مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 273-274-275 كانون الثاني وشباط وآذار 1994
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

شيلي الشاعر الثائر ـــ د.إبراهيم الشهابي

يمكن القول دون أن نخشى الوقوع في خطأ كبير أن جميع الشعراء الرومانسيين المعاصرين لشيلي مثل بايرون ووردز وورث وكيتس وكولريدج كانوا ثوريين. فهم جميعاً من الذين التحموا بالطبيعة وتفاعلوا معها، فرأوا فيها غير ما يراه الإنسان الكلاسي الذي يعيش في المدينة محصوراً بين مشاهد اصطناعية ومشغولاً بمباهج الحياة الزائفة، فتكونت لديهم نظرة جديدة في الطبيعة والحياة والدين، خصوصاً وأن الدين في أوربا في تلك الأيام كان قد وصل دركاً من الانتهازية وتكريس استغلال الإنسان للإنسان، ما أثار حفيظة الإنسان نفسه وهيأ مناخاً لظهور ماركس وأتباعه فيما بعد الذين عدوا الدين أفيون الشعوب، بل اجتثوه من جذوره ليتخلصوا من سلطانه وأثره نهائياً، إذ وجدوا في ذلك الخلاص الحقيقي من الوضع المتردي الذي آل إليه الدين ورجال الدين في أوروبا. أما الشعراء الرومانسيون المعاصرون فقد كانوا في الحقيقة إرهاصة ثورية مثالية وليست مادية. فهم لم يتخلوا عن فكرة وجود الإله، بل رأوه بعين غير التي كان يراه فيها معاصروهم من رجال الدين والمجتمع. فقد كانت فلسفة الرومانسيين تقوم أساساً على مقولة أن هذا الكون ليس إلا نظيراً للعالم الروحي، ولهذا فإن الله نفسه قد حل في مخلوقاته، ولكي يفهم الله فهماً صحيحاً لابد من التفاعل مع الطبيعة المرئية.‏

وقبل أن أتوه في حديث عام عن الرومانسية وفلسفتها أنتقل فوراً إلى شاعرنا شيلي نتتبع الثورة ونموها عنده منذ ولادته عام 1792م.‏

ولد بيرسيي بيس شيلي في فيلد بليس قرب هورشام في ولاية سسكس في إنكلترا في الرابع من آب أغسطس 1792 لأبوين عريقين في الثراء والجاه هما تيموشي شيلي وكان يحمل شهادة الأستاذية (الماجستير) واليزابيت هورشام التي كانت ذواقة شعر وأختاً لرسامة فنانة. لذلك لم يكن ظهور مثل هذا الشاعر العظيم في مثل هذه الأسرة ذات الجذور العميقة في الأرض والأدب والزعامة غريباً. وورث بيرسيي عن جده من جملة ما ورث منزله المعروف باسم كاسل جورنج المطل على القنال الإنكليزي والذي ما زال أثراً من آثار الإبداع البشري ومفخرة من مفاخر مهندسها السيد ربيكا. ونشأ بيرسيي في بيت رائع الجمال تحفه حدائق غناء، وترعرع متنقلاً بين حقول والده ومزارعه كعصفور طليق في جنان ونعيم. فالتحم مع الطبيعة وتفاعل معها وأحبها منذ أن أبصرت عيناه نور الحياة فولدت معه الرومانسية ونمت في قلبه ونضجت في عقله.‏

أما إحساسه بالمسؤولية السياسية والاجتماعية فقد كان مبكراً جداً، إذ تفتحت مداركه على الأحاديث السياسية التي كانت تدور بين والده الذي كان فلاحاً بكل ما في الكلمة من معنى ووجيهاً من وجهاء منطقته وبين أصدقاء والده حول شؤون الساعة في تلك الأيام (وبخاصة حول الثورة الفرنسية التي كانت تأخذ مجراها وتشق طريقها في التاريخ)، وحول نظريات التطور الاجتماعي. وكم كان بيرسيي نفسه يمد يد العون للفقراء والمحتاجين عندما يركب مهره برفقة وكيل أعمال والده متنقلاً من مزرعة إلى مزرعة. وقد لازمه الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية ووجوب مساعدة الآخرين طيلة حياته إذ كان يخصص من مصروفه الخاص لمن يرى عندهم مواهب أدبية وثورية من أقرانه الشعراء ما يقدر عليه من عون مادي ومعنوي.‏

قضى بيرسيي طفولة سعيدة وأياماً هنيئة لم يعكر صفوها معكر حتى دخل المدرسة في العاشرة من عمره في أكاديمية سيون هاوس في إيلوورث حيث وجد رفاقاً يحبون الحكايات الخرافية مثله فالتقوا على ذلك وأفادوا من المكتبة المتنقلة أقصى ما يمكن من الإفادة. وفي تلك الفترة قام بزيارة ريتشموند في وادي التيمز الذي لا يجاريه بجماله وسحره أي منظر طبيعي آخر حيث قضى يوماً كاملاً مع ابن عمه نوم ميدوين. فترك ذلك المشهد في نفسه أثراً لم يفارقه قط.‏

وفي عام 1804 ذهب إلى إيتون حيث يقيم أحد أعمامه ودرس هناك في مدرسة ايتون الشعيرة حتى عام 1810، وكان متفوقاً على كل زملائه رغم ما تواتر من تقارير عن تصرفاته الشاذة والغريبة والتي كان مصدرها في الحقيقة عدم اقتناعه بنظام استخدام الطلبة بعضهم بعضاً (إذ كان الصغير يخدم الكبير) فكانت هذه أولى بوادر الثورة التي بدأت تترعرع في نفس هذا الشاب. وبدأت بواكير إنتاجه في الشعر والنثر تظهر في تلك الأيام. ومن أبرز ما نشر له في تلك الفترة زاستروزي عام 1809 وسينت إرفين أو (روزيكروشيان). وكانت علائم انحرافه عن الأرثوذكسية وانغماسه في التأملات الدينية والاجتماعية ونقده للتقاليد العتيقة واهتمامه بتطوير الحياة ومفاهيمها قد بدأت تتوضح مما جعل عمه يطلب إليه أن ينهي علاقته بابنته هاريت التي كان بيرسيي قد وقع في حبها. والحقيقة أن العلاقة كانت ستنتهي بطبيعية الحال دون تدخل الأهل لأن هاريت لم تستطع مواكبة تطوره الفكري كما اعترفت هي نفسها بمذكراتها فيما بعد.‏

وفي عام 1810 التحق بجامعة أكسفورد ودوّن اسمه في سجل القبول الذي سجل فيه اسم أبيه قبل ست وثلاثين سنة. وتعرف هناك على طالب مستجد واسع الثقافة متشكك مثله في المعتقدات السائدة اسمه توماس جيفرسون هوج. ونشأت بين الشابين صداقة متينة قامت على أساس من التفاهم المتبادل والوفاق الفكري نتيجة الحوار الذي كان يدور بينهما حول الكون والظواهر المحلية والمشكلات الاجتماعية. وبدأ بيرسيي يقوم بنشاط فكري وأدبي سري ومبطن حتى اكتسب في غضون سنة شهرة كشاعر أكسفوردي جديد لا يضاهى. ومن مطبوعاته في ذلك الوقت "الحالة الراهنة للأشياء" والتي كانت في حقيقتها احتجاجاً على المعاهد الإنكليزية وأنظمتها، ولكنها مع ذلك نجت من شباك الصيادين المتربصين لأنه أحسن تبطينها.‏

وقد أدرك والده منذ عام 1810 أن لدى ابنه رغبة جامحة وعزماً متعاظماً على شن حملة على الدين التقليدي. وكانت أول بادرة يصدع فيها بما يرى ندوة عقدها بالاشتراك مع زميله وصديقه هوج في أكسفورد طرحا فيها مسألة إثبات وجود الله متحدين بذلك رجال الدين والأساتذة الجامعيين، هادفين إلى إيجاد جواب منطقي يثبت وجود الله، لأن الإيمان السائد في تلك الأيام والطريقة التي يعالج بها مثل هذا الموضوع لا يمتان، بنظرهما، إلى المنطق بصلة. وفي شباط فبراير 1811 نشر كراساً بعنوان "ضرورة الإلحاد" دون توقيع. وفي آذار خرج بيرسيي من الكلية ووزع هذا الكراس على الأبواب والمحال والمكتبات، وأرسله إلى رجال الدين والمبشرين والمهتمين باللاهوت مرفقاً برسائل موقعة بأسماء مستعارة مختلفة. وفي الخامس والعشرين من الشهر ذاته عقد مجلس الكلية محكمة واستدعى بيرسيي للمثول أمامها. ولدى سؤاله عما إذا كان هو كاتب الكراس لاذ بالصمت المطبق، فاعتبر المجلس ذلك تحدياً وإهانة له فاتخذ قراراً بفصله مع زميله هوج الذي دخل قاعة المحكمة وقال: "إذا أدين بيرسيي فأنا شريكه في كل شيء". ولكن عميد الكلية لم يكن مقتنعاً بأن الطالب بيرسيي قد ارتكب جريمة يستحق عليها الفصل بكتابته مثل هذا الكراس، ولكنه خضع للضغط الذي وقع على الكلية وأساتذتها فاضطر لاتخاذ قرار بالطرد ولكنه لم يجعل الإلحاد سبباً، بل كان مشككاً تشكك المتعلم الراغب في الحصول على الحقيقة والوصول إلى اليقين بوضع القضايا تحت المجهر وطرحها للجوار والبحث، والقارئ للكراسي نفسه الذي طرد بسببه من الجامعة، يصدم باعتداله وبالنتيجة التي يخلص إليها وهي لا تزيد من اللا أدرية. ومما يؤيد وجهة نظري في أن بيرسي لم يكن ملحداً، بل كان ثائراً على الأوضاع السياسية والاجتماعية والدينية المقلوبة والمفاهيم المغلوطة هو دعمه لحركة التحرير الكاثوليكية في إيرلندا في مطلع عام (1812) كما سنرى. فلو كان ملحداً لما دعم أية حركة تقوم على أساس ديني مهما كان هدفها، ولكنه كان ثائراً يلقى بكل ثقله في أي تيار ثوري أو مسيرة ثورية دينية كانت أو دنيوية. وحتى زواجه من هاريت ويست بروك ثورة على الزواج التقليدي إذ اتفق معها على الهرب وعدم التقيد بالتقاليد المرعية حينذاك. ولولا دوق نورفولك الذي عمل على تخفيف الصدمة على الأهل باستضافة بيرسيي وهاريت في بيته مدة أسبوع كامل لما صلح حاله مع أهلها ولا مع أهله.‏

وفي هذه النشرة بالذات اكتشف بيرسيي أن قدره هو دعم حركة التحرير الكاثوليكية في أيرلندا. فذهب إلى هناك ليكون في خضم المعركة، ووصلت مجموعته الثلاثية إلى دبلن في شباط فبراير 1812، وطبع فور وصوله نداء إلى الشعب الإيرلندي ووزعه. ثم نشر عدة كراريس في صالح إيرلندا والإنسانية.‏

وفي نيسان إبريل من نفس العام عاد آل شيلي إلى ويلز وديفون حيث باشر بتوزيع بيان بعنوان "إعلان الحقوق"، وبإرسال كتب تحريضية إلى لورد إلينبورغ جواً بالبالونات وبحراً بقوارير خضراء قاتمة رغم مراقبة أجهزة المخابرات في بارنستابل وتتبعها لخطواته.‏

وقد حاول مرة الهرب من مثل هذه الأجواء الخانقة فارتحل مع هاريت إلى تريمادوك في لورث ويلز حيث ساهم مع و.أ. مادوكس بمشروع إعماري وتسلم شؤون الدعاية والإعلان في المشروع، ولكنه تعرض لمحاولة اغتيال قام بها جماعة في ليلة عاصفة فترك المشروع ورحل إلى كيلارني. ولم يطبع من أشعاره في هذه الفترة شيء يذكر، إلا أن قصيدة طويلة ربما يكون قد بدأها في ايتون وتابع كتابتها في أكسفورد وأنجزها في تريمادوك أرادها بيرسي أن تكون أداة ثورية أدبية تعطي للرأي العام الحر دفعاً جديداً وزخماً قوياً تلك هي قصيدة كوبن ما التي تعد إرهاصة ثورية تتوحد فيها رغبته الجامحة لتحويل المجتمع وتطويره بتحرير الإنسان من المظالم التي يرزح تحتها مع إعجابه بحكايات الأعاجيب والغرائب، وقد ذيلها بملاحظات نثرية لا تقل أهمية عن القصيدة نفسها. وتضمنت هذه الملاحظات الكراس الذي طرد بسببه من جامعة أكسفورد وهو "ضرورة الإلحاد"، وعلق على عبارة "لا يوجد إله" قائلاً: "يجب أن تفهم هذه العبارة على أنها حافز يؤدي إلى إثبات وجود إله خلاق، وهكذا فإن فرضية وجود روح تسود العالم أزلية وقديمة قدم الكون لا يتسرب إليها شك ولا وهن". وهذه الملاحظة التي وضعها بيرسي نفسه تؤيد ما ذهبنا إليه أعلاه. وتضمنت قصيدته هذه تصوراته للماضي والحاضر والمستقبل، وآراءه العلمية، وحملته على الصيغة التي آلت إليها المسيحية في ذلك الحين، ونقده لنظام الزواج الذي لم يكن برأيه إلا استعباداً وإذلالاً، ونقده للأجهزة السياسية التي تحطم بنظره الطبيعة الإنسانية وتقتل في الإنسان إنسانيته، وحماسه للنظام الغذائي النباتي، ومواضيع أخرى. ورغم أن كثيراً من الموضوعات التي تطرق إليها في القصيدة لم تكن جديدة بل وردت في كتابات الأسبقين والأقدمين إلا أنه نفح فيها روحاً جديدة شابة تفيض حيوية وقوة. وتعتبر هذه القصيدة من الكتب التي قرأها القليل وأشاع وأشيع عنها الكثير. فقد قيل عنها أنها قصيدة شر وكفر وفحش، واستخدمت لتشويه سمعة بيرسي وخلق المتاعب له. ولكنها مع ذلك أصبحت مصدراً موثوقاً ومثلاً يحتذى لدى طلائع الاشتراكية في إنكلترا وأمريكا.‏

وفي آذار مارسي 1817 قرر أن يعيش حياة استقرار وهدوء فأقام في ألبيون هاوس في دريت مارلو، فكان بيته محجاً لرجال الفكر والأدب، ومنبعاً للخير والعطاء للمحتاجين والفقراء. وأصدر من هناك كراسة بعنوان "اقتراح لطرح موضوع الإصلاح على التصويت في جميع أرجاء المملكة". بتوقيع "ناسك مارلو"، فكانت تعبيراً عن أحاسيسه السياسية وآماله في الهدوء والاستقرار. وكتب وهو في مارلو أيضاً قصيدة يحجمون عن نشرها كيلا تودي بهم وبالمؤلف إلى المشنقة. فلطف لهجتها وغير عنوانها إلى "ثورة الإسلام" لتنجو من يد القانون وقبضته. وقد افتتحها بالإهداء التالي:‏

لا خوف على من يدرك‏

كنهَ الحياة ولكنهَ الموت، ولا يفوق‏

علمَ الإنسان قانون، بل ليس من العدل والحق‏

أن ينحني الآن لأي قانون آخر.‏

شابمان‏

وتعتبر هذه القصيدة رواية مثيرة عرض فيها الشاعر القصة الحقيقية بمشاهد رمزية للصراع بين الخير والشر، افتتحها بزيارته "لهيكل الأرواح" أو "قاعة الخالدين المنتصرين" التي تدخلها كذلك روح لون وروح سيثنا. ثم يخرج الشاعر من المسرح ويترك الأرواح تلعب أدوارها. ويبدأ لون ببيان التمزق الذي عاناه وسيثنا بصفتهما محررين للإنسانية من الظلم الذي يطبق عليها. وكان يجمع بين الاثنين حب صادق خالص متبادل وآلام وآمال ونجاح وفشل. ولكن خططهما السياسية والأخلاقية تتحطم أخيراً على يد الطاغية الداهية في هذا العالم الفاني، فيرسل لون إلى المحرقة وتصر سيثنا على مشاركته مصيره. ويصف بيرسي في مقدمة القصيدة ما رمى إليه من كتابتها قائلاً: "ما هذه القصيدة إلا محكاً لمعرفة قدرة المتنورين والمثقفين على الصمود أمام العواصف التي تهز عصرنا وتجاوزها لتحقيق سعادة سياسية وأخلاقية للمجتمع... كما أردت أن أشعل الحماس في صدور القراء لمبادئ الحرية والعدالة، وأعزز إيمانهم بالخير الذي لا يستطيع العنف ولا سوء الفهم ولا الحقد أن يطفئه أو ينتزعه من قلوب البشر.... إنني لم أحاول وضع مبادئ لتطوير مجتمعنا الحالي وإنما أنا أحيي مشاعر القراء وأحرك أحاسيسهم ليكونوا قادرين على رؤية جمال الفضيلة الحقيقية وإدراكها، ولأثير في عقولهم تساؤلات تؤدي إلى ما وصلت إليه أنا شخصياً من مفاهيم سياسية وأخلاقية، وإلى ما وصلت إليه أسمى عبقريات البشر في هذا العالم. لذلك كانت القصيدة روائية سردية وليست تعليمية. إنها مجموعة من صور متعاقبة تبين نمو وتطور عقل الفرد الذي يسعى للكمال ويكرس نفسه لخدمة البشرية وحبها، وتبرم الإنسان وضيقه بالظلم مهما كان نوعه وتحررت من العبودية والاضطهاد، واستعادت عزتها وكرامتها، وأطاحت بمعارضيها دونما سفك دماء، وكشفت زيف الأديان التي أودت بها إلى مهاوي الذل والمهانة ونشرت مبادئ التسامح والإنسانية الحقة في جميع أنحاء المعمورة. كما تظهر القصيدة وحشية الجنود المرتزقة، وخيانة الطغاة وعدم وفائهم، وتحالف الحكام في العالم واستعانتهم بالسلام الأجنبي والقوى الخارجية لاسترداد سلطاتهم وإبادة الوطنيين وذبحهم، وتبين القصيدة كذلك أن الحكم المطلق المستبد لا يمكن إلا أن يسفر عن حروب أهلية ومجاعات، وانتشار الأمراض والأوبئة والخرافة، وإطفاء نور المحبة في قلوب المواطنين، وإزهاق أرواح دعاة الحرية والمدافعين عنها. كما تبين أن للظلم دولة ولكن انتصاره لن يدوم ولن يطول وأن يومه قريب مهما بدا بعيداً، وأن عمر الجهل والخطيئة قصير مهما بدا طويلاً، وأن الخلود للعلم والعقل والفضيلة. هذه هي سلسلة الصور التي تتألف منها القصيدة.‏

ولكن استقراره في مارلو لم يطل إذ اضطرته الظروف وبعض المتاعب وبخاصة المالية منها، إلى مغادرة مارلو في شباط ـ فبراير ـ 1818 إلى إيطاليا. وبينما كان في فلورنسا في الخامس والعشرين من تشرين الأول أكتوبر 1819 هبت ريح خريفية عاصفة مصحوبة برعد ينبئ بقدوم أمطار غزيرة، فأوحت له حركة الطبيعة هذه بقصيدته الغنائية "أنشودة للريح الغريبة" التي قيل عنها أنها قصيدة الماضي، قصيدة الحيوية الذابلة والمجد المتهاوي، ولكنها في الوقت نفسه نداء إلى المستقبل وتطلع إلى الأيام المقبلة التي ستحمل في ثناياها ثورة تعيد لما يبدو الآن متساقطاً ومنهاراً روحاً جديدة وحياة نشيطة. لذلك ترى الشاعر يصور الربح الغربية في بداية قصيدة قوة مدمرة وحافظة بآن واحد، ومع سير القصيدة تخبو صورة الريح المدمرة وتبرز صورتها الحافظة وتزداد وضوحاً حتى تكتمل في السطور الأخيرة.‏

ففي القسم الأول من القصيدة يناجي الشاعر الريح الغربية باعتبارها قوة خفية تسوق أمامها أوراق الشجر الشاحبة الصفراء والسوداء والحمراء، وبالوقت ذاته تحمل على متنها البذور المجنحة إلى مأواها الشتوي حيث تحتفظ بها هناك إلى أن تأتي أختها ريح الربيع الغربية فتنفخ في الصور فتدب الحياة في الأرض فتكتسي الأشجار بحللها الخضراء وتتزين بالبراعم والزهور وتبرز السهول والهضاب وزينتها ويعطر الجو بالطيب والعطر الذي.‏

يا أيتها الريح الغربية، يا روح الخريف وأنفاسه‏

أنت يا من تحملين أوراق الشجر الميتة على متنك الذي لا يرى‏

كلها أشباح يطاردها ساحر،‏

مصفرة، سوداء، شاحبة، أو حمراء ذاوية‏

كأنما اجتاحها طاعون فأهلها زرافات زرافات: أنت،‏

يا من تسوقين البذور المجنحة‏

إلى مأواها الشتوي، حيث ترقد باردة في أعماق التراب‏

كالجيف في قبورها، حتى‏

تأتي أختها ريح الربيع الغربية وتنفخ‏

في صورها فوق الأرض الحالة فتغمر‏

(وهي تسوق أمامها البراعم الحلوة كقطيع يرعى في الهواء)‏

الأرض بسهولها وهضابها، بمظاهر الحياة ومختلف الألوان‏

فيا أيتها الروح الجامحة التي توجد في كل مكان.‏

مدمرة وحافظة، اسمعيني.. ألا فاسمعي!‏

وتستمر الفكرة ذاتها في القسم الثاني من القصيدة، إلا أن الشاعر يقدم لنا صوراً جديدة، إذ يشبه الريح بنهر يجري في السماء يحمل على صفحته وموجاته السحب كأنها أوراق أشجار ساقطة. ثم ينقلنا إلى صورة أخرى فيشبه السحب بضفائر ميناد وهي تلوح في الهواء وتلعب بها الريح أثناء رقصها المجنون نشوة وسكراً، إنها ضفائر العاصفة القادمة ونذرها. ثم يقفل هذا المقطع بمناجاة الريح الغربية على أنها ترنيمة جنائزية تعزف فوق جسد السنة المحتضرة المسجى والذي سيوارى في قبر واسع فسيح قبته هذه الليلة القادمة بظلمها الموحشة.‏

يا أيتها الريح التي تحملن على صفحات نهرك المنساب في خضم السماء المضطربة‏

سحباً شاردة كأوراق الشجر الساقطة‏

من على أغصان السماء والمحيط المتشابكة،‏

وقد فردت على متن موجاتك الهوائية الزرقاء‏

ملائكة البرق والشتاء‏

أجنحتها كشعر ميناد المتطاير في الهواء‏

كما تناثرت على صفحاتك، من حافة الأفق المظلمة‏

حتى سمت السماء،‏

ضفائر العاصفة القادمة. يا أغنية‏

الموت الجنائزية الناعية موت السنة المحتضرة‏

التي ستوارى قبراً فسيحاً قبته هذه الليلة المطبقة‏

المجللة بستائر الغيوم المتراكمة‏

التي ستندلع من بينها ألسنة اللهب، ويهطل المطر،‏

ويفجر البرد: ألا فاسمعيني.‏

أما في الجزء الثالث من القصيدة فإننا نرى الريح تعبر السماء وتقطع الأرض ضاربة صفحات البحار بقوة فتهزها وتوقظ المتوسط من نومه وأحلامه وتشق الأطلسي كما شفت عصا موسى البحر، فارتجفت في قاعة النباتات خوفاً وهلعاً.‏

أنت يا من أيقظت البحر المتوسط من أحلامه‏

حيث كان نائماً،‏

تهدهده موجاته البلورية المتدحرجة على سطحه،‏

بجانب جزيرة الحفان في خليج باياي،‏

يرى في نومه قصرواً قديمة وأبراجاً‏

ترتجف في يوم هائج الموج‏

وقد كساها الطحلب الأزرق وأزهار‏

جميلة عطرة يعجز العقل عن تصويرها! أنت‏

يا من شققت الأطلسي‏

بتعبري، فترتعد في الأعماق أزهار البحر وغاباته السبخة‏

المكسوة بأوراق لا نسغ فيها خوفاً ويهرب اللون من عروقها هلعاً لدى سماع صوتك وترتجف رعباً فتسلب نفسها من نفسها:‏

ألا فاسمعيني.‏

وفي القسم الرابع يوجد الشاعر نفسه مع ورقة الشجر والسحابة والموجة، موحداً بذلك كل الصور التي رسمها قبل ذلك، ويستمر في موضوعه. إلا أن الريح الآن لم تعد مدمرة، بل أصبحت حافظة لبذور الحياة والحقيقة، ويشبه الشاعر نفسه بالريح إباء وعنفواناً وسرعة، لا يخشى في الحق لومة لائم ومع ذلك فقد اضطرته متاعب الدنيا إلى المشي على أشواك الحياة. وهكذا بنقل الشاعر الموضوع من فلك الطبيعة فلك الإنسان عبر الشاعر ذاته.‏

ليتني وريقة شجر فتحملينني‏

ليتني سحابة سريعة أطير معك‏

أو موجة تلهث أمامك مدفوعة بعزمك، وأشارك‏

نبضات ذلك العزم، لكنني لست حراً‏

مثل يا من لا قيد عليك! ليتني‏

الآن كما كنت في طفولتي عساني‏

أستطيع اصطحابك في تجوالك عبر السماء‏

مسرعاً كومضة برق فلا يكاد يراني أحد‏

إذن لما جهدت وعانيت‏

هكذا في محنتي داعياً ومصلياً.‏

آه! ارفعيني كموجة، كوريقة، كسحابة!‏

إنني أطأ على أشواك الحياة، وأنزف‏

لقد قيدت أثقال الزمان وأرضخت‏

شخصاً شجاعاً سريعاً أبياً مثلك‏

ويصل الشاعر في الفقرة الأخيرة إلى الفكرة الختامية، إلى المملكة التي تكتسحها الريح الغربية في آخر المطاف كما يقول ستوب فورد بروك فقد عبرت الريح غابات الأرض وأزجت سحب السماء وهزّت أعماق المحيطات، وعبرت كذلك غابات وسماء ومحيطات قلب شيلي نفسه.‏

وأخيراً عندما يصل إلى قمة العاطفة تنطلق الريح لتعم البشرية كلها حاملة ما فسد ومات لتلقي به إلى حيث لا رجعة، ناثرة بذور حياة جديدة سليمة. وهكذا يعبر شيلي من الذات الفردية إلى الذات الإنسانية، من الموطن المحلي إلى الكون الشامل فتنفتح أمامه أبواب المستقبل، فيرى وراء العاصفة وراء فصل الشتاء المدلهم، يرى العالم المستيقظ، يرى ميلاد كل البذور الطيبة ويرى تفجر دبيب الإنسانية وتفتحها.‏

اجعليني قيثارة كما جعلت من الغابة قيثارة‏

وماذا لو تسقط أوراقي كما سقطت أوراقها‏

فإنك ستعزفين بإيقاعك العظيم‏

على كلينا نغماً خريفياً عذباً حزيناً‏

فكوني أيها الريح العاتية‏

روحي. كوني أنا، روحاً عاتية عنيفة‏

ألقي بأفكاري البالية كالوريقات الذابلة‏

لتنفثي روحاً بميلاد جديد‏

وانثري بتعويذة هذا الشعر‏

كما تنثرين الرماد والشرر من موقد يتلظى‏

كلماتي بين البشر! وكوني نفحة حياة‏

تخرج من بين شفتي لهذه الأرض النائحة‏

بل كوني صور النبوة وبشير خير أيتها الريح‏

فهل بعد الشتاء لا يأتي الربيع؟!‏

لقد قال بعض النقاد مثل ماثيو أرنولد أن بيرسي لم يكن ثورياً بالمعنى العملي للكلمة بل كان شعره كحياته جميلاً وملاكاً غير فاعل يضرب عبثاً بجناحيه المضيئتين في الخلاء. وقال آخرون أنه كان مصالحاً أكثر منه ثورياً متذرعين بأنه كان ينتقد دون أن يقدم بديلاً أو يطرح حلاً. ولكنني أخالف هؤلاء جميعاً وأؤيد ما قاله بيرون رداً على هؤلاء: "أن كلام أرنولد عن شعر شيلي لا يقوم على المنطق ولا يستند إلى الحقيقة. لأن شاعراً نفخ شعره في حركة كبيرة كحركة العمال في إرهاصاتها الأولى من روحه فأعطاها حياة وزخماً لا يمكن لمثل هذا الشاعر أن يكون غير فاعل أو أن يكون مجرد ومضة حلوة عابرة". كما إنني أؤيد ما ذهب إليه م.ل. روزنثال في تحليله لمسرحية شيلي الشعرية "هيلاس" التي كتبها عام 1821 تمجيداً لنضال اليونانيين من أدل الاستقلال عن تركيا إذ يقول: "أن شيلي، كفيرجيل يرى أن عصراً ذهبياً جديداً قد بدأ يبزغ على العالم، إلا أن موضوع مسرحية شيلي، باعتبارها عمىً ثورياً أعم وأشمل. لذا لم يذكر في مطلع القصيدة كلمة هيلاس التي تعني بلغة الشعر التقليدية "اليونان". وقد أراد شيلي أن يبين في مسرحيته هذه أن الأنظمة الإمبريالية والمستبدة، والأديان التي تضطهد رعاياها لابد أن تنهار وتنتهي:‏

لقد بدأت تبزغ شمس عهد عظيم،‏

وتطل على العالم السنون الذهبية،‏

وتجدد الأرض كالأفعى‏

ثياب الشتاء الباردة:‏

وها هي ذي السماء تبتسم، وتومض الأديان والإمبراطوريات‏

كومضة حطام حلم يتبدد.‏

إن أغنية الكورس هذه المفعمة بالجمال تتحول إلى رؤيا معقدة تقترب كثيراً من المواقف الحديثة إذ تتكشف في المقطعين التاليين للدفقة التنبؤية الخاطفة الأولى وجهة نظر مزدوجة تفسر مفهوم تجديد العهد العظيم في اليونان. فاليونان الأرض ـ الشواطئ والجبال والوديان والأنهار والجزر ـ ستغدو أكثر صفاء وأسطع شمساً وأبهى منظراً. وبنفس الوقت ستجدد الأسطورة القديمة ذاتها لتصبح أكثر جلالاً وبهاء مع إنعاش موضوعاتها التراجيدية القديمة:‏

سفينة أكثر شموخاً تشق عباب البحر،‏

مشحونة بخير وفير قادم، وأورفيوس آخر يغني ثانية،‏

ويحب ويبكي ويموت‏

ويوليسيز جديد يفارق كاليبسو‏

ثانية عائداً إلى شواطئ موطنه.‏

وهكذا ينقل المنشدون اهتمامهم وبؤرة أضوائهم في هذا المقطع بذكرهم لهذه الأسماء الأسطورية التي تهز قرائنها الحزينة المشاعر. ويعتبر هذا المقطع مثالاً رائعاً على تفوق شيلي في استخدام الديناميكية الشعرية. فهو يعطينا سلسلة متعاقبة من الكثافات المتنوعة والحالات العاطفية التي تدفع القصيدة قدماً حتى تستكمل معانيها المتضمنة كلها. فالمقطع الأول النابض بالبهجة والسرور لا يخلو أبداً من نغمات حزينة كنغمة الحنين إلى السنين الذهبية وصورة "حطام حلم يتبدد". ورغم أن هذه الصورة موجهة أساساً ضد العقائد والإمبراطوريات السائدة في عالم الظلم المقيت فإن لها أيضاً دلالاتها الخاصة إذ يمكن تطبيقها على أية حالة أو شأن من شؤون الإنسان وحالاته التي يمكن أن يدركها أو يخلقها. ومع ذلك يظل شيلي متخوفاً من عدم نجاح الثورات في خلق مستقبل باهر وحياة أفضل فيقول:‏

آه كُفَّ عن كتابة قصة طروادة،‏

إذ كان لابد للأرض أن تكون سجل موت!‏

ولا تمزج غضب "ليوس" بالفرحة‏

التي تشرق على الأحرار:‏

ورغم أن أبا هو أكثر ذكاء ودهاء يجدد‏

أحجيات الموت فإن "ثيبس" لن تعرف لها حلاً.‏

فلو تجدد العصر الذهبي وأشرق ألا يتبع بالحروب والدمار كما حصل لطروادة، وبالرعب والفزع الذي تزخر به قصة أوديب؟ ثم ألا يمكن للإنسان أن يوقع نفسه بمصيبة أكبر من التي كان غارقاً فيها في اللحظة التي يعتقد أنه انتصر على الشر في دنياه وفي نفسه؟‏

لقد أطلق شيلي هذه التساؤلات السياسية حرصاً على عدم انتكاس الثورات أو فشلها، منبهاً إلى مثل هذه الاحتمالات والمخاطر التي يمكن أن تواجه أي عمل ثوري وإلى المنزلقات التي يمكن أن تنزلق فيها، تماماً كما أطلق تساؤلاته الدينية والتي اتهم بسببها بالزندقة والإلحاد، وما أطلقها إلا ليصل بالناس إلى الحقيقة ويحررهم من الفساد الذي أصاب الأديان في أوربا في ذلك الحين ويحررهم من خرافات وسيطرة رجال الدين الذين كانوا يبيعون الناس قصوراً في الجنة.‏

ويختتم شيلي مسرحيته بصرخة في وجه احتمال تكرار الماضي الذي تعب منه الإنسان وأرهق:‏

آه، توقف. هل لابد من عودة الحقد والموت؟‏

توقف. لا تشرب كأس النبوءة المريرة‏

حتى الثمالة،‏

فالعالم متعب من الماضي ومرهق‏

آه، عله يموت أو يستريح في النهاية.‏

وإذا ما علمناً أن أفكار شيلي وآراءه بدأت تعطي ثمارها بعد موته أدركنا قيمة جهوده الثورية التي لم تذهب سدى أو أدراج الرياح عبثاً كما حاول خصومه أن يصوروها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244