|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
مغامرة المنطق البنيوي ـــ صبحي الطعان دون مقدمات ودون استحضار مقولات كاشفة وداعمة ستدخل هذه الدراسة في المدار، مدار الموضوع المدروس. ستلف حوله، تحاوره على السطح، تغوص معه في العمق، وكل ذلك من أجل الكشف. كشف آلية الفهم وآلية المنهج لـ(مغامرة المنطق البنيوي) ولن تلتزم الدراسة بالترتيب الذي تبنته منهجية الكتاب لأسباب ستتوضح فيما بعد وإنما ستحدد لها منطلقاً منهجياً يكون أكثر قدرة على الكشف، منطلقاً يبدأ بدخول الكتاب من العتبة ـ العنوان، ليتبين مدى مقاربته أو تعيينه للمتن المدروس؟ بعد ذلك ستتم قراءة المرجعية والبنيوية والمنطق البنيوي مع دراسة مفصلة للفكر البنيوي المدروس في ثنايا الكتاب ونبدأ بالدخول من العتبة. 1 ـ العنوان ـ نقض المغيّب: هل العنوان يعين النص، هل يحدده، يلخصه؟ ربما كان العنوان كل هذه الأمور وربما كان على النقيض من ذلك فقد (يشكل عصياناً على النص، فلا يمثل غير الإشراقة الغافية في باطنه)(2). وسواء أكان العنوان هذا أم ذاك، سواء أكان محدداً أم مضاداً لمتن النص، فهو بالتأكيد سيركز على ما يليه، ويشكل علامة تتبادل الدلالة مع النص. فهل بدل العنوان بفرعيه الفوقي والتحتي (مغامرة المنطق البنيوي ـ البنيوية كما هي) وهل بادل الدلالة مع النص؟ من يقرأ العنوان الرئيسي للكتاب (مغامرة المنطق البنيوي) وقبل كشف السطور سيذهب ظنه إلى أن الحضور الأول وربما الأخير سيكون للمنطلق البنيوي بشكل مستقل عن المفكر البنيوي، أو بشكل مواز معه ولكن صفحات الكتاب الكثيرة، والكثيرة جداً لا تجيب عن الحيز الذي فتحه العنوان! وإنما تفصل هذه الصفحات في السجالات التاريخية والفكرية والأركيولوجية والجنس والسلطة والجنون والعقل البري والأسطورة وعلم النفس. وتستحضر بالإضافة إلى المفكرين المحسوبين على البنيوية مفكرين ربما يقفون على الطرف النقيض من البنيوية ومن المنطق البنيوي مثل هيغل ونيتشه وماركس وأنجلس وفرويد ولينين. كذلك يدل العنوان على أن المنطق البنيوي في جميع حقوله وبشكل خاص في حقل الأدب سيكون حاضراً، ولكن الكتاب وبعد أن يستحضر (أمثلة متنوعة) في (لعبة النهايات المكشوفة) يقول عن هذه الأمثلة (ولكنها تنطلق من بؤرة واحدة هي البنيوية في الإطار الفكري فقط. فالحديث عنها في المجالات الأخرى: الفنية والأدبية يشعب الموضوع كثيراً ومهمتنا: التعرف عليه (كذا) في إطارها الفكري النظري المحض ص15) رغم اعترافه بأن (الفصل بين الفلسفة والأدب بشكل حازم يجزئ عملية المعرفة ص129) فهل الغاية من هذا الكتاب تقديم المنطق البنيوي بشكل مجزأ؟ العنوان الفرعي (البنيوية كما هي) يبادل الدلالة مع عنوان مغيب هو الحياد، أي طرح الفكر البنيوي بكل تشعباته ونقائضه وفي أغلب مجالاته، دون مناقشة هذا الفكر أو تبريئه أو اتهامه، ولكن، لا تكاد تخلو مقولة بنيوية من حكم قيمي، كل البنيويين المذكورين في الكتاب، كلهم متهمون بشكل أو بآخر وهذه بعض الأمثلة. فالبنيوية أصبح مشروعها (مشروع البرجوازية الفرنسية التي فقدت القدرة على التواصل) (إنسانياً، واقعياً) وقلصت أبعاد الإنسان أو عممت مقولاتها، حيث أصبح الإنسان مقولة عامة لا طبقية، فالاستبداد يشمل الجميع والقمع يشمل الجميع وليس هناك ثمة استثناء ص45) والتوسير (يسعى من وراء إثارة موضوعاته عبره (كتاب الأيديولوجية الألمانية) وعبر غيره من الكتب والنصوص الماركسية إلى ممارسة نوع من "المداهمة ـ السطو". واختلاس ما يبدو ثغرة له: ثغرة منطقية، تاريخية، خللاً في المنظور الفكري، مبالغة لا عقلانية، تضخيم واقع.... ص69) وبروديل (يجانب الحقيقة ص86). أما دربدا فمنطق الكتابة لديه (يكشف عن تعام فلسفي وعن تسفيه للواقع ص125) وفوكو (يتكلم ولا يسمع ص151) ويظهر وجهه اللا أركيولوجي عندما يصف الماركسية (الوجه المستبطن خلف وجه الأكاديمي الليبرالي أو نصير الديمقراطية المزعوم، الوجه الأيديولوجي السافر بكل قدمه اللاديمقراطي الدموي السائد ص126، وشتراوس تلعب بنيويته (مع قرائها لعبة "الغميضة" فإغلاق العين يعني غياب أو إلغاء الواقع هنأن وكاتبنا يذهب بنا هذا المذهب ص267) ولا كان (يتحول الإنسان "عنده" إلى شفرة، لا ذات... وبئس هذا الاكتشاف ص299) فهل هذا هو الموازي المغيب (للبنيوية كما هي) وإن كانت البنيوية ستبقى كما هي فلماذا (التعرض لها سواء بالنقد أو التحليل أو التشريح الوظيفي والحقلي لها (ص145)؟ 2 ـ المرجعية ـ الشتات: ثمة نص حاضر، وإحالة، ونص غائب. ولكن كيف تتم عملية استنطاق المرجعية؟ وما شكل المادة التي نحيلها، وبالتالي من هي السلطة المرجعية؟ تتم عملية الاستنطاق من خلال استحضار النص المغيب، أما شكل الإحالة أو أشكال الإحالة فتكون من خلال بنى القرابة بين الحضور والغياب: حضور النص بمقولاته، بعلاقاته، ببناه، بعناصره، واستحضار هذه الأشكال للنظير في التناص مع النص ـ الغياب، ما مدى مقاربة (مغامرة المنطق البنيوي) لهذا التتنظير؟ ثمة نصوص حاضرة ممثلوها هم: سوسير، التوسير، بروديل، دربدأن فوكو، شتراوس. ولا كان. وثمة إحالة يمثلها: قرابة وتناص. وثمة غياب يمثله: ماركس، نيتشه، هايدغر، هوسرل، فوريد، وباشلار. و(حضور ماركس "كسلطة مرجعية" في الطروحات البنيوية بكل تنبؤاتها ساحق وهذا يتجلى في [شكل الإحالة] مفهومه عن التناقض، عن التطور، عن مفهومي القطع والاستمرارية ص35) ونحن نعلم أن البنيوية تتجلى في العلاقة لا في التناقض، وفي التزامن لا في التطور، وفي الانغلاق لا في القطع والاستمرارية. بالإضافة إلى أن سأبقي ماركس وعلى ذمة الكتاب كانوا (يخضعون لغرباله النقدي ص57)!! و(يعتبر نيتشه من أكثر الكتاب حضوراً في الطروحات البنيوية المختلفة، فرفض [شكل الإحالة] الواقع لكل فلسفاته، ورفض الأخلاق بعمومها والبحث عن المعنى والقيمة من خلال مفهوم شائع لديه هو العدمية ص39). فإذا كان الرفض والبحث عن القيمة يشكلان سلطة مرجعية للبنيوية، فإن الماضي ذاخر بالذين حملوا هذه الأفكار. وليس الماضي القريب فقط وإنما الماضي البعيد، والبعيد جداً، ووفق هذا التصور ربما ندعي بأن الأنبياء هم أول من أسسوا لإرهاصات البنيوية. أما هايدغر وهوسرل فحضورهما يكمن في (شكل الإحالة) شتات أفكارهما المؤثرة في القراءة الدريدية (راجع ص111 وما بعدها) و(فيما يتعلق بمفهوم التحديد التضافري الفرويدي (في البنيوية ـ شكل الإحالة) الذي يشير إلى تكوين السلوك من خلال التحام مجموعة من عناصر، عوامل متضافرة، هو يقين يخلق فوضى تحليلية ويترك المجال لتوقعات لا نهاية لها ص64) وهذا الكلام لا يحتاج إلى تعليق لأنه يكتفي بذاته تعليقاً وشرحاً. و(يقول باشلار وهو كواحد من المؤثرين الكبار في نشوء البنية ص10) أما كيف كان من المؤثرين الكبار فلأن [شكل الإحالة] (السؤال الهاجس الذي شغل كل فكرة طوال حياته هو: كيف تصبح الفلسفة علماً ص29). فهل صفحات الكتاب هي عن الفلسفة أم عن البنيوية؟ وهل بمنظور الكتاب:البنيوية هي الفلسفة؟ يبقى التحديد الأكثر صراحة للمرجعية البنيوية: سوسير. فهل تشي البنيوية بمرجعها صراحة؟ وإن كانت تشي به. فلماذا الإحالة إلى كل تلك الكوكبة من المفكرين؟ وفق بعض صفحات الكتاب فالبنيوية تشي بمرجعها صراحة ولا تشي به أيضاً! فالبنيوية (نفسها من خلال ممثليها لا تشي بدقة بمن كوّن بداياتها أو كان الملهم الأساسي لها ص27) و(باعتراف البنيويين أنفسهم يعتبر سوسير اللغوي السويسري مدشن البنيوية أو واجداً أساساتها الرئيسية ص30) إن كان هناك اعتراف من البنيويين أنفسهم بمنشئ البنيوية فلماذا البحث عن مرجعياتها إذاً في جعب ماركس ونيتشه وفرويد وباشلار؟ وبعد هل نقول أن البنيوية تشي بمرجعها أم لا تشي به؟ ليس هذا هو السؤال. ولكن السؤال الأهم هو: هل الكتاب في النطق البنيوي أم في مورفولوجيا البنيوية؟! 3 ـ البنيوية ـ المنطق البنيوي: ما هي البنيوية، وما هو منطقها؟ (البنيوية في معناها الواسع هي طريقة بحث في الواقع. ليس في الأشياء الفردية بل في العلاقات بينها)(3) و(البنيوية في معناها الأخص هي محاولة نقل النموذج اللغوي إلى حقول ثقافية أخرى)(4). وهل هناك بنيوية واحدة فقط؟ بالتأكيد لا. فثمة من يدعى ـ وهذا صحيح إلى حد بعيد ـ بأن هناك بنيويات بقدر ما هناك بنيويون، ولكن الأمر الأهم والذي لا يجب أن يغيب عن الذهن هو أن (للبنيويات جميعاً مثل أعلى واحد مشترك في المعقولية وهو النظر إلى البنية باعتبارها نظاماً مكتفياً بذاته لا يحتاج في إدراكه إلى الإهابة بأية عناصر أخرى تكون غريبة في طبيعتها عليه)(5). ماذا نستخلص من كل هذا الكلام؟ نستخلص ست كلمات ـ مقولات فقط، ست مقولات تمثل روح المنطق البنيوي وهذه المقولات تكون: علاقة، نموذج، بنية، انغلاق، تزامن، انقطاع. ولأن هذه الدراسة هي نص على نص، فالسؤال الأهم يكون: ما مدى مقاربة (مغامرة المنطق البنيوي) لهذا الكلام في البنيوية أولاً وفي المنطق البنيوي ثانياً؟ ليس في (مغامرة المنطق البنيوي) معنى عام أو خاص للنبوية وإنما هناك كلام في حقيقتها وادعاءاتها وهدفها وتعريفاتها، والعرض الأكبر يكون لمجمل فكر المفكر البنيوي وليس لمنطق البنيوي في فكره. أما ما يتعلق بالبنيوية فالبحث في حقيقتها (يجب أن ينطلق من عدة أساسيات، التي تشكل من خلالها صورة واضحة عنها هي: 1ـ السلطة المرجعية للبنيوية 2ـ مفهوم البنية 3ـ تعريف البنيوية 4ـ الوجه المزدوج للبنيوية ص26) و(تدعي البنيوية أنها تعلن عن بدايات جديدة ص10) ـ هل هناك حركة فكرية أو مذهب فكري لا يدعي هذا الادعاء؟ و(تطرح [البنيوية] أنها علم أو في مصاف العلم وهذا هو ادعاؤها الأكبر "والمشروع طبعاً" ص15) و(تمتلك طموحاً "إنسانياً" أي أنها تريد تحقيق إنسانية الإنسان بشكل يتم فيه تجاوز كل الأوهام الموقعة على أرضية علمية ص15) لذلك فهي (الحقيقة الأخرى والأخيرة لاستجلاء أبعاد كل مشكلة ص9) (وهي أخيراً المنعطف الحاسم في تاريخ ما قبل وما بعد ص9). (فما سر هذه الثورة في حقل العلوم الإنسانية ص23) وفق هذا الكلام فهي: علم، وطموحها إنساني، وهي الحقيقة الأخيرة، والمنعطف الحاسم. هذا يعني أن ادعاءاتها ستقابل بموقف إيجابي جداً من (مغامرة المنطق البنيوي) وبالتالي فهذه (المغامرة) ستتناول البنيوية انطلاقاً من هذا الموقف، ولكن معظم صفحات الكتاب تقف على الطرف النقيض من هذا الموقف لأنها ـ وعلى الرغم من كل تلك الصفحات الإيجابية التي أطلقتها على البنيوية ـ تتساءل: (ترى ما حقيقة هذه "البدعة" أو "الموضة" ص10). فهل هي ثورة أم بدعة أم موضة؟ وعلى الرغم من أنها [المغامرة] ادعت بأن البنيوية تريد (تحقيق إنسانية الإنسان) إلا أنها تقول في مكان آخر (في لعبة البنيوية ذات النهايات المكشوفة، هذه اللعبة التي يشار فيها إلى الأعم الأغلب إلى حركة الزمان والمكان والعين مغمضة. وفي إطار الخضوع لهيمنة زمنية، ليس للإنسان فيها أي إمكانية للتحرك، إلا وفق ما هو مرسوم له. في لعبة قدرية ص14) ووفق صفحات الكتاب فهي (الحقيقة الأخيرة) كما تبين سابقاً ومع ذلك (بوسعنا القول [بوسع الكتاب طبعاً] البنيوية لعبة ذهنية مثيرة ولكنها أشبه بدمية من ثلج، فما أن توضع تحت شمس التجربة الواقعية حتى تفقد كل صلابتها بل تذوب وتغور في ثنايا الواقع ص268) ورغم كل الكلام السابق والمتناقض يبقى (هدف البنيوية (وفق الكتاب) في تشعباتها المتنوعة، هو أن تتمثل لغة العلم. أن تغدو علماً، له استقلاليته المتميزة وأن تعيش روح العلم بكل شعبة ص10). أما تعريفات البنيوية فما (نص عليه كتعريف لدى أغلب نقادها الذين يكنون لها تقديراً قبل طل شيء، هو اعتبارها منهجاً متنوعاً لا مذهباً ص41) و(هي حالياً (عن فوكو) مجموعة المحاولات التي تقوم بواسطتها بتحليل ما يمكن تسميته بالركام الوثائقي ص145). وبعد الضياع في متاهات البنيوية يستخلص الكتاب تعريفا (جامعاً) لها فيقول: (يمكن القول كتعريف البنيوية بأنها: طريقة [وهنا يخالف أغلب النقاد الذين يعتبرونها منهجاً، وحسب الكتاب طبعاً] من الطرائق الفكرية والمنهجية متشعبة ومتنوعة في اتجاهاتها [يقول في مكان آخر: وهي في كل ذلك لا تبدو خليط مذاهب أو مناهج فمن يلاحق جذورها يجد فيها تماسكاً ويلتمس فيها حضوراً اغوائياً ص44) تقوم على تفاعل مجموعة من العناصر والعلائق في صيغتها الرياضية والفيزيائية تشكل نسقاً. أو بنية متكاملة، مغلقة [يقول في مكان آخر: تستند إلى التزمن باعتباره تطوراً يمتد ولا يتوقف ص59] تدعي استيعاب كل المسائل والمشاكل المطروحة التاريخية والنفسية والاجتماعية في منظور واحد. وتقوم على الفرز بين فعاليتين: الوعي واللاوعي. وفعالية اللاوعي هي الأكثر شأناً في الداخل وكذلك بين حدين داخليين في تركيب هذا المفهوم "البنيوية" أل التزامن والتزمن. الأول سكوني ويوصف بالحركة أحياناً والآخر تطوري، والبعد الباطني للنص هو ما يعبر عن حقيقة هذه الطريقة التي تنظر إلى كل مشكلة أو مسألة من منظور واحد ص42) فهذا التعريف يشمل المفاهيم الفكرية والرياضية والفيزيائية وعلم النفس والسكونية والتطورية والباطنية. ومع ذلك فالتوسير متهم لأن منظوره (لا ماركسي، أنه ماركسوي، منظور علمي سابق على العلم ص62) ولا ندري كيف يكون منظوره علمياً وكيف يكون سابقاً على العلم؟ أما لماذا منظوره لا ماركسي، فلأنه يدمج نفس المفاهيم التي ذكرت في تعريف الكتاب ولأنه (يقرأه ماركس تارة قراءة باشلارية، مستفيداً من مفهومه "القطيعة الابستمولوجية" ومفهوم الارتياب في الفيزياء المعاصرة، والتعين التضافري الفرويدي، وفهوم (سوسور) أي "التزامن والتعاقب" ساعياً إلى الدمج بين هذه المفاهيم في وحدة واحدة تسمى بـ"البنيوية" ص62) لاحظ (تسمى بـ"البنيوية" هذا عن البنيوية فلماذا بشأن المنطق البنيوي؟ في السطور السابقة تم استخلاص عدة مقولات (علاقة، نموذج، بنية، انغلاق تزامن، انقطاع) تمثل المنطق البنيوي. وإن كانت الكلمات الثلاث الأخيرة مثار نقاش لدى أغلب البنيويين. وكما ذكر سابقاً فالمنطق البنيوي مغيّب عن معظم صفحات الكتاب، ومن الصعوبة بمكان تتبع ما يمت إلى المنطق البنيوي بشكل منهجي لذلك سنورد الجوانب الأقل تشويشاً للمنطق البنيوي في الكتاب وهذه الجوانب هي: التزمن والتزامن، القطيعة، النموذج. أما التزامن ونقلاً عن التوسير فـ(ليست له أية علاقة بالحضور الزماني للموضوع وإنما بحضور المعرفة، والتزمن يرتد إلى الحوادث وإلى نتائج الحوادثي في بنية التزامن ص55) وسواء أكان التزمن أو التزامن بنيويين أم غير بنيويين، وسواء اتصفا بالسكون أم بالتطور فهما وفق الكتاب (لا يعبران بدقة عن حركية التاريخي ولا عن أي نشاط اجتماعي في تجلياتهما يشوهان العملية التاريخية للتطور، وللتحولات الاجتماعية ص59) وليس التزمن والتزامن فقط، وإنما القطيعة أيضاً لأن (مفهوم القطيعة الأيستولوجية ليس علمياً، فالبشرية لا تعرف مثل هذه [كذا] الانقطاع ص79) وماركس نفسه ـ ودائماً وفق الكتاب ـ لا يعلن القطيعة مع هيغل و(ليس هناك ثمة [كذا] قطع بين ما يعلن عنه ماركس وما يعلن عنه هيغل سوى في المنهج، إن الاستمرارية موجودة ص62) استمرارية في أي شيء وهل هناك قطع حقاً في المنهج بين ماركس وهيغل؟ ليس هذا مدار بحث هنا. كذلك يذهب الكتاب إلى أن ماركس (لولا اتصاله بسابقيه من مفكري عصره. وانفصاله عنهم بنفس الوقت، حيث انعطف بأفكارهم بمقدار (180) درجة ص57) ألا يعني الانعطاف (180) درجة قطيعة كاملة وإن كنا نشك بنسبة الانعطاف (180) درجة!! بالإضافة إلى قطيعة ماركس وعدم قطيعته، هناك قطيعة التوسير المدانة أيضاً: (إن مفهوم القطيعة هنا هو مفهوم جذري ويمكن تسميتها بـ(عدمية أبتسمولوجية ص62). يبقى النموذج الذي تبناه معظم البنيويين وربما كلهم فقد (تبنى ميشيل فوكو النموذج اللغوي في وصفه لتعاقب مراحل المعرفة في أوروبا، مقسماً إياها إلى ثلاث بنى وهي: البنية السابقة لعصر النهضة، وبنية القرنين السابع عشر والثامن عشر، والبنية التي ظهرت في القرن التاسع عشر. وشاع الأمر نفسه في علم النفس عند لاكان، ونقد الماركسية وتجديدها عند التوسير. أما اعتماد النموذج اللغوي في الدراسة الأدبية وبخاصة النقد الأدبي عند بارت وتودوروف وجيرار جينيت وغريماس وآخرين فهو معروف على نطاق واسع ولا حاجة للوقف عليه)(6) فهل تبنى الكتاب هذا الطرح؟ في الحقيقة لم يقارب الكتاب هذا الكلام وإنما ذكر النموذج عدة مرات بشكل مشوش ودون أن يحدد أبعاد هذا النموذج ومواصفاته وهذه بعض الأمثلة أو كلها: (ليس النموذج هنا [عند بروديل] سوى بنية وظيفية واضحة المعالم، واستقطابية ص95) أين الوضوح في هذا العالم (النموذج يتخذ صفة ثبوتية ص96) هل هذا صحيح؟ وإن كان كذلك فكيف؟ (ونرى في مكان آخر فصلاً جلياً بين الحدث والبنية، وما بينهما من علاقات قائمة، وهي علاقات تحول، وكذلك النماذج (ثابت) أم هو (تحول زماني)؟! قلنا سابقاً أن الكتاب يخلو من المنطق البنيوي إلا في صفحاته الأخيرة وفي الفصل المخصص لشتراوس تحديداً. فهذا الفصل ينقل كلاماً عن (سالم يفوت) الذي يقول: (إن المبدأ الأساسي هو أن مفهوم البنية الاجتماعية لا يرجع إلى الواقع الاختباري، بل إلى النماذج التي نبنيها انطلاقاً من هذا الواقع ص248) ويرى هذا الفصل أن (البنيوية تشير إلى الكيفية التي قام علينا بناء ما أو هي تعني مجموعة العناصر التي ترتبط مع بعضها البعض في وحدة واحدة. ونرى هنا العنصر الواحد يقوم بوظيفة، وتتحدد هذه الوظيفة من خلال ارتباط هذا العنصر بغيره من العناصر الأخرى داخل مجموعة واحدة، تشكل ما مفهومها البنية ص244) هذا هو روح المنطق البنيوي: نموذج، علاقة، بنية. وليت الكتاب بحث عن هذا المنطق عند البنيويين وفصل فيه منذ البداية، ولكنه اكتفى بكلام قليل عن المنطق البنيوي واستشهادات قليلة لا تشكل إجابة عن السؤال الذي فتحه العنوان. ورغم الصفحات القليلة عن المنطق البنيوي في هذا الفصل (عشر صفحات من 239 إلى 248 وهي لا تشكل من الكتاب إلا نسبة (1/30) إلا أن هذا الفصل يعتبر من أفضل فصول الكتاب لأنه يحتوي على بعض الإشراقات. 4 ـ البنيوي ـ محاكمة الضجيج: (إن أفضل طريقة للحديث عن البنيوية قد تكون ـ أيضاً وكأن الأمر صدفة ـ بالكتابة الوافية "مونوغرافيا" عن مفكري البنيوية أنفسهم مونوغرافيا عن البنيويين من جهة، ويتم استكمالها من جهة ثانية بكتابة عن تاريخ العقليات)(7) يبدو أن كتاب "مغامرة المنطق البنيوي" قد فضل الطرح وفق هذا الكلام وعلى غرار ما تم في كتابي: (مشكلة البنية) وقبله (البنيوية: فلسفة صوت الإنسان). أن البحث في الكتابة الوافية عن مفكري البنيوية وفي تاريخ العقليات يحتاج لا إلى جهود باحث واحد وخلال سنة أو سنتين فقط، وإنما يحتاج إلى جهود مجموعة من الباحثين وخلال سنوات عدة وعدم إعطاء هذه المسألة حقها من الجهد والمدة، يؤدي إلى مزالق كثيرة وتشتت لا طائل منه. لماذا هذا الكلام في البداية وما علاقة (كغامرة المنطق البنيوي) به؟ علاقة هذا الكتاب تكمن في أنه طرح نفسه وفق هذا الكلام وبشكل خاص في الفصل المخصص لـ(ميشيل فوكو) بالإضافة إلى أنه التزم به بشكل أو بآخر في طرح لمعظم البنيويين المذكورين في الكتاب. ونذكر مرة ثانية بأن الكتاب هو في المنطق البنيوي وليس في مورفولوجيا البنيوية. سنتناول هنا البنيويين وفق الحيز الأكبر الذي يشغلونه في الكتاب وتكون البداية مع (ميشيل فوكو). 4ـ 1. فوكو/ الورم اللغوي: يستشهد الكتاب بقول فوكو: (لا أرى من يمكن أن يكون مضاداً للبنيوية أكثر مني ص144) ومع ذلك يفرد له تسعين صفحة شارحاً منظور فوكو للجنون والجنوح والمرض والمعرفة والسلطة والجنس...الخ. لأن (سعينا) [سعي الكتاب] الأساسي هو التعرف على فوكو الإنسان والمفكر والموقع الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي يحتله ص142) إلا ينطبق هذا الكلام على ما ذكر بداية هذه الفقرة مطابقة تامة؟ ثم هل لـ(سعيه) هذا علاقة بالمنطق البنيوي؟ لقد أدى التوسع في دراسة معظم الجوانب المتعلقة بالمفكر البنيوي وملاحقة معظم ما يتعلق به من نقد وأحكام دون التدقيق في اختيار المعلومة المناسبة والنقد المناسب والحكم المناسب، أدى كل ذلك إلى فوضى معلوماتية وإطلاق أحكام متناقضة. فقد نجد فقرة في صفحة ما ترفع من شأن بعض الطروحات البنيوية، وبعد بضعة صفحات ترد فقرة تجعل نفس الطروحات في الحضيض. وربما وجدنا مثل هذه الفقرات المتناقضة في نفس الصفحة، وهذه بعض الأمثلة (يبقى الخطاب عصياً على التحديد لأن صاحب الخطاب [فوكو] يتحرك في حقل غير مستقر وهو في الآن عينه لا يستطيع الكشف عن مكونات هذا (الحقل ـ الخطاب) ولا يسلم من المزالق الرؤيوية ص148) في نفس الصفحة وبعد فقرة واحدة يقول: (إن هذه الدقة المذهلة والرائعة في بنية الخطاب، وهذا الحذر المطلوب تجاه مفردة ما، وعبارة ما، وهذه اليقظة المعيارية في استجلاء باطنية الموضوع، تعبر عن موقف علمي دقيق ص148) ففي الفقرة الأولى بقي الخطاب عصياً على التحديد، وهنا تكون دقته مذهلة ورائعة. وما ينطبق على هذا الكلام ينطبق على الأحكام التي أطلقت على ميشيل فوكو (فهو يتعمق بموضوعه، بحيث تساءل القارئ أحياناً: هل يبقى هناك قاع آخر، لم يصل إليه هذا المفكر؟ وإذا به يتوغل أكثر ويتعمق في موضوعه ويرى المستور، أو الخفي تلو الخفي، بحيث يجوز لنا أن نسمي مثل هذا المفكر بـ"الفكر الدهاليزي" ومبصر الأعماق ص152) فهذا الكلام يدفع القارئ إلى البحث عن كل المواضيع (المتعمقة) التي خاض فيها ميشيل فوكو. ولكن بعد عدة صفحات يقول (إن فوكو لا يتحرك في أعماق التاريخ، وإنما يجعل التاريخ متحركاً وفق الخطة التي وضعها، بحيث نجد كل ما يلي استمراراً لما سبق الإعلان عنه بشكل ما. وكذلك فإن نظرته إلى المعرفة نابعة من منظور تبسيطي ضيق ص162) وبعد صفحة أخرى يقول: (إن ما يتم الكشف عنه، في القراءة الأركيولوجية عند (فوكو) للعصر الكلاسيكي هو جهله لطبيعة النقد ومغزاه، وارتباطه بالبنية الاقتصادية للمجتمع عدا عن تلك النظرة اللاعقلانية وغير الدقيقة للعلاقة بين عدد السكان والثروة وتوزيعها ص163) ففي المرة الأولى فوكو يتعمق بموضوعه وفكره دهاليزي وبصره يخترق الأعماق، وفي المرة الثانية والثالثة لا يتحرك في الأعماق ومنظوره تبسيطي ضيق، وجاهل بطبيعة النقد ونظرته لا عقلانية وغير دقيقة. في المرة الرابعة يتصف فوكو بصفاء ذهني حاد ورؤيا نافذة لموضوعة و(يحرك موضوعه من كل جوانبه. ليس هذا فحسب وإنما يمنح هذا الموضوع حضوراً فريداً من نوعه، حضوراً فريداً من نوعه، حضوراً غير مألوف وهذا يوضح: 1ـ الصفاء الذهني والحاد عند فوكو 2ـ الرؤيا النافذة لموضوعه حيث تخترق إلى أقصى حد ممكن ص195) وفي المرة الخامسة لا يجيد السباحة في بحر موضوعه (هل نقول أن فوكو لا يجيد السباحة في بحر موضوعه رغم اتصافه بمهنة الغاص (الأركيولوجي) يبدو الأمر كذلك ص207). في المرة السادسة ثمة كتابات تثيرنا وتمتعنا (بعد قراءتنا المثيرة والممتعة لما يكتبه فوكو في مجال ما ص217) لاحظ (في مجال ما). وفي المرة السابعة كل موضوعاته تتصف بالتعميم والاختزال: (وتأكيداً على الجانب التعميمي ـ الاختزالي عند فوكو في كل موضوعاته ص218) لاحظ (في كل موضوعاته). وهكذا دواليك. فمرة هو في القمة ومرة في القاع. مرة لا يتحرك بموضوعاته إلا على القشور وبينها، ومرة يغوص في الأعماق، بل في أعمق الأعماق، ولسنا بحاجة هنا إلى مزيد من التعليق لأن الاستشهادات أكثر قدرة على تبيان المراد. 4ـ 2ـ شتراوس ـ قرابة المنطق: يبدأ الفصل المخصص شتراوس بتشريح للعقل الأوربي وللمنطق الأسطوري فيما يقارب الخمس عشرة صفحة وبعد كل هذا الجهد الذي لا طائل منه، يتناول هذا الفصل: المنطق البنيوي في فكر شتراوس وكما قلنا سابقاً فهذا الفصل هو الوحيد الذي يتلمس المنطق البنيوي بشكل مقبول في فكر أحد أقطاب البنيوية و(هنا نتعرف على الأدوات التي يستخدمها شتراوس في بناء "أتنولوجياته" وتكتشف تلك المفاهيم المعتمدة ندية في تشييد هذا البناء. إن البنية تشكل هنا ليس العنصر الداعم لنظريته بل الأرضية الأساسية لها ص243) و(يسعى شتراوس إلى إزالة "غرائبيته" واعتباره منطقاً حياً له تجلياته العظمى، ولكي يفعل ويعمل كل ذلك، نراه يستعير من (سوسير) مفاهيمه عن اللغة والكلام واللسان، وعن التزمن والتزامن، والصوتية والتصويتية ص239) كنا نتمنى لو نرى في هذا الفصل بالذات، الكيفية التي شكل بها شتراوس بنيته، والكيفية التي شكل بها نموذجه الذي استعاره من (سوسير) ورغم هذا الفصل هو الأكثر ضبطاً في الكتاب إلا أنه يعاني من الترهل كما جاء في مقدمته، ومن الأحكام المتناقضة فيه. فقد نجد (التماعة عبقرية من شتراوس تسجل له، حين يتجاوز هذا الإطار المحدود والمدستر، كما في قوله: "بإمكاننا أن تكتشف معنى ما، وأيضاً وراء الاعتباطية واللاعقلانية الظاهرة التي تشكو منها بناءات العقل ص233) وقد نجد على النقيض من ذلك (أن البنيوية في صياغتها الشتراوسية تريد أن تلعب مع قرائها لعبة "الغميضة" فإغلاق العين يعني غياب أو إلغاء الوقائع هنا وكاتبنا يذهب بنا هذا المذهب ص267). 4ـ 3ـ دريداـ فكيك المغالطة: حضور دريدا في بحث أو نص ما، يعني حضور التفكيك الذي يجترح المقولات التالية: الاختلاف، التمركز حول العقل، علم الكتابة، الغراماتولوجياً، والقراءة. وفي الفصل المخصص لدريدا وفي أماكن أخرى من (مغامرة المنطق البنيوي) حضر التكفيك ببعض مقولاته، ولكن هذا التفكيك غالط نفسه تارة، وغالط مرجعه تارة أخرى. فنجد أن دريدا (يسعى إلى نسف مركزية العقل الغربية وبذلك يرفض العقل نفسه متجاوزاً مفهوم الاختلاف، معتمداً على مفهوم آخر هو المغايرة ويبتغي بناء لغة جديدة ص14) هنا مغالطة كبيرة، لأن دريدا لا يتجاوز (مفهوم الاختلاف) وإنما (يؤسس من خلال الاختلاف مقولته حول الحضور والغياب)(8) و(الاختلاف عند دريدا فعالية حرة غير مقيدة، ويوجز تعريفه لها بقوله "إن الاختلاف لا يعود ببساطة إلى التاريخ ولا إلى البنية" والاختلاف يوجد في اللغة ليكون أول الشروط لظهور المعنى)(9) وهكذا فدريدا لا يتجاوز الاختلاف ليعتمد على المغايرة وإنما تشكل مفردة (المغايرة) حقلاً دلالياً في نسيج الاختلاف. وعلى الرغم من أن (الاختلاف) يتجاوز من قبل دريدا (حسب الكتاب) إلا (أنه اختلاف قطيعي وتعبير عن رفض ساحق لما هو معاش مجلياً كل ما هو لا عقلاني، لا تاريخي، ومغلقاً التاريخ في قضائه، وبالمقابل، يظهر هذا الاختلاف بعيداً عن الحياد أنه متحيز ص127) فكيف يتجاوز دريدا الاختلاف وكيف يكون اختلافه متحيزاً؟ هذا عن مقولة من مقولات التفكيك، فكيف طرح التفكيك كمفهوم عام؟ لقد طرح هذا المفهوم من خلال أحكام قيمته متناقضة وليس من خلال تحديد أبعاده وديناميتها، و(هنا نرى كيف يتحرك التفكيك باعتباره المهد الأساسي للإبداع ص123) لأنه (يلعب درواً كبيراً في فهم النص. فمن خلاله وعبره يمكن الوصول إلى ما وراثيات النص والتعرف على جغرافيته الدلالية، وهو بذلك يكون بمثابة الوعي النافذ إلى داخل النص ص123) وبذلك فإن (مفهوم التفكيك يقدم لنا مساهمة كبرى في قراء النص والتعميق فيه ص129) ونلاحظ هنا أن التفكيك يمهد للإبداع ويفهم النص ويصل إلى ما ورائياته ودلالاته وهو الوعي النافذ إلى داخل النص والمتعمق فيه. ولكن الأمثلة اللاحقة ستناقض كل هذا الكلام (فالتفكيك يتخذ صفة تشريحية في نص ميت، أو شبه ميت، يسعى إلى استنطاقه بالطريقة التي يرتئبها وذلك من خلال الموقف الذي يتلبسه ص124) و(استعمال مفهوم الخارج أو الداخل في التفكيك النصي أو في التعامل مع نص، يسيء إلى عملية القراءة نفسها مهما كان طابعهاً، لأن هذا المخطط ضعيف الاعتماد، بلا رصيد واقعي يقلص حدود المعرفة، ويختصرها إلى حد الابتسار والتقديم، ويلغي كل بعد حراكي فيها، ويحصر الوعي ضمن حقلين مصطنعين متناقضين كلاهما ليس واقعياً "يوتوبيا" ص126) هناك يصل التفكيك إلى ما ورائيات النص، وهنا يتخذ صفة تشريحية، هناك يقدم التفكيك مساهمة كبرى في قراءة النص، وهنا يسير إلى عملية القراءة نفسها مهما كان طابعها. فهل هذه الأمثلة بحاجة إلى مزيد من التعليق؟ يبقى دريدا نفسه والذي (يسعى [وفق الكتاب طبعاً] إلى تدشين فلسفة جديدة ص22) ودريدا نفسه يقول: والأدهى من ذلك أن الكتاب يستشهد بمقولته هذه (لقد اخترت أن أقيم خارج الحدود الاصطلاحية: أدب ـ فلسفة ص22) ووفق هذا الكلام فهو فيلسوف لأنه يقيم خارج حدود الفلسفة فيلسوف لأنه يمتلك منظوراً ومنطقاً و(هذا المنظور يكشف عن ذكاء حاد لدى كاتبنا ص125) ولكن (منطق الكتابة الدربدية يكشف عن تعام فلسفي وعن تسفيه للواقع ص125) ونستخلص من الكلام السابق أن (دربدا) يتصف بذكاء حاد وعماد حاد؟ !. 4ـ 4ـ التوسيرـ نقد بالوكالة: كيف يقرأ التوسير ماركس بنيوياً؟ هل الإجابة عن هذا السؤال مرغوب فيها؟ بنظر الكتاب، لا! ولكن الأمر المرغوب فيه، وبنظر الكتاب أيضاً، هو كيف نقيم قراءات التوسير وكيف نقيم الإطار الذي يتحرك فيه (إن قراءة التوسير لماركس بنيوياً هي قراءة ثقيلة. دائرة لا يتحملها نص (رأس المال) فهذه القراءة تحمل أدوات إنتاج تحليل، تقف في معظم توجهاتها ضد محركات النص الماركسي المعني ص62) لأن (إعطاء التوسير لمفهوم البناء الفوقي حضوراً فاعلاً وهو قدرته في الأعم الأغلب على تجديد إنتاج علاقات الإنتاج ليس هناك ما يبرره ص66) وليس حضور البناء الفوقي وحده غير المبرر، ولكن البناء التحتي أيضاً لأن التوسير (يسيء إلى المفهوم الماركسي فيما يتعلق بالبناء التحتي ص76) كيف يفعل التوسير ذلك؟ عندما (يؤكد على صدق مقولته بمقولة فرويد: اللاوعي أبدى إذا الأيدولوجيا أبدية وهذا قمة الميتافيزيقيا البنيوية وانفصالها عن واقعها وبعدها عن العلم أن اقترابها من كل ما ليس علماً ص67) من يقرأ التوسير وبشكل خاص كتابه (قراءة رأس المال) سيتأكد بأن الأيديولوجيا ليست أبدية ـ كما الادعاء هنا ـ وإنما سيتأكد أكثر بأن التوسير كرس معظم جهده لتخليص الفكر المارسكي من براثن الأيديولوجيا. وإن كان غارودي قد "استطاع أن يوضح سخافة هذا التشخيص بدقة [تشخيص التوسير] ص75) فإن، الكتاب يعتمد في أحكامه على بعض الأحكام السلبية التي أطلقت على التوسير في (البنيوية ـ فلسفة موت الإنسان) لأجل ذلك وجد الكتاب أن (الإطار الذي يتحرك فيه التوسير ويقف فيه، ويسكنه من خلال ما تقدم ويتجنس به، هو إطار اللانسانوية الممركسة ص80). بعد كل هذا الأمثلة لابد من الإشارة إلى أمر واحد: إن الاعتماد على نقد النص في أحكامه دون الرجوع إلى النص الأصلي والتمعن فيه يؤدي إلى شيء من اللاتكالية النقدية. بقي أن نتناول الفصلين المخصصين بـ(بروديل) و(لاكان). ولكن لن نفصل فيهما. وإنما سنورد فقرتين تلخصان كل الكلام الذي جرى حولهما. فعن بروديل يتساءل الكتاب. (ماذا يمكن أن نستخلص من مفهوم البنية من خلال ما تقدم ص94) أي ما تقدم ذكره بشأن بنيوية بروديل. ثم يجيب الكتاب مستخلصاً: (مفردات ومفاهيم فيزيائية ورياضية وعدم وجود بنيات ومفاهيم جديدة في قراءة التاريخ والأحداث ص94) ولأن مفهوم البنية عند بروديل يفتقر للبنيات وللمفاهيم الجديدة [حسب الكتاب] فلا حاجة بنا للتوسع في الكلام. و(أن نمضي مع لا كان في منظوره المعلوم حتى النهاية، حيث يتحول الإنسان إلى شفرة لا ذات، فهنا يمكن القول بدون تلكؤ: بئس الاكتشاف ص299) وما دام الكتاب قد قرر عدم المضي مع الكلام فالأولى بنا ألا نمضي معه أيضاً: 5ـ اللغة ـ المغامرة: ستتم الإشارة إلى اللغة هنا من حيث الأخطاء، والركاكة، والاشتقاق والتلاعب بالألفاظ، والاحالات وليس الغاية من هذا الكشف الإساءة، بقدر ما تكون الغاية منه، التنبيه إلى المواضع التي يجب أن تصحح مستقبلاً، لابد أن نشير هنا إلى أن الكتاب، وبشكل خاص الكتاب النقدي يفقد احترام القارئ له إذا ما احتوى على الأخطاء، سواء أكانت هذه الأخطاء لغوية أم مطبعية. وهذه قائمة بالأخطاء والصواب في الجدول الآتي:
بالإضافة إلى الأخطاء اللغوية والمطبعية تعاني اللغة من الركاكة في بعض تراكيبها ومثل ذلك: كان فلابد (ص5) باحثاً عن حركة اللاوعي الذي هو حقيقة المبحوث عنه (ص12) عبر سؤال ناهض وتوثب وذكي (ص53). أن ماركس كان مسعاه هو التحول ص57. هذه القراءة تحمل أدوات إنتاج تحليل (ص62). وللمجتمع يتدلى مالئاً ماكناً (ص101). وهذا يفسر من خلال هذه التحرك في مجال (ص219). كذلك يعج الكتاب بالاشتقاقات والمصطلحات التي لا لزوم لها مثل: يتمأسس (1) متمأسس (134). مجنسنة (134). مشرعنة (135). مدسترة (135). مقنون (135). مؤستذة (143). اجتصادي (143). اجتماسي (143). ممأسس (143). هيمنوي (196). مجفرفة (224). مجدلن (249). مضمن (253). مغربن (264). مطقسنة (268). مقزمنة (298). شفرنة (300). ويكثر في الكتاب اللاعب اللفظي الذي يزيد من ترهل اللغة، وأمثلة ذلك: المستحيل الدريدي في ميتافيزقياه المختلفة (127). إن حدود الاختلاف الفلسفي لدى (دريدا) هي من وجهة نظرنا: اختلاف الحدود الفلسفية (130). تأسيس الاختلاف الديالكتيكي وديالكتيك الاختلاف (130). فعقل التاريخ هو تاريخ العقل المعلقن (134). فوكو فيلسوف اللافلسفة (218) بالإضافة إلى هذا التلاعب تكثر الثلاثيات التي لا لزوم لها مثل: القطيعة ـ القطع ـ الانقطاع (22). الصيحة ـ الصرخة ـ الإعلان (24). الشفهي ـ الشفاهي (اللا مكتوب) (30). الإغفال ـ التجاهل ـ التناسي (92). غريب أو مستغرب غرائبي (111). التحديد ـ التوظيف ـ المفهوم (145) الاستطلاعية ـ الاستشكشافية ـ الاحفورية (153). النسق ـ التناسق ـ والتنسيق (257). الهمجي ـ البري ـ التوحش (271). الموقوفة ـ المتوقفة ـ الواقفة (264). بالإضافة إلى كل ذلك هناك الاستشهادات التي لا تحيل إلى مرجعها في الصفحات (44). (93) (122). (299). "300". وهناك فتح الأقواس دون إغلاقها وإحالتها إلى المرجع في الصفحات 16ـ 92ـ 137ـ 143ـ 146ـ 244ـ. وفي الصفحة (219) يغلق القوس دون أن يفتحه. فكل هذه التصرفات اللغوية جعلت الكتاب مملاً في أغلب صفحاته ونكرر ما قلناه بأن الكشف هنا ليس يقصد الإساءة بقدر ما هو توجيه أ, تنبيه لتدارك الخطأ في طبعات قادمة. خلاصة: كما تبين، لم تلتزم الدراسة بالمنهجية التي سار عليها الكتاب، وإنما حددت لها بنية متسلسلة من وحدات رئيسية، لتكون أكثر قدرة على تنظيم الكمية المعلوماتية المستخلصة من الكتاب، فلو التزمت الدراسة بالمنهجية التي سار عليها الكتاب، وتناولته فصلاً فصلاً، وصفحة صفحة لربما وقعت في نفس المطبات التي وقع فيها الكتاب، لذلك ارتأت هذه الدراسة أن تحدد بنيتهأن وتنطلق من هذه البنية لتبدأ عملية الكشف فكشفت هذه البنية أن الكتاب جعل منطلقه من حقول الأفكار ـ تاريخ، فلسفة، معرفة، علم نفس..الخ ـ ففصل فيها، وحاكم أقطابها، ولم يمر إلا مرور الكرام على المنطق البنيوي في فكر بعض منهم. في حين أن عنوان الكتاب فتح كوى تساؤلية هامة وكان على هذه الكوة أن تستكشف المنطق البنيوي في الحقول الفكرية وفي فكر أقطاب البنيوية. وبذلك لم يكن الكتاب عن المنطق البنيوي في حقول الفكر، وإنما كان عن مفكرين في حقول البنيوية. كذلك كشفت البنية أن الكتاب مثقل بركام الأحكام والتناقضات والسجالات العديمة الجدوى. وأن أغلب الآراء المبنية على الأحكام صدرت بالاعتماد على المراجع دون البحث والتمعن في النصوص الأصلية. وهذا بدوره أدى إلى جعل التناقض في الأحكام سمة أساسية في الكتاب، فأي أمر إذا ما نوقش يحتمل التناقض وهو (صحيح وغير صحيح ص79) وأي مفكر يطرح للنقاش يحتمل هذا المنطق: (هل يصرح كاتبنا [فوكو] هنا بما هو جديد؟ نعم ولا ص169) (وهو هنا بقدر ما يتبنى البنيوية منهجاً يرفضها ص144). نكتفي بهذه الخلاصة وربما أحالت الدراسة برمتها إلى الخلاصة الأهم وهي أن البنيوية وبعد كل هذا تمتلئ بالصراخ. الهوامش والمراجع: 1 ـ إبراهيم محمود. مغامرة المنطق البنيوي. مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي ط1(1991م). 2 ـ شعيب حليفة. النص الموازي للرواية. استراتيجية العنوان. مجلة الكرمل 46/1992م، ص90. 3 ـ روبرت شولز. البنيوية في الأدب. ت: حنا عبود. اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1984، ص14. 4 ـ عبد الله إبراهيم. معرفة الآخر. المركز الثقافي العربي. المغرب ط1/ 1990، ص41. 5 ـ زكريا إبراهيم. مشكلة البنية. دار مصر للطباعة. بلا ـ ص29. 6 ـ معرفة الآخر ص20. 7 ـ روجيز دوفور. البنيوية ـ الطية والثالوث. ت:م أق. العرب والفكر العالمي 9/1990، ص5. 8 ـ معرفة الآخر، ص120. 9 ـ نفسه، ص122. |