|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
أنا وأنت وشيء ثالث ـــ قصة: جرجس حوراني جلس بهدوء على الكرسي، يفصله عنها طاولة أنيقة.. ويفصلهما عن الشارع سور من الزجاج. يبتلع الضجيج فيضفي على المكان ذاك الهدوء الذي يتمناه عاشقان.. فتح الجريدة بعصبية وقال لها: أنظر هنا.. وأشار باصبعه. لكنها لم تغيّر نظرها، ما زالت توجّه إليه سهامها.. ـ ما بكِ؟ تأخرت.. ـ كنتَ تشتري الجريدة.. أليس كذلك؟ سألته بعصبية. لقد بتْ أكره هذه الجريدة، صرت أشعر أنها تبعدك عني.. إنها تسلخك من جسدي.. أسمع؟ إني أحقد على هذه الجريدة. حاول أن يبتلع غضيها بابتسامة اغتصبها من شفتيه وسفرّها دون حنين.. احتوى يديها بحنان ورمقها بنظرة عذبة مشبعة بالحب.. ـ هذه الابتسامة ستقتلني ذات يوم.. إنك مارد. ـ آهٍ لو تعرفين.. إن هذه الجريدة تربطني بك أكثر.. أشعر أنها جسر جديد أعبر من خلاله إلى شواطئك.. لم نعد في هذه الحياة أنا وأنت فقط.. صرنا أنا وأنت وشيء ثالث.. ـ ما هذا الحب الذي يولد من جريدة؟ ـ إننا يا صديقتي في نهاية القرن العشرين.. وذاك الحب الذي يبني قصوراً من كلمات وبساتين من زهور وهمسات لم يعد نافعاً الآن.. بل هو عاجز أن يستمر في هذا الزمن سوف ينكسر عند أول صخرة.. الآن حتى أحبك.. حتى أعيش في عينيك يجب أن أكشفها بين هذه السطور، يجب أن أبحث عنها بين هذه الكلمات.. إنك بعيدة عن الخطر.. خل تعرفين أنه قد تموت عيناك هنا ولكن من هنا أيضاً الولادة.. ـ ماذا تقول!! روميو وجوليت.. جميل وبثينة.. أين ذهب هؤلاء؟! ـ هؤلاء اخترعهم الشرق في الزمن السهل.. نحن الآن في زمن ميت.. وأعتقد أنهم لم كانوا الآن هنا لفعلوا كما نفعل نحن.. ابتسم مرة أخرى.. وعندما تحزنيني.. وحتى عندما تبعدين هذه الجريدة من أمام عينيك. ـ إنك مارد.. لكنني أحبك. *** تنبَّت أنها ليست وحيدة.. أوقفت سيل ذاكرتها.. إنه يؤلما بقدر ما يفرحها.. كانت تسير بلا وعي لكن عينيها كانتا تلاحقان هذه المشاهد المرسومة في كل مكان.. المدينة أثرت فيها كثيراً.. زرعت فيها أشياء وسلبتها أشياء.. إنها تشعر أنها تغيرت.. المدينة مدرسة حقاً.. قريتها البسيطة لا زالت تداعب وجدانها، لا زالت تعزف على أوتار خلاياها، فتوقظ الحنين، وتستفيق الذكرى.. لعلها لا تنسى كيف اشتعلت في عيني أمها تلك النار العجيبة، أحست بلهيبها يفترس ذرات جسدها. ـ ماذا تقولين؟ صرخت فيها وقد أمسكت شعرها بوحشية. ـ أين تعيشين..؟ في المريخ.. في أوربة.. هل جننتِ. ـ إنني أحبه.. وهو يحبني. ـ هذا ما علموك إياه.. كيف ستعلمين تلاميذك أيتها المربية الفاضلة.. عليك أن تسقطي هذا الجنين من أحشائك قبل أن تكبر الفضيحة، وإلا سوف أخبر والدك وتعرفين أنت الباقي.. يا للمصيبة.. يا خسارة.. ـ أمي، أرجوك.. يجب أن تفهميني.. سوف يعود قريباً جداً.. ونتزوج. ـ وإذا لم يعد؟ ـ لماذا لا يعود..؟ ـ الدنيا مشتعلة في لبنان.. الصهاينة شياطين.. والحرب لا ترحم. *** غصّت.. ابتلعت دمعها.. إنها في الشارع، يجب أن توقف هذه الذكريات، لم يعد بإمكانها أن تقاوم.. آهٍ.. لماذا لم تعد!؟. اقتربت من الكشك واشترت الجريدة.. تصفحتها.. ومن خلال سطورها، برق وجهة كإله.. ابتلعت دمعتها مرة أخرى.. ـ تعالي أعلمك الحب الجديد.. الحب في القرن العشرين.. مدّي هذه الجرائد على الأرض.. هيّا.. أحسنت يا ملاكي.. والآن إخلعي هذه الثياب عن جسدك الرائع.. ـ هل أنت مجنون.. ـ منذ أن رأيت عينيك.. اقترب منها بهدوء عجيب.. واستسلمت له بهدوء عجيب.. ثم تصالبا على الجرائد.. أغلقت الجريدة بعنف.. سجنتها في محفظتها.. واستسلمت هذه المرة لدمعة مرهقة هجرت عينيها بصمت حزين.. ـ غداً سوف أسافر.. ـ ويهون عليك أن تبعد عني.. ـ أنت تعيشين في قلبي وعقلي وروحي، وفي هذه الجريدة.. ـ لكن ألا يمكن أن تؤجل سفرك حتى تهدأ الحرب.. ـ وهل ترضين أن يكون من يحبك إنساناً يعيش على الهامش. أنا ذاهب الآن كي لا تموت عيناك بين هذه السطور،.. احتضنها بعنف، شعر بدفء يسري في جسده كله، وتمنى ألا ينفصل عنها أبداً.. ـ هل تسمحين لي أن أسافر في عينيك الآن..؟ ـ مالك تعشق السفر؟ ـ سفر هو الحب الحزين.. وأنت أغنية السفر.. هل تعرفين أن الإنسان يقضي حياته مسافراً منذ أن يغادر رحم أمه المظلم وحتى يغرق في عيني امرأة. ـ هل لديك جواز سفر.. سألت وقد علت الابتسامة على شفتيها.. ـ خطف من شفتيها قبلة سريعة.. هل هذا يكفي. .. ثم تاها في سفر جميل. *** تنبهت أنها وصلت إلى "الكراج".. قرأت اسم قريتها على لوحة علقت أعلى "الميكروباص" هزت رأسها بحزن: مرة أخرى.. سأعود إلى الضيعة. ثم ابتلعتها السيارة.. كيف ستقابل أمها الآن.. كيف ستقابل الضيعة كلها.. كانت السيارة تمضي مسرعة.. تحرق تحت دواليبها أمانيها، وأحلامها الوردية، وكان القلب يشتعل شيئاً فشيئاً.. ـ ما أقسى الحياة.. في القلب موال لم يغنَّ بعد.. لم تشعر بشيء.. هناك ما يكبل حتى أحلامها.. ترجلت من السيارة.. وبنظرة سريعة احتوت كل ما حولها بحنان حزين.. ـ كل شيء كما هو.. لا شيء تغير.. مضت في الطريق إلى البيت بخطا ثقيلة.. شعرت أن شيئاً يشدها إلى السيارة.. لاحت لها المدرسة.. فشعرت أن قلبها يكاد يطير من الفرح.. ثم خبا الفرح شيئاً فشيئاً.. عندما لاح الأستاذ عبد الرحمن.. كم تمنت أن تراه.. ولا تدري لماذا.. ربما تريد من يوقظها من تعاستها.. ورعونتها.. ـ الحياة موقف.. والإنسان لحظة.. في لحظة واحدة قد ينهار الإنسان، وفي لحظة قد يولد من جديد.. أرى أن نادية شاردة.. وبعيدة عن الدرس.. ـ لا.. إنني استمتع لك جوارحي.. لا يمكن أن تشرد.. إن كلماته تدخل دون جواز سفر.. تستقر في كل خلية من عالمها.. إن هذا الأستاذ يعني عندها كل شيء.. لقد علمها الحب.. وعلمها أن تدافع عمن تحب.. وجهاً لوجه.. ابتلعت ريقها.. حدقت فيه جيداً.. ابتسم لها ومدَّ يده: أهلاً نادية.. كيف أنت. ـ لقد انتقلت إلى مدرسة في المدينة.. أحببت رجلاً وحملت منه جنيناً.. ـ الحب فراشة تطير في دنيانا فتلونها بالفرح والسعادة.. ـ لقد سافر إلى لبنان، لأداء مهمته العسكرية.. وعدني عندما يعود سوف يتزوجني.. ـ لعله محارب بطل.. ـ لكنه لم يعد يا أستاذ.. جعل جسده قنبلة فجر بها دبابة للصهاينة.. ـ إذاً أنت تحملين في أحشائك الآن ابن أعظم الرجال.. لك أن تفخري.. وله أن يفخر.. البطولة لا تموت.. أحسّت بغصة عمياء تحنق كل كلماتها.. ترددت.. لكنها لا تعرف لماذا استمرت بالحديث: ـ لكنني أسقطته.. ذوت ابتسامة الأستاذ.. رماها بنظرة لم تدرك منها شيئاً.. شعرت أن جسدها بدأ يذوب.. يتلاشى.. ينهار.. ثم مضى.. راحت تلاحقه بنظرات مليئة باليأس.. ـ لم تفعل به السنون شيئاً.. لا زال منتصباً كجبل تحطمت عليه كل الأمواج.. لم تعد قادرة على المقاومة. استسلمت لدمعة حزينة.. جلست قرب زاوية من زوايا المدرسة.. فتحت محفظتها.. .. وأخرجت الجريدة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |