقاد عرباً ومستشرقين. وأكثروا في ذلك؟ ثم ما الصلة بين اهتماماته بالشعر الحديث بصفة رئيسية (كما يبدو من كتبه الثلاثة الأخرى) وهذه العودة للوقوف على نظرية الشعر عند القدامى؟. ما غرض الكتابة إذاً؟ إنها "محاولة لا يعنيها سوى فتح مجراها..." يقول الكاتب. "أغنية ترسي لتعرف نفسها قانون غبطتها وترحل ولا شئ يعنيها سوى إيقاعها" إنه الافتتان بالكلام وسحره وسلطانه إذاً! أي أنه الوقوع في فتنة الشعر ومن وقع فيها لن يستطيع غير المضي في رحلة البحث عن أسراره لـ"محاولة التقاط سلطان الكلام وفتنته، عن طريق ممارسة نفس الطقس" (في لحظة المكاشفة الشعرية، وذلك من أجل النفاذ إلى دواخل النص الشعري (المعاصر) ورصد القوانين التي تديره وتبني شعريته (كتاب المتاهات والتلاشي). إنها كتابة تحاول أن تقتحم على الشعر مكان سره لترصد القوانين التي تدير حركيته وتحدد ماهيته. أي ضبط ما به يكون الشعر شعراً. هذا هو الهاجس الدائم الذي يدفع باليوسفي إلى الكتابة. بصورة دائمة. "هل بالإمكان أن نعرف الشعر؟" يتساءل في كتابه الأول: "في بنية الشعر العربي المعاصر". "هذا السؤال متاه" يعترف بعدها مباشرة. ثم يعود مرة أخرى ليسأل ويتساءل في كتاب "الشعر والشعرية": "هل بالإمكان أن نعرف الشعر؟" هذا السؤال بوابة مشرعة على التيه". لكنه يمضي بتعنت وعناد وإصرار على ذلك الدرب. ملاحقة ماهية الشعر. ويرتاد أصقاعاً لا يرتادها لا النقد ولا الشرح والتفسير (لحظة المكاشفة). ليست نصوصاً نقدية إذاً هذه التي بين أيدينا كما تدعيه المقالات الصحفية. لأنها "لا تصنف ولا تقيم، بل تتكئ على الشعر المؤسس الأصيل لتبدع ذاتها وتفتح مجراها بعيداً عن النقد والتأريخ" ("في لحظة المكاشفة الشعرية" ـ والتشديد من عندنا). ليست نقداً، ولا توثيقاً. بل هي كتابة تتنزل مباشرة في حقل التنظير لأن النقد غالباً ما يكون مرتبطاً بنص معين أو بمسألة معينة في نص ما وفي ظرف وزمن محددين، يجتهد في تفسير النص وتقييمه وتقويمه. ولئن كان النقد مطالباً، حسب اليوسفي، "بالإندساس داخل أصقاع النص المحجبة، وحركاته المتكتمة على نفسها كي يتمكن من تفكيكه ثم يعيد تركيبه..." فهو يبقى مرتبطاً بنص أو نصوص ولا يتعداها إلى مجمل الشعر، بينما تظل مهمة التنظير هي السعي إلى مقاربة الكتابة (شعراً أو نثراً) مقاربة شاملة بمحاولة رصد القوانين التي تدير النوع في مجمله وضبط حركية وآلية تكوّن ماهيته (الشعرية هنا). "إن الشاعر، يقول الأستاذ اليوسفي، هو الذي يبدأ سفر التأسيس والمنظر يلاحق النص وينفذ إلى خباياه ويستل القوانين المتخفية في صميم النص". وهو ما نلمسه في هذه السلسلة المتلازمة من كتبه (الثلاثة الأخيرة منها) فكتابته سواء كان موضوعها النص الشعري ذاته (المكاشفة الشعرية) أو الشعر والنقد الشعري (كتاب المتاهات والتلاشي) أو النظرية الشعرية (الشعر والشعرية) تظل دوماً تتابع تلك المهمة التي تعود للتعبير عن نفسها كهاجس دائم، في شتى المواقع. وهي "ملاحقة الخفاء (نعني لحظة المكاشفة) الكامن في التجلي (النص الشعري)". حتى لأن هذه العملية تتحول إلى منهج ثابت للقراءة القائمة أولاً وأساساً على الإصغاء إلى النصوص وهدير الكلمات داخلها واندفاعاتها، الإصغاء "ومراودتها على نفسها" كي تنفتح على أسرارها بعد أن تكون عملية الإصغاء قد تابعت شبكة الدلالات التي تطفح بها وأمسكت بما تحجبه. ولئن بدا الطابع الشرحي التفسيري نازلاً في بعض المواقع من "كتاب المتاهات" معتمداً أحياناً أسلوباً تدريسياً موغلاً في الجزئيات فإن ذلك لا يغير، ولا يخل بالمهمة الرئيسية للعمل، أي رصد القوانين التي تدير النص بسبر أغوار النصوص ذاتها أو باستقصاء أبعاد الخلفيات الذهنية التي تتحكم بآراء ومواقف النقاد الذين تعرض لهم بالنقد. وتظل الكتابة تجري إلى مبتغاها النهائي وهو رصد القوانين العامة وبلورتها. وعملية التنظير ستبلغ ذروة كثافتها في كتاب "لحظة المكاشفة الشعرية" حيث يفتح اليوسفي درباً جديداً لمقاربة الشعر واقتحام تلك المناطق الواقعة في أقاصيه. أقاص بعيدة موغلة في الخفاء حتى كأنها تقبع في الماوراء الذي لا يدركه العقل المخبري الذي يقرأ بجفاف، منشغلاً بالأسئلة المتداولة المعتادة. أسئلة بداءات هي تلك التي دفعت إلى الكتابة. إنها تتعلق بالحدث الشعري الأصيل: كيف يتشكل؟ وما الذي يحصل في ذهن الشاعر ووجدانه في تلك اللحظة الدقيقية التي "يمثل فيها في حضرة الشعر"؟ في أية رحاب يحل الشاعر حتى يدرك ما لا يدركه غيره ويحصل على "ما يدق المسلك إليه" ويتوصل إلى تلك الذرى الإبداعية التي تتمثل في "استخراج ما كلّت الألسن عن وصفه ونعته، والأذهان عن فهمه وإيضاحه" حسب تعبير الخليل بن أحمد، وينجز ذلك القول الذي "بعضه كالغائب عنه وبعضه كالبعيد الحضره لا ينال إلا بعد قطع مسافة إليه، وفضل تعطف بالفكر عليه" (أسرار البلاغة). إنها ملاحقة ذلك البعد العجيب المسربل بالغموض الذي يعطش الشعر طاقته الغامضة التي تجعله متجدد السحر والفتنة. حيا على الدوام، والسعي إلى ذلك الماوراء الذي ينحدر منه الشعر (لحظة المكاشفة الشعرية)، يدفع إليه ذلك السؤال ـ الحيرة الذي ظل يقضّ المنظرين والنقاد واللغويين والنحاة منذ قرون: "من أين ينحدر الحدث الشعري؟ ذلك السؤال الذي لم تشف غليله مقولات "الملكة" و"الدربة" وابتداع أجوبة أخرى لا تزيده سوى غموض وتعتيم مثل "شياطين الشعر". مقولات كادت بحكم تداولها أن تصير بداهات ـ مسلمات غير أن اليوسفي لا يرتاح للذة الاطمئنان ودفء البديهيات فيطرح السؤال البداهة الذي يبدو بمظهر براءة سؤال طفل: "من أين ينحدر الحدث الشعري؟ أو سؤال شاعر يمزقه عنت الحيرة" من أين تأتي القصيدة؟ ولكن... من أين تأتي القصيدة؟ والسؤال البداهة هو عين الاستفزاز. استفزاز الاطمئنان. الاطمئنان الذي يخدر الذهن ويشل طاقة البحث ويبيد المعرفة. الاطمئنان للمسلمات الذي هو جوهر الركود. وطبعاً بقدر ما يكون التساؤل استفزازاً فسوف لن تكون الكتابة إلا مستفزة لأنها ستنفض الغبار عن المفاهيم والرؤى. وسيقع الغبار عجاجة فوق الأدمغة المرتخية لدفء ولذة الركود المطمئن. والتوصل إلى طرح هذا السؤال الذي يبدو على غاية من البساطة لم يأت لا من باب البراءة ولا من باب المصادفة بل هو مصب لحشد من الأسئلة التي يثيرها الشعر عاصفة في ذهن الدارس الذي يروم المسك بالقوانين المديرة لماهيته. فإن أبسط الأسئلة وأكثرها بداهة هي في الواقع أشدها تعقيداً. كذا هو السؤال العلمي دوماً... إنه ملتقى بهذا الحشد من الأسئلة التي تتردد كلازمة في كتب اليوسفي كلها، لازمة تنوع ذاتها موغلة في "التفريخ". ما هو الشعر الحديث؟ ما الحداثة؟ ما الشعر (بنية الشعر العربي المعاصر) ما الشعر؟ ما الشعرية؟ ما الشاعرية؟ ما هو الشاعر؟ ما الكلام؟ ما اللغة؟ (الشعر والشعرية). هذا الهدير ـ السائل المتسائل سيفضي إلى ذلك السؤال "البريء" ـ المعقد. من أين يأتي الحدث الشعري؟ وعندها سيتفرع هو بدوره إلى حشد آخر من الأسئلة أهمها: أين تكمن الشعرية في الشعر العربي القديم منه والحديث؟ ما هو النص الشعري المؤسس؟ وكيف قارب المنظرون العرب هذه المسألة؟ وبأية أدوات؟ ومن أي منطلق؟ إلى أين توصلوا في تحديد معالمها؟ وهي يمكن اعتماد إنجازاتهم معياراً مطلقاً لقراءة الشعر وتقييمه؟ أم أنها وقفت عند حدود لابد من تجاوزها وعقبات عاقت توقهم لتأسيس النظرية الشعرية، على المنظر والناقد المعاصرين أن يزيحاها ليؤسسا الرؤية المعاصرة الحديثة للشعر والشعرية؟ يمكن أن نلخص هذا الحشد الهائل من الأسئلة الأخيرة في سؤالين مركزيين سيكونان محوري كتابي "الشعر والشعرية" و"كتاب المتاهات والتلاشي" والسؤالان هما: ـ كيف قرأ العرب القدامى (الفلاسفة والمفكرون) الشعر وكيف فهموه؟ ـ كيف قرأ المعاصرون الشعر والنظرية وتمثلوهما؟ هذان السؤالان سيدفعان بالدراسة إلى تحديد نوعية العلاقة بين الإبداع من جهة والنقد والتنظير من جهة أخرى. قديماً وحديثاً. ومن هنا ستمضي كتابات اليوسفي باتجاه عملية حفر هائلة تتفلى النصوص الشعرية وكتابات الفلاسفة والنقاد تفلياً مفصلاً دقيقاً مصغية لا إلى ما تقوله وتصرح به فقط بل أيضاً إلى ما سكتت عنه وحجبته. ما تستر بين ثناياها ممعناً في الخفاء. والكتابة تظل تعلن بصفة مستمرة دائمة عن طريقة مقاربتها ومنهجها: "هاهو منهجنا إذاً: الإصغاء إلى النص ورصد اندفاعاته وتمكينه من الإخبار عن كيانه". * في الكتابة شعرياً وإعادة الاعتبار إلى اللغة: تأتي هذه الطريقة في التعامل مع النصوص نتيجة لرؤية للغة وللكتابة تعتبرها كيانات طافحة بالحركة "طافحة بالدلالات". إنها حشود من الإيماءات إلى ما يعتمل في أقاصي تلك المؤلفات وفي أغوارها البعيدة..." "إنها طافحة بالحركة وليست نصوصاً مواتاً". هذه الرؤية تنسق في العمق التصور السطحي الميتافيزيقي المتداول الذي يعامل اللغة والكلمات على أنها أوعية ـ حوامل للمعاني لا غير وأن معانيها في ظاهر لفظها حتى أنه بإمكان كل قارئ متعجل أن يغرف منها ويمضي على عجل وقد امتلكها واستوعبها. تبعاً لذلك ستكون القراءة حتماً حفراً في الكلمات وفي النصوص واختراقاً للبنية التي تمنح نفسها للمضي باتجاه ما تحجب في صميمها، "ذلك أن الخفاء هو صميم الظهور وجوهره. وهذا أمر راجع إلى ماهية اللغة وطريقتها في الاشتغال" (الشعر والشعرية). ومحصل هذه الرؤية أن كل نص إبداعي سيظل قادراً على التجدد لا يطاله البلى ولا يفنيه الزمن طالما ظل "لا يمنح من شعريته إلا بالقدر الذي يحجب". وطالما ظلت حركيته الباطنية الطافحة بالهدير والاندفاعات قادرة على التجدد مثيرة بشكل متواصل للإعجاب والافتتان. إنه منهج يتحرك داخل رؤية جدلية مفادها أن للأشياء والكلمات والمعرفة والمنظومات الفكرية حياتها وديناميكيتها. "ليست كلمات مواتاً". "ليست نصوصاً مواتاً" بل كيانات تحيا وداخلها يحيا جدل مدعات وصراعات. منهج يعتمد: ـ استنطاق الصمت واستدراج المسكوت عنه عبر المعبر عنه. ـ التدرج من الظواهر البادية نحو استقصاء الأقاصي البعيدة "ما تحجب" "الممعن في التستر". ـ ترويض النصوص بتذليل مقدرتها على المراوغة والمخاتلة. ونوعية المقاربة هذه تعكس رؤية شعرية فنية عميقة للكتابة مفادها أن اللغة ليست شكلاً يلبس للمعاني بل هي مادة المعنى والفكر إذ الكتابة لا تحدث بالكلام بل في الكلام. تبعاً لهذه الرؤية ستأتي كتابة اليوسفي متفردة في لغتها وفي علاقتها مع الكلام سيتجسد ذلك في استعمال منفرد للكمة وفي ذلك الحشد من الصور والحركات التي تكسر رتابة اللغة المخبرية الجافة والنمطية الأكاديمية الشحيحة لتأتي على غاية من الشفافية، مرتادة أبعاداً أخرى. أبعاد الشعر. لكنها ليست لغة غنائية إنشائية منبهرة بـ"الجمال" الذاوي للمعاد من "بديع اللفظ" والصور المجترة المتآكلة تحت تجاعيد العادة والروتين. بل هو كلام نابض بالحياة (فعل. حركة. مراوغات. مخاتلة. تستر. احتيال. مكر. تحنان. ترحال وتيه. هدير واندفاعات...) تتراءى من خلاله اللغة حسية متحركة بل مستمرة بالحركة ـ يلهبها ـ حية. حية مشتهاة امرأة لعوب ذات غنج. تتمنع. مفعمة شهوات. معرضة للقهر والاغتصاب لا تمنح نفسها إلا لمن يصغي إليها ويجيد الإصغاء. من يحاولها على نفسها ويراودها. من يسجد في حضرتها ويمتلئ بسحرها وفتنتها. من يقتحم مكامن سرها فيهيم بها وجداً وعشقاً. وتصبح القراءة طقوساً تعبدية مليئة بالحركة والابتهال والمحاولة. وإذا القارئ ليس محللاً في مخبر يتعامل مع أشياء مجردة أو مواداً مواتاً بل هو ساحر مسحور مفتون واقع في فتنة الكلام، ملق بكل طاقته لاستعطاف الكائن المغلق المتكتم على أسراره (النص ـ الكنز) يغريه ويروض مشيته ونفوره. يستدرجه متحنناً. أليس هذا في حد ذاته شعراً طافحاً بقاعة الأسطوري؟ هكذا يصبح الكلام عن الشعر شعراً. (وعبثاً يحاول اليوسفي ـ تخفياً أو تواضعاً ـ أن يتنصل: "نحن الألى لم نعرف ضنى الكتابة وهولها. ولم نشهد ما يرافق فعل إنجازها من غبطة عارمة وضنى عات ممضّ" فالشعر متلبس بروحه، عبثاً، يحاول منه التملص). والكلمة الشعرية في هذه الكتابة، في حرصها على أن تكون جميلة لا ترد عاقراً أو مجرد شكل ـ إناء وتطريز ماهيته هي فقط شكله بل إنها وهي تؤسس جماليتها تبدع معناها. معنى مغايراً للمألوف المتداول أي أنها تؤسس مرجعها الفكري المتميز راشحة بأبعادها الدلالية التي ارتادتها وحدها من خلال مغامرتها الفردية، سفرها في دروب جديدة لم يمهدها لها مسافر أو دليل من قبل. فعبارة "المكاشفة" مثلاً تحيلنا على فعلين أو حركتين متبادلتين بين طرفين هما الشاعر والشعر، في تلك اللحظة التي ينفتح فيها الشاعر على عالم الخفاء الذي لا يدركه العقل الجاف والخيال الجدب والوجدان المتكلس وينفتح فيها الشعر على وعي الشاعر. تلك "اللحظة التي يمثل فيها الشاعر في حضرة الشعر ويمثل الشعر فيها في حضرة الشاعر". إنها إحالة إذاً على لحظة تطفح بالوجد والشوق (بالمعنى الصوفي) والتحنان المتبادل. لحظة تكشف فيها شفافية وجدان الشاعر عن شفافية الوجود فيرى. وتأتيه القصيدة. إن العبارة تحيل على تصور لعلاقة الشاعر بالوجود وبالشعر معاً. إنها إذاً ليست لغة منغلقة على نرجسيتها كما قد يتبادر للكثير، بل هي منفتحة ـ وهي تبدع ذاتها ومعانيها ـ على أبعادها المفهومية ومرجعيتها المعرفية الخاصة. فيها يأتي الكلام ملتهباً متوهجاً. إنه الكلام في هيأته الأصلية الأولى. في تلك اللحظة التي يبدع فيها الوجود فيما هو يبدع نفسه. اللحظة التي خرجت فيها الكلمة من الغياب لتسمي شيئاً تدخله إلى حيز الوجود. لتحققه. إن عبارة "لهب الكلام" التي وردت في مواضع عدة من كتابة اليوسفي أو "الكلمات هي نار الوجود ولهبه" ليست تعابير جوفاء مرادها حلو التكلم ودغدغة الأذن، بل هي مفهوم ذو مدلول عميق توضحه لنا عبارة "المحرق" التي يستعملها في مواقع أخرى (ذلك أن الدّال يصبح، بحكم عملية التحول الدلالي مستقراً أو محرقاً تتلاقى فيه المعاني) (الشعر والشعرية). هذه العبارة تفتح لنا باب السر المغلق على هذه الدلالة المتسترة على نفسها تحت غطاء غرابة اللفظ. إذ عبارة "المحرق" تحيل على صورة صهر المعادن وتحويلها أي الانتقال بها من وضع المادة الخام التي لا قيمة لها تميزها عن التراب والحجارة، إلى حيز الوجود بالفعل عند تحولها إلى أشياء مصنعة لها استعمالات ووظائف محددة. هنا يحقق هذا الاستعمال المتفرد للغة إنجازاً ذا أهمية قصوى وهو إلغاء المسافة الفاصلة بين لغة الشعر ولغة المفهوم. وفي ذات اللحظة ينسف الثنائية التقليدية: لفظ ـ معنى، ليعيد بناء الوحدة الأصلية للغة وينزل المعنى من البرج العاجي الذي بناه له الوهم، وهم الفكر الميتافيزيقي ليدخل في ذاته من جديد. ذاته التي هي جسده وروحه ممتزجين. لأنهما كيان واحد. وتنتشل اللغة من تغريبتها. أي من اللغو والخواء. عندها: "تكسر الكلمات صلبانها" _أدونيس). "وترتقي إلى ذراه تعبيرية تمكنها من استرداد كيانها فتتوحد بما غاب منها في رحاب النسيان وتقول ماهيتها... وهو ما يطاله الكلام العادي ولا يقدر عليه (في المكاشفة الشعرية). واضح إذاً أن هذه الكتابة موغلة في الافتتان بذاتها. ولكن أي افتتان؟ إنه ذلك الذي ينمو في المعاشرة الحميمية للغة. معاشرة تطفح وجداً وتحناناً. والوجد أساسه النفاذ إلى أعماق ماهية الكلام وإدراك ما له من سلطان. أي إدراك قدرته على الفعل. فعل الخلق والتحويل. لذلك ستأتي الكتابة المفتونة المفتتنة بناء وتأسيساً عندما يتوصل العمل في اللغة إلى تأسيس المفاهيم وإخراجها من مواقع الغياب التي دحرتها داخلها اللغة المتجمدة ـ الموات. وبوضوح فإن الأستاذ اليوسفي وهو يعمل على إعادة الكلام إلى لحظات تألقه الأولى، يؤسس نظرية للشعر منفردة. طبعاً أنه لا يخلقها من العدم، بل يستمدها من ارتياد المواقع التي وقفت عند حدودها جهود من سبقوه وهم منشغلون بالطموح نفسه. "محاولة لا يعنيها سوى فتح مجراها..." (لحظة المكاشفة الشعرية) أي مجرى تريد أن تفتح هذه الكتابة؟ ويعود السؤال من جديد: لم الاهتمام بنظرية الشعر عند القدامى؟ وما هو غرض الكتابة؟ إنما هو "الإسهام في انتشال الخطاب النقدي المعاصر من لحظات التيه التي تستبيه من ذاته" (في بنية الشعر العربي المعاصر). يبدو واضحاً إذاً أن الكتابة ليست حدثاً مجانياً، ويبرز ذلك الذي يظل قابعاً في الخفاء وهو يؤرق ويدفع إلى الكتابة. إنه "انتشال الخطاب النقدي المعاصر من لحظات التيه" أي إعادة بناء المسالك التي خرج عنها الفكر فوقع في التيه والتيه يسبيه من ذاته فيغربه ويبدده. وبالتالي ستكون عملية الانتشال هي عودة الفكر إلى ذاته ليمارس وجوده داخل التاريخ. والوجود داخل التاريخ لا يتحقق إلا للكيانات الموجودة بهويتها. والهوية أساسها المغايرة. ليس هناك خيار. أما المغايرة أو الإمحاء. هذه القناعة تجعل كتابة اليوسفي "مأخوذة بضرورة الإسهام في بناء التغاير (التشديد من الكاتب) والتغاير نعني به ما تحجب في صميم الثقافة العربية من قوى متكتمة على نفسها في صميم النصوص الإبداعية لائذة من الواقع، واقعنا بأصقاعه المحجبة، هي التي كانت وما تزال تسمح لتلك الثقافة ببناء متعلقها: التاريخ المعاصر والاستيلاء بصخب العصر". (في بنية الشعر العربي المعاصر مقدمة الطبعة الثانية). واضح إذاً أن هذه الكتابة ليست حبيسة الافتتان بذاتها، بل هي منخرطة كلياً في مشاغل ثقافتها وعصرها. انخراط لا تملك له رداً. لأن الكتابة فعل وجود ولا يمكن لأي كائن أن يحقق وجوده إذا لم يكن حاضراً في التاريخ بذاتيته وملامحه وشخصيته، لأنه إذا ما سحبت عليه الكيانات ـ الثقافات الأخرى ملامحها وفتتت مكونات ذاتيته التي بها يكون هو هو، أمحت دعائم شخصيته وبالتالي انسحب من الوجود ليدخل في العتمة. عتمة الغياب. كيف نعيد بناء الذات؟ كيف نؤسس الحداثة في التغاير؟ هذه هي إشكالية هذا القرن. وداخلها لا يزال الفكر مبحراً في التيه على الرغم من بعض الجهود الجدية التي يبذلها رجال الفكر هنا وهناك في البلدان العربية، وبعض المسارب الجديدة التي بدأت تفتح في السنوات الأخيرة في مجالي الفلسفة وفلسفة التاريخ (الجابري ـ نيزني. حنفي. نصار.) لكنها حركة ما تزال تتخبط في معيقاتها المنهجية التي ورثتها سواء عن الأجيال السابقة أم عن بداياتها هي ذاتها، لأنها ما تزال تتحرك داخل آليات الأيديولوجيا ومسبقاتها. كيف نعيد بناء الذات؟ كيف نؤسس الحداثة في التغاير إذاً؟ "بتأصيل الكتابة النقدية... والتأصيل حركة تمضي إلى التراث لتكشف عن خباياه" هذا ما يعلنه الأستاذ اليوسفي منذ البداية (الشعر والشعرية ص7). لكن أليس هذا هو شعار السلفية التي تعجزها الرؤية الضبابية والتحجر الذهني عن فتح مسالك لتحقيق الذات في الحاضر فتهرب إلى دفء الماضي المنجز الجاهز؟ إجابته واضحة تمام الوضوح وفي نفس الجملة بالتحديد (إنما فصلنا الجزئين لغاية منهجية لا غير)، وذلك عندما يعلن أن غاية عمله هي "الإسهام في تأصيل الكتابة النقدية والتأصيل لا يعني الإحياء..." (التشديد من عندنا). ذلك ما كنا لمسناه في جملة أوردناها في الفقرة السابقة، حيث مقاربة التراث ليست عودة إليه وحلولاً فيه، بل هي حركة كشف عما لم يكشفه من نفسه لقراء عصره أي من المسكوت عنه في هذا التراث والذي يبقى يمثل قوة دفعه والعناصر المؤهلة لأن تعيش الحاضر. حاضرنا. وهي "ما تحجب في صميم الثقافة العربية من قوى متكتمة على نفسها في صميم النصوص الإبداعية..." أي عناصر تجددها التي لم يكتشفها القدامى لأنها لم تكن تستجيب لحاجات عصرهم والتي تحمل في صلبها قدرتها على الاستجابة إلى حاجيات عصرنا "هي التي كانت وما تزال تسمح لتلك الثقافة ببناء متعلقها: التاريخ والمعاصر والامتلاء بصخب العصر". إذاً، هي حركة تمضي إلى التراث لا لتحل فيه، بل "لمفارقته". ههنا يتضح لنا سر العلاقة بين هاجس الحداثة الذي يدير كتابات الأستاذ اليوسفي بصفة قارة وهذه العودة إلى قراءة نظرية الشعر عند العرب القدامى. إنها القناعة بضرورة التسلح "بنظرة شمولية تعامل الفكر ككيان تاريخي يمتلك صيرورة لا يمكن أن يقرأ خارجها" (الشعر والشعرية). في "كتاب المتاهات والتلاشي" جاءت الكتابة التي مبتغاها النص الحديث والنقد المعاصر، جاءت تراوح في مواقع هامة من الكتاب، بين الماضي والحاضر لتكشف عن الخيط الخفي الذي يربط الحاضر بالماضي ويفصله عنه في ذات اللحظة؟ يربطه به من حيث جمود الرؤية ومواصلة اجترار المتداول. ويفصله عنه من حيث العجز عن النفاذ إلى ما كانت الرؤية القديمة تحجبه أو ما لم تكن قادرة على دفعه (الأفكار الجنينية ـ البذرات ـ البوادر) نحو نهاياته أي نحو التجسد في شكل أفكار واضحة معبرة عن نفسها بوضوح. متحققة كإنجاز. هكذا تتنزل الكتابة في مقاربتها للحدث الثقافي ضمن منهج تاريخي صارم لا يدع مجالاً لمغالطات ومزالق الرؤية التجزيئية الواقعة فوق التاريخ فوق الشروط الإنسانية للنتاج الفكري: والقراءة المتكئة على الرؤية والمنهج التاريخيين هي وحدها القادرة على "الوقوف عند الأسئلة المركزية التي يثيرها حضور نص ما في ثقافة ما عبر مجمل تاريخها (التشديد من عند الكاتب) ـ كتاب المتاهات والتلاشي ص7 لأن التاريخ وحده هو الذي في استطاعته أن يخلصنا من التاريخ (بورديو. الرمز والسلطة). ما هي الأسئلة المركزية التي تثيرها قراءته للنصوص القديمة والمعاصرة؟ لقد حصرنا في بداية هذا المقال حشداً من الأسئلة التي تحوم حول السؤال المركزي الرئيس "من أين يأتي الحدث الشعري؟" كانت كلها أسئلة تدور حول الشعر والشعرية وماهية الحدث الشعري. واستناداً للرؤية التاريخية، يمكننا القول بأن الإجابة عن ذلك السؤال المركز وحواشيه لا يمكن لها أن تتم من الفراغ. أي أن من سيحاول رصد القوانين التي تتحكم بالحدث الشعري وتؤسس ماهيته سوف لن ينطلق من اللاشيء. وهو في تساؤله لم ينطلق من لا شيء بل كان مدفوعاً بما أنجزه من سبقوه وبالحدود التي توقفوا عندها عاجزين عن المضيء باتجاه كشف سر اللغز.. أي "ما هفوا إليه". لذلك كان لزاماً على الدارس أن يطرح السؤالين الرئيسيين اللذين سيمكنانه من الوقوف على ما أنجزه وما لم يستطع إنجازه من سبقه من المنظرين والفلاسفة والنقاد العرب، قديماً وحديثاً. نعيد هذين السؤالين مرة أخرى: ـ كيف قرأ العرب القدامى الشعر وكيف فهموه؟ ـ كيف قرأ المعاصرون الشعر والنظرية الشعرية وتمثلوهما؟ والتساؤل هنا يهم آليات القراءة (كيف) والخلفيات الذهنية التي كانت وما زالت تقود عملية القراءة وتحدد رؤيتها. لأنه كان لابد من حصر العقبات الذهنية التي أعاقت توصلهم إلى كسر الحجاب المضروب على سر الظاهرة المدروسة، فظل الشعر لغزاً مبهماً لم تفلح النظرية في الإحاطة بماهيته. * في ثنائية: اللفظ/ المعنى وتغريبة الشعر: عبر عملية الحفر الهائلة التي تناولت النصوص القديمة والحديثة، الإبداعية والنقدية، يتوصل الأستاذ اليوسفي إلى ضبط مسألة محورية حددت علاقة المنظرين والنقاد بالنص الإبداعية، تلك المسألة يمكن حصرها في الرؤية النفعية التي تدير وتحرك ثنائيتي: اللفظ/ المعنى الشكل/ المضمون والتي صار بمقتضاها النص الشعري وعاءً يحمل المعاني وخطاباً يؤدي وظيفة اجتماعية: الترغيب والتنفير الحث والنهي. وبمقتضى هذه الرؤية وتحت سطوة سلطانها وتسلطها سيصنف الشعر إذاً. بل ويختزل في صنفين أو غرضين هما المدح والهجاء المعتمدين على التجميل (تجميل صفات الممدوح لتحبيبه والترغيب في النسج على منواله) والتقبيح (تقبيح المذموم لتنفير الناس منه وتفادي النسج على منواله). إنها رؤية تتحرك داخل المنظومة الأخلاقية الدينية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. رؤية تسلب الشعر من ذاته كفعل وجود وتجاوز وخلق لتؤطره داخل الوظيفة العمومية لهيئة السهر على الأخلاق الحميدة وتدعيم القيم الاجتماعية "الإيجابية" خدمة للمصلحة العامة: توازن المجتمع واستقراره. هذه الوظيفة ستتلون لدى المعاصرين (لحكم ثبات الرؤية وتواصلها) بتلوينة جديدة، حيث الوظيفة النفعية تتجسد بالالتزام، والترغيب والتنفير يأخذان شكلي "الدعاية والتحريض" و"التوعية والتنديد". وإذا المعاصرون الذين هجروا في الظاهر المدح والهجاء (وحتى الغزل لأنه مسألة ذاتية لا تفي بحاجيات الالتزام) يلبسون ذينك الغرضين حلة جديدة فإذا الممدوح ينهض في صورة الشعب والبروليتاريا والجماهير والكادحين. وإذا المذموم المهجي يطلع في شكل الأعداء: البرجوازية والإقطاع والإمبريالية و"المستكرشين" ومصاصي دماء الجماهير الكادحة. وإذا الثورة عروس والوطن في هيأة الحبيبة، وإذا التغزل بالمرأة الذي قمعته مشاغل العصر ومتاعبه وأبعدته، لا يضمحل بل يغير من موضوعاته ليفي أيضاً بوظيفته النفعية الاجتماعية. ولئن حجب القدامى الغزل في إطار تصنيفهم لأغراض الشعر واختزالها، دون أن يفلحوا في إلغائه من الشعر فإن المعاصرين قد نجحوا في تدجينه وتأطيره لخدمة المصلحة العامة الموضوعية لأنه لا مكان للذاتية في فكر الالتزام، والحب ذاته صار علاقة موضوعية، لأن الحبيبة رفيقة نضال أو لا تكون. ويحدث نفس الأمر بالنسبة للرثاء (البكاء والتفجع) الذي وقع أبعاده في تصنيفات القدامى دون أن يفلحوا في إخراجه من دائرة الشعر. إلا أن المعاصرين قد نجحوا في توظيفه هو الآخر داخل منظومة الالتزام فصارت موضوعاته فلسطين والقدس والوطن المغتصب والعراق الذي تأكله كوابيس الجوع والتعسف والعروبة المستباحة. وإذا مناحة كبرى تهز أوساط الشعر لا تكتفي بنعي الحاضرين بل حفرت على الأموات منذ قرون لتعيد عليهم مندبة معاصرة ملتزمة (علي، والحلاج، وحتى يسوع المسيح). هذا لا يعني طبعاً أن كل النصوص المعاصرة قد استجابت لعملية التدجين والتأطير هذه (كما لم يستجب لها الشعر القديم أيضاً) إذ تبقى للشعر وللشاعر الأصيل دوماً مجالات للتنطع وعدم الانضباط لسلطة التدجين والتطويع والتأطير. وهنا يحدث التوتر في العلاقة بين النقد والإبداع عندما يطالب النقد النص الشعري بالتخلي من ذاته وهويته لينضوي تحت راية الخدمة الوطنية منادياً: "والأدب رأس القوى التي ينبغي أن تجند في سبيل دفع دولاب النهضة واستعجال البعث" أو نريد أدباً يخلق من أبنائنا مواطنين يؤمنون بأن الأمة فوق الطائفة. والوطن قبل الأسرة وينفخ فيهم روح القوّة والفتوة والثأر!! (منبر البعلبكي افتتاحية مجلة الآداب. مارس 1953). إنها مطالبة الأدب بالنيابة في الفعل عن مجالات وميادين أخرى للمعرفة والنشاط الاجتماعيين: دور المربي، دور التوعية السياسية والاجتماعية ودور التحميس. أي الأدب الذي يدفع بكل الميادين الأخرى إلى الاستقالة والتقاعد، ليصير هو سياسة وتربية وإرشاداً اجتماعياً. هذا الموقف طافح بالتناقضات، فهو يريد أدباً ولا يريد أدباً. وهو يريد دفع عملية النهضة على أسس تقدمية عصرية تحل الأمة فيها محل الطائفة والوطن محل الأسرة وهو المشروع البرجوازي التقدمي بالنسبة لمجتمعات ذات بنى إقطاعية كلاسيكية متآكلة لكنه في ذات اللحظة يدعو إلى بث روح الحماسة والفتوة والثأر، فإذا هو ضارب لمفاهيمه ورؤيته في أعماق النظرة والعلاقات الكلاسيكية التي تقع في ما غمره التاريخ وتجاوزه. إن هذا التمزق الرهيب القائم على التلفيق، بين قيم ومفاهيم متناقضة تاريخياً متنافرة بالطبع، إنما هو تعبير لا عن ضبابية الفكر وعدم انضباط المفهوم فحسب، بل عن بقاء الذهن حبيساً لمنظومة القديم، يتحرك جوهرياً داخل فكره ونظرته إلى العالم. والنقد وهو يتحرك متعثراً داخل فوضى المفاهيم والرؤى، يمضي باتجاه قتل الشعر وإبادة الأدب بدعوته إلى الخروج عن ماهيته ليكتب ولو بشكل رديء "لكن ليكتبوا أدباً ملتزماً" بقضايا العصر. إنه مستوى لم يصل إليه القدامى ولا هو قد خطر ببالهم هم الذين كانوا أيضاً حريصين، إلى حد الهوس، على وضوح المعنى وعدم تلاشيه في الإغماض. لكنه كانوا حريصين أيضاً على جودة الشعر وعلى بعد معانيه وحتى على شيء من الغموض الذي به يكون الشعر أجود وأكثر إعجاباً وتأثيراً في النفوس لأن الشعر إذا كان "مبنياً على الإقناع خاصة كان أصيلاً في الخطابة دخيلاً في الشعر سائغاً فيه" (حازم القرطاجني ـ منهاج البلغاء وسراج الأدباء) لذا كان على الشعر أن يتميز ولا يمكن للقارئ ليبتعد عن الكلام المنثور حتى إنه لا يتسرع إليه الخاطر ولا يمكن للقارئ تمثل أبعاده إلا بعد تثبت وتذكر وفلي للنفس (أسرار البلاغة ـ لأبي بكر عبد القاهر الجرجاني). * النقد العربي الحديث بين الجموح والتعثر: إن القدامى والمعاصرين وهم يتحركون داخل المنظومة النفعية وفي ظل ثنائيات: اللفظ/ المعنى الشكل/ المضمون الذات/ الموضوع سوف لن تكون مقاربتهم للمسألة (الشعر العربي ونظرية الشعر) بصفة متجانسة، بل إنها ستتأتى على نحوين مختلفين نوعياً (وذلك بخصوص الموقف من الشعر العربي). لقد نظر القدامى وبنوا فكرهم داخل الشعر العربي ذاته وفي إطار المنظومة الفكرية العربية،وهذا ما وضحه الأستاذ اليوسفي بكل تفصيل ودقة. وستتأسس مواقف المعاصرين وهي تدير ظهرها للشعر العربي ولنظرية العرب وتنبذهما بل تتبرأ منهما وتستعدي عليهما الشعر والنظريات الشعرية الأوروبية. ولدى القدامى تبدو الكتابة هادئة هدوء الواثق من نفسه ومن مخزونه الأدبي، رصينة رصانة الممسك بزمام الأمور، حتى وهم يواجهون نصوص اليونانيين ويحاورونها ويدخلون معها في جدل عات. طبعاً لقد تناولوا الشعر العربي تناولاً انتقائياً فحجبوا منه الأبعاد والمواضيع والأغراض التي لم تكن لهم رغبة أو حاجة في إبرازها وركزوا على ما كان يفي بحاجات فكرهم. كذلك تناولوا كتاب أرسطو فعربوا منه وحجبوا وأزاحوا وحوروا ولم يأخذوا منه إلا ما كان يفي بحاجتهم واحتووه احتواء تاماً فخرجوا بنظرية عربية للشعر هذا ما بينه كتاب "الشعر والشعرية" بدفة صارمة فاتحاً الذهن على قراءة جديدة تتجاوز وتنسق المتداول حول هذه المسألة. وبالمقابل جاءت كتابات المعاصرين في نبرة يطغى عليها التوتر والتشنج والانفعال. والتشنج إمارة على الارتباك والاضطراب. وتجسدت هذه النبرة المنفعلة المتوترة بطرائق مختلفة: فكانت بكائية جنائزية عند الشاب في نص "الخيال الشعري عند العرب" جعلته يطفح بعبارات الانفعال مثل: يا خيبة الشعر ويا سخف الحياة! أجل يا خيبة الشعر! ثم تتحول شتماً وسباباً: "فإن نظرة الأدب العربي إلى المرأة نظرة دنيئة سافلة منحطة إلى أقصى قرار من المادة...". وكذلك في استعمال النعوت القطعية: "فالآلهة العربية... أنصاب بسيطة ساذجة شبيهة بلعب الصبية"... "وكذلك كانت أساطير العرب وثنية جامدة جافية لم تفقه الحق ولا تذوقت لذة الخيال، وأوهام معربدة شاردة لا تعرف الفكر ولا اشتملت على شيء من فلسفة الحياة...". إنه القصف الهدم بكل عنف. عنف مازوشي شبيه بجلد الذات. فهل هو الاشمئزاز من الذات؟ وكأن التشنج في مواقع أخرى سجالياً يقع فيه التقاذف بالتهم الأيديولوجية أحياناً كاتهام الكبار من الأدباء الرومانسيين بالخيانة والوقوف في مقدمة عناصر الرجعية الفكرية"، والأخلاقية أحياناً أخرى معتبرة الشعر المعاصر تعريضاً للأدب إلى "عبث العابثين" و"عدوان المعتدين" و"بغي الباغين" (طه حسين). وإذا هو "مؤامرة ضد الإسلام والعروبة". ونرى العقاد يدعو إلى هدم الشعر العربي القديم بدءاً بالجذور وطه حسين يشكك في الشعر الجاهلي قبل أن يتراجع ليشتكي إلى الحكومة. والشابي ونعيمة منبهرين شديد الانبهار بالشعر والأدب الأوروبيين. ونازك الملائكة تتنبأ وتقذف بالنبوءة وراء النبوءة بسير حركة الشعر الحر نحو الموت والتلاشي. إنه جوهر الانفعالية. ويأخذ التشنج والانفعالية وهما يبلغان قمة الضبابية والارتباك مظهر التردد ثم التراجع عند طه حسين والعقاد، والتعثر في المثالية عند الشابي فهو يدعو إلى تجديد النظرة إلى الشعر والحياة والطبيعة والإنسان معاً (وذلك يعتبر منعرجاً حاسماً في التجديد لديه) لكنه في اللحظة ذاتها يقف عاجزاً ـ بحكم مثاليته ـ عن تمثل وإدراك بذرات التجديد التي عرفها الشعر العربي في العصر العباسي ـ عند أبي نواس مثلاً الذي لا يرى فيه سوى فاسق وماجن وعربيد. وإذا هو يجهز على الشعر الغربي يرجمه بقاموس أخلاقي لا صلة له بالشعر والفن مثل: "متهتك خليع ـ يعبث بالفضيلة. فسق ودعارة، خلعاء الأندلس ومجانها، الأدب الفاجر الخليع، متابعة اللهو". وإذا هو يخرج عن مدار الفن ورحابه التي تقع فوق المؤسسات والأخلاق ليرتدي جبة الفقيه فيتلون خطابه (وهو يطمح إلى التجديد) بمسحة أخلاقية متزمتة حتى لكأن الجاحظ هو الذي يتكلم من خلاله، بنفس النبرة والعبارات وبالمنظومة المعرفية ذاتها (تلك التي يريد الشابي نسفها وتجاوزها): "المعنى الحقير، الفاسد والدنيء الساقط، يعيش في القلب ثم يفرخ، فإذا مكن لعروقه استفحل الفساد.." ("البيان" أورده أدونيس في كلام البدايات ص210). إن الرؤية النفعية والمقاربة الفقهية لم تتزحزح في جوهرها من الذهن العربي فهي التي حركت وأدارت عند القدامى عملية اختزال أغراض الشعر في المديح المراد منه الحث على الفضيلة والهجاء المراد منه التنفير من الرذيلة وسيواصل المعاصرون ذلك في أشكال جديدة كما بينا سابقاً. لكن إلى ما يعود هذا الاختلاف في الموقف من التراث العربي بين القدامى والمعاصرين إذاً؟ لم هذا التطابق والتجاذب في طريقة المقاربة وفي الرؤية وهذا التنافر في الظاهر: الاختلاف في الموقف؟ لماذا جاءت كتابة القدامى صارمة واثقة منغرسة في تربتها لم تزحزحها عنها كتابات اليونانيين على رغم مما كان يتمتع به أرسطو لديهم من تقدير واحترام وهيبة حتى أنهم لقبوه "بالمعلم الأول"؟ بينما تبدو كتابة المعاصرين متعثرة مترددة متشنجة؟ عبارة عن سلسلة من النسف ونسف النسف في أسلوب سجالي طافح بالانفعال؟؟ إن المنهج الجدلي والرؤية التاريخية التي يعتمدها الأستاذ اليوسفي في قراءته للنصوص ومقاربته لفعل الكتابة يمكنان من حصر مسألة على غاية من الأهمية تفسر هذا الإرباك الذي اتسمت به كتابة المعاصرين، والاضطراب والتشويش الذين انسحبا على رؤيتهم للحداثة والتجاوز. إنها النظرة اللا تاريخية التي تجزئ التاريخ آنات منفصلة ولا ترى الترابط والامتداد داخل التجاوز والاختلاف، فتقرأ النص القديم برؤية القدامى ومن "منظور يفي بحاجات وجود التسلف". وتقرأ الحاضر ونصوصه بمعزل عن الروابط الخفية التي تربطه وتربطنا بالقديم المتواصل فينا (وفي النصوص). فينا يحيا ويتحرك دون أن نشعر بذلك. أي أنها لم تقع على ما ظل من الماضي حياً فينا وفي النصوص. فلم تدرك أنها ما تزال تحمل في عمق ذهنيتها الرؤية النفعية للكلام وأنها لم تقطع مع ثنائية اللفظ ـ المعنى وما يرافقها من الثنائيات الأخرى (بما في ذلك ثنائية الجسد ـ الروح ـ أنظر ما قلناه عن الشابي). وهي كذلك لا تدرك ما الذي كان وما يزال يحرك النصوص القديمة ويغذيها بذلك الدفع الذي يجعلها متجددة القوة والسحر. وهكذا تكون "الدعوة إلى التجاوز إنما هي إمارة على العجز، عجز النص المعاصر على الوقوع على سر قوة ذلك النص القديم نفسه وعجزه عن فتح مجراه الخاص كلحظة تنام للقديم وتغاير معه في الوقت نفسه" (كتاب المتاهات والتلاشي ص15). فتظل إذاً مترددة بين الرأي ونقيضه تتلاقفها كل أنواع الانفلاتات باتجاه التطرف مراوحة بين الهروب إلى الأمام (الإمحاء في الآخر). والهروب إلى الوراء (الإمحاء في التراث عوضاً عن مقاربته لمفارقته). هو ذا عين الاغتراب. أو "الوقوع من التاريخ في الخلاء" أو في "الما قبل والما بعد". ليس تيهاً فقط هذا. إنه التلاشي. لأن للتاريخ حيزاً حافته الهاوية. في ما وراء النص، أو في فيض الكتابة على الحقول المجاورة: لكننا نريد أن ندفع بالسؤال أكثر لنخرج به قليلاً عن مجال كتابة الأستاذ اليوسفي محاولين إدخال بعض عناصر للإنارة الإضافية على المسألة دون اغتصاب النصوص والتعسف عليها. والسؤال هو" ما الذي حدد رؤية القدامى في مقاربتهم للشعر على ذلك النحو وهم يؤسسون نظريتهم؟ هل هي الرؤية اليونانية وفلسفتها؟ أو حاجياتهم وشروط وجودهم؟ وما هي حاجات وجودهم تلك التي يشير إليها اليوسفي بإلحاح وفي مواقع عدة؟ ثم ما الذي جعل النقد المعاصر يتعثر مرتبكاً متردداً بين القديم (يتحرك في داخله ولا يستوعبه) والحديث الذي يهفو إلى تأسيسه ولا يدركه؟ ستخرج بنا هذه الأسئلة عن ميدان الشعر والنظرية الشعرية أحياناً وسنحاول الاتكاء على التاريخ وعلم اجتماع المعرفة لرصد الخلفيات الحضارية التي تدير وتحدد رؤية القدامى والمعاصرين كل على حدة. أي أننا سنطرح مسألة: الإطار الحضاري الذي قرأ العرب نظرية الشعر اليونانية والشعر العربي داخل حركيته ومشاغله ومتطلباته. والإطار الحضاري الذي تنزلت داخله ووفقاً لخصوصياته جهود القراءة ومحاولات المراجعة والتجاوز لدى المعاصرين. ما الداعي إلى استدعاء ميادين اختصاص أخرى لمقاربة ظاهرة أدبية قادرة على الاستقلال بذاتها؟ إنه نوعية كتابة الأستاذ اليوسفي ذاتها أولاً. فهذه الكتابة، وهي تتقدم بحذر ودقة لمقاربة خفايا النصوص معيدة الربط بين أجيال من المفكرين لترصد الخيط الرابط بين ذلك الحشد الهائل من أعمال المنظرين والفلاسفة، وتحدد الخلفيات المشتركة التي كانت تدير حركة أذهانهم جميعاً، وهي تتسرب إلى مواقع الصمت في النصوص لاستنطاقهاً، كانت عبارة عن عملية فك ألغام محفوفة بالمخاطر والمزالق. لذلك ظلت تتقدم بحذر ولكن بصرامة. وككتابة تروم التأسيس وتتنزل في حقل التنظير كانت تضع ألغاماً أخرى فيما هي تفك ألغاماً. فهي عندما تلامس استنتاجات وخلاصات واقعة على التخوم التي تبدو فيها الحدود رجراجة سائلة بين مختلف فروع المعرفة، هناك حيث يشرع التفكير الأدبي في الأخذ بيد الفلسفة وعلم اجتماع المعرفة وتاريخ الفكر، عندها يتراجع اليوسفي بحذر إلى مواقع ميدانه من جديد تاركاً في أذهاننا صلصلة أسئلة حادة ملحة تطرق أبواب تلك الميادين المعرفية المجاورة التي صارت ملتصقة بالشعر والأدب مشرعة الأبواب على رياح إشكالاته ولا تملك إلا أن ترد على الاستفزاز بطرح أسئلتها. إننا أمام كتابة نظرية عن كتابات نظرية، ولو تعلق الأمر بنصوص إبداعية (أي الشعر) لكان هذا الخروج ضرباً من القسر بقراءة الأثر الفني من خارجه. *** هناك سمة مشتركة. حدث مشترك بين الفترتين. هي مواجهة العرب لفكر أجنبي متأت من حضارة تختلف في مكوناتها العقائدية والاجتماعية عن فضائهم الحضاري: ـ الفكر والفلسفة اليونانيين القديمين. ـ الفكر والأدب الغربي الأوروبي الحديثين. وسؤالنا هو: كيف عاش العرب هذه المواجهة في كل فترة من هاتين الفترتين؟ وسنبدأ أولاً بسياق بعض المرتكزات النظرية التي سنتطرق على ضوئها إلى ظاهرتي الالتقاء والتفاعل مع فكر أجنبي مغاير وآليات هذا التفاعل: * إن كل فكر آخر يعتبر كياناً أجنبياً غريباً. والكيان الغريب إذا ما دخل كياناً آخر أدخل عليه حركية جديدة تأخذ مناحي متعددة ومختلفة بحسب استعدادات الكيان المتقبل ومدى تحفزه ومناعته. وهذا قانون طبيعي لا جدال فيه، وصحته على المستوى الاجتماعي والثقافي بمقدار صحته على المستوى الطبيعي. وهذه مسالة قد حسمها العلم والتاريخ معاً. أما الأشكال التي تأخذها تلك الحركية أو ما يسمى بردود الفعل فتكون عادة كالآتي: ـ اضطراب وتشويش يحدث داخل مكونات الكيان المتقبل تفضيان به إلى الانحلال والتفكك فالاضمحلال إذا كان ذلك الكيان على مستوى من الهشاشة والضعف بنية ومادة (مضموناً) لا تسمح له بالمواجهة والصمود. ـ انطواء وانغلاق على الذات ورفض كلي للمواجهة وهو الوجه الآخر للحركة الأولى. ـ حركية عنيفة داخل الكيان المتقبل تمضي باتجاه تفكيك الكيان الدخيل وتذويبه في صميم مكوناته الخاصة بعد أن تكون قد عزلت نزوعاته العدوانية، ثم توظفه بعد تدجينه لفائدة الكيان المتقبل. وهذا ما يحدث في الأجساد وهي تتقبل الدواء تقبلاً إيجابياً. واحتكاك العرب (القدامى منهم والمعاصرين) بفكر غيرهم كان بالضرورة خاضعاً لهذه التفاعلات لأنهم ببساطة لم يكونوا كائنات مواتاً فكان لابد إذاً من التفاعل بشكل أو بآخر مع الكيان الغريب الذي أقحموه أو اقتحم عليهم عالمهم الذهني. ولكي نحدد بصفة دقيقة طريقة ذلك التفاعل ومحتواه فإنه من الضروري طرح جملة من الأسئلة التي تضع القراءة في إطارها التاريخي كي لا تكون قراءة اعتباطية واقعة في مزالق الميتافيزيقا واللا تاريخية لأن "الدارس لا يمكن أن يفي بحثه من التورط في الميتافيزيقا ومكرها ما لم ينشغل بالثقافة الأصل. ثقافة المترجم أن الشارح.." هذا هو التاريخ (والقول لليوسفي طبعاً). "إن الثقافة الحاضنة لها كلمة تقولها" (الشعر والشعرية). وهذا ما يقره علم اجتماع المعرفة أيضاً. لابد إذاً من الرجوع إلى المجتمع العربي المتلقي ـ الحاضن لتلك الثقافة ـ وتحديد ما كان يعتمل فيه من حركة التحديد. من قرأ من؟ ومتى؟ ولماذا؟ متى قرأ العرب أرسطو والفكر اليوناني عامة؟ وبماذا تمتاز المرحلة التي نقل فيها الفكر اليوناني إلى العرب؟ وما هي حاجياتها الفكرية؟ هل كان العرب وهم يقرأون أرسطو صفحة بيضاء؟ أم هل أن التراكم الثقافي في الذهن العربي كان مؤهلاً للاستجابة لفعل القادم الأجنبي بالإيجاب؟ والتقبل الإيجابي لا يعني طبعاً القبول بمحتوى الرسالة قبولاً خانعاً، بل الدخول معه في حوار وجدل غايتهما توظيف الفكر الوافد من الخارج لصالح رؤية المتلقي ومقومات كيانه الثقافي وإلا انتفت ذاتيته وكان على نظامه الفكري أن يتراجع ويمحي أمام الآخر. فهل كان النظام المعرفي العربي آنذاك في وضع هشاشة وتفكك يسمح بامتحائه أمام الآخر أم كان في موقع فتوة ويتمتع بطاقة هجومية تجعله لا يهادن ولا ينسحب ولا يسمح للآخر بتذويبه في ثناياه؟ لقد تمت عملية الترجمة وجلّ الشروح (إذا استثنينا شرح ابن رشد) في العصر العباسي الأول: عصر المأمون بالتحديد. وكانت تلك فترة مخاض وجدل صاخب بين مختلف فروع المعرفة ومختلف المذاهب الفكرية المتفرعة عن المدرسة الإسلامية الأولى (القرآن والسنة) كانعكاس لحركية سياسية صاخبة سمتها الصراع الدموي على السلطة. وكان هذا الصراع وهو يحسم بقوة السلاح في حاجة أكيدة إلى مرجع (مراجع) فكري يرفده ويؤسس دعائم شرعية نظرية دينية للنظام الذي يطمح إلى تركيز لسلطته وضمان استقرارها. لقد كان المجتمع العربي إذاًَ في طور التأسيس، وهو يتوسع بتوسع الإمبراطورية الإسلامية، تأسس في غمار الحرب ضد الأمم الأخرى من ناحية (وكان هو المهاجم دوماً) وفي محيط هادر من الصراعات الداخلية التي تهزه هزاً عنيفاً. لكنه لم يكن مجتمعاً منكفئاً على صراعاته الداخلية متقوقعاً على خلافاته، بل كان، وهو يغتذي منها في طور الفتوة، قوة ضارية في طور اندفاع ومد صداميين. وعلى المستوى المعرفي كانت تلك القوة الفتية تستند إلى مخزون ما يزال نبضه العاتي حياً في شرايينها يرفد قوة اندفاعها ومدها. لم يكن العرب صفحة بيضاء أو كياناً ثقافياً هشاً أولئك المستندون إلى مدونة الشعر الجاهلي الضخمة وعلى النص القرآني وهو في طور فتوته يبهر ويفتن ويسحر لا العرب فقط بل كذلك كثيراً من الأمم التي من حولهم. ليس صفحة بيضاء، ولا كياناً هشاً ذلك المحيط الذي تملأ كتابات الجاحظ الغزيرة أركانه ضجة وإعجاباً، ويتعالى في أرجاء مساجده ومدارسه وقصوره صخب جدل لا يعرف الأناة بين أشاعرة ومعتزلة، ومتكلمين وفلاسفة ولغويين ونحاة وفقهاء ومنطقيين. إنه كيان طافح بالحركة، صخبه علامة على فتوة حركيته وصراعاته مؤشر على تطوره واندفاعه. ومن جهة أخرى كان التوسع الجغرافي الذي عرفته الإمبراطورية العربية في تلك الفترة (ومنذ العصر الأموي) قد فسح المجال لدخول أجناس ومللك أجنبية مختلفة إلى الدائرة العربية الإسلامية وهي لم تدخل عزلاء من الأفكار والمفاهيم والمعتقدات ورواسب دياناتها القديمة. كان على الكيان العربي إذاً أن يصهرها في داخله ويذيب تلاوينها حتى لا تمس دعائم عروبته في الصميم فتذوب في تلوينات الآخرين. وكانت اللغة الوتد الرئيسي الذي سيلجأ إليه العرب لدعم الكيان، واللغة محملها الشعر والقرآن. فكان عليهم أن يحرصوا كل الحرص على صفائهما ونقاوتهما وتدعيمهما. من هنا ستكون كل الاهتمامات منصبة على هذا الهدف ـ الهاجس الأساسي. بناء الذات وإعادة بنائها وفقاً لما تقتضيه معطيات جغرافية إنسانية جديدة وما تتطلبه حاجيات المرحلة من تحصين الكيان والحرص على عدم انحزامه. ضمن هذه الحاجيات ـ الضغوطات سيقع تقبل الفكر اليوناني وعلى ضوء هذه المعطيات سيقرأ الفلاسفة كتاب فن الشعر لأرسطو ضمن قراءتهم للفلسفة اليونانية في مجملها. سيقرؤونه متحفزين مسلحين بموروثهم الثقافي المغاير ("والتسلح أضمار" يقول الأستاذ اليوسفي) للمنظومة الثقافية اليونانية وسيدخلون فضاءاته الغريبة عن المنظومة المعرفية العربية بذهن مطبوع بفضائه المغاير (وهذا ليس من باب الإضمار طبعاً) الذي لا تسمح فتوته بالانسحاب والامحاء والانسحاق أمام الآخر. من هنا ستتولد المواجهة مع النص المقروء وهو أمر موضوعي بحكم عاملي "الإضمار" من ناحية والغرابة المعرفية من ناحية أخرى (ولقد بيّنت تحليلات اليوسفي عمق تفاعل الظاهرتين وإفضائهما بعد "المجاهدة والمغالية والتأويل" ثم "الإقصاء" والتبديل والتحويل إلى خلخلة النظام الأرسطي). مواجهة أفضت إلى الخلخلة ثم الاحتواء. ولا مفر من ذلك. إذ أن جدل الحركة الفكرية عند التقاء فكر بفكر وفضاء معرفي بفضاء مغاير، يقضي بأن لا توازن ولا مهادنة ولا توفيق وذلك طبقاً لموازين القوى غير المتكافئة حتماً بين النظامين. لا مفر إذاً من أن يذيب أحدهما الآخر ويطغى عليه. ولما لم يكن النظام اليوناني في وضع هجوم آنذاك، أي أن الفكر اليوناني لم يأت مقترناً بحملة هجومية شنها الإغريق على العرب بل أن العرب قد سعوا إليه في إطار حملتهم الهجومية على العالم. ولم يكن الكيان العربي في وضع يمكن للآخر من تذويبه وابتلاعه. فكان أن احتوت المنظومة المعرفية العربية الفكر اليوناني ونظرية الشعر بالتحديد. هكذا تتبين لنا إذا ما اعتمدنا القراءة التاريخية للأحداث منهجاً لمقاربة المسألة، تتبين لنا هشاشة ولا تاريخية مقولة استفساخ نظرية الشعر العربية لكتاب أرسطو. بل إنها مقولة لا تتسم بالجدية وهي إلى جانب استباحتها للفكر العربي استهتار بالذكاء وبالعلم معاً. وقد أجاب الأستاذ اليوسفي على تلك المقولة وأظهر لا جديتها معتمداً في ذلك طريقة على غاية الدقة وذلك بـ: ـ إعادة النظر في مفهومي الترجمة والشرح وفعلهما في النص المترجم أو المشروح. ـ الانطلاق من النصوص ذاتها ـ بل الاعتماد عليها كلياً ـ والإصغاء إليها إصغاءاً مرهفاً لرصد حركاتها الخفية المعقدة. ـ قراءة تاريخية تأليفية تربط بين النص وما سبقه وما تبعه لرصد بدايات تكوّن البذرات الأولى للنظرية في فترة ما قبل الترجمة (الجاحظ ـ ابن طباطبا ـ ابن قتيبة) وملاحقة تطورها وعودة بعض مرتكزاتها بصفة مستمرة في نصوص الفلاسفة. ثم رصد تطور تلك الحركة عند المتأخرين من المنظرين. ـ قراءة الأبعاد العميقة لعملية التبديل والخلخلة التي أدخلها العرب على كتاب أرسطو. خلخلة مسته في الجوهر، أي في ركيزة أساسية من ركائز تلك النظرية وهي مفهوم المحاكاة وتغييب مفهوم "التطهير" وإزاحة "الحكاية". هكذا يتضح أن الفلاسفة العرب قد مارسوا عملية احتواء كلي على كتاب أرسطو وقوضوا دعائمه وأسسوا على أنقاضه نظرية الشعر العربية التي تستجيب لرؤيتهم الخاصة. إنهم وبكل بساطة كانوا منشغلين بتأليف نظرية الشعر العربية أكثر من انشغالهم بنظرية أرسطو. هذا واضح تمام الوضوح. * تأسيس النفعية واحتواء الشعر: لكن، وهم يحتوون كتاب أرسطو وينظرون للشعر العربي، مارس الفلاسفة فعل الاحتواء على الشعر العربي ذاته وذلك باختزال أغراضه في المدح والهجاء، وبالتركيز في كل أعمالهم على فعل الشعر في المتلقي في حين كانوا يوهمون (أو يتوهمون) بالسعي وراء البحث عن ماهية الشعر، وذلك لإرساء وتقنين الوظيفة النفعية التي ينتظرونها منه: "الترغيب والتنفير" والحث على الفضيلة والنهي عن الرذائل وهم حريصون كل الحرص على وضوح المعنى، ومرتابون خائفون حد الهوس من تلاشي المعنى في الإغراق في الرمز والغموض و"التعمية". هذا هو القانون المركزي الذي توصلت دراسة اليوسفي إلى المسك به (حسب رأينا) وهو الذي سيسمح له في هذا الكتاب وفي كتاباته الأخرى من بعد (كتاب المتاهات والتلاشي) بضبط الخلفية الذهنية التي تدير قراءة العرب للشعر وعلاقة النقد بالإبداع ماضياً وحاضراً: منذ الجاحظ حتى يومنا هذا وساعتنا هذه. وهذا ما تؤكده أيضاً دراسة لأدونيس حول علاقة النقد بالشعر الجاهلي من أن النقد العربي قد قرأ الشعر الجاهلي قراءة نفعية اجتماعية أخلاقية بحتة: "هناك في ما يبدو لي، مبدآن يحكمان التقويم الشعري الشائع في المجتمع العربي: مبدأ المطابقة مع الواقع أو الفكرة، ومبدأ الفعالية الوظيفية" (كلام البدايات ص29). هذه الرؤية النفعية تصنف فتختزل. يعني أنها تقصي وتحجب لتوظف. فهل انتقلت تلك الرؤية إلى العرب من فكر اليونانيين؟ طبعاً لا. وذلك لسببين على الأقل: أولهما أن العرب قد أقصوا من كتاب أرسطو كل ما من شأنه أن يشوش رؤيتهم تلك فعيبوا مفهوم "التطهير" (كوظيفة رئيسية للمأساة) وأرسوا مكانه مفهوم الإفادة التي تحصل بالترغيب والتنفير. والمفهومان تفصلهما طبعاً هوة معرفية سحيقة إذ أن الأول يحمل بعداً فلسفياً إنسانياً عميقاً بينما الثاني من مركز مثبت على البعد الأخلاقي الاجتماعي في الإنسان. وثانيهما أن الرؤية النفعية متأسسة في النقد العربي من قبل أن يطلع هؤلاء على كتب اليونانيين أي منذ الجاحظ وكتاب "البيان والتبيين". إنها إذاً رؤية عربية صميمة ضاربة بجذورها في نظرتهم إلى العالم وفي مشاغل عصرهم والاهتمامات الاجتماعية والسياسية التي كانت تقود تفكيرهم وتطبعه. ونقول الاهتمامات الاجتماعية والسياسية (أي الأيديولوجية) لأن هذه الرؤية لم يبتدعها النص الشعري فالشعراء كانوا أبعد ما يكون عهن مسائل الترتيب والتنظيم الاجتماعيين (وخاصة الأصليين منهم) بل لقد مارس النقد على نصوصهم عملية قصر واحتواء تكرست بالحجب والإقصاء. كما مارس المجتمع على كثير منهم شتى أنواع الضغوطات والقمع وصلت حد القتل. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |