|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
لغات التواصل الاجتماعي ـــ د.علي وطفة تعد اللغة المنطلق الأول لعمليات التفاعل الإنساني وتشكل في الوقت نفسه إحدى أهم صيغة وواحداً من أبرز تجلياته. ويأخذ مفهوم الاتصال اليوم أهمية مركزية في علم النفس الاجتماعي وفي علم الإجماع. فالاتصال على حد تعبير كولي "هو العملية التي تأخذ فيها العلاقات الإنسانية مجراها وحركة تطورها"(1). وذلك يشر إلى العملية التي يتم فيها تحويل وتبادل الإشارات بين الأفراد. إن إدراك عملية الاتصال أمر يتميز بالصعوبة إلى حد كبير، وليست مع ذلك هي الصعوبة الوحيدة. لقد بين جورج هيربارت ميد أن الاتصال يسعى إلى إيجاد إحساس مشترك بين الذي يتصل والذي يستقبل. إن حياة مجتمع ما غير ممكنة إذا لم يكن هناك اتصال. إذ لا يستطيع الناس تنظيم أفعالهم وفقاً للسببية الفيزيائية: وهذا يعني أن كل تفاعل إنساني يفترض بالضرورة تدخل أفكار اتصالية. ومهما يكن الأمر يلاحظ وجود اتصال بين الأفراد في واقع الأمر. يميز الباحثون في مجال علم النفس الاجتماعي بين نموذجين اتصاليين هما: الاتصال الجماهيري أي تحويل الأفكار إلى عدد كبير من الناس دفعة واحدة. ثم الاتصال الشخصي وهو الاتصال الذي يقوم بين شخص وآخر وهي العلاقات التي يطلق عليها العلاقات الأولية الأساسية. الاتصال من غير لغة: تشكل اللغة من غير شك الوسيلة الراقية لتحقيق التواصل الإنساني ولكن يوجد هناك اتصال بين الناس لا تكون فيه اللغة هي الوسيلة الوحيدة وهذا ما يمكن أن نلاحظه عند العميان: الذين يعانون من غياب إمكانية قراءة التعابير التي تظهر على وجوه الآخرين. ومما لا شك فيه أن العميان يتواصلون بدرجة أقل من المبصرين وخاصة فيما يتعلق بالعلاقات التي تقوم بين المحبين(2). ونستطيع أن نحدد أركان الاتصال في ثلاثة جوانب أساسية هي: الحضور الفيزيائي والإشارة وتعابير الوجه. وتلعب هذه العناصر دوراً هاماً في عملية الاتصال. وهي تجانس اللغة في تحقيق فعاليتين أساسيتين هما: تحويل الأفكار والمشاعر إلى الآخر من جهة ثم التمييز بين هذه الأفكار والمشاعر وفهمها من جهة أخرى. لا يملك العنصر الأول ـ الحضور الفيزيائي بالنسبة للشخص المعني تأثيراً مباشراً على نفسه أي على جسده أو على سمات وجهه. ومع ذلك فإن طريقة اللبس والزينة تعطي الشخص نفسه، إرادياً أو عفويأن بعض الانطباعات وهي انطباعات حقيقية أو متوهمة. فالمظهر الفيزيائي عنصر أساسي من عناصر وعي الشخص الآخر بشكل متبادل. ومع ذلك يجب أن نلاحظ أن غياب المظهر الخارجي لا يمنع ولا يقلل من أهميته الاجتماعية فكل فرد، في أي مجتمع، يحول في إطار محيطه رسالة حقيقية أو وهمية عن نفسه وعما يملك وما يؤديه من عمل. والمظهر الفيزيائي يشكل مثيراً اجتماعياً يعلب دوراً هاماً لا يقل شأنه على أهمية الحضور الفيزيائي. ومما لا شك فيه أنه يمكن للفرد أن يكون سيد إيماءاته وحركاته وذلك بدرجة أكبر من قدرته على السيطرة على هيئته الجسدية الفيزيائية. ومع ذلك لابد من الإشارة إلى أن نظام الإشارات والإيماءات عند فرد ما يرتبط إلى حد كبير بطبيعته النفسية الفيزيائية أو طبيعته الاجتماعية والثقافية وذلك بالقياس إلى الحرية التي يتميز بها سلوكه. فالحركات العادية التي يؤديها الشخص ويقوم بها مثل مظاهر الاحترام الدبلوماسي، حرارة المصافحة لرجل السياسة، عصا المعلم المرفوعة، هي حركات تعبر عما يريد إيصاله إلى الآخر. فالإشارة الرمزية التي نعبر عنها عبر إيماءات الجسد مثل موافقتنا اللامبالاة، الحماس، الرغبة في رؤية صديق ليست في نهاية الأمر سوى عناصر لغة محددة ثقافياً. ولكن العنصر الأكثر أهمية ومحورية في عملية التفاعل والاتصال الاجتماعي هي تعابير الوجه. فالإيماءات تقوم بعملية تحريض وإثارة الأفراد الذين يتفاعلون. والإيماءات هي سلوك اجتماعي متبادل أو سلوك متبادل اجتماعياً مثل المناقشة والتي تمثل سلسلة من ردود الأفعال القوية. فالمشاعر التي تقوم بين المتخاطبين تكون محدودة ولكن تعابير الوجه الخاصة بالمحدث تؤدي إلى عملية استثارة. إذ نلاحظ أن تعابير الوجه هذه توجه عملية التفاعل، وبالتالي فإن تعابير الوجه هذه هي أفضل من الكلمات أن تقول للآخر أشياء كثيرة مثل: أرجوك أو لو سمحت لطفك..الخ. أو الدلالة على معنى مثل لهجة الأمر والتأكيد والجدية والهزل والإثارة والاعتراف. وفي هذا السياق يمكن القول أن اتجاه النظر يمكن له أن يحدد موضوع التفكير عند الشخص على سبيل المثال أن قدرة فرد ما على تركيز نظراته باتجاه الآخر تحمل معنى أو دلالة النزعة العدوانية. ويمكن أن يستدل من هذه النظرات على ميل الإنسان إلى الخضوع في أحيان أخرى: إذ يلاحظ أن البائعين يركزون أنظارهم على أنف الزبائن. وتبين الدراسات المخبرية أن الأفراد الذين ينجحون في تحقيق عمليات هندسية ناجحة من دون خفض أنظارهم أمام الملاحظ هم أكثر عدوانية من غيرهم. لقد تكونت أدبيات متكاملة تقليدية عند علماء النفس الاجتماعيين وهي تتضمن إمكانية الإدراك المباشرة لتعابير الآخرين ومشاعرهم. وغني عن البيان أن تعابير الوجه "كالإشارة"، تشكل جانباً كبيراً من اللغة التي يتحدثها إنسان ما. وإذا كان من السهل إدراك هذه اللغة بسهولة وذلك لأن وظيفتها أن تكون مفهومة وبالتالي فإن الإنسان يستخدمها لأنها مفهومة ومن أجل أن تكون مفهومة. ولكن وكما هي الحال في أي لغة من اللغات فإن دلالة إشارة ما ليست أكثر من دلالة كلمة ما، وهذا يعني أن دلالة إشارة ما يمكن أن تتحدد في سياق نظام من الدلالات الاجتماعية. إن عملية الاتصال الأكثر أهمية تكمن في لغة الكلمات أو في لغة الشفوية. ويمكن لنا في هذا الخصوص أن نميز بين اللغة العادية وهي اللغة الشفوية واللغة الأدائية التي تتمثل في منظومةأو في لغة تن القواعد النحوية التي تنظم حركة اللغة. وفي هذا السياق إن علم النفس الاجتماعي يولي أهمية لدراسة جوانب اللغة المختلفة ويتمركز اهتمام علم النفس الاجتماعي في ما يسمى علم النفس اللغوي الذي يدرس اللغة كما هي وكما تستخدم في واقع الأمر(3). إذا كانت اللغة أداة لتحويل المعلومات فما هي هذه المعلومات؟ حيث تسعى المعلومات هنا لتبديد الشكوك أي بمعنى خفض عدد الاحتمالات وإمكانيات الخيار أمام الشخص. ويجري تحديد وحدة المعلومات التي يمكنها أن تقلص إمكانيات الخيار إلى اقل من النصف. يقول أفلاطون في هذا الصدد أن الكلمة تعبير عن جوهر الشيء وهذا يعني أن الدلالة تتحدد في إطار العلاقة القائمة بين الشي والكلمة. ولكن ماذا تعني كلمة مثل أفلاطون؟ إن مثل هذه الكلمة لا يمكن لها أن تعطي دلالتها إلا بالعلاقة مع كلمات أخرى متعددة. وهذا يعني أن دلالة كلمة ما ليست ولا يمكن أن تكون مستقلة بذاتها ومن هذا المنطلق يمكن القول أن دلالات الكلمات تشكل كلاً متكاملاً يتجه أن يصبح نظاماً دلالياً وهذا يعني أن دلالة كلمة ما لا تكمن في العلاقة بين الكلمة والشيء المشار إليه ولكنها تكمن في النظام الدلالي على وجه العموم. ومن الضرورة بمكان الإشارة إلى أهمية دلالة الكلمة والتي تشير إلى العلاقة الرمزية التي تقوم بين الكلمة والشيء الذي يرمز إليه وهذه العلاقة ليست بسيطة كما يبدو للوهلة الأولى. وفي هذا الصدد يشير أفلاطون إلى أن الكلمة تحاكي جوهر الشيء وهذا يعني على الأقل أن دلالة الكلمة تتحدد بالعلاقة بين الكلمة والشيء ولكن ماذا تعني كلمة مثل أفلاطون؟ إن مثل هذه الكلمة لا تأخذ دلالتها إلا في سياق نظام من الدلالات الرمزية أي أن دلالة كلمة ما لا يمكن أن تكون مستقلة عن دلالات كلمة أخرى كثيرة وبناء على ذلك يمكن القول أن دلالات الكلمات تشكل نظاماً متكاملاً وهذا يقود بالضرورة إلى القول بأن دلالة الكلمة لا تكمن في العلاقة بين الكلمة والشيء المشار إليه فحسب. بل تكمن في إطار النسق الدلالي الذي تنتمي إليه. وتأخذ النظرية السلوكية في اللغة انطلاقاً من ذلك خصوصية عملية كنظرية سكنر. وهي التي تبدو أكثر اتصالاً بالواقع، ولكنها مع ذلك تبدو غير كافية أو مرضية إلى حد كبير. فمعاني الكلمات كما يقول سكنر تتحدد بعملية التعزيز RENFORCEMENT وذلك لأن الاستجابات الصحيحة لمثير ما تؤدي إلى عملية تعزيز إيجابي. ويمكن إيجاد التفسير الخاص بمسألة التباين اللغوي الذي يظهر في قطاعات اجتماعية مختلفة. وهذا يعني أن هذا التباين يعود إلى دور الثقافة والمجموعات الاجتماعية على وجه العموم. بعض الثقافات تغني مفردات اللغة في جانب من جوانب الحياة العامة، وتحمل بعض جوانب الحياة الأخرى حيث يؤدي ذلك إلى الاقتصار على مفردات أولية فجة وخاصة في مجالات الحياة التي ليس لها أهمية كبيرة على مستوى الحياة الاجتماعية. وعلى الرغم من الجهود التي يوليها علم نفس اللغة، ونظرية الدلالة اللغوية للجوانب الاجتماعية في اللغة، فإن هذه الجهود ما تزال قاصرة عن دراسة كافة المسائل الخاصة باللغة والتي يطرحها علم النفس الاجتماعي حيث يلاحظ أن الدراسات حتى اللحظة الراهنة تكرس نفسها لدراسة "اللغة" وليس لدراسة من يتحدثون هذه اللغة. وتتضح هذه المسألة في مجال الاقتصاد عندما يقال على سبيل المثال أن نفقات المستهلك هي وظيفة لدخوله الاقتصادية. وهذا يعني أننا أبعدنا المستهلك نفسه عن أطراف القضية أو المسألة. فالتبادل الشفوي يشكل نسقاً من السلوك القابل للدراسة وخاصة بالنسبة لهؤلاء الذين يتبادلون اللغة أو بالنسبة لمضمون الكلمات التي يتم تبادلها بين الأفراد أو من خلال السياق الاجتماعي الذي تجري في إطاره هذه العلاقة اللغوية. ويمكن القول هنا أن هذه الفكرة الخاصة بعلم النفس الاجتماعي هي فكرة في غاية الأهمية وهي فكرة لم تأخذ ما تستحقه من الأهمية حتى اللحظة الحاضرة. فاللغة كما يبدو للإنسان العادي هي استخدام وسائل لغوية من أجل تحويل الأفكار وتبادلها بين الناس. والحق يقال إن استخدام اللغة في عملية التفاعل الاجتماعي يستجيب إلى ثلاثة أنواع من الغايات. وهي غايات محددة ومحسوسة: استجرار استجابات شفوية وتبادل التحيات والمجاملات، نداءات، إجابات ثم استجراء الفعل والنشاط مثل إعطاء الأوامر، وأخيراً استثارة الانتباه الذي يتصف بالديمومة عبر تأكيدات افتراضية. وتنطوي اللغة بوصفها مؤسسة اجتماعية على أشكال واضحة ومتعارف عليها مثل: الصلاة والخطابة والتصريحات والمحادثان. وكل شكل من هذه الأشكال ينطوي تفرعات محددة فعلى سبيل المثال تتفرع أحاديث الصالونات إلى أنواع مختلفة لمثل: الحديث السري، حديث الثقة الحديث العابر، وحديث العشاق أو الغزل. ويضاف إلى ذلك مختلف الأساليب الجمالية والأدبية والنكتة والأغنية والحكاية الشعبية، ويتضمن ذلك على التوالي على قواعد ومبادئ النشاط اللغوي المتعارف عليه. وتنطوي اللغة بوصفها مؤسسة اجتماعية على إسقاطات رمزية تحدد شكل اللغة ومسارها. فالحديث على سبيل المثال لا يأتي من أجل التعبير عن شيء ما فحسب أو لأن أحداً يرغب بالحديث، إذ يتوجب على المرء أن يتحدث أحياناً فيما لا يرغب فيه. في بعض الأحيان يوجد المرء في مواقف سلبية فالموظف لا يتحدث في حضرة رئيسه في العمل ما لم يطلب منه أن يتحدث، وهو لا يتحدث لأن ذلك من مقتضيات احترام الذات. وعلى خلاف ذلك قد يقتضي الموقف من المرء أن يكون إيجابياً فهو قد يتحدث بغاية تحقيق التوافق مع الآخرين أو مساعدة الآخرين على تحقيق التوافق أي من أجل الحد من المسافة الاجتماعية الفاصلة، أي من أجل وضع حد لتأثير الخجل. ويجب على المرء أحياناً يتحدث لأنه المعني بإلقاء كلمة أو خطاب. ويوجد في إطار اللغة، كمؤسسة اجتماعية، تحديد اجتماعي تتباين فيه أدوار الأفراد. ومثال ذلك الناطق الرسمي، والمحاضر في المحاضرة، ومدير الندوة الفكرية والمهرج..الخ. ويتمثل أحد جوانب المؤسسة اللغوية في الموضوعات التي يتم طرحها في هذه المناسبة أو تلك أو في إطار هذا الدور أو ذاك. فاختيار الموضوعات عملية تتم تحت تأثير نسق من الواجبات والرموز والأعراف وبالتالي فإن مخالفة القواعد العامة أو احترامها من شأنه أن يؤدي إلى العقاب عن طريق الاستحسان أو الابتسامة أو الإهانة أو بالعداء الذي تظهره الجماعة فيما بعد للشخص. ويمكن لنا أن نتحدث عن وجود بعض أشكال التنوع بنغمة الصوت ففي بعض الأحيان تأخذ هذه النغمة نمطاً إدارياً كان قد شكل موضوعاً لإحدى الدراسات. ويجب أن نعترف أيضاً بوجود خصوصيات لغوية جغرافية واجتماعية في عملية أداء اللغة وفي استخداماتها. والتي شكلت مجال دراسة لعدد كبير من الباحثين والدارسين في هذا المجال. يتنوع هذا النسق المتكامل من القواعد والاتفاقات والاستخدامات بتنوع الثقافات وفي داخل الثقافات الفرعية نفسها. فالمناقشات العامة تخضع في البلدان الغربية إلى قواعد محددة مكتوبة أو عرفية وهي قواعد لا تجدها في مجتمعات أخرى. فالخطابة عند هنود الأريزون التي تتصف بأنها مطولة ومملة، والتي يستند فيها إلى خطباء سابقين يستشهد بهم، وتكرس نفسها لمعالجة مسائل سبق لها أن طرحت، وتبحث عن تفاصيل دقيقة مطولة تجعل من الشخص الذي يستمع لأول مرة إلى هذه الخطب يشعر أن هذه التفاصيل لا علاقة لها بالموضوع المطروح. "إن انتخاب المرشحين أو اتخاذ القرارات يعد اختراعاً جديداً أوجده البيض وهي عملية تقض مضاجع النافاجوز المعمرين وذلك لأنهم اعتادوا إطالة مدة المناقشة من أجل الوصول إلى إجماع في اتخاذ قراراتهم أو من أجل إيصال الخصوم إلى قناعة بعدم أهمية أفكارهم والتوقف عن المطالبة أو التعبير". ويجب في النهاية أن ينظر إلى اللغة من خلال الوظائف التي تؤديها بالنسبة إلى الفرد أو إلى الجماعة. فاللغة وفقاً لذلك المنظور تعد أداة أساسية لابد منها لكي يتحقق للفرد تكيفهُ مع الجماعة التي يعيش فيها: فاللغة هي التي تتيح للفرد أن يتمثل المفاهيم والأفكار والتصورات الاجتماعية. وهي بالإضافة إلى ذلك تؤدي وظائف متعددة أكثر خصوصية فهي بمثابة فعل اجتماعي يسعى إلى تحقيق غاية محددة تحقق للفرد هويته الاجتماعية. وفي هذا الخصوص يرى علماء النفس الذين يعتمدون التحليل العاملي في أبحاثهم وجود عامل آخر يطلقون عليه اليسر اللفظي AISANCE VERBALE. وهم في هذا السياق يعترفون بوجود استعدادات متباينة بين الأفراد. لقد أكد برت على أهمية وضرورة البحث عن عوامل أخرى فأسباب الصمت الذي يوجد عند طفل قد تعود إلى انخفاض مستوى الإثارة العاطفية لديه أو لأنه يعاني من كبت شديد وقلما يعود ذلك إلى وجود استعداد APTITUDE شفوي منخفض. والطفل الثرثار من جانب آخر هو طفل تعرض للإثارة العاطفية من جهة وقل مستوى تعرضه لعملية الكبت. فاللغة لا تعبر عن الشخص فحسب بل تمكنه من اكتساب قيمته الاجتماعية. وفي هذا الخصوص تبين الدراسات الجارية أن الأسئلة التي يطرحها الأطفال في عمر الخامسة من العمر لا تهدف إلى إشباع فضول الأطفال فحسب بل تسعى إلى إثارة اهتمام الراشدين. لقد لاحظ ديرو أن الشعب يحب الحديث وذلك سر وضاعته". ومما لا شك فيه أن هناك بعض النشاطات الاجتماعية التي يمكنها إثارة اهتمام الناس بالشخص الذي يؤدي هذه النشاطات ولكن أي نشاط من هذه النشاطات لا يمكنه أن ينافس اللغة من حيث السهولة والأهمية. فاللغة تتيح لنا أن نفرض وجودنا على الآخرين كأشخاص ونجعلهم ينصتون إلينا وأن تستحوذ على اهتمامهم وأن يستجيبوا لنا. وندفعهم عن طريق اللغة أيضاً إلى المشاركة في المسائل التي تشغلنا وأن يستمعوا إلى ما نريد أن نقوله وأن يبادروا إلى المشاركة بإعطاء آرائهم الخاصة. ومن هنا يمكن لنا أن ندرك الدقة النسبية للتنظيم الذي يوجه التبادل الشفوي. فنحن عندما نتهيب أن نتحدث أولاً قبل الآخرين فإن ذلك يصبح مرغوباً عندما تجمل الأنظمة الاجتماعية ذلك. ويمكن لنا هنا أن نجد بعض الملاحظات تتعلق بالنموذج النفسي للمتحاورين: فالثرثار على سبيل المثال، مهما يكن من أمره، يحاول أن يفرض نفسه على الآخرين لأنه لا يحظى بالأمن الشخصي. وتتضمن اللغة أخيراً وظيفة علاجية على المستوى النفسي. فعندما يكون العنف الجسدي ممنوعاً فإن السباب والشتائم تصبح بديلاً عنه. فالثرثرة المنزلية والنميمة بين الناس وروح التمرد تشكل ضرورة اجتماعية غير معروفة فهي تعيد إلى الشخص اعتباراته القيمية أمام أعين الآخرين، وتعزز تقدير الذات وهي تعوض أحياناً عن مركز لا يحقق للفرد أشياء نفسية. واللغات الخاصة مثل اللغات العامية تؤدي هذه الوظائف فالعامية تؤدي وظائف علاجية نفسية واجتماعية. فهي تستطيع أن تخفف من طاقة النزعة العدوانية عند الأفراد ومن السلوك المباشر وتعزز وجود الجماعات المغلقة وتسمح للشخص أن يعبر عن انتمائه. هوامش 1 – Charles Horton Cooly, “Social organization: A study of the Lagrge mind, New yourk, Scribners, 1909”. 2 – Pirre Henri, “Les aveugles et la societe”, P. U. F., Paris, 1958. 3 – Geroge A Miller, “Langage et Communication”, trad. fr., Paris, P. U. F., 1956”. 4 – Marcel Cohen, "Pour une sociologei du Langage, Paris Allin, Michel, 1956". 5 – A. Meillet, "Linguestique historique et linguestique generale, Paris, Champion, 1921". |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |