|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
المحاضرة ـــ قصة: خليل الجَرادي وضع نظراته على أرنبة أنفه، عطس بقوة، تمخط بمنديله ثم بلع ريقه: ـ عنوان محاضرتنا لهذا اليوم "لغتنا الجميلة". أصغوا بانتباه شديد واكتبوا ما استطعتم من الكتابة تمكنكم من الإجابة على أسئلتي أثناء الامتحان. كان المحاضر شيخاً سبعينياً، طويل القامة، أحدوب ظهره قليلاً من رهبة الأيام وقسوة الزمن، ذا أنف طويل معقوف قليلاً إلى اليمين وآذان صغيرة نافرة إلى الأمام كإذني فأر مذعور. نبتت عدة شعرات بيضاء على قمة رأسه الأحمر كان يسرحها بأنامله حين تستعصي عليه عبارة من العبارات. نظر خلال النافدة، مسح بعيونه القاعة، لعق بلسانه شفته العليا ثم كشر عن أسنانه الذهبية الاصطناعية. وتابع بحماس: ـ لغتنا عظيمة، ضاحكة وحزينة، عريقة ومعاصرة، لغتنا هي عنوان حضارتنا وتاريخنا، رمز قوتنا وعبقريتنا... وكما يقول المثل عندنا أيها الرفاق "الإنسان بلا لغة كبلبل حزين بلا أغنية". فإذا كانت هناك لغات هي لغات الحب والعمل الدبلوماسي، فإن لغتنا هي كل العلاقات. طأطأ أكرم نفسه، تذكر بأن لغته كانت محط أنظار الجميع، كانت أعظم لغة حافظت على تقاليدها في النحو الصرف والبيان رغم محاولة أعدائها لتمزيق ثدييها وإدماء شفتيها وتشويه عينيها، لقد أرادوا أن يذبحوها ويدفنوها في مقبرة التاريخ كما دفنوا لغات أخرى من قبلها، إلاّ أنها بقيت شامخة بهية لا تنحني للريح.. تاه ينقب في سهول الذاكرة كقائد أعزل جردوه من كل أوسمته ثم قالوا له أنت مهترئ وقديم. ضغط على رأسه بكلتا يديه. حدق في البعيد الغابر، طلع عليه المتنبي بعمامته الخضراء وبردته البيضاء، متشحاً قصائده وسيفه ولسانه، ممتطياً صهوة الفخر، طائراً على أجنحة المجد متجهاً إلى حلب. لوح بيديه، صرخ بأعلى صوته. هاجمته قصائد المتنبي برصاصها وبارودها. بقرت صدره ولسانه ووجهه، شوهته أدمته بكل جراحاتها وآلامها وأحزانها ثم قالت له أنت...!!! لاذ بالفرار من حوافر خيل بني أمية وبني العباس التي كادت أن تدوسه لكن قدماه قد خانته عن العدو فبكى وافترش الأرض مدمىَ خائر القوى. ومن خلال ضباب دموعه اكتشف بحزن بأن حلب منذ أمد بعيد ما عادت تستقبل فرسانها.. طاف بفكره طويلاً زاحفاً على جدار الزمن وقد هدّه الإعياء. أغمض عينيه وحين اصطدم ذهنه بصورة أحد الحاقدين على تراثه، ارتجف، اصطكت أسنانه ثم بكى كما لم يبك من قبل. إن دموعه لم تفضحه أمام زميلته التي كانت تجلس بجواره، كانت دموعاً عصية أفرد بها وجهه أمام الملأ، وجهه القديم الذي كان يحمل كل حضارة الدنيا... كان حزنه كالآيل النائم، كالسمندل. جاءت الطلقة ففر الآيل للبراري الرحبة. انتشى بخوفه وكرر للشجر والنهر والغابة: ـ ما أظن أن هناك قبائل في الدنيا حافظت على ميراثها في الحزن والفرح مثل القبائل التي قطنت ذات يوم سواحلنا ثم تبعثرت كأجزاء أبنائها.. لا يهم فنحن لها نشيخ كجذوع شجر السنديان، نحتفظ بالتوازن ونظل وقوفاً نعلن بدء الحياة. فالرحم الذي أنجب فحولاً سينجب مرة أخرى والشجر الذي أينع وأثمر سيثمر ثانية حتماً... صوب أكرم نزره إلى المحاضر الذي غرق بالحجج والبراهين على أن لغتهم هي اللغة المثلى في الدنيا مستشهداً بأسماء شعراء وكتاب ولغويين.. صور ووقائع من الماضي البعيد انبثقت أمامه نابضة حيه.. تسمرت عيناه إجلالاً لأبطال تاريخه، أبي العلاء، خالد بن الوليد، امرئ القيس وغيرهم كثيرون. مسح بمنديله الأبيض الرقيق جبينه الندي.. أدار عيونه في الوجوه المصغية التي امتلكها انفعال المحاضر الممتلئ نشوة ومحبة. تمنى لو كان محاضراً لقرأ على الجميع الكثير الكثير. بزغت في ذهنه فكرة كانت تلامس صفحة الإدراك في جمجمته منذ بداية المحاضرة: ـ من أجل أن يعلو صوتك، وأن يسطع نجمك. من أجل أن تكون، يجب أن تمتلك ناصية اللغة، وإلاّ فكيف تلك الحشائش الصغيرة التي لا يزيد عمرها عن قرون معدودات أصبحت اليوم أشجاراًَ عملاقة تنطح كبد السماء.. لا مهما كان الثمن بالغاً والظرف مهما كان لابد من، لابد.. ويقرع الجرس إيذاناً بانتهاء المحاضرة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |