مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 273-274-275 كانون الثاني وشباط وآذار 1994
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ليالي السجن الطويلة ـــ شعر: خالد السلامة

تبيعين عمرك للريحِ، عاشرتها زمن الزهر والعنفوانِ‏

فماذا الحصاد‏

وكنت حلمتُ العشياتِ‏

أنكِ تأتين نهراً وتأتين نبعاً وتأتين ساقية من حنينٍ‏

وعدتِ‏

وكانت سلالكِ فارغة والرماد يغطي العيونَ‏

فهل تحمل الريح غير صدى موحشٍ، غير نوح الثكالى، يزمزمه الجرف عند الشطوط التي تشتكي قهرها الأبدي وتجهش في الصمتِ، تبكي زمان البراءة والحلمِ يصفر في جانبيه البكاء.‏

وهل تنبتُ الريح غير الغثاءِ‏

وتسفي تراباً، رمالاً تجمعها في الضفافِ تكاد تسد المسيل لطول المسافة والعشرة الخائبة.‏

***‏

وألقاك في الأسر‏

يشتعل القلب بالوجد والأرجوان الحزين‏

متى انطفأت جذوة الوجد كي تستعيد التألق‏

متى انطفأت جذوة الوجد‏

ألثم في الصمت فاك وأنت تنوئين تحت رثاء الكآبة،‏

ألقاكِ شوق الينابيع للأرضِ، شوق العصافيرِ.‏

للدار، شوق البراعم للضوءِ،‏

كيف التقينا؟.‏

وبيني وبينك كانت قناديل حزنٍ تنير المسافة‏

كيف التقينا،‏

وكيف طوينا المسافة والقهر والعنفوان اللهوفَ،‏

الطموح العنيف، الشعور الشفيف، المرارة والوجد‏

تحت الجناحِ‏

رضينا بكسرة خبز نغمسها بمياه الكرامةِ، ما عضّنا‏

الجوع يوماً،‏

رفعنا المحبة راية عشقٍ ترفُّ على شرفات الصباحِ‏

المكلل بالضوءِ: عصفورة في الأقاصي تزق‏

فكيف التقينا،‏

أعاودنا الشوق‏

هل سورة الوجد هذا الهيام اللهوف؟..‏

لرب.‏

فنحن غرسنا جذوعنا لنا في شطوط الفراتِ، استطالت؟..‏

محالٌ، أتنهض فرعاء قصّت غصون لها في الفضاء‏

فكيف التقينا‏

انبض الجذور التي ما استباها التراب الجنون، هو الوقد‏

والأرجوان الذي أجّ بالشوق وجداننا فالتقينا،‏

أنحن التقينا، وأين، وكيف‏

وهذا الزمان البخيل يقطر ضحكاتنا الغر‏

أين التقينا، وكيف وأين ضحكنا،‏

أحقاً ضحكنا،‏

أم الحلم توج بالوهم شهقاتنا المتعبة؟.‏

***‏

وتدنين، تدنين، أدنو،‏

نعود مهاراً تضاحك في السهب كنا ضعناه من وهمنا‏

وحلمنا: سيأتلق الرطب الحلو فوق النخيل قناديل‏

عشقٍ تضيء، ويزهو التراب بعشب البراري الندي‏

ويلفحني العطر، أدنو تغيب المسافة، يا مفرق الشعرِ‏

ليلٌ يموت ويطلع فجرُ‏

وتدنين، تدنين، أدنو،‏

نعود مهاراً تحمحم شوقاً إلى العدوِ‏

نعياً،‏

فكيف هرمنا‏

وكيف رحلنا إلى العصرِ، ما كان ظن بأنا نطارد لمح سرابٍ‏

وأنا سنصبح أكثر حزناً وأكثر بؤساً، وأكثر جوعاً،‏

وأكثر ذعراً، وأن سراب التطور سوف يهد جدار ـ البراءة والحلم،‏

كيف كبرنا،‏

أكان هو الحلم ما قد حلمنا،‏

وأين دوي القنابلِ من نبضةٍ في الوريدِ‏

ونصحو، ترانا غدونا شيوخاً،‏

أفكر:‏

هل أنت تلك التي صاغها الحلم دهراً تقاسمني الخبز‏

والملح، تشمي على الأرض مثلي، وتأوي كمثل العصافير للسهبِ‏

ثم تطير،‏

أهذي السماء الغضوب سمائي،‏

أهذا التراب الكئيب ترابي‏

فكيف هرمنا،‏

لماذا هرمنا،‏

فآهٍ، وآهٍ، وآهٍ‏

حسافاً، حسافا لكبرتنا المرة الخائبة‏

***‏

أشدك نحوي‏

عظاماً تسند بعض عظامٍ، بقايا توكأ فوق بقايا‏

تصيرين كالوهم، كالقمر البرتقالي يطوف بالجزر المستحيل‏

الوصول إليها، تنام بحضن البحار الزواخر، كيف الرحيل إليها‏

ولا قارب، لا شراع، ولا جانح يضرب الأفق، لا همة تقهر‏

الوهم، تقفز عبر جدار المحالِ‏

وأدري وتدرين أن جراحي تنز دماءً وتشعل في الصمت‏

شمعاً ليؤنس ليل الأسار وتعوي الرياحَ،‏

أشدك نحوي، أريد أغسل كفي بماء المسيل الذي‏

عاش في الحلم ماء زلالاً‏

وأجفل، من لوّث الماء. من عكّر العين تدفق ماء قراحا‏

وأدري وتدرين ما حملت ريحك الكاذبة‏

سخاماً وحقداً تكدّس تلا ترسخ في الضفة اللائبة‏

***‏

وحاولت،‏

كنت أحاول أبعاد وجهك عني،‏

فمن شدني للبقاء ومرغ بالوحل وجهي الغريب‏

وحاولت أنأى،‏

فمن فجّرَ الدمع عبر العيون التي رافقتني عشيات عمري‏

الكئيب: منائر حبٍ، شموعاً تذوب عشقاً وتنفث دفئاً،‏

وحاولت أمضي،‏

فمن أطلق الريح عبر المسافة تعوي كلاب سعارٍ‏

وحاولت ـ حاولت‏

يا آسري أطلقوني، أما واحد يستجيب‏

ورد النداء اللؤوب‏

وما كان صوتي سوى صرخة اليأس تحملني فوق أرجوحة‏

من عذابٍ.‏

بمن أستجير‏

وقد خانني وجه أمي ولمح الرجاء‏

بمن أستجير‏

وقد خانني وجهي الوطني‏

وقد خانني وجهي العربي‏

وقد خانني وجهي الأممي‏

وقد خانني أخوتي الأدعياء‏

بمن أستجير‏

وقد خانني وجه حبي النبيل‏

أنا الآن أعزل من كل شيءٍ‏

سوى وهمها المستفيض يسد عليّ دروب الخيار ويغزل‏

حولي طوقاً ويرخي دثاراً، ويغلق دوني باب الرحيل‏

بمن أستجير‏

أقفرٌ هي الأرض حقاً،‏

أما من يردّ النداء‏

***‏

استنمت، تناومت، شدت عيوني‏

وظلَّ الحديد الحقود يجلجل في ليل أسري‏

وقلبي عطّابة من سعير‏

بمن أستجير‏

أسد بوجهي باب السماء؟‏

***‏

لهوفاً، تلفت من سهوة السهد‏

من مدَّ لي في الظلام الكتوم حبال ـ المني الرّجاء‏

فروحي صارت جناح حمامٍ وطارت حبارى تغلغل في‏

الأفق عبر الأثيرِ وهامت شعاعاً يهفهف في الليل‏

مثل الغمامِ لتعبر هذا المضيق المقيت إلى فرجةٍ في أقاصي‏

الفضاء‏

تسمع أذني صرير اليراع: أحقاً نسيت الفقير إليك‏

أيا ربّ قد مسني الضرِّ سيدي واستبد البلاء‏

أما كان جدّي غريباً،‏

فأورثته الأرض يطلع منها ينوه بعد الحصا ونجوم السماء‏

أحقاً نسيتَ الفقير إليكَ.‏

أيا ربّ قد أثخنتني الرماح وناء بقلبي الطموح الجريح، ألا‏

قطرة من حنانٍ، ألا تستجيب، وهذي رياح احتراقي تصاعد‏

نحو المقام، ألا تستجيب،‏

ألا يحمل الليل نحوك نوحي الصموت‏

وصرخة آلامي الراعبة؟!.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244