مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 273-274-275 كانون الثاني وشباط وآذار 1994
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

أشجار الصباح ـــ شعر: محمّد عمران

ـ 1 ـ‏

القصيدة‏

في الصباح الذي يرتدي مطراً وضباب‏

تستفيق القصيدة بردانة،‏

تشعل النار في موقدِ اللغة المطفأة‏

ثم تجلس في حضرة المدفأة‏

تتناول أشواقهاً،‏

وتسافر في حلمٍ من تراب‏

***‏

للقصيدة، حين تفيق، مناسكها ـ‏

تتعرى،‏

وتدخل مرآتهاً،‏

ثم تخرج محرمةً،‏

وتطوف كعابدةٍ حول بيت الفناءِ العتيق‏

ثم تدلف نحو غياب الطريق‏

لتهاجرَ في دفترِ الأرضِ،‏

أو في كتابِ امرأة‏

***‏

غير أن الصباح الذي يتدثر حزنَ المدينةِ،‏

يهبط في شرفات القصيدة‏

ويلقي على وجهها ظلَّ معطفه،‏

فتغيمُ،‏

وتهطلُ أحزانها البيضُ فوق المرايا‏

فتغرق زرقُ الهدايا‏

وتعرى القصيدة من ثوب زينتها المستعار‏

لتلبس حزنُ الصباحِ،‏

الذي يتدثر حزن المدينة‏

ـ 2 ـ‏

التراب‏

جسدٌ لا غلافَ لهُ ـ‏

ـ تقرأ الريحُ أشواقه والمطر‏

ونوافذ تسقط منها السماءُ على القلبِ،‏

تفاحةً من حجر‏

كان يجلس في قلبهِ،‏

ويلملم بلوره المتشظي،‏

ويجمعه في كتابِ الشجر‏

تعبت رحلةُ العناصر في دمهِ،‏

والسرائرُ ما انكشفت، والستر‏

لم تكُ الأرض ضيقة‏

شوقه كان ينمو،‏

وكان يفتتها قطعة قطعة..،‏

لم تكُ الأرضُ ضيقةً،‏

إن هذا العذاب‏

إن هذا الحريقَ الجميلَ،‏

وهذا الجحيمَ الجميل‏

سورٌ في كتاب التراب‏

ليستِ الأرض ضيقةً،‏

هو جوعُ الترابِ إلى خبزه الأبوي البخيل‏

وهو بيت الترابِ،‏

يحنُّ إلى سقفه المستحيل‏

ـ 3 ـ‏

البحر‏

كان ينهض من نومهِ اللؤلؤي‏

عندما مدَّ لحيتهُ الوثنيةَ،‏

واصطاد شمسَ الذهب‏

كان في قلبه الأزلي تعب‏

ومن الغرفِ الزرق في وجهه،‏

حيث أغفت ألوف الحقب‏

لمَّ أشجاره الليل‏

فانكشف الجسد السرمدي‏

عارياً في سرير الأبد‏

قالَ: إني أحد‏

ورمى للغناءِ اليتيمِ على شطه‏

كسرةً من زبد‏

ـ 4 ـ‏

الشاعر‏

كل أشواقه مقفلة‏

كيف جاءت إذن هذه الغيمة المثقلة‏

كيف ألقت بهذي الخزائن في دمه،‏

وبهذي السنابل في فمهِ،‏

وبهذي اللغاتِ على دفتر اللون في قلبهِ...؟،‏

... عندما، في الصباحِ، أفاق،‏

رأى الغيمةَ المرسلة‏

تتنزل بالحبرِ،‏

والسورِ المقبلة‏

ـ 5 ـ‏

الأنثى‏

التي نومها من هواءٍ،‏

ويقظتها من شجر‏

ترتدي غيمة،‏

للصباح الذي يتأبط أشواقها العارية‏

ومن القبةِ العالية‏

حيث تجلسُ في وقتِ مرآتها،‏

يرتمي أفق من يديها،‏

ومملكةً من مطر‏

التي صحوها سفرٌ،‏

حملت كائناتِ الصباحِ على وجهها،‏

وأتت في السفر‏

ـ 6 ـ‏

الذكر‏

سكنته امرأة‏

وجهها أفق، وجدائلها سحب ممطرة‏

هطلت في قصورِ النعاسِ على قلبهِ،‏

فتكسر نوم خزائنهِ المطفأة‏

سكنتهُ امرأة‏

ليس يذكرُ من أي عمرِ أتت ـ‏

في الصباحِ رآها على شفتيهِ،‏

تسرح أشجارها المثمرة‏

ورأى مدناً في يديها تفيق‏

وأرضاً، تقومُ من المقبرة‏

ـ 7 ـ‏

الشاعر؟‏

في مداخله المعشبة‏

كان يحتشد القادمون إلى خبزهِ،‏

عندما مدَّ مائدةِ اللغةِ الطيبة‏

كان أوصى المدينة أن تتزين،‏

والبحرَ أن يرتدي برده الملكيَّ،‏

وأوصى الحقولَ السعيدة‏

أن تجيء بأبنائها وعوائلِ أشجارها...،‏

كان أوصى على كتب القمحِ والماءِ...،‏

كانت مقاصيرهُ تتلألأ فوق قناطرها،‏

فوق أبهةِ الخبز والأشربة‏

لم يكن يحتفي،‏

كان يدخل طقسَ القصيدةِ‏

حين مرَّ الصباح،‏

وناوله لغة الكائناتِ الجديدة‏

ـ 8 ـ‏

الكلام‏

لم تقع نجمة،‏

فلماذا انتظاركَ في شجرِ الليلِ،‏

تحت غصونِ الكلام؟‏

خدعتكَ مرايا القصيدة ـ‏

كانت تريكَ الثمارَ نجوماً،‏

وتسقطها في الظلام‏

لا تقل خذلتني النجوم!‏

هيَ لم تعطِ وعد الوقوعِ ـ،‏

القصيدة قالت:‏

"إذا وقعت نجمة في يديك‏

عشقتك الأميرة بدر البدور‏

وأتتك بقصرِ جواهرها،‏

من وراء البحور"‏

شجر الليل نام‏

وانتظارك تحت عراء الكلام‏

لا الأميرة جاءت،‏

ولا وقعت نجمة،‏

والقصيدة تحلف أن الوقوعَ وشيك،‏

وأن أميرتها في الطريق،‏

إليك‏

ـ 9 ـ‏

النار‏

حلماً صاحياً كان في يوم شمسِ‏

حين آنست نار ضفائرها في الأعالي،‏

هتفت لنفسي:‏

"هذه هيَ"،‏

ثم انجذبت‏

جسدي كان يثقلني،‏

فخلعت دجى طينه، وارتفعت‏

عندما أرسلت يدها تتناولني،‏

مسني برقها، فانخطفت‏

ودنوت لأقبسَ جمرَ أنوثتها، فاحترقت‏

وترمدت،‏

ثم نفضت رمادي،‏

وقمت‏

ثم، في الدهشةِ، اكتشفت:‏

أنا النار،‏

آنست نفسي على جبلي،‏

وأنا المتكلم منها،‏

أكلم نفسي‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244