مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 273-274-275 كانون الثاني وشباط وآذار 1994
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

النقد التكاملي حوار الأسئلة والأجوبة ـــ د.نعيم اليافي

مسكين هذا النقد العربي المعاصر، التنظيري منه والتطبيقي، لقد وصل عند أحد دارسيه إلى حائط المبكى(1)، ووصل عند غيره إلى ما يشبه الطريق المغلق أو المسدود(2)، وما تزال الأوصاف تترى، تطلق عليه والنعوت، تعبيراً عن المحنة التي يمر بهاً فمن قائل أنه في أزمة، ومن زاعم أنه ذو معضلة أو مشكلة، ومن ذاهب أبعد من هذا للادعاء بأنه يكابد إشكالية مستعصية(3). ترى ما السبب في ذلك كله؟ أيعود الأمر إلى المجتمع أم إلى الإطار المعرفي وعدم تراكم عناصره وتفاعلهاً إلى النصوص ذواتها النقدية وغير النقدية، أم إلى النقاد أنفسهم والمبدعين؟.‏

منذ أيام كنت أقرأ في مجلة الموقف الأدبي (العدد 271 عام 1993) تعليقاً للدكتور سعد الدين كليب على مقالتي "في النقد التكاملي" التي نشرتها جريدة الأسبوع الأدبي في ملحقها الخاص بالنقد (العدد 39 عام 1992)، ففرحت قبل القراءة وحزنت بعدهاً وبكيت، أجل بكيت.‏

فرحت أول وهلة إذ وجدت دارساً يحتفي بأمر النقد، وبمنهج من مناهجه أو وجهة نظر، ويكتب فيما عرضت من آراء، ويبغي أو يود أن يحاور، وهذا في ذاته أمر هام وجوهري مرتين: مرة لأن الحوار في كل ظاهرة ملمح صحي وضروري يدل على الأخذ والعطاء، به تنتج الدلالات، ويتم تعديل المواقف والآراء نحو الأصوب والأسد. ومرة لأن الدراسة أثارت وشدت، ووجدت من يلتفت إليها ويناقش قضاياها وأطروحاتها بغض النظر عن مدى الاختلاف مع صاحبها أو الاتفاق، وما يترتب على ذلك.‏

وحزنت لأن الكاتب وإن استقى معظم مفرداته المعيارية التي قوم بها دراستي من معجم مفهوم "الجامعة والبحث العلمي" ولم يستعمل إلا لماماً. مفردات تنتمي إلى معجم مفهوم "العصابة" غير أن الروح أو المناخ الذي أراد أن يشيعه في التعليق كان يعبر عن نفس هذا المعجم وعن مناخ أصحابه. لقد استقى من المعجم الأول مفردات كثيرة مثل التناقض والاعتباط والتلفيق والمغالطة وغير العلمية والإيهام، وهي مفردات مقبولة ولا غبار عليها إذا قيست إلى التهافت أو إلى تهافت التهافت، (دعك الآن من كلمات مثل النسف والوصولية والانتهازية وقضية المعلف والفرس والتي هي عندي بقايا من معجم العصابة وأثر من آثار حيز الحظائر، ويمكن تجاوزها وعدم الرد عليها أو استعمالها).‏

بيد أنه لم يستمد أو يتعلم الفرق الكبير، والكبير جداً بين مواقف الفريقين وطرائقهما في الإبانة والتعبير ولغة الخطاب، وأبسط صور هذا الفرق أن الحقيقة ومن صم مسائل الصحة والخطأ والسلامة والضلالة والحق والباطل تكون لدى أبناء المعرفة والجامعة احتمالية، وتكون لدى أبناء العصابة يقينية، وأن الأوائل إذا عبروا عن آرائهم يحترسون، ويصغون إلى الآخر، وآذانهم مفتوحة، وعيونهم واسعة الحدقات لا تعميها الألوان، يسعون ما وسعوا إلى الفهم والتفاهم، التعلم والتعليم في حين يظل الأواخر طوال عمرهم مقيدين إلى أغلالهم أو مسيجين بأفكارهم، في قلوبهم زيغ، ولدى آذانهم وقر، وفوق بصائرهم غشاوة، وعلى أعينهم غمائم تحجب نور معرفة الحقيقة، وقضاء الأفق المترامي.‏

وبكيت لأني تساءلت بعد قراءة التعليق إذا كان المعلم الجامعي لا يستطيع أن يفهم إلا من موقعه، ولا يستطيع أن يحلل ويسبر ويرى إلا من موقفه، ولا يستطيع أن يدرك إلا بسلخ مقبوسات النص وانتزاعها من سياقاتها واختزالها في مقولات، ولا يستطيع أن يشد المادة التي يقرؤها إلى إطار صاحبها الثقافي ومفهوماته ومصطلحاته وأدواته المعرفية ـ فلمن إذن تكتب البحوث، وتحبر الصفحات، أو ليس القارئ العادي والقارئ المتميز بوعيه وثقافته ـ والحالة هذه ـ يستويان في فعل القراءة وفي فعل الاستجابة، أورد فعلها على السواء؟.‏

وبين حالات الفرح والحزن والبكاء التي انتابتني ترددت في الكتابة، وتساءلت عن جدواها ولكن اعتراف الكاتب يوم أفضى إلي بأنه أقرأ البحث فلاناً وفلاناً وفلاناً ممن يغنون داخل السرب ـ القفص، فضلاً عن الإحساس بأن الهجوم كان على منهج أطمح وسواي في تأسيسه وتمكينه، وليس على شخصي (ولو كان الأمر كذلك لهان، ثم استغلال الموضوع للدفاع عن عقيدة انهارت، وعن أصحاب لها يدلفون إلى القبر، والتصدي عبر ذلك كله للافتئات على أقانيم إنسانية الإنسان في الحرية والديمقراطية والتعددية، والزعم أن هذه الأخيرة ليست إلا وجهاً آخر للوصولية والانتهازية.. كل ذلك حدا بي، ودفعني دفعاً للرد، أو للحوار فيما طرح وقيل، ولن ألجأ في هذا الرد إلى المحبرة التي استمد الكاتب منها بعض مفرداته، فأنا ـ إنساناً ودارساً جامعياً ـ أترفع عن الصغائر من جانب، وأتمسك بمعايير لا أتزحزح عنها من جانب آخر، وفي مقدمتها القيم العلمية والقيم الأخلاقية معاً.‏

سأحاول في هذا الرد ـ التعليق أن أطرح مجموعة من الأسئلة والأجوبة تشكل أرضية صالحة فيما أعتقد للحوار، وسأحصرها في خمس عشرة نقطة هي:‏

1ـ المنطلقات 2ـ المفهوم والمصطلح 3ـ الأدوات المعرفية 4ـ تاريخ المنهج 5ـ مفاتيح المنهج 6ـ مقولة التركيب 7ـ الأساس الفلسفي 8ـ الناقد والمنهج 9ـ منهج من لا منهج له 10ـ بين المثاقفة والتأصيل 11ـ مناخ المنهج وإطاره 12ـ التكاملية ومناهج النقد الحديثة 13ـ بين التكاملية والماركسية 14ـ علام المنهج الآن 15ـ كلمة أخيرة، وسأمس كل نقطة من هذه النقاط بما تستحق من حيز أو تعميق.‏

أولاً ـ المنطلقات:‏

ثلاثة منطلقات للتكاملية لا تكون ـ عندي ـ إلا بها، وعياً وفهماً ومعرفة، أولها رفض الثنوية وإلغاء المتقابلات، فالوجود واحد والتجلي متكثر.. أرض وسماء، خير وشر، شرق وغرب، ذكر وأنثى، عقل وقلب..الخ.‏

هذه كلها متضادات موجودة على مستوى "القوة" لتسهيل عملية التفسير، لكنها في الواقع أو الفعل متداخلة متشابكة، مقرون بعضها ببعض ومتناسج، وثانيها النظرة الكلية أو الرؤية الشاملة لعالم النص والأشياء، عالم الكون والطبيعة والإنسان، وهي نظرة تلحم أجزاء المتفرق، أ, الذي يبدو أنه متفرق لتثبت أن وراء التنوع ـ المجزأ دائماً مبدأ كلياً واحداً ينظمه، صدوراً وتلقياً وإذا كانت الدراسات الفلسفية الحديثة حاولت أن تحل مفهوم الدينامية محل مفهوم الميكانيكية وبرهنت على ذلك فإن نظرتنا توحد بينهما ولا تعارض(4) وثالثهما احتواء التطور. أن التطور أو التحول أو التغيير قانون الحياة، وسنتها السرمدية يحمل أبداً في طياته ملحمية الأساسيين، الثبات والحركة (انظر المنطلق الأول)، وحتى تستوعب هذا القانون، واحتمالاته المستقبلية وربما مفاجآته ـ في الكم كما في الكيف ـ لابد أن نضعه في الحسبان عند تحديد معالم أي منهج أو نظرية.‏

2 ـ المفهوم والمصطلح:‏

استعملت مفردة "التكاملي" وصفاً لهذا النوع من النقد أو لهذا المنهج، وقد أطلق عليه آخرون تسميات أخرى منها النقد المتعدد أو المتكثر، والنقد الكلي، والنقد الحواري(5)، وجميعها مصطلحات ذات مفهوم واحد أو متقارب، وآثرت المصطلح الشائع "التكاملي" رغم ما يوحي به من ظلال دلالات ربما ساءت إليه، ولعل أخطر هذه الظلال أنه "جماع" مناهج مختلفة، أو "ملفق" لها، أو "أفضلها" أو "بديل عنها" مفردة ومجموعة وليس واحداً منها. ومع هذه الظلال رأيت أن تأطير الشائع بتحديد سماته خير من اقتراح آخر جديد قد يحدث بلبلة نحن في غنى عنها الآن، والوقت وقت تأسيس لهذا المنهج وتمكين، ودعوة إليه صارخة أيضاً، وكما فعلت إزاء مصطلح الشعر الحر بايشار الدارج الخاطئ(6)، فعلت هنا مع النقد التكاملي، لأن المهم في الحالين تبين محددات المفهوم قبل العمل على صياغة مصطلحة أو تثبيته.‏

3 ـ الأدوات المعرفية:‏

أساس الحوار والنقد، الفهم والتفاهم هو امتلاك الأدوات المعرفية وفي مقدمتها المفهومات والمصطلحات والمناهج على اختلافها، ودون الدخول في هذه الأدوات أقول أن سوء حظنا أن معظمها مقطوع الصلة بثلاثة حقول، مقطوع الصلة بالتاريخ، ومقطوع الصلة بالجغرافية، ومقطوع الصلة بعلاقاته في سائر الميادين المعرفية التي تستخدمه، وبكلمات أخرى مبتوت الصلة بتراثنا مرة، وبظروف نشأته وبمكوناته في المجتمعات التي أنتجته ثانية، وباستعمالاته المتعددة في مجالاته المتنوعة ثالثة، وضن هذا الانقطاع أو الانبتات يراد لنا أن نتحاور فأنى يتم لنا ذلك؟.‏

اضرب مثالاً واحداً على هذا من خلال استعمالات كاتبنا واستعمالاتي لمفردتي العلم ـ العلمية والموضوعية، التي شكلتا صلب دراسته ورؤيته وجاءتا جزءاً من دراستي ورؤيتي، كيف فهمهما وكيف أفهمهما؟. أن العلم والعلمية عنده تعنيان المعنى المادي الفعلي القائم على الملموسية والعيان وفق التحديد الماركسي للمفردتين أولاً، ولا ترتبطان بالفلسفة ولا بالتأمل ثانياً. وعندي أن هذا المفهوم في شقيه ضيق، فهو على المستوى الأول لا ينطبق إلا على العلم الطبيعي أو التطبيقي، في حين تخرج على محدداته وتتأبى العلوم الإنسانية، ومنها الاجتماعية، وفي قانوني أساسيين هما قانون الحتمية وقانون الجبرية، وقد أثبتت جميع العلوم بما فيها الطبيعية بعد النظرية النسبية صعداً حتى الوقت الحاضر أنها احتمالية، أما على المستوى الثاني ـ الفلسفي والتأملي فعندي أن للعلم جانبين، جانباً تأملياً وجانباً علمياً صرفاً، وإذا كانت الماركسية تنفي الجانب التأملي وتعلي من جانب العلم المادي، فلأنها تبحث في تفسير العالم وفي تغييره، في الوقت الذي يسعى الجانب التأملي من العلم كي يفهم العالم ويبحث عن غايته، وهذان الجانبان متداخلان، يكمل أحدهما الآخر، ومن هنا منشأ الاختلاف.‏

كذلك الموضوعية، فعنده أن المفردة لا تشير إلا إلى وجود خارجي "حقيقي" بغض النظر عن إدراكنا له ولن يتغير هذا الوجود أو يتوقف على مبلغ الإدراك الإنساني له أو معرفته به.‏

وعندي أن ذلك ليس ضربة لارب، فالموضوع الصرف أمر وارد إلا أنه يتعذر علينا أن نقبله على شتى الصعد ولا سيما صعيداً التصور العقلي والتلقي الفني، وأبسط صور التعذر ما يقال حديثاً عن الموضوعية النسبية بعد الحديث الطويل عن الموضوعية المطلقة ولئن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن "تموضع" الموضوعية لا يكون في الداخل ولا في الخارج بل في نقطة تلاقيهما.‏

ما أود أن أصل إليه من وراء هذا التفتيق أن ثمة خلافاً بين الأدوات الأيديولوجية والأدوات المعرفية، فإذا كانت الأولى تنتمي إلى حيز العلم المادي في نطاقه المعروف ـ وعياً وتفسيراً ـ فإن الثانية تنتمي إلى حيز الفلسفة في نطاقها المعروف ـ وعياً وفهماً وغائية ـ وشتان ما بينهما(7).‏

4 ـ تاريخ المنهج:‏

عبر المنهج في الفكر العربي الحديث خمسون عاماً، بدأ يطرح أول ما يطرح في مجال عالم النفس. ثم انتقل إلى مجال الأدب والنقد، أسسه يوسف مراد يوم كان يعد أطروحته لدرجة الدكتوراه في فرنسة عام 1940 ولاحظ أن ثمة منهجين يعتمد عليهما علماء النفس لتفسير السلوك الإنساني هما منهج التفسير التكويني، ومنهج التفسير الشبكي، ورأى عقم المنهجين كلا على حدة في التفسير، وحاول أن يقدم منهجاً آخر جديداً يخلو من عيوبهما فكان المنهج التكاملي الذي ظل يشرحه ويكتب فيه ويدافع عنه ويدعو إليه طوال ثلاثين عاماً، وكانت غايته الرئيسة من طرح المنهج وتطبقه المحافظة على توازن الإنسان إزاء نوعين من العوامل يخضع لهما، عوامل التفكك والتحلل، وعوامل البناء والتماسك(8).‏

في مجال النقد يمكن أن نعد سيد قطب رائد هذا الاتجاه فقد خصص له فصرً صغيراً في آخر كتابه "النقد الأدبي" الذي صدرت طبعته الأولى عام 1946، وسماه بمنهج التكامل(9)، ودعا إليه بعد ذلك وطبقه في آن مجموعة من الكتاب والنقاد من أهمهم:‏

عبد القادر القط وإبراهيم عبد الرحمن وأحمد كمال زكي(10)، كما عقد له شوقي ضيف فصلاً هاماً في كتابه "البحث الأدبي" وأفاض في وصفه وتبيان مزاياه(11)، وأكاد أزعم أن معظم الأطروحات الأكاديمية في عقود الخمسينات والستينات والسبعينات في جامعات القطر المصري اعتمدته في الدرس والتحليل، وفي سورية بدأ يطرح بشكل جماعي، سافر وتبشيري في عقد الثمانينات، وتولت جمعية النقد الأدبي في اتحاد الكتاب العرب حين كان مقررها الدكتور حسام الخطيب وحين تسلمت مقاليدها في منتصف الثمانينات الدعوة إليه، وعقدت لذلك ندوات عدة ناقشت فيها أصوله وقضاياه(12).‏

والسؤال هنا متشعب: لماذا بدأ المنهج يطرح في الأربعينات، ولماذا ساد طوال ثلاثة عقود، وهل فهم خلال هذه الفترة فهماً واحداً ومحدداً؟.‏

في ظني أن الإجابة عن التساؤلين الأولين تكمن في ربطه بظهور المذاهب النقدية الحديثة عندنا بعد نقلها من الغرب عن طريق طلاب البعثات الموفدين، وتبين قصور كل منها عن تلبية حاجات الناقد في العثور على ما يلبي رغبته أو فضوله، ثم في نزعة المرء ذاته للتفتيش عن الوحدة من خلال التنوع، أو البحث عن "الكل المتعالي" عبر شتات أجزائه المتفرقة، وربما يعود الأمر إلى المكونات الثقافية الخاصة بكل فرد وطبيعته الفيزيولوجية والنفسية أيضاً، ولنا ألا ننسى بعد ذلك كله أو قبله أن الذين أشرفوا على الأطروحات الجامعية كانوا ينتمون في أجيالهم المتعاقبة إلى ما يسمى بالآباء التنويريين من مثل طه حسين وأحمد أمين وأمين الخولي وشوقي ضيف وكلهم تقريباً أقرب في تناولهم النص وتحليله ودراسته إلى الانتقاء والموسوعية ركني التكاملية الركينين.‏

أما الإجابة عن التساؤل الثالث حول الفهم المشترك الواحد للمنهج، فمن الطبيعي أن نقول أن كل منهج لا يبدأ متلامحاً منذ ولادته بل يتم تشكله عبر سيرورته، وأعتقد أن المفهومات الرئيسة للمنهج لم تصغ إلا حديثاً وحديثاً جدأن ويمكن أن نتبين ذلك إذا وازنا بين ما طرح سيد قطب في منتصف الأربعينات، وبين ما أطرحه أنا في منتصف التسعينات، فقطب يحدد المنهج بتناول النص من جميع زواياه، في حين لا أكتفي بهذا التأطير بل أجعل الانتقائية تارة والتركيب أخرى صورتين من صوره، ولن أكون مغالياً ولا مزدهياً إذا زعمت بأني أول من يصوغ للمنهج التكاملي عناصره المميزة أو ملامحه التي أدعيها له.‏

5 ـ مفاتيح المنهج:‏

بينت في دراستي السابقة أن للمنهج خمسة مفاتيح يتلامح فيها هي: الموسوعية والانتقائية والانفتاحية والتركيبية والنصية، أؤخر مناقشة المفتاحين الأخيرين إلى حيزهما بعد قليل، وأقف عند الثلاثة الأول، ماذا أريد بها أولاً، وهل هي صفات للناقد أم للمنهج ثانياً، وهل هي خاصة به أم يشارك فيها غيره ثالثاً؟.‏

أبدأ بالانفتاحية، وأعني بها ضربين من الانفتاح، انفتاح النص على قبول الإجراء النقدي، وانفتاح الناقد نفسه على قبول مختلف التقنيات النقدية، وإذا كنا نعد التمذهب أو المذهبية انغلاقاً بمعنى من المعاني وأرثوذكسية، فإن الانفتاح على الآخر لن يكون كذلك في شكل من الأشكال وأزعم أن النقد النفسي مثلاً يوم ينفتح على النقد الاجتماعي، وأن النقد البنيوي الشكلاني يوم ينفتح على النقدين الآخرين البنيوي التكويني والبنيوي التحويلي، ويفيد منهما، وكذلك العكس، ويوم ينفتح النقد الجمالي بمفهومه التجريدي الفارغ على النقد الجمالي المفعم بالمعنى والوظيفية فستكون المحصلة النهائية لهذا الانفتاح الشراء والإخصاب لكل الضروب والأنواع.‏

أما الانتقائية فهي ضريبة الموسوعية والانفتاحية معاً إذا قدر للكلمة أن تحمل دلالة إيجابية لأنه لا يمكن لك في إطار معرفتك الشاملة وضمن إمكاناتك أو أوضاعك المقيدة والمحددة إلا أن تؤثر وتفضل وتقوم بعملية اصطفاء للأصلح والأسلم والأسد، وما الذي يضير في هذه العملية إن كان المقصود بها أولاً وأخيراً تعميق النص وإراءة البعد وإثراء التلقي؟!‏

تبقى الموسوعية وهي المظهر الخلاق للتكاملية أو التعددية، ومن دونها ليس لهما معنى، ومن المؤسف أن المفردة أضحت الآن تهمة، وآن لها أن تسترد ألقها الذي كان لها في عصرها، عصر العقل والتنوير، وبرغم التخصص الذي هو سمة العصر فإنها عند التحليل الأخير لا تتعارض معه، ونحن في حاجة إلى التخصص حاجتنا إلى الموسوعية، دائرة المعارف المتحركة في الفكر والإنسان، حتى تكون حياتنا الاجتماعية والثقافية والأدبية على شيء من البعد والعمق والاتساع.‏

هل هي خاصة بالمنهج التكاملي أم يشاركه فيها سواه؟، أرى أنها ومفاتيح للنص، ويأتي طرح السؤال خطأ في من النظرة الثنوية التي يقابل في نطاقها بين السبيل والسابل، المنهج والناهج، وهما عندي متداخلان كما قررت في المنطلقات، وسأعود إلى هذه النقطة بعد قليل.‏

هل هي خاصة بالمنهج التكاملي أم يشاركه فيها سواه؟، أرى أنها في تناسجها وتجاورها خاصة به، أما إذا نظر إليها بشكل منفرد كلاً على حده فليست خاصة به، واضرب على هذا المثال الذي اتخذ منه الكاتب حجة له ودليلاً وهو الناقد "لوكاتش"، إنه لاشك ـ ناقد مثقف موسوعي وكبير، يعرف الكثير ويتقن الكثير، غير أن الموسوعية عنده تختلف عن الموسوعية عندي من خلال توظيفها. فهو لا يوظف المتعدد معرفياً في رؤية النص من جميع أبعاده بقدر ما يوظفه لفرز المظهر الأحادي أيديولوجياً، أي أنه يرى النص من خلال موقف وليس من خلال موسوعية ويا له من فرق.‏

6 ـ مقولة التركيب:‏

تعد مقولة التركيب أهم مقولات المنهج، وقد لاحظ الباحث أنها الملمح الوحيد من بين ملامحه التي تنسب إليه وليس إلى صاحبه، وتؤسس مفهوماً محورياً فيه مثل مفهومات اللاشعور والواقع والبنية بالنسبة إلى مناهجهاً، إلا أن التركيب ـ كما رأى ـ ظل في استعمالاتي مقولة هلامية أقرب إلى المتخيل الوهمي منه إلى الحقيقة العيانية الملموسة.‏

وقبل أن أناقش المقولة وما قيل فيها أريد أن أبين ثلاثة أنماط من النقد التكاملي يحسن أن نفرق بينها. أولها النقد التعددي الذي يتناول النص من جميع جوانبه ويحتفظ في نطاق هذا التناول بالجهاز المعرفي لكل منهج. وثانيها النقد الانتقائي الذي يختار المنهج المناسب للنص المناسب ويحتفظ هو الآخر في حدود الاختيار بالجهاز المعرفي ـ مفهوماً ومصطلحاً ـ لكل منهج. وهذان النمطان هما الغالبان على النقد التكاملي حتى الوقت الحاضر، يلجأ إلى أولهما فريق العمل الواحد أو الناقد التكاملي الواحد في حدود إمكاناته المتاحة(14)، وقمة نمط ثالث من النقد التكاملي يعتمد التركيب ما زال جنينياً أو حلماً أو مشروعاً أو في طور النشوء والارتقاء وهو النمط الذي أنشده وأبغيه فماذا أنا قائل فيه؟(15).‏

تستعمل مفردة "التركيب" لتعني ضم المؤتلف أو المختلف في لحمة واحدة أ, نسج، يكون ما بعدها مبايناً لما قبلها، وبذا المعنى يختلف التركيب عن التأليف، مثلما يختلف عن الجمع المرتب أو غير المرتب، وبالتالي يختلف الاختلاف كله عن التوفيق أو التلفيق.‏

إن التركيب صهر للعناصر أو تذويب لإنتاج حالة ثالثة، ولنأخذ مثالاً الأقانيم الثلاثة لجدل المتناقضات في الفكر الماركسي. لدينا الأطروحة ونقيضهأن ثم حاصل تفاعلهما في الناتج الجديد أو المركب، كذلك في المنهج التكاملي وفي نمطه التركيبي لدينا القضايا المطروحة أو الإشكاليات، ولدينا المتغايرات الإيجابية في كل منهج بوصفها تفسيرات متناقضة، وما على الفكر المنطقي إلا أن يلحمها ويركبها وصولاً إلى التوازن المؤقت، وهذا التوازن المؤقت يفرز هو الآخر أطروحاته وتناقضاتها معاً فيعمل الفكر المنطقي ثانية من خلال حركة الواقع والبنى الفكرية وأقيستها على إعادة لحمتها عبر تركيب جديد، وهكذا دواليك.‏

قد نقول هنا أن التركيب مقولة عقلية، وهو حقاً كذلك، وإذا بدت حماستي للتفريق بينه وبين التلفيق واضحة في مقالتي فلأني كنت أود أن أقيم "فيصل التفرقة" قبل أن أحدد "فصل المقال" فيه، وعساي أنشط في المستقبل للنهوض بهذا التحديد.‏

7 ـ الأساس الفلسفي:‏

من حق الكاتب أن يتساءل كما تساءل يوماً الدكتور عبده عبود عن الأساس الفلسفي للمنهج التكاملي(16)، وعندهما ـ وأنا معهما في ذلك ـ أن كل منهج تأسس في الغرب أنتجه فكر، وصاغه مجتمع، وحدده جهاز معرفي متناسج المفهومات والمصطلحات، ولكني لسن معهما في أن نقل المنهج أو استعماله يقتضي بالضرورة نقل "حاشيته" معه واستيرادها، وحين نسعى إلى ذلك فيجب أن نتوقف عن الإفادة من أي منهج قادم أو وافد، فمجتمعنا مختلف، ونصوصنا مختلفة، وأسسنا الفلسفية المنتجة للأفكار والمناهج مختلفة، إن لم اقل أنّا لمّا نملكها بعد، فما العمل إذن؟ هل نتوقف أو نستورد؟ وإذا استوردنا فماذا نستورد؟ إن كل ما نفعله حتى الوقت الراهن أننا نسلخ المناهج من سياقاتها الثقافية والاجتماعية والفلسفية، ونفكك أبنيتها ونصدعها، ونحاول أن نغير في مفهومات مصطلحاتها مرتين، مرة في أثناء رحلتها عبر البحر للانتقال من بيئة إلى بيئة، ومرة عبر استعمالها في البيئة الواحدة لدى هذا الناقد أو ذاك، وتكون النتيجة مثل هذه الفوضى التي تضرب بأطنابها في الساحة النقدية(17).‏

أعود بعد ذلك للإجابة عن التساؤل المطروح حول الأساس الفلسفي للمنهج التكاملي. لاشك أن الأساس موجود في النمطين الأولين، النمط التعددي، والنمط الانتقائي، ولكنه مع النمط الثالث التركيبي يبدو أنه مغيب أو ماثل ضمن طموح التركيب ذاته الذي يأمل الإنسان أن ينقله يوماً من مشروعية التنظير إلى مشروعية التطبيق.‏

8 ـ الناقد والمنهج:‏

قلت منذ قليل أن خطأ الكاتب في تساؤله عن ملامح التكاملية أهي صفات للناقد أم للنص أتى من التفريق بين المنهج والناهج، وأجبت بأن رؤيتي تنطلق عكس ذلك من التوحيد، فالناقد هو منهجه، والمنهج هو الناقد ذاته ولا تمايز، وقد أتى خطأ السؤال ثانية من التفريق بين التنظير والتطبيق، وجعل أحدهما في واد، وآخرهما في واد، وتلك إشكالية كابدتها في مجال الفكر، وعليّ أن أعانيها هنا في مجال النقد. وأتى ثالثة ـ فيما أظن ـ من عدم إدراك الإجراء، النقدي، ووضعه ضمن المفهومات التي نتداولها على مستوى الظاهرة.‏

إن الإجراء النقدي هو نقل المنهج من مستوى التنظير العام إلى مستوى التطبيق الخاص أو مستوى الممارسة، وهذه الممارسة الإجرائية غالباً ما تختلف بين ناقد وآخر حتى في نطاق المنهج الواحد، وفريق العمل الواحد، وإذا كنا نحسب أن المنهج كينونة محايدة، وموضعية مطلقة خارج ممارسته، فذلك تصور مسبق سحبناه من مجال الأيديولوجية إلى مجال المعرفة. ومن يقرأ فيما كتب عن سبب اختيار المنهج التكاملي، أو حتى عن سبب الانزياح في مفهومات هذا المنهج أو ذاك لتلائم هذا الناقد أو ذاك، سيتبين هذه العلاقة الوشيجة والمشدودة باستمرار بين شخصية الناقد وشخصانية المنهج، حتى ليبدو نوع من التنزيل أو الإسقاط أو لنقل التماهي بين أحدهما والآخر في خصائصه وصفاته، وما كل ذلك إلا لهذه الصلة التي يستحيل فصمها أو فهمها بغير التوحيد بين المنهج وناهجه(18).‏

9 ـ منهج من لا منهج له:‏

زعمت وما أزال أزعم أن المنهج في اللامنهج، وبكلمات أخرى أن المنهج الحق أو الأفضل أو الأصلح ـ سمّ ذلك ما شئت ـ يكمن في عدم الإخلاص أو الإرتهان إلى منهج محدد بعينه، ورأيت أن المنهج التكاملي يلبي هذا الزعم في أنماطه الثلاثة التعددي والانتقائي والتركيبي. ويظهر أن صاحبنا فهم المقولة الشائعة لدى الكثير من النقاد (المنهج في اللا منهج)(19) فهما حرفياً دون الأخذ بمجازية التعبير، وقصديته البعيدة، ومن هنا أتى اتهامه لي بتمييع القضية أولاً، وحثّي على رفض المناهج ثانياً، ثم ـ وهو أخطر ما في الموضوع ـ الإدعاء بأن المنهج التكاملي منهج من لا منهج له ثالثاً، وكل ذلك عندي تخرصات وقراءات لا تمتّ إلى آليات النص ومفهوم الخطاب بصلة، وربما كانت من تداعيات خيال الكاتب وأوهامه.‏

10 ـ بين المثاقفة والتأصيل:‏

عرض الكاتب بين يدي دراسته وفي نهايتها هاتين القضيتين تحت اسم التأثر بالوافد الغربي، ورد الفعل العربي، ولا أدري الدافع إلى ذلك فليس ثمة من علاقة بينهما وبين ما عرض حول المنهج التكاملي، ولا يخرج الآمر عن واحد من ثلاثة، 1ـ اتهامي بالنقل والاستيراد، 2ـ أو اتهامي برد الفعل إزاء الغزو، 3ـ أو لمجرد إبراز العضلات العلمية. نناقش الأمور الثلاثة.‏

أما اتهامي بالمؤثر الغربي في بناء المنهج فهو يعلم أو لا يعلم أن النقد الغربي لا يستعمل المصطلح، وإنما يستعمل آخر عددته نمطاً من التكامل هو المنهج المتعدد أو المتكثر، ويحصره في استخدام التقنيات المختلفة في تحليل النص الواحد، ولا أعتقد إني حامل لمشعل التغريب لا في ذلك ولا في غيره، بل كل آرائي تخالف هذا الاتجاه لأني أومن بالتلاقح والامتصاص والمثاقفة، ولا أو من بالنقل والاستيراد والحذو حذو النعل للنعل.‏

أما اتهامي برد الفعل العربي، فصحيح أني ممن ينتسبون إلى العرب والعروبة والإسلام، وأفخر بذلك، بيد أني لا أنغلق على ذاتي ولا على تراثي، وعلى النقيض أدعو إلى إعادة قراءة التراث وإنتاجه في ضوء العصر، إني ليست من أولئك الذين ينظرون إلى التراث على أنه كتلة صماء تؤخذ جملة أو تهمل جملة، وإنما هؤلاء الذين يفككونه، ويستلهمون منه ما يفيد واقعهم وزمانهم، والهوية أو الخصوصية التي أحملها لا أراها هي الأخرى مجرد دمغة ثابتة على جلدي بل هي سيرورة وصيرورة تتشكل مع الزمان وفق قانون التحول والتغير والتطور، وإذن لا أعتقد إني مخول برد الفعل إزاء ما يرد، فلي موقفي ورؤيتي المسبقان على الرد والفاعلان في دوامة العصر.‏

يبقى الأمر الثالث، أمر عرض العضلات العلمية، وأظن أنه أخفق في هذا العرض، فعلمه عن المناهج يبدو كعضلاته، وما قاله عن بعضها من مثل المادي التاريخي والنفسي والبنيوي لا يقوله معلم جامعي، لسبب بسيط أنه مجموعة معلومات سطحية مستقاة مما قيل عن المناهج، وليست مستقاة من قراءة المناهج ذاتها، ومعانيها من خلال نصوصها النظرية والتطبيقية.‏

11 ـ مناخ المنهج وإطاره:‏

رأينا أن في المنهج التكاملي وجهين لعملة واحدة.. وجه التعددية، ووجه الحوارية،وهذان الوجهان متداخلان متشابكان، فأنت لا يمكن أن تعيش التعددية إلا إذا توسلت بالحوار، ولا يمكن أن يتم لك الحوار إلا إذا كان ثمة تعددية، وما التكاملية إلا لقاء وتفاعل بين اتجاهات شتى، كل منها يحرث في حقله، وتريد أن تبحث عن نواظم عامة مشتركة.‏

ورغم هذه العلاقة الوشيجة بين التكاملية من جانب وكل من التعددية والحوارية من جانب آخر فإن هاتين السمتين ليستا خاصتين بها، ولا موقوفتين عليها، فلهما علاقاتهما بالإطار الأوسع للحياة والمجتمع والفكر. ما هو هذا الإطار؟ إنه الإطار المؤسس للماهية وللوجود ـ إطار الحرية والديموقراطية، وهل يمكن تصور تعددية واقعية أو مقترحة وحوار قائم أو منشود، من دون هذه الحرية وهذه الديموقراطية؟ هكذا تجد نفسك في النهاية لا محالة إزاء أربع حلقات متداخلة متعانقة، يتنفس بعضها من رئات بعض ويشاركها في هذا التنفس أو يصنعه لها الإنسان.‏

ويتساءل الكاتب لم التعرض لهذه الحلقات والحديث حديث عن النقد وعن مناهجه؟ والجواب جلي، لأني ربطت منذ البداية بين منهجي المختار وهذه الحلقات في حين أراد هو أن يفصم عراها ويجعل المنهج ـ إن وجد في زعمه ـ قبضاً من الريح لا تشده إلى الأرض جذور، ولا تنسج مكوناته خيوط الواقع ومسوغات المناخ الثقافي العام في خطي سيرورته وصيرورته فإلام انتهى؟ انتهى ـ أراد أو لم يرد إلى ثلاثة أمور خطيرة من التدليس تسلبه حقه في فضيلة التعلم والتعليم وحقه في شرف مهنة التدريس وحقه في خيار الحوار، أولها تزييف الأفكار وأخراها فلب الوقائع، وثالثها الافتئات على الآخر أو التجني، ويبلغ هذا التدليس مداه أو عماه حين يرى في التعددية وجهاً آخر من وجوه النفعية والوصولية والانتهازية.‏

لقد تبين لنا حتى الآن أن من أهم سمات التكاملية الاعتراف بوجود الكثرة المتجاورة الساعية نحو التفاهم والائتلاف والتلاحم بواسطة الحوار فماذا نعد المسفه لهذا السعي ومن ورائه المسفه للتلاحم والتكامل سواء على مستوى النقد والمنهج، أو على مستوى المجتمع والحياة ـ أكثر من رقٍ نشأ على القهر فأساغه، وربي بالسوط فاستمرأه، وألف القيد واستراح إليه؟ وهو في كل الحالات ما عرف طعم الحرية فأنى له أن يهتف بها ويرضاها لنفسه وسواه، وكيف؟.‏

12 ـ التكاملية ومناهج النقد الحديث:‏

إن من يتتبع تطبيقات النقد العربي الحديث في مناهجه المتعددة، ولا سيما مناهج الألسنيات على اختلافها يجد أن ثمة إحساساً يراوده أو يخلص إليه، مؤاده أنها تطبيقات أقرب إلى التجريب المنهجي منها إلى الالتزام المنهجي، وقد انتابني هذا الإحساس يوم رحت أرصد نقلة بعض النقاد من منهج إلى منهج، تحولاً وتطوراً، وحاولت أن أعلل الأمر على ثلاثة مستويات..‏

مستوى اللحاق بتقنيات الدرجة السائرة، وأكثر ما يتجلى هذا اللحاق في المغرب، ومستوى القبض على منهجين أو أكثر في وقت واحد، وغالباً ما يكون في إطار توجه أعم. ومستوى الانتقال من النقيض إلى النقيض داخل المنهج الواحد(20) وإذا كنت قد وصفت ذلك كله منذ قليل بالتجريب أفليس من الأجدر أن نصفه أيضاً بالقلق، قلق الأدوات المعرفية بيد أصحابها وشعورهم بأنها قاصرة في بعض الأحايين عن تلبية تطلعهم لسبر النص بصورة أعمق وأكمل وأتم؟ إن استمرار هذا التجريب عندي وما يرافقه من قلق وتطور أو تحول لأكبر دليل خلف ـ كما يقول المناطقة ـ على صحة أطروحات التكاملية وتوجهاتها.‏

13 ـ التكاملية والماركسية:‏

جاءت الماركسية ولا سيما الستالينية لتدير ظهرها إلى معظم الحركات الفكرية والأدبية والحداثية التي أنتجها الغرب وفي مقدمتها الرومانسية والفرويدية والوجودية والسريالية والتكعبية والبنيوية وما بعد البنيوية...الخ، باعتبارها جميعاً إبداعات بورجوازية، لكن ما لبثت هذه الماركسية ذاتها أن انفتحت على التيارات التي رفضتها وأقامت معها صلحاً تاريخياً تناولت فيه عن كثير من مواقفها الأصولية إزاءها، صحيح أن العديد من هذه التيارات اغتنت بدخول الماركسية إليها غير أن الأصح أنها أغنتها أيضاً بالكثير من الرؤى والتقنيات التي جلبتها إلى ساحتها(21).‏

السؤال الذي نرفعه.. إذا كانت هذه المبادلات بين الماركسية ومختلف التيارات، وتطور العلاقات بينها نحو الانفتاح مرة والتأثر والتأثير أخرى قد دفعت بعض الباحثين إلى طرح مقولة النقد الحواري(22) فهل كان يمكن لو قيض للماركسية أن تستمر ـ أن نجد دارسين آخرين يطرحون موضوعه "النقد التكاملي" جنباً إلى جنب مع النقد المادي التاريخي من دون تردد أو وجل؟ يظل السؤال سؤالاً ما دام رفاق الدرب غائبين.‏

14 ـ علام المنهج التكاملي الآن؟‏

طرح الباحث هذا السؤال في جملة ما طرح من أسئلة. وأجيب بكل وضوح.. نحن في حاجة اليوم إلى النقد التكاملي حاجتنا إلى التعددية وحاجتنا إلى الحوارية. لقد ظللنا طويلاً نسير في الدرب الواحد، وفق السهم الواحد، نحو الأمر الواحد، أما آن لنا أن نجلس متجاورين بقامات متسامقة، حول طاولة مستديرة، نصنع جميعاً قدرنا الآتي، بعد أن صنع لنا قدرنا الذي مضى؟ أجل، ولن يتم لنا هذا "الأجل" إلا عن طريق الحرية والديموقراطيات الثلاث على المستوى السياسي والاجتماعي والأخلاقي، وعن طريق التعددية والحوارية على المستوى الحضاري والثقافي والفكري، وعن طريق التكاملية على المستوى الإبداعي والأدبي والنقدي، ولم لا أقول الإنساني أيضاً؟ وإذا عدت الواقعية الاشتراكية يوماً ما الوجه الفني للماركسية فلم لا تكون التكاملية الآن الوجه الأدبي للتعددية؟.‏

15 ـ كلمة أخيرة:‏

تدور الكلمة الأخيرة حول ثلاث مفردات، وردت في تضاعيف المقالة، الأولى عن النص والنصية، والثانية عن الحلم، والثالثة عن المشروع. لقد رأى الكاتب أن النصية ليست حكراً على المنهج التكاملي، وهذا صحيح إلى حد كبير، فمعظم المناهج الحالية، ولا سيما الألسنية تبدأ من النص، وتنتهي إليه، ولكن تأكيدي هذا الملمح كمفتاح للتكاملية جاء من اعتبارين، أولهما أن المنهج التكاملي هو ربيب المنهج الفني، آصل المناهج في نقدنا العربي الموروث. وثانيهما أن المنهج ذاته، نما وزكا وترعرع في ظل التوجه نحو داخل النص أكثر من نشأته في ظل التوجه نحو خارجه، وبهذين الاعتبارين ليس غير جعلت النصية مدخلاً من مداخله.‏

أما عن الحلم مرة، والمشروع أخرى، فلست أشك في أنهما كانا نصب عيني حين طرحت المنهج، وآمنت به، ودفعت إليه. إن الحلم العربي أو المشروع جزء لا يتجزأ من وجودي كمكفر ومن مخيلتي، فهل على تثريب أن يكون جزءاً من وجودي كناقد ومن مخيلتي أيضاً؟. ومع ذلك فإنه لا الحلم ولا المشروع كانا وراء تبني المنهج، لقد أخذت به أول ما أخذت منذ ثلاثين سنة من خلال الواقع الحياتي الذي عشته، والشخصية الإنسانية التي تلامحت عندي، وجبلت عليها، والنص الأدبي الذي وجدتني منذ البداية أكابد تفكيكه وتركيبه، واليوم أراني وبعد مضي كل هذه السنوات أكثر إيماناً به وتعلقاً.‏

خاتمة الخاتمة:‏

حاولت في الصفحات الماضية أن أحاور وأرد في وقت واحد على جملة التساؤلات والآراء التي عرضها الدكتور سعد الدين كليب في تعليقه على ما كتبته حول النقد التكاملي، وقد ظهرت في التعليق والرد أوجه الخلاف بيننا والتباين في كثير من القضايا والظواهر التي عرضناها وليس هذا بالمهم إنما المهم أنها كانت فرصة اهتبلتها لأعيد إنتاج المعرفة لدي، وأفحص وأدق في أدواتي، وأنقذ ذاتي وما رأيت. وأكد ذلك عندي أن الحوار ـ مهما يكن ـ هو العامل الأكثر فاعلية في إبداع الدلالة، وأن النجوى تظل دائماً عامل انغلاق وتقوقع. فلنسع إلى الإبداع، وإعادة إنتاج المعرفة، من خلال الحوار مع الآخر، وبصوت عال، من أجل تغيير الواقع نحو الأفضل.‏

حواشي الدراسة‏

1 ـ انظر.. الخطيب، حسام، النقد عند حائط المبكى، الموقف الأدبي. ص/6.ع/ 141ـ 143 دمشق 1983.‏

2 ـ انظر.. اليافي. نعيم:‏

1 ـ حركة النقد وحركة الإبداع في الثقافة العربية المعاصرة مجلة المعرفة ص/73 عدد 231 دمشق 2091 ـ المغامرة النقدية. الفصل الأول. دمشق 1992.‏

3 ـ انظر.. العدد الخاص الذي أصدرته مجلة الوحدة بعنوان "النقد والإبداع"، ولا سيما المقالة الأولى ص/6.ع/ 49 المغرب 1988.‏

4 ـ يرى الأستاذ ندرة اليازجي أن الدينامية حلت محل المكانيكية في العلم الحديث ـ ومن المعروف ـ كما سنشير لاحقاً ـ أنه من أشهر الداعين إلى التكاملية في ميدان الفلسفة، وقد أسماها الكلية الشاملة أو المبدأ الكلي، وحلول أن يستشفها في الإنسان والمجتمع والطبيعية والكون انظر له.‏

1ـ المبدأ الكلي دمشق 1989. 2ـ رسائل في مبادئ الحياة دمشق 1991. 3ـ وحدة الفكر الإنساني دمشق 1992.‏

5 ـ لا يوجد في النقد الغربي مصطلح النقد التكاملي بل يوجد مصطلح النقد المتعدد أو المتكثر. انظر هايمن. ستانلي. النقد الأدبي ومدارسه الحديثة ترجمة محمد يوسف نجم وإحسان عباس جزءان بيروت 1953. أما النقد الحواري فقد استعمله تودوروف في كتابه "نقد النقد" حيث عقد فصلاً يحمل هذا العنوان، وإن فسره تفسيراً لا يشير به إلى أنه حاصل جمع لأفضل أجزاء المناهج وتجاورها في حيز واحد. وأرى أن النقد الحواري خطوة أولى أو مرحلة باتجاه النقد التكاملي، والدليل على ذلك أن تودوروف نفسه يشير إلى تقويم جديد وإعادة النظر للرومانسية بعد أن رفضتها الماركسية. انظر الكتاب ترجمة سامي سويدان بيروت 1986. ويطلق الأستاذ ندرة اليازجي على هذا النقد بعد تعميمه على كل الحقول الثقافية المبدأ الكلي. انظر المراجع السابقة. ويرى الدكتور فؤاد المرعي في حوار لي معه أن مصطلح النقد الكلي هو الأسد، وأنه لا يعارضه وإن كان لا يأخذ به.‏

6 ـ انظر في إشكالية مصطلح الشعر الحر. اليافي نعيم. الشعر العربي الحديث دراسة نظرية في تأصيل تياراته الفنية ط2 دمشق 1986.‏

7 ـ كثيرة هي الدراسات التي عرضت التباين بين الفلسفة الماركسية وسواها من الفلسفات وبعدها، ومدى علاقتها بمفهومات: العلم والمادة والمعرفة أنظر في ذلك:‏

1ـ الحرية والتنظيم مصر 1950.‏

دراسات رسل برتراند:‏

2ـ السلطان، ترجمة خيري حماد، بيروت 1962.‏

3ـ حكمة الغرب. عالم المعرفة ترجمة فؤاد زكريا الكويت 1980.‏

8 ـ انظر في ذلك.. يوسف مراد والمذهب التكاملي. إعداد مراد وهبة القاهرة 1974.‏

9 ـ اعتمدنا الطبعة السادسة القاهرة 1966.‏

10 ـ انظر في هذه الأسماء جميعها. درويش. حسن. النقد الأدبي بين القدامى والمحدثين القاهرة 1988.‏

11 ـ صدرت طبعته الأولى في القاهرة. دار المعارف عام 1972.‏

12 ـ انظر جريدة الثورة العدد 7250 عام 1988. ومما يجدر ذكره أن ثمة كتاباً كثراً يدعون إلى هذا المنهج ويدافعون عنه، انظر مقدمة الخطاب الأدبي والخطاب السياسي، الدكتور قاسم المقداد، وأذكر أنه من النادر أن تجد طالباً يعد أطروحة لدرجة الماجستير والدكتوراه في جامعات القطر دون أن يأخذ بالمنهج التكاملي في الوقت الراهن.‏

13 ـ نمثل لهذا الناقد بمحمد أركون على اختلاف كتبه أنظر خاصة كتابة الأخير "من فصل التفرقة إلى فصل المقال" دار الساقي بيروت 1993 في وانظر تعليقاً على المنهج التعددي عند الكاتب في "نقد النص" لعلي حرب بيروت 1993.‏

14 ـ نمثل لهذا الكاتب بنماذج من مثل عز الدين إسماعيل، عبد الملك مرتاض، إحسان عباس وسواهم.‏

15 ـ بدأ مفهوم التركيب يدخل إلى فكري النقدي من خلال جدلية العلاقة بين حركة الواقع والمؤثر الغربي والأساس التراثي، ورأيت وما أزال أن هذه العملية المثلثة عملية مضنية تحتاج إلى مؤسسات كاملة لترعاها وتناقش فيها، ثم انتقل التركيب لدي من هذا المجال مجا الفكر النقدي إلى مجال النقد الأدبي وما برحت أنعم النظر فيه.‏

16 ـ من تعليق للدكتور عبده عبود في الندوة السنوية التي أقامتها جمعية النقد الأدبي في كانون الأول عام 1992 وكانت بعنوان "إشكالية المنهج في النقد الأدبي الحديث".‏

17 ـ أعد دراسة حول هذه الإشكالية بعنوان "أسئلة المصطلح في النقد العربي الحديث" ستنشر لاحقاً.‏

18 ـ يشير مراد وهبة في حديث عن شخصية الدكتور يوسف مراد إلى هذا التلازم بين شخصيته ومنهجه، وأعيد حواراً جرى بيني وبين الدكتور عبد الله الغذامي حول قضية المنهج فذكر من جملة ما ذكر أن البنيوية التي يتأساها في تحليل النص هي "البنيوية الغذامية".‏

19 ـ من الداعين إلى هذه المقولة خلدون الشمعة انظر له:‏

1ـ النقد والحرية دمشق 1977.‏

2ـ المنهج والمصطلح دمشق 1979.‏

20 ـ على المستوى الأول يمكن أن نذكر محاولات العوفي ويقطين ومفتاح وبنيّس ولحميداني. وعلى المستوى الثاني نذكر محاولات الدكتور عبد الكريم حسن، وانتقاله من الموضوعية البنيوية في كتابه عن السياب إلى السيميائية البنيوية في كتابه عن أدونيس. وعلى المستوى الثالث أشرت غير مرة إلى انتقال كمال أبو ديب من البنيوية الشكلانية إلى البنيوية التكوينية وانتقال يمنى العيد عكسه من هذه إلى تلك.‏

قارن للأول بين جدلية الخفاء والتجلي وبين الرؤى المقنعة، وقارن للثانية بين "في معرفة النص" وبين تقنيات السرد الروائي.‏

21 ـ انظر على سبيل المثال:‏

1ـ اوسبورن. الماركسية والتحليل النفسي ت. سعاد الشرقاوي. مصر د.ت‏

2ـ باختين. الماركسية وفلسفة اللغة ت. محمد البكري. المغرب 1986.‏

3ـ مجموعة. البنيوية التكوينية والنقد الأدبي ت. مجموعة. بيروت ط2، 1986.‏

22 ـ انظر تودوروف. مرجع سبق ذكره.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244