مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 273-274-275 كانون الثاني وشباط وآذار 1994
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

اللغة العربيَّة في مَوكب الحضارة ـــ د.مها فائق العطار

ما هي اللغة؟ وما هي وظيفتها؟‏

اللغة ظاهرة اجتماعية ولدت مع ولادة الإنسان الأول، وهي واسطة نقل الأفكار. قال قدماء اليونان "LAGES" ويعني ذلك العقل والكلام، وقد عرف بارنس BARNES اللغة بأنها "الآلة التي تنظم المجتمع الإنساني وتوجهه، وتنجز نواحي النشاط المتعددة واللازمة لإشباع الحاجات الإنسانية"(1).‏

وإذا رجعنا إلى معاجمنا القديمة وجدنا صاحب القاموس يقول: "إن اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم"(2) وأما في اللسان: فا"اللغة هي اللسن، وحدها أنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم" قال أبو سعيد: إذا أردت أن تنتفع بالإعراب فاستغلهم أي اسمع من لغاتهم من غير مسألة.‏

وقيل: إن اللغة هو النطق. يقال: هذه لغتهم التي لغون بها أي ينطقون(3).‏

إن اللغة ظاهرة اجتماعية، تصور البيئة، وينبغي أن تتطور مع تطور المجتمع، فهي صورة واضحة عنه، ويمكن أن نعدها كائناً حياً يتطور مع الحاجة الماسة إلى ذلك، لأنها الوسيلة الوحيدة القادرة على نقل الأفكار من السابقين إلى اللاحقين.‏

ما وضع العربية الآن؟‏

لا شك أن لغتنا العربية من اللغات القديمة التي مرت بحضارات عظيمة، وتحملت المد والجزر، وثبتت أمام هجمات الشعوبيين في العصور القديمة، وما زالت تعاني أزمات التحدي الشديدة حتى وصلت إلى العصر الحديث، فإن العلة ليست كامنة في لغتنا العربية، وإنما العلة في الذين يتعاملون معها.‏

إن القرآن الكريم بلغته النيرة هو سند العربية الفصحى وناصرها، هذا المنار الذي حفظ لنا لغتنا في الماضي وسيصونها في المستقبل.. لقد كانت الإمبراطورية السياسية للعرب قديماً في عصورهم الذهبية، ولكن هذه الإمبراطورية زالت الآن، يجب أن نحمي لغتنا بالتفافنا تحت سيطرة الإمبراطورية اللغوية كما فعل الإنكليز بعد زوال إمبراطوريتهم السياسية، وقامت على أنقاض تلك الإمبراطورية الضخمة التي سيطرت على العالم في يوم من الأيام، إمبراطورية لغوية، قامت بتكتل ثقافي عماده اللغة الإنكليزية، وأصبحت اللغة الإنكليزية الآن في مقدمة اللغات العالمية: فهي لغة الثقافة بجميع فروعها، فلتأخذ الأمة العربية نصيبها من فكرة ذلك الترابط اللغوي.‏

لقد تعاونت العوامل الطبيعية في الماضي على أن تخلق الإمبراطورية العربية السياسية، وكذلك تناصرت تلك العوامل اليوم لتقضي على تلك الإمبراطورية الكبيرة مختلفة وراءها دولاً لغتها الفصحى.. فلا شك أن لغتنا العربية هي الرباط الوثيق بين صفوف تلك الأمة الكبيرة المنتشرة شرقاً وغرباً ـ 2 ـ شمالاً وجنوباً من الكرة الأرضية..‏

إن لغتنا العربية لغة مرنة، متكورة تساير العصر، ولكن بعض القائمين المتطرفين على اللغة، لا يحاولون مسايرتها ركب الحضارة المعاصرة ولو حاولنا أن نستقصي الكتب التي عالجت اللغة العربية، وجدناها قليلة جداً بموازنتها مع الكتب الأجنبية التي تعالج اللغة، فهي كثيرة لا تعد ولا تحصى، وحتى الآن لم تؤلف تلك المعاجم اللغوية الحديثة أو دوائر المعارف التي ترمي لحفظ اللغة وضبطها وسلامتها وتخليدها، ونحن إلى الآن مدينون للجرجاني والثعالبي وابن جني في دراسة لغتنا، لعل الأبحاث اللغوية مقصرة، وكذلك الأبحاث الأدبية التي تؤرخ أدبنا، لا نزال نعتمد فيها على المراجع الأجنبية، فالبحوث العلمية والأدبية لها أثر كبير في حياة لغة الكتابة، وحفظها من التحريف وتهذيبها ونقلها من السلف إلى الخلف..‏

ولعل الوقوف تجاه الفكر العربي بأبعاده عن تعلم اللغات الأجنبية، حركة شعوبية متسترة تحت شعار حفظ اللغة العربية، ولكن العكس صحيح..‏

فإن تعلم اللغة الأجنبية يعني اكتساب طريقة جديد للتفكير. لقد عرف الدين الإسلامي بتسامحه، وسعة آفاقه، ونظرته المتطورة، فقد حث الإسلام منذ ولادته على العلم، وعلى تعلم اللغات الأخرى خاصة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحض أصحابه على تعلم اللغات الأجنبية إلى جانب إتقان اللغة العربية..‏

"عن زيد بن ثابت قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم له كلمات كتاب يهوداً، وقال إني والله ما آمن من يهودا على كتاب، قال فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته له قال: فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم، أخرجه البخاري تعليقاً وأبو داوود والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح..".‏

"عن زيد بن ثابت قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم السريانية، أخرجه البخاري وأبو داوود والترمذي".‏

لقد أخذ أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم عنه وصيته، فاتبع العرب الحكمة القائلة: "من تعلم لغة قوم أمن شرهم"..‏

كان الإسلام منذ نشأته متطوراً، فأثار عقول المسلمين في تحريكه لهم بالدعوة. ورفع مستواهم العقلي، ونشر بينهم كثيراً من أحوال الأمم الأخرى وتاريخها فزاد ثقافتهم، ولعل دعوته لهم بتعلم اللغات الأجنبية الأخرى وسعت أفقهم وزودت اطلاعهم على العلوم المختلفة.‏

إن القضاء على اللهجات العامية في الوطن العربي، وتوحيد اللغة العربية هو صيانة لها، ولعل ابن جني وابن فارس كانا أكثر تقدماً من الجامعات العربية كلها، رغم بغد الوقت وتطور الزمن..‏

إننا كعرب نعتز بلغتنا ونتطلع للاندماج والإسهام في حضارة العالم المعاصر، فنحن مقصرون فعلاً في خدمة لغتنا التي ثبتت على مر العصور، لتكون لغة عصرية تناسب التطور، فنحن بحاجة ماسة إلى معاهد بحث علمي أكثر تخصصاًَ وأفضل تجهيزاً، ويجب أن ندخل الأجهزة العلمية الحديثة في دراستنا اللغوية. فما العمل إذاً لنجعل لغتنا تساير الركب الحضاري؟..‏

أن اللغة العربية باقية بقاء الإسلام، ويجب تغذيتها وتخليصها من شوائب الجمود، ينبغي أن نجعلها لغة كلام وكتابة، لتتطور وتواكب ركب الحضارة، ولنحقق هذا الهدف الجليل ينبغي أولاً:‏

تزويد اللغة بمولدات جديدة دالة على مظاهر الحياة العصرية بعلومها وفنونها وصناعتها بعد إخضاعها لأصول التعريب، فلنشتق، ولنستضف من العامية، ولنحي القديم من الألفاظ، ولنعرب الأجنبي على أن نراعي سهولة اللفظ وموسيقية الحرف وخفة الصيغة على السمع..‏

وقد ذكر محمد كرد علي: "أن بعض اللغويين قد لا يراعون المقام في استعمال ألفاظ استظهروها يفرضونها على الناس فرضاً لا يراعون اعتبارات العصر"(4).‏

إن لغتنا العربية لغة اشتقاق متنوع، والاشتقاق في العربية من أهم الوسائل لتكوين كلمات جديدة بقصد الدلالة على معان جديدة. وقد ذكر أحد المستشرقين أن العربية خلقت كاملة من أول نشأتها خلافاً لأكثر اللغات التي كان للأيام يد في تكمبلها، تكيفها حاجة الناطقين بها ويعمل الزمن في تنميتها. وقد جرت لغتنا العربية منذ عرفت على نظام واحد، وجاءت تامة بصيغها ومبانيها التي تستدعيها تلك المعاني"(5).‏

إن معظم اللغات الأوروبية يشتق من اللاتينية واليونانية ما يعوزه من الألفاظ الجديدة، ولكن العربية تستقي ألفاظها من مادتها الفنية التي لا يكاد ينضب معينها أبد الدهر(6).‏

وقد استوعبت عربيتنا مسميات الحضارة الحديثة وسايرتها نوعاً ما مثل: جامعة، قطار، دراجة، فنان.‏

إن اللغة العربية لا يغيرها شيء إذا فتحت صدرها لبعض الدخيل، فالذي يصنع اللغة هو النحو، وله أكبر الأثر في الألفاظ والصور، لقد استوعبت عربيتنا بعض الدخيل منذ الجاهلية وأنزلته على صيغها وأوزانها وأصواتها فأصبح عربياً مثل: المسك والكافور وديوان والفلفل، استوعبت العربية هذا كله وذاب فيها، وقد بقي تركيب الجملة العربية ولم يتبدل. إن لغتنا العربية لن تتأثر، وهي صاحبة المفردات الغزيرة. ولقد دلت العربية خلال قرون طويلة أنها صاحبة مناعة، لأحكام "نظامها ومتانته، فلم تسمح للفظ الغريب أن يدخل الخلل على نظامها، والفساد على قواعدها، ولذلك صهرته وغيرت معالمه حين قبلته"(7).‏

ولقد أثرت اللغة العربية في اللغات الأخرى، وتوجد دراسات لغوية كثيرة في هذا المجال، فاللغات تتأثر وتؤثر لتساير ركب الحضارة في كل زمان...‏

إن حياتنا العلمية الحديثة بحاجة ماسة إلى دقة اللفظ والمعنى، ولعل مجالنا الأدبي يحتاج إلى المعاني المتعددة لإيجاد الفروق بين الأفكار الوافدة علينا من شتى أنحاء العالم، لتكون معبرة عن أفكارنا وأحاسيسنا ومشاعرنا العصرية المتضاربة، إن لغتنا غنية بالألفاظ الدالة على المعاني العامة، وكذلك على المعاني الجزئية الخاصة، لا شك أن عصرنا هو عصر الجزئيات إلى جانب الكليات فينبغي أن نفتش عن معانينا الدقيقة حين تصوير فكرة ما، أو البحث عن علم جديد، ولعل بعض اللغويين كمحمد المبارك الذي يساير التطور ويقف في وجه الجمود، ويعارض اللغويين الذين يمنعون استعمال بعض الألفاظ الشائعة لعدم ورودها في المعاجم، ويأتي بمثال كلفظ التطور، ويعد منعهم هذا "تضييقاً لما وسعه العرب، فكلمة التطور اشتقت في هذا العصر من كلمة طور على وزن صحيح معروف هو التفعل كما اشتق أجدادنا من الحجر التحجر"(8).‏

ثانياً: تبسيط اللغة: والمقصود منه، الاقتصار من الألفاظ الكتابية على المألوف المأنوس، وهجر المهجور والجفو من الكلام.‏

ثالثاً: تيسير النحو: فهو الذي يتم بتعميم الشكل (الضبط).‏

فقد بدأت الكتابة العربية دون نقط، وقرأتها العرب بسهولة قراءة صحيحة بهداية السياق والفطنة وسرعة التمييز، ولكن باتساع نطاق المملكة العربية، ثم نشأ الضبط أي الشكل تخفيفاً عن عبء الفهم وتقييداً بقواعد النحو والصرف، لقد عمل بالشكل فعلاً في الكتب المقررة لتدريس اللغة العربية في المرحلتين الابتدائية والإعدادية في سورية. ويا ليت هذا الشكل يعم كتب التدريس الأخرى، وصحفنا ومجلاتنا، ووسائل إعلامنا الأخرى، ليحسن نطق الناس. أن النحو العربي ليس صعباً صعوبة لا يمكن إتقانها شأن نحو اللغات الأخرى، وقد وجد، د. عبد الله الطيب عضو المجتمع العربي في السودان، ملاحظتين مهمتين من خلال خبرته في التعليم:‏

الأولى: الإعراب، وهو الذي يثير ذهن الناشئ، فالقواعد جافة مهما كانت مبسطة، ولكن متابعتها بالتطبيق هو التشويق والمثير في هذا الباب.‏

وأما الثانية بالنسبة لتسيير النحو فهي "المدرس القومي المخلص البصير"(9).‏

ورأى د. عمر فروخ: "أن الصعوبة ليست في النحو العربي، ولكن في طرق التعليم والتأليف، ويجب أن يتناول التيسير هذين لا ذاك"(10).‏

وإلى جانب هذا محو الأمية، وشمول الثقافة، ورقي طبقات الشعب، كل هذا يرقي لغة الحوار فيقوم بين لغتي الكتابة والكلام تعاون وثيق وتبادل مستمر، فلغة الكلام تمد لغة الكتابة بألفاظ حية، وكذلك لغة الكتابة تدفع إلى لغة الكلام عبارات شريفة لا غناء عن استعمالها فهي محيط الحياة..‏

رابعاً: المعاجم العربية: إن المعاجم العربية القديمة، لا يألفها إلا المختصون بالعربية، ومن الضروري جداً أن تؤلف معاجم حديثة لتكون في متناول الجميع، وليرجعوا إليها دون عناء وجهد.. وقد شعر علماء الاستشراق بنقص المعاجم العربية وقصورها:‏

أولاً: ينقصها التطور اللغوي للفظة.‏

وثانياً: الرقعة المحدودة التي تغطيها القواميس العربية إذاً ووزن ذلك باتساع دائرة الثقافة العربية في مجالات مختلفة، لقد عنى اللغويون العرب بالرجوع إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، بيد أنهم أسقطوا من اعتبارهم الجذور والمصطلحات التي استعملها المؤرخون والجغرافيون والفقهاء والكتاب والأطباء والكيماويون والفلكيون والمنجمون والرياضيون، شعر المستشرقون بضعف المعاجم العربية في هذا المجال، وقنعوا بأنه لا ينبغي الاعتماد تماماً على القواميس العربية، مما دفع الدارسين الغربيين إلى التفكير بطريقة جديدة لتلاقي ما ظهر من نقص وقصور، أساس هذه الطريقة تتبع الاستعمال اللغوي للكلمة الواحدة بدقة كما يظهر بالأعمال الأدبية المختلفة على مر العصور، ومحاولة الخروج من ذلك بخط التطور الذي قطعته الكلمة. وقد أصدر كريمر عام 1957 الملزمة الأولى: "من قاموس اللغة العربية الفصحى" بمعاونة تلميذه هلموت جانيه، ومساعدة زميله أنطون شبيتالر أستاذ اللغات السامية بجامعة ميونيخ، ثم ظهرت عام 1973 الملزمتان، الأوليان من المجلد الثاني، ووصف العالم المستشرق الألماني مانفريد أولمان هذا العمل بقوله:‏

"إن هذا العمل لم يظهر منه حتى الآن غير مجلد واحد وبعض الملازم، ومع ذلك فيمكن اعتباره وسيلة من وسائل البحث تستطيع أن تؤدي العديد من الخدمات، وأن تمد القارئ بما يفجؤه من جديد المعلومات، وأجرؤ على القول بأنه عند إتمامه سيكون عاملاً فعالاً في إعادة النظر في كثير من معارفنا، كما سيساعد على إبراز الدراسات العربية في ضوء معايير، واكتشافات جديدة"(11).‏

إذا نستطيع أن نؤلف معاجم حديثة، نراعي فيها أصول لغتنا ونتطلع إلى ما ينقصنا من المعاجم الغربية المتطورة، فلا ضير على لغتنا من ذلك أبداً.‏

خامساً: يمكننا الاستعانة بالعامية لتطويع الفصحى، فالعامية صنعها المجتمع العربي في أقدم العصور، إن النظرية القائلة "إن عامياتنا العربية هي حفيدات لغات عربية كانت منتشرة في الجزيرة العربية"، مقبولة إلى حد ما. فيجب البحث في أصول الكلمات العامية بدقة وإحاطة خوفاً من التجني عليها فكثير من الكلمات العامية تركناها خوفاً من عاميتها ولكنها في الأصل هي فصحى، مثل (فتح البطن) يعدل الأطباء عنها إلى (شق البطن)، ويقترح د. محمود تيمور تسمية هذا الفيض الكبير من الكلمات بـ"العامية الفصحى". لأن لها دلالات خاصة في الوصف والتصوير. ولقد عالج شفيق جبري في عدد كبير من مقالاته اللغة العامية وسماها (بقايا الفصاح)...‏

ينبغي "أن يعيد التاريخ نفسه في تفصيح العاميات العربية وتوحيدها فقد تعددت اللهجات في الجاهلية بتعدد القبائل الكبرى وخفت أوجه الاختلاف بما إذ ذاك من صلات في الأسواق الإقليمية، والمبدلات التجارية والمصاهرات، ولعبت قريش دوراً هاماً في انتقاء أجود اللغات، فنسقت، واجتبت أفضل لغات العرب حتى صارت لغتها أفضل لغاتهم (لسان العرب) فنزل القرآن بها وازدادت مظاهر الوحدة تحت راية الإسلام بالرغم من الفوارق القبلية البسيطة التي ساندتها أحرف القرآن السبعة(12).‏

وقد قام عبد العزيز بنعيد الله بدراسات مقارنة محاولاً التقريب بين العاميات العربية في الوطن العربية، ولعله وجد في تفصيح تلك العاميات المبعثرة في العالم العربي إحياء ونصراً للفصحى في صراعها مع العامية..‏

إن العصر الذي نعيش فيه هو عصر اضطراب الفكر في شتى طرق الحياة، فإن العربية تقف في مفترق هذه الطرف كما يقف عيرها من اللغات الأخرى، فيجب على القائمين على اللغة والمخلصين لها أن يتساءلوا هل العربية وافية بحاجة أهلها في عصر الفكر؟..‏

هل العربية تستوعب الرسالة وتسير بها؟.‏

نحن نريد انقلاباً لغوياً يساير العصر، فقد تحرر الفرد العربي المثقف الواعي من الانحطاط ورواسبه، واستعاد الخصائص الأصيلة، واستطاعت اللغة العربية أن تجدد وتولد لتبني بنياناً متنوعاً في ظروف الحياة الجديدة المتبدلة، ولكن هذا الوعي اللغوي لابد من إنضاجه وتغذيته وتقويته ليشتد ويستحكم، وليكون أوسع أفقاً وأشمل لعدد أكبر من الناس، وليكون أرسخ وأعمق في النفوس ولابد لهذا من أمرين:‏

أحدهما: فهم خصائص العربية ليكون السير في طريق التجديد والتوليد على أساس صحيح.‏

وثانيهما: الإسراع في تطهير العربية من بقايا الضعف أو العجمة الناشئة عن عصور الانحطاط، أو التأثير الأجنبي الحديث في عصر الاستعمار..‏

ولاشك أن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية شعرت بهذا، ولو كان هذا العمل متأخراً كثيراً، فقررت أن تحصر ألفاظ اللغة العربية على نطاق العالم العربي لتوحيد مناهج التدريس في المرحلة الأولى، ولتكون معجماً للألفاظ يرجع إليه المؤلف العربي، وقد بدأ هذا المشروع فعلاً منذ أوائل عام 1977م في البلاد العربية كلها، وقد كان لي شرف المشاركة في اللجنة التي أنهت المراحل الثلاث من المشروع، وقد لمست من خلال عملي الفوائد الكثيرة التي تعود على اللغة العربية.. إن هذا العمل يخدم اللغة العربية، فيصونها ويرفع مستواها الحضاري، ويفهم الكثير من خصائصها اللغوية ومعانيها المتعددة واستعمال حروفها وتطور ألفاظها" وقد تنتج عن ذلك دراسات عديدة في مجالات مختلفة، أن العالم المتطور سبقنا إلى ذلك بعشرات السنين..‏

إننا نؤمن أن اللغة ظاهرة اجتماعية، فهي إذاً متطورة، ومتجددة يؤثر فيها الزمان والمكان لتواكب ركب الحضارة الحديثة، وكما قال محمد كرد علي: "لا عيب في اللغة بل العيب في الدارسين لتخلفهم عن إعطائها استحقاقها من التعهد"(13).‏

ورأى د. إبراهيم مدكور: أن اللغة ظاهرة اجتماعية ذات حياة، ولابد أن تعيش عصرها، وتتطور بتطوره مع احتفاظها بخصائصها المميزة، وإلا كان التطور مسخاً لها، وقد كان الهدف من إنشاء المجامع اللغوية، أن تسير باللغة العربية مع ركب الحياة ومتطلبات العلم والحضارة، مع الاحتفاظ لها بخصائصها الأصيلة"(14).‏

إذ ينبغي أن يقف الكاتب العربي على أرضية صلبة بأن يتقن لغته اتقاناً جيداً، وأن يتطلع إلى تطور العصر فيواكبه، فتدفعه هذه الخلفية المرنة ليسيطر على لغته، وتصبح اللغة طيعة بين يديه ولا أروع من قول الكاتب أبي شاور: "اللغة بحر" إذا لم تجد السباحة فإن دوامات البحر تقتلك"(15).‏

إذاً فالخير كل الخير في الحفاظ ما أمكن على ما هو ألصق ببيئتنا وتراثنا، وأدل على المعنى المقصود في لساننا، لاشك أن الأساليب تتطور والتراكيب تتغير، ويجب ألا تنقطع الصلة بين قديم اللغة وحديثها، وبين فصيحها ومولدها، فقد جدد علماء الكلام والفلاسفة والمترجمون في الماضي لغتنا بما طوروا من أساليبها وتراكيبها، وبما أغنوها من الصور المبتكرة أو المقتبسة.‏

***‏

الهوامش:‏

1 ـ مجلة الثقافة (الجزائر)، العدد 38، ربيع الثاني ـ جماد الأولى \، إبريل ـ مايو عام 1977.‏

2 ـ مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادي، "قاموس المحيط"، ط2، 1371هـ 1952م ج 2، مادة لغو.‏

3 ـ أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور المصري، العلامة، "لسان العرب" ط1، بيروت 1300هـ، ج. مادة لغو.‏

4 ـ محمد كرد علي، "المذكرات"، مطبعة الترقي بدمشق، 1370هـ ـ 1951م، ج4، ص11044.‏

5 ـ المرجع السابق، ص1091.‏

6 ـ المرجع السابق، ص1091.‏

7 ـ محمد المبارك "فقه اللغة وخصائص العربية"، ط5، دار الفكر بيروت 1392 هـ ـ 1972م، ص291ـ 298.‏

8 ـ المرجع السابق، ص335.‏

9 ـ مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، المجلد الثاني والخمسون، ج2، نيسان 1977، ص473ـ 474.‏

10 ـ المرجع نفسه، ص476.‏

11 ـ الاستشراق الألماني، الدراسات العربية الإسلامية بجامعة توينغن، مانفريد أولمان "معجم اللغة العربية الفصحى ـ صادر بيروت 1974، ص68ـ 78، ترجمة د. كمال رضوان.‏

12 ـ عبد العزيز بنعبد الله "نحو تفصيح العامية في الوطن العربي" جامعة الدول العربية للتربية والثقافة والعلوم، المكتب الدائم لتنسيق التعريب في الوطن العربي، الرباط (المملكة المغربية)، 1392هـ ـ 1972م، ص6.‏

13 ـ "المذكرات"، ص1093.‏

14 ـ د. إبراهيم مدكور "مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق" المجلد الثاني والخمسون، ص467.‏

15 ـ "رشاد أبو شاور"، "تجربتي مع اللغة"، مجلة المعرفة (دمشق)، العدد 178، ص245 ـ 247.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244