مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 273-274-275 كانون الثاني وشباط وآذار 1994
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

المهزلة ـــ قصة: إبراهيم النجَار

لم يتمكن "دَهَش" من النوم. أخذ يقف. يجلس، يستلقي على الفراش ثم يعاود النهوض. منذ غادرة ممدوح السالم بعد منتصف الليل وهو يفكر بما قيل له. ما شاهده. ما تركه خلفه: قريته ـ أمه. حسنة. قطيع البقر الذي يرعاه السهول الممرعة والتلال والوديان.. عالم القرية بما فيه.. ترك السرير. جلس متربعاً على الأرض. وضع رأسه بين يديه. أخذ يستعيد الأحداث. كان هذا منذ زمن بعيد كالحلم. حين أراد أن يسقي القطيع. جمع الأبقار وهو يحس بالتعب. اقترب من النبع، والنبع غدير صاف محاط بالقصب والأشجار. تنزل إليه من درب وعرة ضيقة ـ وقف على صخرة ـ الشمس وسط السماء وحر الظهيرة يلقي بثقله على الأشياء فتبدو ساكنة حتى أنك لا تكاد تسمع حركة أو تأمة. سمع صوتاً. أصغى ـ أحد ما يسبح في الغدير. اقترب على أطراف أصابعه وهو يختلس النظر. شاهد صبية تسبح برشاقة بين القصب. يعوم شعرها الأسود خلفها. تناول ثيابها الملقاة على صخرة وهو ينظر بحذر. لم يتمكن من رؤية وجهها. خرجت من الماء متحفظة. جلست ونصفها في الماء. أحدث حركة ـ تلفتت. رأته.‏

رأى وجهها بوضوح. صاح باستغراب.. يا أمي.. وثبت إلى الماء. غاصت قليلاً ثم رفعت رأسها خلف القصب وصاحت غاضبة:‏

ـ ارم الثياب أيها اللص. عرف صوتها أيضاً. جمع الثياب. صرها وألقاها نحوها. جلس على حجر حزيناً كاسفاً، وخلال لحظات وقفت أمامه ترتجف غضباً. عندما رأت وجهه تبدل الحال ـ بدت مندهشة حائرة. تغير لونها. كان هي حسنة ذاتها.‏

ـ أنت إذاً؟. قال بخجل نادماً.. وأضاف ـ وتملكين كل هذا الجمال ولا أعرف؟؟. قال مستدركاً:‏

ـ لم أكن أعرف من أنت، لكن ليس هذا هو المهم. ـ ما المهم أيها الراعي الذكي. قالت متهكمة.‏

ـ المهم أنني سوف أطيع أمي هذه المرة ـ سأتزوجك، قالت وقد طفر الدم إلى وجهها، وبدت كعصفورة تنفض الماء عن ريشها. قالت بلهفة: ـ حقاً؟؟. هز رأسه مؤكداً. قالت وهي تخالسه النظر:‏

ـ أتظنني مجنونة لأتزوجك؟؟. قالت ذلك وهربت راكضة. لحقها متعباً ثم تركها وتوجه ليسوق القطيع إلى الماء.‏

لم تكن حسنة سوى ربيبة أمه التي تعيش معه في بيت واحد.‏

كانت أمه قد قامت بتربيتها منذ صغرها بعد موت والديها، وتمنت له دوماً أن يتزوجها إلا أنه لم يكن ليفكر في ذلك. أما اليوم عض على شفتيه وهو يخاطب نفسه:‏

ـ كم هي ممتلئة وطازجة؟!!.‏

***‏

عاد دَهَش إلى القرية مبكراً. لم يجرؤ على دخول البيت ـ سهر خارجه وعاد متأخراً في الليل. أدخله اثنان ووضعاه على الفراش. في صباح اليوم التالي، حدث ما لم يكن بالحسبان. أيقظته حسنة بعد جهد أفرغت خلاله إبريقاً من الماء البارد على رأسه ـ أفاق يشتم ويسب. عندما رآها بدا عليه التوجس. قال متلعثماً.. اذهبي وأنا آت. ذهبت ـ نهض. خرج وهو يظن أن الشمس لم تبزغ بعد. كانت الفتاة تخبز في فرن المنزل. تساعدها أمه. عندما شاهدتاه تركتا أيديهما. أخذهما العجب. قالت حسنة باستهجان:‏

ـ ألم أقل لك؟؟. قالت الأم بخيبة أمل ودهشة:‏

ـ ماذا فعلت بنفسك؟؟. قال نزقاً: ـ هاتي الخبز بحق السماء.‏

كان يفتح كيساً وينتظر أن تفرق الطبق لكنها بقيت جالسة تغفر فاها عجباً واستغراباً.. كأنه ليس دهشاً راعي البقر.. ابنها.. كأنه رجل آخر. صاحت من جديد:‏

ـ ما هذا الذي فعلته؟؟.‏

ـ تريدين أن تحفري على قبور أجدادي. افرغي الخبز. قال ذلك حانقاً، وعندما رآها لا تأبه لما يقول. أمسك الطبق بيديه وأفرغه في الكيس وخرج مسرعاً.‏

أخذ يسوق القطيع، وبعد لحظات كان في طريقه إلى المرعى بعيداً عن القرية، وارتفعت الشمس دافئة فحث السير، وتحركت الأشواق. تنحنح راغباً في الغناء. هرش وجهه بيده. أخذه العجب. عاد بتؤده فرفع يده ووضعها على خده. تأكد ما ظنه وهماً. كانت ذقنه حليقة ناعمة، وهو الذي لم يتعود أن يحلقها. صحيح أنه يمسك بالمقص أحياناً فيهذبها إلا أنه يرسلها دائماً. وثب كالملسوع، ثم عاد يمسك ذقنه من جديد، تأكد أن معجزة حدثت فرك عينيه وهز رأسه عندما دقق، فوجئ بأشياء أخرى جديدة. وجد نفسه يرتدي قميصاً نظيفاً. بذلة أنيقة، وحذاء جديدة. عندئذ طار صوابه. أدرك ما أظهرته أمه من استهجان، وقف ساهماً مفكراً. لم يكن أبداً ليلبس أي حذاء في قدميه. كما أنه لم يتذكر أنه بدل ثوباً قط، فهو تعود أن يترك لأمه أمر ترقيع ورتق ما يتمزق من ثيابه ليلبسها دوماً، وحتى عندما يغير ثوباً أو يشتريه فإنه لا يأبه لذلك، ولا يكاد يهتم به أو يتذكره. فما الذي حصل الآن. وها هو ذا حليق الذقن يرتدي ثياباً أنيقة وحتى جوارب وحذاء.. كان يفكر، ورأى القطيع يبتعد فقرر أن يبت بالأمر. حدث نفسه على هذا الشكل.‏

ـ إما أنني مجنون ولا أظن هذا. أو أنني لست دهشاً فمن عساني أكون؟؟؟.‏

ولأنه لم يكن يرغب في محاكمات أكثر، إذ أنه كان دائماً ينفذ ما يقتنع به. رأى أن يستفتي أهل القرية بذلك. أعجبته الفكرة وراح يتذكر أين بدأ سهرته البارحة واستنتج الباقي... ومع ذلك ظلت الفكرة تلح عليه. أن يذهب للقرية ويستفتيها في الأمر. أخذ يبتسم لنفسه وهو يقرر أنه سيقوم بذلك. كان يفكر وبصورة دائمةً أنّ أهل القرية يسخرون منه، رغم أنه يملك أقوى جسم في القرية، فهو يستطيع أن يرمي ثوراً كبيراً على الأرض.. كان لا يزال يرتدي اللباس التقليدي. السراويل الفضفاضة بدل البنطال والكوفية كغطاء الرأس ويسير حافياً. وهذا كله يلفت الانتباه إليه وبالرغم من أنه يملك روح الدعابة وأن الجميع يحبونه ويحترمونه إلا أنهم نادراً ما يتحدثون إليه بجدية. يأخذ الحديث طابع الهزل.. ومع ذلك لا يشعر أبداً بأن الناس يسخرون منه، لأنه وقد عرف أن أحداً لا يستطيع التغلب عليه جسدياً على الأقل.. كان يغمض عينيه عن هذه المسألة، ويتابع حياته بعفوية. وأعطاه عمله بالرعي نوعاً من الحرية، لأنه كان يعيش في البرية بعيداً عن نظام المجتمع وتقاليده.‏

أسرع يجمع القطيع ثم جلس على حجر وعاد يحدق بلباسه الجديد... سوف أسخر منهم جميعاً... سوف أضحك عليهم وسيرون ـ قال هذا لنفسه ونهض وهو يبتسم واتسعت ابتسامته فأخذ يضحك ويقهقه بصوت عال. واستمر في ذلك حتى كاد يغمى عليه. نهض مسرعاً، وبدلاً من الذهاب بالقطيع إلى المرعى أعاده إلى القرية، قبل أن يصل إلى الساحة التي ينطلق منها للرعي، قابل أبا حميد مؤذن القرية. أعطاه شيئاً ورجاه أن يصيح له صوتين بالمكبر، يطلب من أهل الثرية الحضور إلى الساحة. يبين لهم أن راعيهم عنده خبر، وله حاجة.‏

فوجئ أهل القرية بعودة راعيهم مع القطيع الضحى. كانت دهشتهم أكبر عندما وجدوه حليق الذقن يرتدي بدلة جديدة.. قميصاً نظيفاً وحذاء لماعاً فظهر كشاب عصري بشعره الطويل الذي يغطي أذنيه، كان نظيفاً على غير عادته. وقف صامتاً لا ينطق بحرف ـ يبعث منظره المهيب الرهبة والحيرة. يساعد في ذلك التقاطيع العريضة. الكفان الكبيرتان والجسد الوافر، وما يضفيه عليه اللباس الجديد من وجاهة. تجمع الناس، الأولاد والرجال والنساء. حضر كل من في القرية. عندما شاهد الجميع دهشاً بحالته أخذت تدور مشاورات بين الجميع، وانقسموا إلى قسمين قسم قليل وفيه بعض التجار والسماسرة والأغنياء، وبعض رؤساء العشائر وأمثالهم في جانب آخر. وكانت المشاورات مستمرة عندهم جميعاً.‏

عندما شعر دهش أن الجمع قد اكتمل، وقف فوق مرتفع صغير وهو يحدق فيهم ثم خاطبهم دونما مقدمات، قال:‏

ـ إن كان راعيكم هو دَهَش، وأشار باصبعه لنفسه، فإن البقر هو بقركم. ابتسم الجميع وأضاف:‏

ـ وإن لم يكن راعيكم هو دهش... فإن البقر ليس بقركم ويكون عليَّ أن أبحث عن أصحاب البقر. ضحك بعضهم فتابع:‏

ـ وبعد ذلك يكون عليَّ أن أعرف من أنا.‏

عندئذ ضحك الحضور طويلاً. شعر بالامتهان لكنه لم يكن يفكر بالرد على إهانة مهما كانت. صاح ولد في مقتبل العمر:‏

ـ هذا ليس دهشاً. الله وحده يقنعني بذلك. إنه يشبه شكسبير في كتبنا. نهره رجل كبير السن:‏

ـ اسكت. ألا ترى أنه كالملاك. إن معجزة حدثت دون أدنى ريب. وصاح رجل آخر.. سبحان الله.. وبدا دهش يشعر بالدوار فقال بصوت واهن:‏

ماذا قلتم؟؟. ومن الجانب القليل من الناس تقدم أبو عدنان مندوباً عن الجانب القليل في المجموع. اقترب منه وخاطبه بلطف:‏

طبعاً أنت دهش، وراعي القرية. لقد تغيرت ثيابك فقط، والتمعت عيونه بذكاء خبيث فتابع:‏

ـ وأنا أرى أنك لم تعد تصلح للعمل كراع لهذا القطيع. قال ذلك مشيراً للجانب الكبير من الناس فهمهموا باستياء... وتابع التاجر:‏

ـ لهذا فإننا بعد المشاورات قررنا أن تشتغل معنا في الشركة أيده البعض وأمسك أحدهم بيده قائلاً:‏

ـ تفضل. وشرح أحدهم بيده قائلاً:‏

ـ تفضل. وشرح له الأمر كالآتي:‏

ـ أنت تعرف أن الدنيا للشاطر. وأن المستقيم في هذه الأيام قد يموت من الجوع، ويطق من القهر ـ أنت تعرف هذا؟؟.‏

ـ تعرف أننا لو أخذنا القليل من كل واحد لتجمع عندنا الكثير.. مثال بسيط علبة الكبريت. لو أخذنا من كل علبة عدداً من العيدان لتجمع عندنا كبريت كثير. لو انقصنا من كل وزن غرامات قليلة لتجمع لدينا أطنان من البضائع.‏

ـ أتعني أن نسرق؟؟ قال دهش متعجباً:‏

ـ ليس بهذا اللفظ. لا.. كن ذكياً. سمها فرصة سانحة. مثلاً. الغني لو أخذنا منه آلاف قليلة من الليرات والفقير لو أخذنا منه قروشاً قليلة فسيخجل من المطالبة بها... هناك طرق كثيرة لجمع المال. هل فهمت؟؟. ـ لا لم أفهم.‏

ـ نحن شركة. قال التاجر موضحاً: ـ ليست منظورة ولكن موجودة.‏

ونحن نستطيع باستمرار جمع المزيد من المال، وبناء البيوت الفخمة، وتوفير الحياة الرغيدة. الكثير من المال هو غاية الغايات كلها.. هل فهمت الآن؟؟.‏

ـ فهمت أم لم أفهم قال دهش يائساً ـ ما الذي يهمني من الأمر؟؟.‏

ـ أنا أقول لك. قال المندوب موضحاً أكثر:‏

ـ أنت صاحب جسم قوي. شاب لامع وتستطيع العمل هناك. أنت تصلح لما هو أكثر من الرعي. يمكن الاستفادة منك ـ وأنت تستفيد أيضاً. ببساطة:‏

ـ أنت فقير لا تملك شيئاً. ألا تريد أن تصبح غنياً؟؟. لك أرض ومال وربما بقر وجمال؟؟. ألا تريد ذلك؟؟.‏

ـ بلى. قال دهش مبتسماً.‏

ـ حسناً. إذا عملت معنا فستحصل على كل ما تريد، وتصبح من الوجهاء المسحوبين بدلاً من بقائك راعياً. ألا تريد ذلك؟؟.‏

ـ بلى. قال دهش مبتسماً.‏

ـ حسناً. إذا عملت معنا فستحصل على كل ما تريد، وتصبح من الوجهاء المحسوبين بدلاً من بقائك راعياً. ألا تريد ذلك؟؟..‏

ـ بلى. هز رأسه موافقاً.‏

ـ رائع قال المندوب ورفاقه مؤيدين. وعندئذ كتبوا له ورقة بعناية وضعوها في مغلف أنيق. أغلقوه وقالوا له:‏

ـ اذهب إلى هناك ولسوف تتسلم عملك الجديد على الفور:‏

ـ أصبت قال كثيرون بصوت واحد. قليلون هم الذين يرفضون. عندئذ تحرك دهش ببطء خارجاً من القرية.‏

***‏

أحس أحداً يتبعه. نظر إلى الوراء. لم يشاهد أحداً. بقيت أصوات خطواتهم تصله من الخلف. لم يحفل. كان يفكر كالحالم. راوده خبث لم يكن يعرفه. وصل إلى مرتفعه قريب. توقف تحت شجرة كبيرة. أراد أن يستريح قليلاً. كانت القرية في وسط السهل ترتفع من حولها جبال مغطاة بالشجر والخضرة. أحس أنه يودعها. لفه شعور بالحزن. رأى فتاة تقترب منه. دقق النظر. وجدها حسنة.‏

.. إياها. تغير مجرى تفكيره. راودته رغبة داعرة في امتلاكها لكنه رأى أناساً خلفها. اكتفى بمعالجتها في خياله. وصلت. ألقت التحية وجلست بقربه. بعد لحظات وصل أبو شكيب وهاشم وسليم وأبو نديم وعدد آخر ممن يهمهم الأمر. جلسوا حوله صامتين. نزعت حسنة ـ جاكيتاً ـ ترتديه وفرشته تحته نفض أبو شكيب الغبار عن مرفقه. لأول مرة في حياته شعر أنه ذو قيمة يحظى باهتمام الآخرين. أحس برغبة ملحة للشتفي. قال لهم:‏

ـ علمت أنكم تتبعونني. أحسست بأقدامكم من خلفي. ماذا تريدون مني؟؟ قولوا.‏

تنحنت حسنة. ترددت قبل أن تقول شيئاً. كانت تعرفه عنيداً لا يغير رأيه. لا يأبه لنصيحة مهما كانت. لكنه أيضاً رقيق الإحساس. قادر على إدراك كل الأمور بفطرته. شهم. غيور. نشيط. قالت متلعثمة:‏

ـ دهش. لا يمكنك أن تذهب وتتركنا. أتبيعنا بهذا الشيء الذي وعدوك؟؟. ثم إنك لا تعرف إن كنت تقدر على هذا العمل.‏

أنت راع ممتاز، والرعي وحده استطعت الاستمرار فيه، بخلاف كل الأعمال التي لم تقبلها قط. قالت:‏

ـ أنا وأمك بحاجة إليك. وأنت يمكنك أن تترك الرعي وتجد عملاً مناسباً. كم مرة قلنا لك.. تعلم القراءة والكتابة لكنك لم تفعل. أنت تستعجل الأمور. تريد أن تحصل على كل شيء دفعة واحدة، وبدون جهد، هذا لا يليق بك. ابق معنا. سوف نعمل معاً ونحقق كل ما نريد. قالت ذلك متنهدة وصمتت. قال أبو نديم:‏

ـ أنت تعرف أن أولادي يعملون عند أصحاب الأرض. يذهبون مع الفجر ولا يعودون إلا عندما يؤذن للمغرب. عندما يجلس أحدهم لا يستطيع النهوض من التعب. البقرتان تساعداننا ولولاهما فمن أين نذوق اللبن والسمن ثم أننا ندفع لك، وكل ما تطلبه مستجاب. وقال أبو شكيب:‏

ـ أنت تعرف أن الحال والحمد لله بخير، لكننا بحاجة لحليب نظيف بعيد عن الغش ونحن لم نقصر في شيء. كن عاقلاً. عملك الذي تتقنه هو الرعي.. وتكلم الباقون كلاماً مشابهأن وعندما انتهوا جميعاً عاد الصمت يريم على المكان من جديد. كان يستمع إليهم بلذة لا يكاد يصدق أن كل هذا الاهتمام وهذا المديح موجه إلى شخصه. دغدغه شعور بالفرح والتشفي من جديد همس لنفسه:‏

ـ تحت قدميك تبدو القرية حلوة مثل كأس حليب طازج. ما أروع الأرض والعشب والبقر. كأن قريته فتاة ناضجة، يضمها إلى صدره. يقبلها. يشمها ثم يعرب منها. قال لنفسه:‏

عد فلن تجد أروع من هذا العالم. عاد إلى الهدوء وداهمته جدية. كان يغلب نظره في أرجاء القرية الواسعة، ورأى قصر أبي عدنان يرتفع وسط سياج عامر بالخضرة. نوافذ عريضة مزركشة بوابة واسعة يمكن لشاحنة كبيرة أن تدخل منها.. وكذلك بيوت العديدين. قال لنفسه:‏

ـ لماذا لا يكون لي مثل هذا البيت؟؟. أليس هذه الثياب. أتناول الطعام الطيب. أن الفقير المحروم لماذا؟. صرخ فيهم:‏

ـ إنكم تحسدونني.‏

لم يفهم جمهورهم سبب غضبه إذ أنهم كانوا يفكرون باتجاه آخر فلاذوا بالصمت.‏

تابع. أنتم تعرفون أن من يشتغل بالشركة يمكنه أن يبني مستقبله هكذأن وأشار إلى بيت أبي عدنان. تعرفون أن أحداً منكم لو حصل على هذه الفرصة لما تركها تذهب. لماذا تحاولون إضاعتي؟؟. هل تريدون أن تخربوا بيتي؟؟. كانوا ما زالوا يصمتون وبدأ غضب هادئ يتحرك في عروقهم.‏

قال أبو نديم:‏

أنت تعرف أن غنى أولئك لم يكن إلا على حسابنا. نحن فقراء لكننا نحافظ على كرامتنا. لن نسمح لك بتوجيه الشتائم، ولتعلم أن نتيجة الغلط تعود إلى حظيرتكم. جوعكم. قذارتكم. طالما كنتم تستنزفون دمي.‏

ـ لا تمتهن كرامتنا. قال أحدهم غاضباً وهو يهز عصا غليظة. نحن لا نقبل ذلك من أحد. نحن الشعب. شعب القرية كلها.‏

ـ الشعب؟؟. قهقه دهش ضاحكاً حتى جاوبت جنبات الوادي أصداء ضحكاته.‏

ـ الشعب؟؟. أنتم الشعب؟؟ تقولون هذا لراعي البقر. لماذا لا تقولونه للمتنفذين؟؟. لزعماء العشائر؟؟. لكبار التجار. للمهربين. للسماسرة. لا تجرؤون طبعاً. جبناء أمامي.. مشباع.‏

ـ اخرس. قالت حسنة وهي ترتجف:‏

جبان من يرتدي ثياباً غي ثيابه، وله ذقن زائفة. قال هاشم. جبان من يشرب المخدر ويسلم جسده للسفلة يغسلونه كما يريدون.‏

ـ ماذا تقصد؟؟. قال دهش بذكاء. وضع أبو نديم يده على فم هاشم مهدئاً. يكفي الآن.‏

ـ لماذا يسكت؟؟. قال حسنة. ما من أحد في هذه القرية يصدق بالمعجزات. قالت ذلك واستمرت تهمهم بكلام غير مفهوم ولم يعد دهش يستطيع سماع مزيد من الكلام فنهض.غادرهم ولم يحاول سماع أصواتهم.‏

تمسكت حسنة بأطراف ثوبه وهي تخاطبه من جديد ضاحكة:‏

ألم نتفق؟؟. أنسيت؟؟. توقف وخاطبها باهتمام كاذب:‏

ـ سوف أعود وأبني لك بيتاً من الإسمنت والحديد وستلعبين بالفلوس كما تلعبين بالبعر الذي تحرقينه وقوداًَ لفرنك. سأتزوجك رغماً عنك وعن جدك وجد جدك. تركته غاضبة. قالت بسخرية:‏

ـ اذهب أينما شئت فلن أرافقك إلا إذا عدت للقرية وأنت ترتدي هذه الثياب. قالت ذلك وأخرجت صرة. فتحتها. سقطت سترته سراويله وقميصه القديمة. قالت له:‏

ـ انظر. ثم أخذت تقطع القميص، قالت:‏

ـ إذا عدت للقرية ولم تكن ترتدي هذه المزق. قالت ذلك وهي تضحك. سأضعها تحت هذه الصخرة. تحت هذا الحجر. إذا عدت بدونها يا ضبع البرية. فلن أتزوجك أبداً. ولو كنت تضع على رأسك تاج الملك وتمسك بيدك صولجانه. ولو كان في جيبك خزائن قارون.. اذهب أكلتك الوحوش الكاسرة.‏

***‏

الشركة تقترب وفي ذهنه كانت الأمور واضحة. فرصة سانحة يجب انتهازها. وصل أخيراً. استقبله رجل كبير الجسم. منتفخ البطن. طلق الوجه. يرتدي قميصاً بأكمام قصيرة لا تكاد تتسع لسواعده الوافرة المغطاة بالشعر الخشن. لم يبد عليه شعور ما عندما تسلم التوصية. أجلسه أمامه وأخذ يتفحصه، ممعناً النظر وهو يمسح على شفاهه المكتنزة كأنه حصل على صيد ثمين دسم. كان الشعور من جانب دهش مثيراً للمرح وعندما أوصله إلى مكان يرتاح فيه استسلم للنوم فوراً. في صباح اليوم التالي قاده إلى مكان عمله وقال له:‏

ـ عملك هنا وهو في التخطيط.‏

ـ التخطيط؟؟. كان لا يزال يتثاءب محاولاً التخلص من آثار النوم الذي استغرق فيه حتى الضحى. قال بلا مبالاة:‏

ـ لا أعرف كيف يكون هذا العمل.‏

ـ ليس المهم أن تعرف. ـ كيف؟؟.‏

أجابه مضيفه: ـ أنا أقول لك:‏

ـ المهم أن تكون جاهزاً لما يطلب منك. لا تقلق بخصوص العمل.‏

نحن نعرف الذي تحسنه ـ رعي البقر، والعزف على الناي. الشجار وقطع العصي من الأشجار وصقلها جيداً. ستقوم بما تعرف ولكن ليس الآن. سيكون هذا بعد أن تجتاز فترة الاختبار. أما الآن فستقوم بالآتي:‏

ـ ستجلس على هذا المكتب الفخم. انظر. طاولة كبيرة. مقاعد مريحة أنيقة. أقلام وأوراق كثيرة مرزمة. سوف تجلس على هذا الكرسي الكبير وبيدك القلم وتخربش فقط.‏

ـ وإذا جاء أحدهم يطلب مني شيئاً؟؟؟.‏

ـ اصمت عندئذ. تصنع الجهد ولتظهر بمظهر الرجل المشغول الذي ليس لديه وقت للكلام. وقل له:‏

ـ أترك معروضك هنا وعد غداً أو بعد مائة يوم. وإذا ألح في مخاطبتك فتظاهر بالغضب حتى إذا لم يسكت واستمر في الإلحاح عندئذ يكون عليك أن تبدأ في توجيه الشتائم إلى التخلف والجهل. أن تحدق في وجهه. تدقق في ملامحه من الأعلى وإلى الأسفل وبالعكس. وإذا لم يتركك، يكون عليك عندئذ أن تنهض من وراء طاولتك. تحمله بين يديك وتلقيه خارج الحجرة.‏

ـ هذا هو المطلوب منك. أما إذا جاء وقت كهذا فستجدني بجانبك أريحك من الكلام وغيره. فهمت؟؟.‏

ـ فهمت. قال دهش. وبشأن المال؟؟.‏

ـ أعرف ذلك. قال الرجل:‏

ـ في البداية. أنت بحاجة للمال لتبني بيتاً جيداً. تشتري أرضأن تلبس جيداً. تأكل جيداً وتطمئن لمستقبلك.‏

ـ طبعاً. طبعاً.‏

ـ الكفاية. أنك تطلب الكفاية فقط. هذا حق لكل مواطن. قال ذلك وابتسم ساخراً.‏

ـ طبعاً طبعاً. كرر دهش.‏

ـ الطريقة وحدها هي التي تختلف:‏

ـ بعضهم يكدحون ليلاً ونهاراً حتى يحصلون على ذلك والبعض الآخر يحصل عليه دونما تعب كما في حالتك.‏

ـ لماذا بدون تعب؟؟. قال دهش مستنكراً:‏

ـ أريد أن أعمل وأتعب وسأبرهن لك أنني عند حسن ظنك.‏

ثم توقف عن الكلام. لاحظ الاشمئزاز على وجه محدثه فصمت. أكمل الرجل الآخر.‏

ـ في البداية أنت بحاجة للمال لاستكمال الضروريات، ثم بعد أن ترسي قواعدك فستظل محتاجاً للمال لأنه يأتي بطريقة سهلة، وأضاف:‏

ـ سوف تصبح صاحب مركز مرموق، وتقع عليك مسؤوليات وتستأصل في نفسك الحاجة إلى الإنفاق، ثم تستمر هذه الحاجة كان دهش حائراً لا بكاد يقهم ما يقال له فتابع محدثه:‏

ـ الآن وخلال فترة الاختبار فسنعطيك بعض المال لحاجياتك الضرورية ومع ذلك فسوف آخذ منك نسبة من أجرك.‏

ـ لماذا؟؟. قال دهش محتجاً:‏

ـ لأنني سأقدم لك الدعم المناسب. أقربك من أنظار المسؤولين وأخفيك عنهم في الوقت نفسه.‏

ـ كيف؟؟. لم أفهم. ألستم المسؤولين؟؟.‏

ـ طبعاً لا. قال ضاحكاً.‏

ـ نحن المستفيدون، وليس المسؤولين.‏

ـ عجباً. وكيف إذا عرفكم المسؤولون؟؟.‏

ـ اطمئن. لن يعرفونا. نحن نلبس طاقية الإخفاء. وأنت عليك أن تتجنب معرفة أكثر مما يعطى لك. هل اتفقنا؟.‏

ـ نعم. اتفقنا.‏

ـ أعرف قال الرجل. قليلون هم الذين يرفضون ـ إذا كنت بحاجة لشيء فأعلمني. يمكنك أن تتسلم عملك الآن. قال ذلك وانصرف.‏

***‏

جلس دهش على الكرسي الدوار. وضع رأسه بين يديه. أحس بصداع. بالضيق. تلفت حوله. على طاولة مقابلة شاهد رجلاً كبير السن. يبدو مهيباً بلباسه الأنيق. شعره الأشيب. المنمق. تنحنح دهش وهو يحاول البدء معه بحديث ما. أمسك الرجل بقلم وأخذ يخربش على أوراق أمامه.‏

ـ ماذا تعمل يا عم؟ قال دهش ملاحظاً. أنت مثل والدي وأنا أحترم الكبار، لا أود الإساءة إليك. قال ذلك ورغب في مواصلة الحديث لكن الرجل المهيب أخذ يتذمر. يوجه الشتائم. التخلف الجهل، وأخذ يدقق في ملامح دهش من أعلى للأسفل وبالعكس ابتسم دهش وهو يهمس لنفسه:‏

ـ فهمت. أنت مثلي. أهلاً وسهلاً. وشعر بامتعاض فظل صامتاً.‏

في الأيام التالية لم يكن أحد بقادر على تصور حال دهش. التغير المفاجئ الضخم في حياته.‏

لم يكن في الحقول ليعرف كيف يجلس هادئاً. كان يستلقي على الأرض العاشبة مثل عجل متعب. يغرس خياشيمه في العشب وهو يتلوى بلذة الدفء والعطر والفيض. كان يطارد العجول المعربدة... يصرخ في أثرها. ينادي رفاقه الرعاة من وراء الجبل وإلى الجبل الآخر. يأكل وهو يعلم أن خبزاً مهما كثر لا يمكن أن يبقى في كيسه بعد الظهر. يرى مخلوقات جديدة تستيقظ كل يوم. أنواعاً جديدة من الفراش. الحشرات الصغيرة والكبيرة. السوداء والحمراء والبيضاء. وأعشاباً مختلفة يعرف مواعيد نبتها. ينتظرها. يلاحظ بداياتها. يأكل منها قبل الآخرين. يملها قبلهم. يتذوق طعم الغيوم البيض الربيعية التي تركض كعجول صغيرة في سماء الربيع العذب. النسمات الباردة اللذيذة التي "يتفكه" بها بعد شتاء بارد. أثمار الأشجار الفجة الصغيرة عندما تعقدها الأزهار. تبدأ مرّة الطعم ثم تدب فيها الحموضة.‏

في لحظات سروره كان يصوت ـ يبرطم ـ يهز رأسه وهو يضرب شفتيه إحداهما بالأخرى مثل الثيران تمامأن ولا يخجل أن يقول أنه مثلها.‏

كانت حسنة تركض أمامه وهي تقول له ـ هوة.. هوة.. تماماً كما تنهر البقر. يلحقها وكثيراً ما يضع قدمه أمامها فيقلبها على الأرض. يلقي نفسه بقربها محاولاً الاستفادة من وقوعها. إلا أنها كانت دائماً قطة ولها مخالب.‏

ـ اجلس. قالت له ذات مرة.‏

ـ دهش. ليس لي أم ولا أب. قامت أمك بتربيتي ومن أجلها فقط سوف أتزوجك. قال لها بدون اهتمام:‏

ـ تزوجيها إذن كانت تنظر إليه بحنان وهي تنفعل متسائلة:‏

ـ من الذي أفعم قلبي بهذه المشاعر؟؟. قالت ساهمة:‏

ـ دهش: ـ أتعرف كيف ينبت هذا الإحساس الرقيق اللذيذ المشبع بالحلاوة والمضمخ بالعطر. كيف تتوضع بذروه على صفحات القلب. كيف تنبجس براعمه الأليفة لتلف كل شيء بالدفء والمودة والحب. كانت تتكلم وكأنها حلم عندما غادرها خلسة.‏

كان دهش يحلم، ولا يدري منذ متى. وأخذ يضيق صدراً بالصمت. الأصوات الرزينة. الالتزام بمظاهر التمدن. الجلوس على الكرسي. المحافظة على نظافة الثياب. إبقاء الأشياء في مكانها. أن يكون باب الحجرة مغلقاً. فتح مصراع صغير في النافذة ـ السير بهدوء. مصافحة المقبل. الابتسام للآخرين. توديعهم بكلام مهذب التثاؤب. الأسى العميق الذي يتلبد خلف الوجوه الشمعية، الحنين الغامض الكامن. المتوهج الذي يحاول باستمرار تكديس في حناياه. ذكرياته. أهله. أمه. كل التناقضات كانت تبتعد أمام أحلامه العريضة في حياة مترفة. بيت. مال. جاه وسطوة.. كل ذلك كان من المكن أن يسبب عزاء لولا الذي حدث:‏

ـ حادثة صغيرة تطورت حتى أصبحت كبيرة. كان يجلس وراء طاولته متصنعاً الجد عندما وصل إلى سمعه أصوات وجلبة. ونودي على زميله في الغرفة فذهب. بقي وحيداً وأحس بالعزلة واستمرت الأصوات والضجيج. ومن شق صغير في الستارة المرخاة على النافذة أخذ يراقب ما يجري في الصالة الواسعة أمامه. أخذ يشعر بمزيد من الحزن وهو يراقب ويدندن لحناً ريفياً شائعاً.‏

يا حراثين القطعة * * * * * حله والا بياته‏

يا ريتني حمامه * * * * * من فوقكم فواته‏

رأى عدداً من الناس. حاول أن يعرف بعضهم. أخذته الدهشة. كان من بينهم أبو عدنان وحامد وآخرون أكثرهم من الفئة القليلة.. الذين أحضروه إلى هنا. كان هؤلاء ينقلون مشاهداتهم لرجال تحس أنه ذووا سلطة عظيمة. قال دهش لنفسه:‏

ـ ربما هؤلاء هم المستفيدون الكبار. أصحاب المصلحة الحقيقية. أحس بخيبة أمل. لم يكن يتوقع أن يكون هؤلاء فمن يقومون بمثل هذا. كان يستغرب أن يكون هؤلاء الكبار في قريته يتذللون ويتواضعون إلى هذا القدر وهم يخاطبون الآخرين بهذا القدر من الخضوع.‏

"إخس"... إذاً أنتم كذلك؟؟... وشعر بالمرارة. وهو يسدل الستارة في اللحظة التي فتح فيها الباب. كان رئيسه ذو القميص الضيق الأكمام. قال له بعداء:‏

ـ لم يكن التلصص مما يليق بك الآن؟‏

ـ لم لا؟؟. كلهم يتلصصون.‏

ـ سوف يأتي دورك. أما الآن فلا. كل ما يمكنك الآن عمله هو إثبات قدرتك على الإطاعة.. العمياء ـ التلون باللون الذي تراه مناسباً. ومن ثم استعمال فمك ويدك كما تريد. أنت الآن لم تتطور بعد.‏

ـ أتطور؟؟.‏

ـ ألا تريد ذلك.‏

ـ لا أفهم ما تقصده بالضبط. كل ما في الأمر أنني شعرت بالملل فحاولت التسريه عن نفسي.‏

ـ وتعرف الملل. يا متخلف. يا راعي البقر.‏

ـ إخرس قال دهش ذلك وهو يهاجمه. امسك بتلابيبه. حاول الرجل أن يخلص نفسه إلا أن قبضات دهش كانت كالحديد تنهال عليه. أقبل عدد من الناس فخلصوه. بقي لفترة طويلة يهدر غاضباً مزمجراً مثل ثور هائج يتكلم بكلام غير مفهوم. يسير في أرض الحجرة دونما وعي.‏

***‏

كاد الليل ينتصف عندما قرع الباب. فتح دهش. دخل رجل يرتدي ملابس عمل. عرفه دهش فوراً. إنه ممدوح السالم أبو محمد. سائق صهريج من قريته. يعمل في وزارة الأشغال. يقوم بنقل مشتقات النفط بصهريجه من المصفاة إلى المدينة القريبة كان يراه كثيراً وهو يمتطي صهريجه ويعبر السهول فيلوح له في أكثر الأحيان وما تلبث سيارته أن تختفي في الأفق.‏

قال دهش متنكراً:‏

ـ أنت متعب. وتأكد له أن الرجل لم يعرفه.‏

ـ متعب جداً. تصور. منذ صباح أمس. صلبت الفجر في القرية وذهبت إلى المصفاة وها أنا ذا حتى الآن لم أرتح ولا دقيقة واحدة. ولم أذق الطعام.‏

وقد تعطل الصهريج بالقرب من هنا. وأنا مضطر للبقاء حتى الصباح حيث أغادر قبل طلوع الفجر إن شاء الله.‏

ـ خير. خير. قال دهش وهو يتذكر أنه ممنوع من استقبال الزوار إلا بإذن. قال مخاتلاً:‏

ـ ولكن ألم تجد غير هذه الحجرة مضاءة؟؟.‏

ـ وجدت. أعوذ بالله. تصور. أغلقوا الباب في وجهي. ينظرون إلي من الأعلى وإلى الأسفل ويسبون التخلف كأنني مجذوم. لماذا؟؟. أهذا هو الكرم العربي الأصيل؟؟. أم أنه لم تبق نخوة عربية.‏

الضيف؟؟. متى كان الباب يغلق في وجه الضيف؟؟!. إن لم يكن كرماً فليكن خجلاً. ما هذا؟؟. أعوذ بالله. كان يتكلم وفي عينيه إلحاح في طلب الاستقبال. قال ميسراً الأمر:‏

ـ أخي... إنني أحمل في الصهريج طعاماً وشراباً وسكراً وشاياً ولست بحاجة لشيء. فقط أنام وأتحدث إلى أحد. ما هذا يا شيخ؟؟!.‏

أف. كان يتحدث بعفوية ونسي دهش نفسه فاستجاب له وحنا عليه وبسرعة نهض الرجل وهو يقول أنه سيحضر بعض الأشياء من السيارة.‏

وخلال لحظات عاد ومعه أشياؤه. خبز القرية البيتي. ولبن مصفى وجبن وزيتون وسكر وشاي؟ قال الضيف. كلها من إنتاج الدار. أين النار؟؟.‏

ـ لا يوجد غاز. قال دهش. مؤسف أنه لا يوجد.‏

ـ لا بأس. قفز الرجل واقفاً وأحضر صندوقاً صغيراً يحتوي على غاز صغير وإبريق شاي وكؤوس. أشعل النار ووضع عليها الإبريق وفرش بساطاً صغيراً ونسق الطعام وخلال دقائق كان يصب الشاي ويعزم على دهش مصراً ليأكل معه. قال دهش وهو يجلس على المائدة:‏

ـ تريد الحق؟؟. الخبز البيتي هذا لا أستطيع مقاومته.‏

كانت هناك أرغفة كثيرة. قال الضيف وهو يقسم الرغيف إلى قسمين.. الخير كثير. قريتنا قريبة. سوف أصل بسرعة ولا أحتاج لشيء من هذا وسنأكل كما نشاء. وأكل الاثنان بنهم ونسي دهش نفسه تماماً وهو يأكل ويتحدث إلى هذا الذي أنساه كل شيء. وفي وقت قصير التهما كل شيء ومن ثم جلسا يرتشفان الشاي الساخن بعد الأكل.‏

وضع الرجل ما تبقى من أشياء في صندوقه وتناول الشاي من جديد وهو يفتح عينيه بجهد. كان عليه أن ينام بضع ساعات. قال وهو يشعر بالخجل:‏

ـ ماذا تعمل يا أخي؟!. أجاب دهش بفخر:‏

ـ بالتخطيط. إنني أعمل بالتخطيط. قال الضيف:‏

ـ إنني لا أعرف الكثير عن هذا العمل. إنني سعيد بلقاء رجل محترم مثلك. حبذا لو تتكلم شيئاً عن هذا العمل.‏

ـ بسيطة.. قال دهش مهتماً. إنه عمل بسيط. بسيط جداً.‏

ـ كيف؟؟. قال الرجل مستغرباً.‏

ـ أنا أقول لك. إنه فقط طاولة فخمة وكرسي مريح وأوراق مرزمة وأقلام وعليك أن تتقن الشتم وإذا لزم الأمر أن تستعمل قبضتك.‏

كان دهش يتكلم بجدية وبدا الرجل مأخوذاً. قال بخجل مبتسماً:‏

ـ أنت تمزج بلا شك.‏

ـ أبداً. إنني أقول الحقيقة ـ قال وهو يلاحظ أن الرجل لم يصدقه. قال مرتبكاً:‏

ـ أتظنني لا أعرف كل شيء عن هذا العمل؟؟. أتظنني راعي بقر؟؟.‏

كان دهش متناقضاً وتأكد للرجل أنه يمزح ولم يعد يهتم فضحك بملء فيه وبصوت عال ولمدة طويلة... ثم جلس فمسح الشاي عن فمه وياقته وقال جاداً:‏

ـ أتظنني جاهلاً؟؟. التخطيط عمل راق يحتاج إلى علماء ورجال بمؤهلات علمية.. صحيح أنني سائق إلا أنني أعرف ذلك وأنت حر أن تخفي عني ما تريد. هذه ليست مسألة. ثم ما له راعي البقر؟؟.‏

الرعي عمل مثل باقي الأعمال وكل عمل شريف إذا قبله الإنسان فهو شرف له. ثم إن الأنبياء عملوا بالرعي. إن عملنا هو المتعب أكثر من أي عمل آخر.‏

لكننا عندما نعود كل مساء ونحن نحمل كل هذا العناء ويستقبلنا صغارنا فنعطيهم ما يزقون به مناقيرهم يزول كل التعب. كان الرجل يتحدث وبدا أنه تيقظ تماماً. قال دهش حائراً:‏

ـ إنك لا تصدقني. إن هذا هو التخطيط كله. أقسم بالله العظيم..‏

كان يبدو محبطاً وهو لا يصدق نفسه فدقق الضيف في وجهه محدقاً.‏

ـ كأنك هو. قال متحفظاً.‏

ـ من؟. قال دهش ساهماً، وكان الرجل يتمتم دون أن يظهر صوته.. دهش. راعي البقر. قال رافعاً صوته:‏

ـ ألست دهشاً؟؟!‏

ـ نعم. لقد عرفتك ولم أشأ أن أعرفك بنفسي إلا أنك عرفت. بدا أنه فوجئ وكان وجهه يحمر خجلاً ثم يهدأ. نهض الضيف وأشعل النار من جديد ووضع إبريق الشاي.‏

ـ الشاي كالخبز. لا يمكن الاستغناء عنه:‏

ـ ما الذي حصل يا دهش؟؟. قل لي بحق السماء. لقد سمعت أن معجزة حدثت، ولم أصدق ذلك وأنا كما تعلم لا وقت لدي لمثل هذه الأمور.‏

ـ لا شيء. قال دهش متقززاً. كل ما في الأمر أنني أريد أن أحسن أوضاعي.‏

ـ تحسن أوضاعك؟؟. كيف؟؟. ألم تكن تعمل بالرعي؟ وعندك منزل ولا ينقصك شيء..‏

ـ إنني أريد أن أبني غرفة ومطبخاً من الإسمنت والحديد. وأشتري بقراً. بقرة واحدة على الأقل. ألي هذا من حقي؟؟.‏

ـ من حقك.. قال الضيف. حقاً. لقد شاهدت بناء يشاد مكان بيتك القديم. كانت جرافة تجرف الجدران الحجرية تملؤها في سيارات وألقي هناك كثير من الرمل والحصى. أأنت تقوم ببناء بيت جديد؟؟..‏

ـ أنا؟؟. لا. لم أقبض بعد ما يكفي. لكن أأنت متأكد أن الجرافة كانت تهدم جدران بيتنا؟؟. كان دهش مذعوراً خائفاً وفطن الرجل لذلك قال متشككاً:‏

ـ لست متأكداً. ربما كان عند جيرانك. بالضبط لا أعرف تريد أن أصدقك القول.. لا أعرف. مهما يكن قال الرجل مؤكداً.‏

ـ من حقك أن تبني بيتاً ويكون لك بقر.. ولكن ماذا تعمل هنا لتحصل على المال؟؟؟‏

ـ لا شيء.. إطلاقاً. إنني بدون عمل. إن عملي كما قلت لك.‏

ـ عملك؟؟. هذا عمل يا دهش؟؟!!.‏

ـ إنني والله أكاد أجن. لكن. ليس باليد حيلة ـ قال الضيف:‏

ـ وإذا كنت لا تعمل فلماذا تحصل على المال؟؟.‏

ـ إنها مصلحتي. فرصة سانحة أنتهزها.‏

ـ هذا ظلم. قال أبو محمد متابعاً:‏

ـ أن تأخذ المال دون مقابل وأنت دهش. أنت راع. وكان دهش يفكر باتجاه آخر. يفكر أن داره اغتصبت وهدمت.. أين تذهب أمه وحسنة؟ أين؟؟. قال دهش بصوت عال وقد نسي نفسه: أين؟؟.‏

تساءل الضيف. ماذا تقول؟؟.‏

ـ لا شيء. لقد اتفقت مع الشركة. ولابد أن أنفذ اتفاقي. مصلحتي فوق كل شيء.‏

ـ والقرية؟؟؟.‏

ـ مالي والقرية؟؟... قال دهش ـ أستغفر الله. قال أبو محمد:‏

ـ قريتنا ذات موارد محدودة، ومن العدل أن يكون نصيب أحدنا بقدر جهده وعمله فما ينقص من حق أحدنا يزيد في باطل آخر... هكذا يتوالد الشعور بالخيبة والقهر وفقدان الثقة بالقرية والولاء لها. إن هذا شيء مدمر.. القرية لا ذنب لها.‏

ـ القرية مذنبة ومسؤولة ـ قال دهش غاضبأن ولا يهمني آمرها في شيء. اللهم نفسي ولتذهب القرية إلى الجحيم. عندئذ جلس الضيف وهو يتكلم كالحالم:‏

قريتنا يا دهش وطن. أرض ورثناها واشتريناها. فرن أمك وبيدر ومضافة وزقاقات وزوايا وساحات فرح وملاعب. قريتنا أناسنا والدنا وجدنا وجد جدنا وأجدادهم كلهم كانوا بالقرية. ولدوا صغاراً ثم كبروا. "دادي يا الله يا الله... دادي يا ماشاء الله" ثم قويت عظامهم وصاروا رجالاً. أحبوا وحزنوا وتقاتلوا وتصالحوا وغضبوا وتعلموا بالكتاتيب والمدارس والجامعات. قريتنا كرامتنا.. لماذا أنت هكذا يا دهش لماذا؟؟؟. القرية ليس لها ذنب.‏

ـ القرية؟؟. قال دهش. القرية يا أبا محمد لم تستطع أن تنصف راعي بقر قال بائساً:‏

ـ كيف يستطيع من هو مثلي ولا يقبض بالشهر أكثر من آلاف قليلة لا تكفيه ثمناً للخبز وزيت القلي.. كيف يستطيع أن يبني غرفة من الإسمنت المسلح ومطبخاً وفيهما مصباح كهربائي وصنبور ماء. لقد وعدت أمي أن أقدم لها هذا لكنني لم أستطيع وليس لي أمل بالمستقبل. ماذا أفعل؟؟. ماذا أفعل عندما أكون عاجزاً عن تحقيق طموحاتي القليلة بوسائل مشروعة. قل لي. عندما تعجز القرية كلها. رجالاتها ومشايخها وشرطتها وفلاحوها عن تحقيق طموح واحد مثلي ماذا يفعل؟؟. وتابع.‏

ـ القرية يا أبا محمد مذنبة أنها ذات علاقة وضالعة بالمسؤولية.‏

ـ الظروف يا دهش. قال الضيف. ظروف القرية صعبة وعلينا أن نقدر الوضع ـ قال دهش حزيناً؟‏

ـ إنني لا أفهم هذا أيضاً. أنا لا أستطيع الإحاطة بهذه الظروف. هل يطلب من الإنسان العادي أن يفهم كل المسائل في القرية وخارجها. إنني لا أفهم حتى ما يدور في بيتي. أرجوك. إفهمني يا أبا محمد.. كرامة للنبي. أقبل أطراف ثوبك. علمني. إنني لا أفهم. مختار القرية مع الشركة وكذلك رئيس المخفر وهو مع القوي دائماً والأغنياء يجدون ألف طريقة للحصول على ما يريدون وكما يريدون. الشيخ عبد الواحد. شيخ القرية وإمامها والكل يحلف بحياته وأنا نفس عندما أسلم عليه أقبل يده. وهو لا يسهر إلا مع الشركة ولا يطيب له الجلوس إلا عندهم. وعندما يجلسون على الطعام.. اللحم قطع كبيرة.. وفي طبيخ أمي قطعة اللحم لا تزيد عن حبة الحمص.. كيف؟؟. قل لي قال دهش وكأنه يبكي:‏

ـ هل أستطيع أن أقول أن الشيخ عبد الواحد غلط؟! أستغفر الله. هل أستطيع أن أقول أن رئيس المخفر غلط والمختار غلط وأن كل الدنيا غلط. أنا لا أستطيع. عندما أفكر يكاد ينفجر رأسي. وأجد نفسي ليست نفسي. وأنا لست أنا والقرية ليست القرية. القرية:‏

ـ قال دهش بأسى:‏

ـ القرية لم تقدم لي أكثر مما تقدمه لبقراتها. فقط. أليست مذنبة؟؟‏

قل.. أرجوك.. بحق الله.. كان دهش قد علا زبده وهو يهدر ثم سكت وهو يمسح فمه بطرف قميصه... قال الضيف مهدئاً:‏

ـ المشكلة أنك تحاول أن تستغل الشركة، والشركة. بالتأكيد تحاول أن تستغلك. وأنت والشركة تستغلون القرية إن استطعتم. والقرية كما تقول مذنبة. إن المسألة أصبحت عصية على الفهم وأنا معك بت لا أفهم لماذا تسير الأمور على هذا الشكل. إنها مهزلة دون شك.‏

.. صمت الضيق قليلاً ثم قال وهو يتمدد واضعاً رأسه على الوسادة:‏

ـ إلا أنني أفكر بطريقة أخرى. أنا مختلف عنكم. حتماً. إنني لست بحاجة لكل هذا البلاء. إنني أعرف الحق حقاً وأحاول الاقتراب منه وأفهم الخطأ خطأ وابتعد عنه. قال مبتسماً:‏

ـ لماذا تجعلون الأمور تتشابك على هذا الشكل. إنه نوع من التمويه للصيد في الماء العكر.. قال ذلك وأغمض عينيه ونام.‏

***‏

منذ نام الضيف وما زال دهش جالساً على الأرض. لم يتمكن من النوم. واضعاً رأسه بين يديه محاولاً الوصول إلى قرار. وفي ذهنه ما حصل معه وما وعد به. وما قالته حسنة، وهذا الرجل الذي ما زالت كلماته تحفر في رأسه.‏

وداهمته رغبة عارمة. أن ينهض. يحمل عصاه وكيسه الفارغ ويخرج.‏

يسوق القطيع، يتزوج. يعيش كما يحلو له. حاول أن يثني نفسه عن ذلك لكن رغبته كانت طاغية لا تقاوم. نهض مسرعاً. لبس ثيابه. تسلل من الحجرة على مهل. وعندما خرج من بناء الشركة شعر كأنه يخرج من سجن.‏

كان الفجر قد بدأ يطلع وأخذت السهول تتكشف أمام ضوء الشمس. كان الجو دافئاً رغم الغيوم التي تغطي السماء. الأرض الحمراء المزركشة بالعشب تبدو كبساط قديم مزخرف. شعر بالفرح وقد بدأت الغيمة ترش رذاذاً خفيفاً. أخذ الرذاذ يكثر. صاح ببهجة عامرة وهو يغذ السير.‏

ـ سوف تمطر. سوف يستمر الريح والمطر وابتل واغتسل.‏

أمامه عالم رحب. مملوء بالريح والضوء والمطر. صاح بأعلى صوته... وأخذ يركض. شعر بالحذاء يحمل كتلة ثقيلة من الطين. قذف قدمه اليمنى عالياً.‏

طار الحذاء مع الطين عندئذ قذف بفردة الحذاء الثانية وهو يصيح فرحاً. وألقى نفسه على التراب والعشب وتدحرج عليه حتى أصبح كل جزء من ثيابه مصبوغاً بلون التراب. سار حافياً يزغرد ويغني وانهمر المطر بغزارة فرشح الماء من شعره وثيابه وسال على أكتافه. صدره. بطنه وساقيه. وجد شجرة كبيرة، اقترب منها. وقف تحتها. جلس على حجر. تذكر. إنه الحجر ذاته الذي وضعت حسنة ثيابه تحته. نهض مسرعاً. قلب الحجر وجد ثيابه كما هي لم تبتل. أخذ ينزع ثيابه الجديدة يلقي بها في كل الأرجاء. حتى غدا كما ولدته أمه. خرج من تحت الشجرة. وقف تحت السماء عارياً، والمطر ينهمر بغزارة فيغسل جسده.. كان يدور ويدور مستبشراً ثم ليس ثيابه القديمة. أحس بالدفء وهو يلملم على صدره القميص الممزق ثم أخذ يسير مسرعاً إلى القرية. وعندما وصل إلى مشارفها توقف وقد لفت انتباهه بناء بيتوني ضخم يتم إنشاؤه مكان بيته القديم. دقق النظر وحاول التأكد وهو يحسب وعندما تأكد له أن بيته قد ضاع، أخذ يفكر كالمحموم إنه ربما تكون أمه وحبيبته ضاعتا أيضاً..‍‍!!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244