مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 273-274-275 كانون الثاني وشباط وآذار 1994
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

رؤية المقالح الإبداعية ـــ حسين حموي

الشكل الجمالي الجديد أو الأجد الذي يتجلى في كل ما أبدعه عبد العزيز المقالح شعراً ونثراً لم يعد رؤية أحادية لشاعر وناقد بشكل ظاهرة ثقافية متميزة في اليمن الشقيق، وإنما مدرسة إبداعية جديدة، تتجدد باستمرار مع كل إبداع جديد في حركة دائمة السير إلى الأمام، لا تعرف التوقف أو الثبات، بحثاً عن الأجد المواكب لمسيرة الحياة والتطور في الكتابة الشعرية والنثرية العربية المعاصرة. هذه المدرسة أفرزت عدداًَ من الأدباء والشعراء في اليمن، وخارج اليمن، وطرحت مقولاتها النقدية والرؤيوية للأدب بشكل عام، والشعر بشكل خاص من منظور الفهم الشامل والعميق للتراث والمعاصرة، في إطار العلاقة الوثيقة لاستمرار الجديد والعميق والأجد في الإبداع، وقد ألمح المقالح الذي يقف على رأس هذه المدرسة إلى أهم السمات الجامعة للحداثة الشعرية في دراسة بعنوان (من الجديد إلى الأجد) في العدد الأول من مجلة أصوات حيث يقول: "من المهم أن أشير في بداية هذا البحث إلى هذا النوع الأجد من الشعر العربي يشكل انقطاعاً تاماً عن الشعر القائم على النظام الإيقاعي والعروضي القديم منه والجديد، لكنه رغم هذا الانقطاع التام في مجال الإيقاع يبقى وثيق الصلة بالشعر وباللغة التي هي الأساس الأعمق للتواصل التاريخي والمستقبلي، ويبقى وثيق الصلة أيضاًَ بمستويات التعبير التي تشكل جوهر الشعر عند أبرز النقاد العرب القدامى منهم والمحدثين"(1).‏

إن هذه القطيعة التي يدعو إليها المقالح، مختلفة شكلاً ومضموناً عن القطيعة التي نادى بها كثير من الشعراء والنقاد الذين انجرفوا بتهور في طريق الحداثة الشعرية، من غير فهم وتحليل ومقارنة، وتمثل لكل ما هو قديم وجديد لاستخلاص الأجد النافع المتميز شكلاً ومضموناً أيضاً. أن دعوة المقالح دعوة عقلانية لتجاوز ما هو كائن في الماضي إلى ما يجب أن يكون في الحاضر وتجاوز هذا الذي يجب أن يكون إلى إبداع أجد يواكب حركة الحياة، ومتطلبات الإبداع في مراحل تاريخية مقبلة. إنها دعوة "لا تسيء إلى الشعر العربي أو تقلل من قيمته التاريخية المتجددة، وإنما تحاول أن تنأى به عن التكرار، والتطابق، وما تحدثه محاكاة الشكل التاريخي القديم من استمرارية التقليد، واستنزاف حركية الإبداع في ذلك الشكل التاريخي البديع"(2).‏

إنها دعوة إلى قراءة النص من داخله أي بنيته اللغوية والإيقاعية والخيالية التي يولدها النص في طيات الكلمات الملونة والمتماوجة بما يتناسب والخطاب الشعري الجديد بعيداً عن أي تأخير: أو تقييد في قانون معياري من خارجه. فالنص الشعري في نظر المقالح لا يقيده أي تصنيف، ولا يقبل أي قيد، وهو "منحاز إلى الخيال الخلاق، وحركية التأمل، منحاز إلى اللجة، ويخلق نوعاً من الشواطئ المتحركة، منحاز إلى طاقة اللغة... الحياة... أعني إلى الحياة اللغة. تخرج الكتابة من دائرة التخوم التي تقسمها أنواعاً، وتصبح الكلمات أشبه بالخطوط والألوان في اللوحة"(3).‏

في هذا الإطار النقدي الرؤيوي الشامل بطرح المقالح مشروعه الحداثي الشعري المتكامل مع غيره من أشكال الخطاب، ليس من قبيل التحديد والمشاكسة لما هو سائد ومألوف من أنواع الكتابة، بل من قبيل الفهم العميق للمسألة الحضارية برمتها، ولمسألة النهوض الحضاري التي يجب بالضرورة أن يوازيها أو يكون عامل النهوض الأساسي فيها الموقف الإبداعي الواعي من الحياة والتطور والمستجدات. إنه موقف ثابت وحركي في آن معاً، ثابت في منطلقاته، وحركي في مستجداته، ونظرية الدينامية لحركية الحياة، وإيمانه المطلق بقانون السيرورة والتغيير. ولا غرابة في هذا الموقف، ولا في هذه الرؤية الشاملة لكون والإبداع والإنسان في هذا العالم المتغير فهو ينحدر من قرية (شعر) التي تتربع على عرش جبال سمارة الشاهقة الارتفاع، ومنذ نعومة أظفاره، شب، وترعرع فوق مشارف قمم تلك الجبال، تنبسط أمام ناظرية سهول مدينة (إب) ووديانها الضاربة في عمق التاريخ.‏

في تلك القرية الناهدة على تلك الصخور المشرئبة إلى أعلى، كان انبثاق ذلك الشعر الجديد في اليمن الذي يسود فيه الشعر النبطي، وشعر القصيدة التي تقوم على نظام البيت. من قبل تلك الصخور الفيروزية المرصعة بالعقيق، يتفجر شلال الشاعرية الأجد، بمياهه العذبة، وأناشده الجميلة، وعاماً إثر عام، يتسع مجرى النهر وتتسع ضفتاه، وتنتشر الأشجار الباسقة، والمثمرة بأروع الثمر وأطيبه حول تلك الضفاف.‏

من قرية شعر، ينطلق ضوء الشعر الجديد في اليمن، ليرسم في آفاق الوطن الأم، وفي آفاق الوطن العربي خطوطاً قزحية جديدة في ألوانها وأشكالها لا تعبر عن الشعر اليمني فحسب، بل عن الشعر العربي المعاصر في أجد صوره، وأشكاله، ضارباً عرض الحائط بكل القيود التي تعيق حركة النهر، وجريانه، فهو بفطرته، يكره القيود التي تحد من انطلاقة الإبداع إلى أقاصي مداه، وهو متمرد بعقلانية على كل شيء يحد من انطلاقة المبدع، وعطائه، كيفما تمظهرت تلك القيود، وتحت أي شعار هو خصم عنيد لها، متمرد عليها، سواء جاءت ممن يخالفونه في الاتجاه، أو ممن يوافقونه في الرأي، بمعنى آخر، وهو متفرد في نزوعه التحديثي، متجاوز للشعراء التقليديين القدامى الذين قرأهم جيداً، وعرف جلّ آثارهم، وأيقن أنهم كانوا في المراحل التي وجدوا فيها يشكلون ظاهرة إبداعية مقبولة في زمانها في السياق التاريخي لعصورهم، أما والحياة في حركة لا تعرف التوقف فلا مناص من مواكبة الإبداع لحركة الحياة، في عملية تجدد مستمرة تبعاً لدورة الفصول ونجددها في مدار السنين.‏

موقف المقالح من المجددين:‏

إن نظرة المقالح، ورؤيته للمقلدين والمحدثين، واحدة من حيث التعامل مع النص الشعري، فهو كما يقف في وجه التقليديين الذين يؤطرون في أشكال مقدسة لا يجوز تجاوزها أو الخروج عليها، كذلك يقف في وجه المجددين الذين يريدون أن يوقفوا عملية الحياة عند جيل معين، أو مرحلة تاريخية معينة، وهذا الموقف نابع من حرصه الشديد على حرية المبدع في أن يختار الشكل الأسمى لإبداعه بالطريقة التي يشاء، وبالأداة التعبيرية المناسبة، بعيداً عن أي نوع من أنواع السيطرة أو الإيهام أو الوصاية، فهو أكثر ما يمقته، ويثير غضبه "فرض الوصاية على الإبداع من أية جهة كانت، وتحت أية تسمية حتى وإن كانت تلك التسمية تحت حجة الريادة، فالرواد عليهم أن يتابعوا كل حركة تجديدية في مرحلتهأن وأي وقوف عند مرحلة معينة هو دليل عجز عن متابعة هذا الجديد بكل مواصفاته الجديدة، فإن طبيعة الفن والأدب في نظره تخضع لقانون النسبية، وجميع الفنون والآداب، والعلوم الإنسانية تخضع لما يخضع له الإنسان من تطور وتغير، فإذا كان الإنسان نفسه وهو صانع الفن والأدب يتغير، فكيف لا تتغير فنونه وآدابه؟"(4).‏

من هذه الرؤية الجدلية القائمة على قانون التطور والتغير الذي يصيب جميع الكائنات الحية، يدرك المقالح أن هذا التغير يجب أن يتدلى بالضرورة في إبداع المبدعين الذين يفترض بهم أن يواكبوا حركة الحياة وسيرورتها في إبداعاتهم، وإلا فهم واقعون في شرك السكون والجمود والموت في المكان الذي يؤثرون الوقوف فيه، أو يطيلون المكوث في ظلال محرابه، وهل كان الإبداع يوماً إلا خرقاً للمألوف؟ وهل كان المبدعون إلا مشاكسين متمردين على الواقع الذي يحيط بهم، مغامرين لتغييره وتطويره كما يحلمون.‏

إنه حلم المبدع، ورؤاه، وقدرته الفائقة التي تميزه عن سواه، وشجاعته التي تؤهله لشق طريقه كما تريد خطاه لا كما يريد له الآخرون، وثقافته التي تجيز له أن يكون في الطليعة دوماً، وأن يكون المتجاوز للواقع الذي يعيش فيه، ولكل أعرافه وقوانينه المألوفة التي تعارف عليها عامة الناس، وأن يكون الداعي والمحرض والمنفذ لتحقيق تلك النقلات الحضارية المتتالية بمجتمعه إلى مدارج الرقي والتقدم. لقد كان وما يزال المقالح خير معبر عن هذه الخلال والسمات الإبداعية التي يجب أن يتخلق بها المبدع الحق في كتاباته الشعرية والنثرية، وفي سلوكه اليومي بين أقرانه. فطرح مقولاته، ونظراته التحديثية بكل شجاعة ووضوح، واثقاً أنه بمواقفه الكتابية والسلوكية التي يقدمها على صدور الدوريات، وفي ثنايا الكتب التي يؤلفها، وفي المواقع التي يعمل فيها، إنما يضع الحجر الأساس لجيل من المثقفين داخل اليمن وخارجها، يشير إليهم بالبنان إلى مواقع الأصالة في هذا القديم المتوارث، وكيف يشكل هذا الأصيل القديم أرومة من أرومات التراث العربي الغابر الذي لا يجوز إهماله أو التغاضي عنه، لكنه في الوقت ذاته يشير إليهم أيضاً بأنه لم يعد صالحاً لأزماننا وعصورنا، فالواقع العربي الراهن، يتطلب إبداعاً جديداً يعبر عن مستجدات هذا العصر ومتغيراته، والإبداع في أي مجال من مجالات الفنون هو خرق للتاريخ والمألوف وهو بشكل أو بآخر "اتجاه غير مشروط نحو غير المألوف الذي سيصبح مألوفاً، والشعر بخاصة رؤيا خضراء ترفض اليباس والتحجر، والشاعر الحقيقي الذي أصبح عبر استيعاب الماضي والحاضر مسكوناً بالمستقبل، لا يستطيع أن يقطع صلته بزمنه الجديد إكراماً للأعراف والقيم الشعرية السائدة"(5).‏

إذن هو يعرف كيف يوازن ويؤالف بين الأصالة والحداثة، بين التراث والمعاصرة، بين القديم والجديد برؤية كاشفة ناقدة لا تنصاع لذلك القديم، ولا تقدسه كونه قديماً، ولا تجتره كونه يمثل الأنموذج أو المثل في نظر التقليديين، ولا يقطع الصلة مع ذلك القديم كونه قديماً لم يعد يناسب الحياة الراهنة، إنه يقيم بينهما نوعاً من المصالحة والوفاق الرضائي، بأن يحتفظ كل منهما بخصائصه ومزاياه وأهميته في زمانه في السياق التاريخي للمرحلة التي وجد فيها بحيث لا يكون ذلك القديم عامل إعاقة أمام المبدع، يمنع عليه تجاوز تلك السدود والحواجز التي أقامها أمام ناظريه، وبحيث يبقى في الوقت ذاته يشكل الأرومة والمرجعية التي لا غنى عنها عند دراسة التاريخ الأدبي والحضاري لأمتنا العربية، فالتراث والمعاصرة في نظر المقالح متداخلان، وكلاهما يدخل في تركيب الخلية والأنسجة وكريات الدم "في اللغة التي نتكلمها، ونكتبها، وفي الماء النظيف الذي نشربه، وفي القيم التي نسير على ضوئها.. وليس ثمة تعارض بين الاستمساك بالتراث الحي، ودخول ساحة الحداثة، فالحداثة التي يسعى إليها شعب يعاني من أسباب التخلف، كالشعب العربي الضائع بين الاغتراب السلفي، والاستلاب العصري، ليست بالطبع حداثة الموضة، أو الحداثة من أجل الحداثة، ولكنها حداثة التمرد الواعي، تنطلق من نسيج الهوية والأصالة معاً، ومن الرغبة في التطور للتعويض عن التأخر الفاجع"(6).‏

الرؤية القومية والشمولية عند المقالح:‏

مما لاشك فيه أنه كلما اتسعت الرؤية، وتنوعت الثقافة، وتعمقت المعرفة، كلما أصبحت المحاكمة عقلانية، ومعاينة الأمور قائمة على التحليل والمنطق، والأحكام مبنية على الأدلة والبراهين. والمقالح واسع الاطلاع، متنوع الثقافة، استطاع منذ بداياته الإبداعية أن يتتلمذ على أيدي جهابذة كبار مشهود لهم بسعة الاطلاع والمعرفة، ثم من خلال تحصيله العلمي، وبخاصة في دراساته العليا، حيث حاز على شهادتي الماجستير والدكتوراه بدرجة امتياز من خلال اجتهاده ودأبه في قراءة التراث العربي قراءة متأنية مستنيرة بعقل فاحص ناقد كاشف للغث والسمين في هذا التراث، ومن خلال إطلاعه على أدب المغرب العربي ومشرقه شعراً ونثراً، توصل إلى قناعة مؤداها أن الأدب العربي متكامل متشابه في جميع الأقطار العربية "وأن هناك تشابهاً يصل إلى درجة التماثل والتوحيد في الأشكال والمضامين"(7). ولا غرابة في ذلك فالأمة العربية عبر التاريخ أمة واحدة، لم يكن بين أقطارها هذه الحدود المصنعة التي أقامها الاستعمار بجميع أشكاله بين أبناء الأمة الوحدة، ليزيد في فرقة هذا الأمة، وتفتيت بنيانها، وتظهر الرؤية القومية الساطعة لدى المقالح في جميع الدراسات الأدبية والنقدية التي تصدى لها، وفي جميع الأشعار التي أبدعها، وفي جميع المواقف الحياتية التي قابل بها المبدعين العرب على اختلاف مشاربهم وأقطارهم، فهو يعول على وحدة الأدب العربي، وعلى تقارب هذه الرؤية حيث يقول: "وإذا استمر الأدب العربي في مختلف الأقطار العربي مفصحاً عن هذه الرؤية، فإن تأثيره (أي تأثير الأدب) ـ لن يقف عند حد التشابه في الأشكال الفنية وأساليب التناول الأدبي، وإنما سوف يعمل على مواجهة الواقع المتخلف من ناحية وعلى تخطيه من ناحية أخرى، فضلاً عن أنه سيعمل على تماسك الشخصية العربية، واستكشاف حلول ناجعة للتناقضات القائمة داخل هذه الشخصية المحيرة"(8).‏

لقد استطاع المقالح من خلال ثقافته النقدية، والشعرية، ومن خلال سعة اطلاعه على الآداب الأجنبية، أن يكتشف مواقع الخلل في الشخصية العربية التي تلعب الثقافة القائمة دوراً بارزاً في تعميق هذا الخلل، وترسيخه، كونها لم تزل تحاول التمسك بالقشور من هذه الثقافة والتمسك بالمظاهر التقليدية، وتقف حائلاً مانعاً دون سيادة هذا الجديد، فالمقالح منذ زمن طويل نبه إلى خطر هذا الصراع غير الموضوعي بين القديم والجديد، مطمئناًَ إلى انتصار الجديد في إطار حفاظه الأمين على تلك الأرومة التاريخية للأمة "إن الذين يظنون أن العالم سوف يقذف بثقافته التقليدية إلى البحر، إن خروجه من جلده القديم المهترئ سيجعل أعصابه عرضة للتلف والخسران"(9).‏

إنه يطمئنهم بأن خروج الشعوب من جلودها البالية ومن ضمنها الشعب العربي "لا يعني أن تهجر شخصيتها، أو لغاتها، أو سماتها القومية، وعبارة الخروج هذه عبارة شعرية استعارية تعني مغادرة المألوف، والنزوع إلى التجديد، وهذا النزوع لا يكتفي بخلع الجلد، ولا بتلوينه، ولكنه يصر على اختراق القشرة الخارجية للجسد، للوثوب إلى مناطق الإحساس، وإحداث التغيير المنشود المتكامل(10).‏

المقالح والشعر:‏

على الرغم من أن كتابات المثالح النثرية تزيد أضعاف المرات عما كتبه المقالح شعراً، فإن الشعر لدى هذا المبدع الناقد في آن يشكل محور نظريته النقدية للشعر من جهة، وللحياة والكون والثورة من جهة أخرى. إنه يشكل بالنسبة إليه دارة الإبداع، ومنبع الثورة، وأداة التغيير للكون والحياة، بمعنى آخر، أن الشعر بالنسبة للمقالح يمثل قضية القضايا، ونقطة الارتكاز الأساسية التي تقوم عليها فلسفة المقالح ورؤيته النقدية، فهو شاعر قبل أن يكون أي شيء آخر، ولأنه امتلك وعيه الذاتي، وإحساسه الفني المرهف، وفهم العلاقة الجدلية القائمة بين الإبداع، والتاريخ، والفكر، وآمن بالتطور والمستقبل، فقد عرف كيف يتعامل مع الخطاب الشعري كإبداع، ومع النص الشعري كمنهج نقدي، ومع الأدب والإبداع والفنون كمنطلق على طريق بناء الإنسان، وانتصار الثورة في داخل ذلك الإنسان أولاً، ثم في الإطار الجمعي كوطن. وقد رافق هذه الشاعرية المتدفقة من ينبوع فكره الوحدوي الثوري الأصيل، دراسات نقدية أدبية واجتماعية لكل مظاهر التخلف في المجتمع اليمني والعربي على حد سواء، وهو في نقده التطبيقي الأدبي، والاجتماعي لا يبالغ ولا يداهن، ولا يسف، ففي الشعر له رؤيته النقدية التي تنبئ عن إيمانه بهذا الجديد الشعري، وانتصاره لكل ما يشير إلى خلفية إبداعية فيه، يشير بالبنان لكل موهبة واعدة، ويحترم كل تجربة شعرية عربية كانت مجلية في إبداعها، ولا يتوانى عن الإشارة إلى أولئك الذين يفتقرون إلى الموهبة، أو إلى النضج الفني والموضوعي، وهو من أنصار التجريب في الآداب والفنون، وإلى عدم الوقوف عند نموذج ثابت، فالإبداع لا يسمى إبداعاً إلا إذا حمل سمات التجاوز، والتجديد، وقد تمكن المقالح خلال عقدين من الزمن أن يجمع حوله المريدين والأنصار ليس في اليمن فحسب، وإنما في جميع أرجاء الوطن العربي، وقد أسس بحق لرؤية نقدية مختلفة عن معظم الآراء والنظرات التي سادت الساحة الأدبية منذ الخمسينات وحتى اليوم.‏

نعم لقد استطاع المقالح أن يرسخ بجدارة مفاهيم ومصطلحات نقدية جديدة للقصيدة الحديثة الأجد التي طرحها ليس كأنموذج، بل كمحاولة تحديثية لكتابة القصيدة الجديدة التي بنى عليها آمالاً كبيرة في قدرتها على النهوض بالإبداع والإنسان والمجتمع إلى المستوى اللائق، وصفه الدكتور ثابت محمد بداري في إحدى دراساته الأدبية بأنه "ناقد مفتوح القلب، والوعي، ليس لرؤيته حدود، لأنه رؤية شمولية، إنسانية، يعنيه تسديد خطى الأدب العربي، وإثراؤه وإعادة اكتشافه، وتقويمه، وتعميق رؤاه وأساليبه، وربطه بالآداب العالمية، بعيداً عن التعصب الأعمى، والنظرة الطائفية الضيقة، والمذاهب النقدية المحدودة قديماً وحديثاً"(11).‏

وأكبر دليل على أنه يؤمن بالتجريب، ولا يتعصب إلى مذهب، أو رأي، محاولته كتابة القصيدة العربية التي تقوم على نظام البيت، وكتابته قصيدة التفعيلة، ثم كتابة القصيدة الحديثة، ومع اغتناء تجربته الشعرية، واتساع ثقافته، اتسعت رؤيته الشمولية للإبداع، ففي الخمسينات من هذا القرن. حين بدأ يطرح أفكاره حول الشعر المحدث، وقف إلى جانب قصيدة النثر كما هو اليوم ففي كتابه (الأبعاد الموضوعية والفنية لحركة الشعر المعاصر في اليمن) حتم دراسته بجملة من الأحكام التي تكشف التعاطف مع قصيدة النثر حيث يقول: "هي قصيدة نابعة من عصرها ولها زمنها الخاص، تستغني بلغتها المشرقة، وبإيقاعها الداخلي وبتركيبها الدرامي عن كل الفنون البلاغية الموروثة، تحررت نهائياً من عنصري الوزن، والتقفية، ورغم ذلك، فقد بقيت شعراً وشعراً متجاوزاً"(12).‏

لقد أعلن المقالح عن موقفه الصريح والواضح إلى جانب قصيدة النثر، وساق البراهين الداحضة لكل المزاعم التي تنفي عن هذا الشكل الفني شاعرية مبدعة.‏

فالعمل الإبداعي كما يراه المقالح "يتخطى في تطوره المستمر مجال الوضوح إلى مجال الجمال الفني، واللغة تتخطى علاقتها القاموسية إلى علاقة فنية، والإيحاء بالمعنى في القصيدة الجيدة، أفضل من التعبير المباشر"(13). لا بل نجد المقالح يصرح بأن هذا الغموض الذي يكتنف هذه القصيدة هو من أساسيات بنائها التكويني، وهو محبب وضروري، وسمة من سمات القصيدة الأجد حيث يقول: "والغموض في ذاته لا يكون مرفوضاً إلا عندما يصبح ضرباً من الإبهام والانغلاق، وتجوال الشاعر في الأماكن المألوفة يفقد شعره الوجود الحقيقي في العمق الزمني والإنساني"(14).‏

إنه باختصار يدعو إلى القصيدة الأجد التي تعبر عن المرحلة الراهنة المنفلتة من قيد التصنيف النوعي للكتابة، وحين يفلت المبدع من هذه القيود والتصنيفات معنى ذلك أنه صفق بجناحيه في الآفاق منحازاً إلى "الخيال الخلاق وحركية التأمل"(15).‏

وهذا مؤشر إلى أنه لا يوجد أشكال نهائية وثابتة في الفن، وأن طاقات الإبداع لا يمكن تأطيرها بحدود أو قيود. وما دامت الحياة مستمرة في حركتها، والأرض في دورانها، فلابد للإبداع من حركة تجديدية متجددة موازية لهما.‏

هوامش‏

1 ـ مجلة أصوات العدد الأول خريف 1993. دراسة للدكتور عبد العزيز المقالح بعنوان: (من الجديد إلى الأخير قراءة في تجربة الشعراء الشباب)، ص11.‏

2 ـ المصدر ذاته، ص12.‏

3 ـ المصدر ذاته، ص12.‏

4 ـ د. عبد العزيز المقالح: (من البيت إلى القصيدة)، ص194.‏

5 ـ د. عبد العزيز المقالح: (أزمة القصيدة)، ص145.‏

6 ـ د. عبد العزيز المقالح: (يوميات يمانية)، ص12ـ 103.‏

7 ـ د. عبد العزيز المقالح: (تلاقي الأطراف)، ص185ـ 186.‏

8 ـ د. عبد العزيز المقالح: (الشعر بين الرؤيا والتشكيل)، ص10.‏

9 ـ المصدر ذاته، ص10.‏

10 ـ د. محمد ثابت بداري: (عبد العزيز المقالح وتأصيل النقد الأدبي الحديث في اليمن) دراسة.‏

11 ـ د. عبد العزيز المقالح: (قراءة في أدب اليمن المعاصر)، ص73.‏

12 ـ د. عبد العزيز المقالح: (أزمة القصيدة)، ص83.‏

13 ـ المصدر ذاته، ص171ـ 118.‏

14 ـ د. عبد العزيز المقالح: (من الجديد إلى الأجد) مجلة أصوات العدد الأول خريف 1993، ص13.‏

15 ـ المصدر ذاته، ص19.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244