|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
شهوة الحياة ـــ قصة: عيسى مصيوط الرتابة.. ما أقساها.. إنها أم السأم، وما أوحش التكافؤ والتشابه والتساوي؟ من يوم يومي. وأنا أسير الرغبة. أية رغبة، ورغباتي جميعها بعيدة المنال، وحقلها ممتلئ بالزؤان والكدر والصوّان والعقارب. من يوم يومي كان لي أطماع، أشمخ بسببها وأغتر بنفسي، وكانت تلك الأطماع تصطدم بالطموحات، فتنهزم وتتكسر كالموج العاتي على صلد الصخور. أزيز طيارة مجلجل يلاحقني معكراً علي صفاء دمي، لكأنه قادم من مستنقعات الفضاء الموحلة.. ملوث ومحمل بقلق مبهم، وأحياناً كان يصلني مقلعاً من مطار بيروت بالذات.. ناهباً الغيوم والنور والذرات، وقد خلفته طيارة ركاب ملساء طويلة كسمكة سلور سوداء هائلة، وتارة يتحول الأزيز لهدير شلال، يسقط مياهاً ملوثة بالفيول والزيوت المحروقة والكولونيا والدم. يا إلهي ما أشبه الهديران. هدير الشلال بين تلك الصخور المتوحشة، وهدير الطيارة في حضن ذلك الفضاء المغبر.. عندما كنت صغيراً، كانت رؤية الطيارة تدهشني، وكان صوتها الجؤور بالرعب يهزمني فأسد أذني بكلتا يدي حتى يبتعد صوتها المقيت. يومئذٍ كنت أنعم بملامسة زغب فرو خرفاننا في الدار، ومداعبة كلبنا "دباح"، ألاحقه ويلاحقني، أحضنه، فيقف على رجليه يلحس وجهي ورقبتي ويدي، وعندما كنت أتعب من اللعب معه، أتناول حجراً صغيراً، أضعه بين ذراعي المقلاع، وأقذفه في الفضاء، وأمتع ناظري بمراقبته وهو يهبط على السطوح لو على البيادر أو بين الشكائر أو على عرمات التبن. فإذا جاءني ابن خالتي أو مالي والتبن والبيض والدجاج الهارب من الحر. وعندما كانت تسمع أمي كأكأة الدجاجات يعلو صوتها: ـ إياكما وسرقة البيض يا شياطين ولشد ما كنت أكره غروب الشمس وقدوم الليل ـ الليل موحش وليس فيه نافذة للشمس. إني أمقته، فقد كان مليئاً بحكايات جدي وأبي وجيرانهما عن الضباع والأفاعي أو عن اللصوص وسرقات الدواب، أو عن حكايات السحر والجنيات، أو عن العنتريات والفتوات وأنا أتقزز إلى درجة القيء والخواء، وأرتجف تحت لحافي متمنياً أن أقدر على حمل "النير" الملقى في صحن الدار لأضربهم به على رؤوسهم، ليسكتوا ويخرسوا عن مثل هذه السهرات البغيضة اللئيمة، وفي النهاية أستسلم للإغفاءة والنوم والأحلام الراعفة بأستار الليل وبالوحل الطفولي الغض. هدير الطائرة يدوي في أذني كنداهة لعينة وملحاحة، لا يلبث أن يتحول لأزيز، أشبه بسري هائل من الزنابير الحمر، أنه يدعوني للسفر ـ للمخاطرة.. للتغيير.. لاغتيال الرتابة، والولوج في الخواء المادي الذي أعانيه. قديماً كانت الموسيقى تبكيني بكاء حراً، فأغتسل وأتطهر وأعتمد بالألحان المقدسة وأنتشي إلى حد الطيران كالعصافير، فما الذي حصل اليوم. ومن بدل كل هذه الطفولة الطهورة الثلجية؟ عندما كبر سني واستطالت قامتي، خرجت إلى العالم، فاصطدمت بأثقاله، خرجت مثل نقف كسر جدار البيضة وخرج هكذا خرجت من طفولتي. عندما قرأت عن الدورة التي تنسج خيطها الطويل في البحر حول حبة رمل، فتموت هي بانتهاء الخيط وتتحول الرملة إلى لؤلؤة ثمينة. فكرت مقارناً.. ها أنذا قد كبرت.. سمعت الإذاعات.. تفرجت على الرائي اليتيم في قريتي.. لعبت بالكرات الزجاجية وبا"الفاتبول".. اعتنيت بشعري وحذائي كثيراً. لاحقت الصبايا المراهقات.. تعلمت ودخلت الجامعة.. توظفت.. صادتني ابنة خالتي فتزوجنا. يا صبر أيوب.. أنت ليس لك حدود، وأنا حدود صبري محدودة مثل راتبي، فماذا أفعل؟ أموت وأنا الميت، أم أحيا وأنا الميت؟ الذين زاروا أيوب في محنته قلة.. عافه الناس.. كل الناس.. حتى زوجه كومته في قفة ورمته خارجاً، فالرجل لم يعد وجيهاً.. افتقر وعجز.. زاره أصدقاؤه الثلاثة اليفاز، وصوفر، ويلدد، تواعدوا أن يأتوا ليرثوا له ويعزوه، فلما رفعوا أعينهم من بعيد، لم يعرفوه، فرفعوا أصواتهم وبكوه، ومزق كل واحد جبته، وذروا تراباً فوق رؤوسهم. أما أنا.. عفواً.. اليوم. وبعد ثلاثة آلاف سنة من أيوب.. تغيرت الدنيا.. كان الرب روحاً تسكن في السموات، فصار دولارات تسكن الأرض. اليوم اختلط الخير بالشر لدرجة التماهي.. لا بل الخير أن تصل لأية غاية، دون أن تسأل عن الوسيلة فمن يعزيني أنا؟ من يرسل لي حبل النجاة ويسحبني من هذا المستنقع الذي يزكمني بروائحه النتنة.. الفراغ والعوز والرتابة.. أقانيم عمري المر. لا أحد.. لا أحد. ويعود الهدير قوياً.. ملحاً.. ضاغطاً.. حاسمأن ومثل وليف أو قرين نافذ إلى كياني أختلط بحواري مع ذاتي: ـ اعزم.. إن لم تقطع هذا الزمن بالحزم سيشقك بسيفه إلى قطعتين نتنتين. ـ احم.. احم.. ـ حقيبة وكيلوان من كيف الهيروئين. ـ احم.. احم.. ولكن؟ كيلوان فقط في حقيبة سيمسونايت.. عملية مضمونة.. تونس من دول الوحدة المغاربية.. تدخل إليها بالهواية.. أمان تام تدخل من ليبيا.. في لا يفتشون بجدية، وتونس لا تسألك عن اسمك. وإذا حصل شيء، اشتربهم، بالمال. ـ ... .... أنت فأر بحق لعن الله الأزيز والهدير وصوت الزنابير والحقائب الدبلوماسية والبذات الجوخ والعملات والأحلام، ولعن الله الفقر والوظيفة، لعن الله هذا العصر من الصبح حتى العصر. وجاءني "أبو شرار" يضحك، وأنا من حزني أكاد أبكي.. جاءني يعرض علي لآخر مرة قلت على الفور: ـ هات البضاعة. ـ البضاعة في بيروت. سيسلمها لك "أبو سيف" هناك. ـ دع لي يوماً واحداً، اشرب.. أسكر.. أودع زوجتي.. أقبل أطفالي.. أهيء نفسي. ولك بعد ذلك أن تتعامل مع عنيد صنديد حديد. *** رملاً عدوت في مطار بيروت لألتحق بمقعدي، وكلمات "أبي سيف" تركض معي وتلاصقني كمزود: ـ دع لسانك رطباً.. انس كل شيء.. ابتسم.. دع الريح تصفر في فمك، يوماً، ستكون مثلي.. أبو سيف للضيف وللكيف وللحيف وضرب السيف.. منذ سنوات قليلة كنت صياداً فارساً، أطارد الدراهم وأسرجها ثم أهمزها.. اليوم هي تلحق بي باحثة عني، لتدفأ في خزانتي.. عالم اليوم برمته ليس أكثر من سبائك وعملات ترن، والبشر يتراقصون على رنينها. واختفى الهدير اللعين الندّاه منذ تلك اللحظة وخرس. والطائرة تنهب بي الجو كحداة ومثل شوحة تحوم فوق المدائن والأنهار ورؤوس الجبال. لتغفر لي أزقة منبج وحدائق حلب وأحياء حماه وشوارع حمص وساحات دمشق وشواطئ اللاذقية.. لطالما نعمت بالسير فيها وتمتعت بمرآها. اليوم يخفق لها قلبي بالقدر الذي يدور فيه رأسي ويجف حلقي. الوطن اختارنا صغاراً فاخترناه كباراً مثلما يختار الوادي ظلاله والجبل صخوره والنسر سماءه والسمك مياهه والطائرة مطارها. اخترناه محبين مخلصين. فلماذا ننظر للحياة فيه من قفاها؟. أية أفكار عن العالم والحياة استطاعت أن تسبب لي وللناس ثلاثة أرباع تعاستهم؟ بروميتيوس تألم على جبال اليونان، والمسيح مات مصلوباً في الجلجلة.. كليهما كان يحب الناس.. هرقل تغلب على الوحوش الضارية والأفاعي والقوى الرهيبة الضارة والأعداء كافة.. ثمة تنانين بغيضة كثيرة اليوم، يجب ملاحقتها والقضاء عليها.. "أبو شرار".. "أبو سيف" "أبو زفت". قديماً كان حضن والدي يمدني بالدفء والحنان والأمان، وفروته الصوفية تعرش على جسدي الصغير.. اليوم، وفي حضن هذا العراء الرهيب، نتعرى جميعاً. ليلة أول أمس، سهرنا حتى طلوع الفجر، أنا وزوجتي وابن خالتي وزوجته وأولادنا، وبين النشوة والخمرة والحزن رأوني أبكي.. زوجتي ابتسمت لحزني على فراقها فراق أولادها.. ابن خالتي ضحك لبكاء رجل قبالته لأول مرة. واستطعت أن أميز خلف موشور الدموع التي كان من المستحيل حبسها، خيطاً دقيقاً رمي إلي كبرهان على التضامن مع العالم الخارجي، وبواسطته تشبثت بعالم الرجال الأحياء والمكافحين من أجل لقمات أطفالهم. أمر مهم أن يناضل المرء ضد وحشة العزلة وضراوة العالم المسموم.. أو يحفر جدار الكهف كسجين مونت كريستو ليخرج إلى النور. نياماً تركت ملائكتي الأربعة، وأمهم تموء بابتسامة دامعة وعينين مدفدفتين.. منظر وجهها زادني جوئ واشتياقاً.. كم هي جميلة وغالية، تقول للقمر اغرب أنا قمر أكثر منك وتقول لي دائماً: ـ اشتغل مع أخيك في الزراعة. الوظيفة لا تكفي. وكنت أرد عليها. ـ الزراعة ليست مهنتي، مثلما الطلب ليس مهنة برليوز، ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟. *** راودني شعور بأن جسدي ليس غير تذكرة لهوية مثقوبة لسفرة واحدة فقط، ودهمني الندم والأسف لتنفيذ هذه المهمة الماموثية، ولكن الإفناع يصارع الضرورة وينهزم حيالها وتتلاشى الحدود بينهما. فيطفو على سطح نفسي تناقض عجيب، ولم لا؟ فليس من منسجم مع نفسه سوى الميت.. النجاح السريع يختصر الزمن، ويقتل الرتابة، ويشعل الحياة بالحميمية في الطريق إلى تونس، كانت السيارة تنهب الأمكنة الجاثمة وتفتت الزمن، نظرت إلى ساعتي، كانت متوقفة، متعطلة مثل زمني، فالمكان سيد الموقف. وإذ يتحدثون في الفيزياء عن حالة انعدام الوزن في الفضاء، ولكنهم لم يبحثوا هذه الظاهرة في علم العلاقات الإنسانية. وعلى شاشة نفسي أقرأ أفكار شتى.. لم وضعت في هكذا موقف؟.. لا عليك ـ الذي يضع نفسه في هكذا مكان عليه أن يتحمل العصر مثل قرص الفلافل. لاح لي مبنى الضابطة الجمركية من بعيد.. شتان بينه وبين دارنا.. هذا قرميد أحمر بطابقين، ودرانا قباب من طين. هذا محاط بأسوار وأسلاك شائكة. ودارنا مكشوفة هذا خال من الثغاء والخوار والكأكأة.. دارنا بها زريبتان وخم ومغارة. أمامنا سيارة صغيرة وحافلة كبيرة تقفان على الحدود.. حقائب كبيرة وصغيرة تفتح وتغلق، وقواي تنزلق مني وتخور.. يدي اليمنى لم تعد تقوى على حمل الحقيبة.. ساقي ترتجفان وترقصان رقصة الوهن المهيض.. وجهي يغبر، وأحس بأنه مصفر ويكفهر تعثرت بقدم من هو خلفي بالرتل.. عشرة دقائق من التفتيش تداهرت وتأبدت لكنها لم تنفجر عن شيء.. قنبلة ابتعدت عن مرماها. ونفذت بحقيبتي سالماً.. كيف؟ دفعت مبلغاً للحمال الواقف على سطح الحافلة، فتلقى مني الحقيبة وخبأها.. امتعض سائق سيارتي ونهرني مهدداً.. دفعت له فخرس ثم ابتسم وقال: ـ الحق "الباص" إذا وتدبر لك مقعداً فيه. كمن يطير بين طيات الأثير، كنت أطير.. طيران فرحة.. طيران أحلام تتحقق دفعة واحدة.. طيران من مات تواً وبعث من جديد حياً يرزق.. طيران سندباد على بساطه السحري عوالم تدور على شاشة رأسي.. عوالم من مشاريع تلوح وتبرق ثم تختفي، وعلى الشاشة ترسخ الوطن، وفيه "قمر" تنام بجانب أربعة ملائكة، هم زوجتي وأولادي، وابن خالتي يلوح لي بمنديل اللقاء وبيننا انفلتت ذكريات عمر. في الطريق إلى "أبي النور" كنت أقفز، وأرقص، وأدندن، وأتمايل مثل سنبلة خضراء أو حورة. "أبو النور" محطتي الأخيرة وهذا المساء التونسي يهبني النسمات المحيية المفعمة بروائح النعناع والمانتول، نظرت إلى ساعتي، رأيتها تعمل، عقاربها تقترب من العاشرة، اعترضني شابان.. طلباً ثقاباً لأشعال لفافتيهما.. ناولت أحدهما الكبريت فيما سحب الثاني من جيب سترته مسدساً صغيراً.. أحاطني بجسديهما وبمسدسين. قالا كلاماً مخيفاً مميتاً.. طلباً الحقيبة، وإلا.. انفلتت الحقيبة من يدي أخذاها وابتعدا ومثل برق لمع واختفى، لكنه برق عينين بلا رعد ولا جلبة، وغابا كقطعة ملح في وعاء وبقيت وحيداً. مسمراً في الشارع، بلا حقيبة، بلا أحلام، بلا مال، بلا "أبو النور" بلا انتماء، بلا وجهه، كبالون ألفت الطفل خيطه، فارتفع. ارتفع. وغاب. عيسى مصيوط الشهر الثاني عشر عام 1992 |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |