|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
تأمل في تأملات قصصية ـــ جورج عيسى لقد أعادتني (تأملات قصصية) بعنوان (السقوط) لسميح عيسى إلى عصور مضت. كانت تتداعى فيها صروح المدنية بكل ما تحمله من قيم، وكانت فيها حضارة الإنسان تستلب من محتواها الأخلاقي. إنها فترات عبر عنها تاريخ الإنسانية بـ(السقوط). كما جعلتني هذه التأملات ـ بالتداعي ـ استرجع عالماً رحباً يصطخب بالتيارات الفلسفية التي تمخضت عنها تلك الفترات من تاريخ حضارة الإنسان، فجاءت معبرة عما يعانيه بعضهم وسط هذا الاحتضار من فكرة ثائر حر. وآخرون باللامبالاة. وغيرهم بالإذعان وركوب الموجة، في حين تغفو عيون من تبقى من الأحياء الأموات وقد تبلد إحساسهم ليجرفهم التيار إلى حيث الشطآن الآسنة. تماماً مثل تلك الفترة التي تعرف بالعصر الهلنستي ـ الروماني، التي انهارت فيها إمبراطورية الإسكندر. بعد أن سادت "موجهة ضخمة من الاضطراب الاجتماعي. ودب الوهن في القيم القديمة لدولة المدينة الإغريقية"، وتمخض الانهيار "لا عن اضطراب مادي واقتصادي وسياسي فحسب، بل فراغ أخلاقي كذلك". مما أدى نشوء فلسفات متباينة تمثلت في المذاهب الفلسفية التي شاعت آنذاك، والتي تميز ذلك العصر وهي الكلبية واللا أدرية والابيتورية والرواقية، وكأنما "الفلسفة تزدهر إذا لزمن الحضارة حجرة المرضى.. والناس إذ تنزل بهم كارثة مادية كبرى ولوا وجوههم شطر شؤون العقل". وكان من أبرز هذه الفلسفات (الرواقية) التي تبلورت ملامحها ـ فيما بعد ـ في رسائل (سنيكا) وتعاليم (ابكتيتوس) وتأملات (ماركوس أو رلريوس) التي "لا تبتعد سوى خطوة واحدة عن تعاليم المسيح". وكان من أهم ما تميزت به هذه الفلسفة إيمانها بالإنسان، والأخلاق العملية التي تتمثل بالفضيلة، ونظرتها التفاؤلية التي "جاءت العالم اليوناني متأخرة" لأنها لم تنفذ في نفوس الجماهير، إنما بقيت في نفوس الصفوة المؤمنين بها. وإذا كان التاريخ لا يعيد نفسه. إلا أن الفكر يعيد نفسه في الأزمات الحضارية، فيعود ليدور حول تلك المحاور أو المكونات الأساسية لهذه الفلسفات. وما كانت تنويعات الفكر في يوم ما وقفاً على عصر معين. ونحن هنا لسنا أمام إمبراطورية (مادية) تفككت وانهارت، إنما في الحقيقة أمام مشروع إمبراطورية (فكرية) تنشر الآمال القومية بما تحمله من مفاهيم الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية في أرجاء الوطن العربي، والتي كانت أولى أهداف القوميين العرب في كل مكان، وقد عبر بطل (السقوط) عن هذا المشروع القومي بـ(عنفوان الخمسينيات من هذا القرن، وفوران العواطف والمشاعر الوطنية والقومية من المحيط إلى الخليج ـ ص90)، ولكنها كلها انهارت مع ما تحمله من قيم إنسانية، فكان سقوط الجيل الذي حمل هذه الأهداف والقيم وتبناها. وكان وقع السقوط مريعاً في الخامس من حزيران، مما جعل الإنسان العربي يقف وجهاً لوجه أمام ذاته في عريها، وأمام حقيقة الزمن العربي المهان الذي يعيشه، وحقيقة الإنسانية المعذبة في هذا العالم المجنون الذي يلف العصر وهنا تفرقت الأفكار المضطربة شيعاً وأحزاباً، وتباينت المواقف بين الإذعان والرفض، بين الصمود والتصدي، وتفاوتت التأملات بين قطبي اليأس والرجاء، بما قام به أصحابها من التقييم. وإعادة النظر. والغوص في الأعماق. ولكنهم أبداً ما ارتقوا فوق ما يفرضه الواقع: فهناك من هذا الجيل من تابعوا السباحة في مائه الآسن، وهناك من انصرفوا إلى حلقات الذكر وأكفهم إلى السماء ليأتيهم المدد، وهناك الذين احترقوا دون أن ندري إذا كان من رمادهم سيبعث أمل جديد. ولقد أقام هذا الجيل الذي منه (المعتصم) مبادئه وأهدافه على نظرة بل فلسفة متفائلة غير أن الحلم شيء والواقع شيء. فكان النظر شيئاً والتطبيق شيئاً آخر فانتهت الدعوة إلى السقوط. كانوا أقلية أولئك الذين حسبوا أنفسهم آلهة صغاراً، ونذروا أنفسهم لهذه المبادئ والأهداف كي يعملوا من أجل الإنسان العربي ومن أجل الإنسانية كلها، فحكم عليهم بالصلب، وصلبوا على المبادئ التي حملوها وتألموا في حملها، وسقطوا تحت صلبانها أفراداً دون اتباع. بل كان الاتباع والآخرون من المناهضين يتشفون بهم وبسقوطهم، تماماً كما تصور خيال أوسكار وايلد ما قيل للسيد المسيح عندما سقط تحت الصليب الذي كان يحمله إلى جيل الجلجثة، على لسان (أليعازر) الذي يمثل لديه شخصية "اليهودي التائه": "أيها المسيح إن كنت إلهاً. قم وامشِ"، ومنهم من (غادر الحياة الدنيا قبل الأوان في غمرة الإحباط واستشهاد القيم على أرصفة الخداع والاستهلاك والحسرات ـ ص84) ومن بقي من هذا الجيل حياً على ما نشأ عليه كالمعتصم الذي كان قد أدمن على (عذابات البؤساء والضعفاء حاملي ألوية الحق والمحبة والآمال ـ ص66) فقد استمرت حياته إلى ما بعد، ليشهد إحدى نتائج ذلك السقوط المتمثلة بـ(اتفاقية كامب ـ ديفيد ـ ص19). صحيح أن سميح عيسى حدد موت بطله (المعتصم) (في تمام الساعة الثانية من صباح الخامس من حزيران من عام عربي ميلادي ـ ص118) لكن ما يقصده هو أن موته الحقيقي كان منذ ذلك التاريخ. لكن ما طابع الرسالة التي حملها ذلك الجيل؟ لا تعنينا هنا آراء الرواد. ولا أفكار المنظرين، ولا موقع ما ورد في (التأملات) منها. ما يهمنا هو ما ورد من شذرات في سياق (التأملات) والتأملات ليست بحثاً علمياً كي تطلعنا على ذلك، إنما نقف عند هذه الشذرات كي نلمح من خلالها الروح الذي انطلق منه ذلك الجيل، كما وردت في سياق تيار الوعي الباطني (للمعتصم). الفضيلة كجوهر لإنسانية الإنسان، والحياة الأخلاقية هي ما نستشفيه عبر هذا التيار، هذه الفضيلة التي دعا إليها الكلبيون والتي حرص عليها سقراط "بوصفها الخير الأسمى" والتي اتخذت صبغة عقلية عند الرواقيين هي ما يتخذه (المعتصم) مثلاً أعلى ينتهجه في الحياة "والحكيم" عند الكلبيين هو الذي يعيش حياته بعيداً عن مغريات الحياة المادية، ولا تميل نفسه إلى ثروة أو سلطان"، والحياة الفاضلة هي "التي تؤدي بالإنسان إلى الغاية المنشودة.. والفضيلة وحدها كافية لتحصيل السعادة، وهي رهينة العمل" وهي أسمى ما اختاره ممثلو جيل المعتصم ممن عملوا من أجل تحقيق آمال هذه الأمة، ومن أجل الإنسان العربي الجديد، وهم يحملون رسالة البعث التي عبر عنها أحد أبنائه عام 1969 بقوله "لم يمدنا الله بالوحي، ولكنه أعطانا صفاء السريرة والحب. لقد اختارنا لإيمان مطلق بالشعب نلم شعث أحزانه، نحرق بعذابه، نجوب الآفاق كطهرة صوفيين، نبحث عنه كي نوقظ موات روحه، ننتشل الحياة من وهدة العدم، نصوغ الفرح من الشقاء والرجاء من الدموع. نبدع عالماً جديداً وإنساناً جديداً هو الإنسان"، ويتضرع المعتصم فيقول (يا الله، يا رب هذا العالم.. أعطني القوة لأستمر على درب المحبة والكرامة والحكمة والإيمان ـ ص45). كما نستشف في موقف ذلك الجيل من خلال تيار الوعي الباطني هذا تلك المسحة التي يتميز بها الرومانتيكيون الذين ينزعون "إلى عوالم معلقة في الغياهب، تطير في فضاء أثيري تحاول الوصول إلى المطلق". يقول المعتصم في سره: (إذا أردت أن تعرف الصفاء والسلام فأحدب على تعساء الحياة. أولئك الضعفاء الفقراء الذين يرتعدون في شقائهم. عندئذ تظفر بالسعادة والراحة ـص70). والحقيقة أن هذا ليس أكثر من عواطف رومانتيكية تختزن المشاعر الإنسانية دون أن تعبر عن التمرد، وتداعب مشاعر الإنسان الحالم دون أن تحفزه إلى الثورة. وأنى لهذه الرومانتيكية الحالمة أن تعمل على تفجير طاقات المجتمع!؟ إن المعتصم بعد أن يجوب الأحياء الشعبية في القاهرة وسط جموع الناس الذين معظمهم من التعساء والفقراء والمساكين، وبعد أن يتلمس في ذاكرته الصورة المخزونة عن العواصم العربية وحارتها الشعبية، ويتبدى له الصراع الأزلي واضحاً بين هابيل وذريته وبين قابيل وذريته، لا يملك إلا أن يحدث نفسه: (ولكن أما آن الأوان لقيام وحدة اندماجية حتى العظم من المحيط إلى الخليج، بين ذرية هابيل من ضعفاء ومساكين وفقراء مقهورين ضد تجار المال والدم والأفيون؟ ربما، ربما آن الأوان /ص72/. إنه يعرف أين يكمن الحل، لكن دون أن يراوده تساؤل كيف؟ وبماذا؟.. وما كان تحقيق الآمال في يوم من الأيام مجرد أمنيات. شخصية المعتصم: وأول ما تطالعنا به شخصية (المعتصم) هي ملامح ما تتميز به نفس الفيلسوف الرواقي، فيجعل من الوقوف في وجه المصاعب، والصمود أمام الملمات، وتحمل الألم، فضيلة (ولم يعرف أنه ارتفع صوته أو انفجر غضبه طيلة السنوات التي عاشها، رغم ضربات القدر الموجعة المتلاحقة التي نزلت به/ص9) حتى عندما يتذكر والده، فإن ذكراه تتلخص بعبارة واحدة هي أنه كان (الرمز والأسطورة في صبره وإيمانه/ص17)، وكأنه لا يحتفظ من شيم تربيته إلا بهذه الميزة التي أخذها عن أبيه، هذا الذي يرمز هنا إلى الماضي، أو بالأحرى إلى أخص ما تتميز به الأجيال الماضية من الشعب، وهو القدرة على التحمل، ويدل عليها تحمل هذا الشعب لما مر عليه من قرون، لفترة طويلة من التاريخ، حتى غدت لديه تمريناً رياضياً لفضيلة ضبط النفس، وهذا التحمل، هذا الصبر، هذا الإيمان هو ما نجده في فلسفة الرواقيين الذين "جعلوا من الصمود للمصاعب التي لا يمكن تجنبها فضيلة، وخاصة فضيلة الشجاعة في مواجهة الخطر والألم" متشبهين في ذلك بالآلهة، فهم لا يحفلون بلطمات القدر التي لا يمكن أن تنال من طهارة نفوسهم وصفاء سريرتهم. يقول (ماركوس اورليوس) "ارفعني واقذف بي حيثما تريد، فلن تنال من قدسيتي المطمئنة شيئاً". كما يذكرنا بواحد من أتباعهم المتأخرين (ابكتيتس) "الذي جعل المبدأ الأعلى لديه الإرادة الخلقية". والذي "كان اهتمامه يتركز على أخلاق عملية" والذي يروى عنه يوم كان عبداً رقيقاً أن سيده لوى رجله، فلم يزد على أن يبتسم ويقول في هدوء ستكسر رجلي، فلما كسرت قال: قلت لك ستكسر رجلي، "وكان من أهم تعاليمه أن أخلاقنا وسعادتنا إنما تعتمد على قوة المقاومة، وما نجده في هذه الحياة من آلام ليس إلا تمريناً رياضياً نصل به إلى ضبط النفس والإمساك بزمامها". وإذا كنا نرى الأجيال الماضية، في عصور سابقة، تلجأ إلى هذه الفضيلة، ونرى الجماهير البائسة من خلالها نلتمس الأمان، فنحن في هذا العصر بأشد الحاجة إلى ذلك أكثر من أولئك الذين عاشوا الزمن الصعب ومضوا، لأننا نعيش في الزمن الأصعب، وفي حالة أكثر تردياً، وهو ما عبر عنه تيار الوعي الباطني للمعتصم منذ البداية: (آه كم يحتاج إنسان هذا العصر إلى الفرح والأمان والإيمان/ ص15). وما قلناه في ضبط النفس نجده في شخصية المعتصم يتمثل أيضاً في فضيلة العفة لديه، إذ نراه لا يعبأ بإغراءات الجنس ولا يستسلم لشهوات الجسد (في لحظة هاربة التقت نظراتهما، غمزت في عينيها، وتفاءلت خيراً وهي ترفع تنورتها وتكشف عن مفاتنها.. المعتصم صحح من جلسته هروباً من شباكها.. ولكنها لم تيئس. تابعته أكثر فأكثر، وأطلقت سهامها المتنوعة فلم تصب.. ونهض من مكانه.. بعد أن انفرجت شفتاه عن ضحكة مريرة ساخرة/ص33ـ 34). ولقد كانوا أقلية نادرة أولئك الذين يتحلون بهذه الصفة من جيل المعتصم. الزمان والعصر: تعرض التأملات ملامح الحياة التي عاشها جيلنا من خلال واحد من مثقفيه (المعتصم) الذي بدأ حياته رغم (الفقر وتحديات الزمن) بالأمل والتطلعات المتفائلة والأحلام الوردية ـ (والمثقف فيما قبل 1967 كان مثقفاً متفائلاً أساساً) ـ فقد تفتح قلبه على مشاعر الحب، وامتلأت نفسه بمشاعر (الأمل والعنفوان والأحلام والكبرياء/ص16) إلى أن انتهت مع مرور عمره بالإدمان على الألم عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب.(على نار هادئة) بعد أن واد القدر المتمثل بالطبيعة والمجتمع أحلامه الخضر، وخلف له (هواجس في الفكر والروح/ص18) وأوجاعاً لا تنتهي.. تندرج كلها في الزمن الذي عاشه، زمن الحكايات المدماة، وبتعبير أدق (زمن الحكايات العربية المعاصرة المدماة/ ص39). هذا الزمان العربي الذي لم يبق من عروبته إلا الاحتفاظ بالأسماء: (المعتصم، الهادي، المأمون، الحمزة) ومشفى (صوت العروبة) ومقهى (الواحات العربية). نلمح عبر هذه التأملات ملامح هذا الزمان بإنسانه العربي الذي استلبت إرادته، وغلت حريته، وفقدت كرامته (ص31)، وبات كل شيء (مستورد ومحلي.. في خدمة تدمير البنية النفسية والفكرية والصحية لإنسان هذا الزمان/ ص47) الذي أصبح (في أي موقع وفي أي مستوى) يعيش (أكثر من حالة انفصام/ ص69). أما إنسانة المثقف فقد عمقت الهزيمة إحساسه بشعور الخيبة والإخفاق وغدا (في عصر الانفتاح والدولار/ ص44) محاصراً من جميع الجهات، مما جعلت سنوات ما بعد الهزيمة تشهد "انسحاباً من العمل السياسي ومن الحياة العامة بالنسبة لكثير من المثقفين" الذين تخطر في ذاكرة المعتصم صورة واحد منهم كان قد احتفل في بيته مع بعض رفاقه بليلة رأس السنة الميلادية (وما أن انتصف الليل حتى سيطر عليه شعور قوي وإيمان كبير بأن حذاء عسكرياًَ في ثباته وحركته فوق ساحة العالم الثالث يفوق وينتصر على الدعاء التنظيمي كله للمثقفين، فسكنه الصمت قليلاً ـ قام ضاحكاً وأفرغ مكتبته من دفاتره وأوراقه وكتبه وكتب الآخرين وجوائزه التقديرية، وبعثرها، ثم حاصرها ضمن دائرة صغيرة في أرض الغرفة، وصب فوقها الكاز وأشعل فيها النار.. تعال يا موت! تعال وأنقذني، فالأرض اختنقت بالدم والجنون/ ص75). كما نلمح نظام التناقض الطبقي الصارخ في المدينة العربية بكل ما تحمله من (جوع وحرمان وفقر وظلم وقهر وقمع/ ص32)، وحيث ترى بوضوح من المحيط إلى الخليج (المدافن العربية.. وقد غصت بالأموات في قبور بلا شواهد أو أهرامات، ويعيش فيها أو على مقربة منها الآلاف المؤلفة من الأحياء الموتى، الحفاة العراة الذين ما فتئوا يكافحون المرض والفقر والبؤس والحرمان تحت سمع ونظر سكان القصور والبنايات الشاهقة وخزان الأموال/ ص39) في هذا العصر الذي هو بكليته (زمن الصراخ والعويل والظلم والجنون/ ص20). ولا تخرج (التأملات) في قسميها الأخيرين (طالب المرجان) ص121 و(الحلم) ص165، عما استغرق فيه الفكر في (السقوط) مما يخص الجيل والعصر والواقع والذات العربية، وما رافق كل ذلك من صور انهيار القيم الروحية والسقوط الاجتماعي والأخلاقي. غير أنا سنقف عند (طالب المرجان)، ونرجئ الحديث عن الحلم إلى ما بعد. طالب المرجان: يمثل صاحب هذا اللقب (طالب المرجان) الوجه المقابل لشخصية المعتصم، فهو يحمل ملامح فئة أفرزها المجتمع ـ في الجيل ذاته ـ بشكل طبيعي، وما زال يفرز على غرارها من أمثال (طارق الفأر). هذه الفئة التي وإن كانت قد ثبتت في طينة مسحوقة. من أرضية هذا المجتمع، إلا أنها كانت تحمل في كيانها (قيم الحق والمحبة والجمال/ ص124) غير أنها ما لبثت أن تنكرت لأصولها بتأثير أجواء العصر الذي تعيشه وسط (مرابع تحطيم الفكر واهتزاز القيم وسرطنة الالتزامات/ ص125) ومن هنا بدأ إيمان قوي يغزو وجود (طالب المرجان) وأمثاله بوداع ما كان، فراح (يتوحد مع المتوحدين في مرحلة باتجاه واحد إلى الجاه والمال والسلطان، ويقيم بين وقت وآخر احتفالاً مهيباً مع الوسواس الخناس، ويبدأ ينسل كالشعرة من العجين من ماضيه ومن ثالوث الحق والخير والجمال/ ص125). وكان له ما أراد بركوب (موجة العصر/ ص123) التي أوصلته إلى (دائرة الضوء والجاه والمال والسلطان/ ص127). ولم يكن (طارق الفأر) بأقل خطورة، فهو (ملك في الرشوة والنهب والتهريب والشعارات/ ص157). مما يجعلنا نترحم على (طالب المرجان) بما يقوله المثل العامي (الله يرحم النباش الأول/ ص158). الرؤى والرموز: إذا كانت التأملات هي النشاط العقلي المعبر عن "استغراق الفكر في موضوع تفكيره"، فلا غرابة أن تلفت هذا الفكر من حدود الزمان والمكان ليتبدى في صور الأحلام، أو يشطح عن عالم الواقع ليتمثل في تصورات أحلام اليقظة، أو يتلفع بدلالات إيحائية تبدو بشكل رموز عامة أو خاصة.. كل هذه المسارب يلجأ إليها الفكر عبر تأملاته، وكأنه يتخذ منها أوليات دفاعية للاحتماء من القلق الذي يعتري الذات: أو الأخطار الخارجية التي تهدد وجود صاحبها، أو تعمل على "التوازن العقلي والسيكولوجي" لديه، أو تؤدي به إلى رؤى تستشرف عالماً خيالياً مليئاً بالآمال ومفعماً بالغبطة، ومن هذا المنطلق ننظر في هذه المسارب التي لجأت إليها (تأملات) سميح عيسى بما تتضمنه من أحلام. في أجواء هذا الواقع الذي عرف السقوط وانهيار القيم وتدمير الذات، تنبثق أحلام (المعتصم)، فيلوح له الأمل في الحلم الأول (ص22ـ 25) للحظات خاطفة، متمثلاً في عروسة السماء (التي تناديه بغنج ومحبة)، وفي الأطفال الذين يلتقطون بأيديهم خيوط النور التي تدلت من السماء، لكن دون الوصول إلى أي هدف يرجى، فعروسة السماء ـ رمز الأمل الذي تعلق به منذ مطلع شبابه ـ تحتفي قبل أن تجيب على ندائه لها، والأطفال الذين يحملون دلالة الولادة الجديدة، ينأون عنه ليسكنون في النجوم المتلألئة، وسرعان ما يهوي كل شيء ويغيب في العدم، وتتابع الكوارث في الحلم، وهو من أحلام الحصر أو القلق النفسي الذي يدل على "الضيق والعناء" يحمل دلالة "عدم الرضا بالوضع الراهن" أو الخروج منه.. حتى الحلم هنا ينتهي إلى السقوط. أما حلمه الثاني (ص63ـ 65) الذي أتاه من نومه للمرة العاشرة) فصوره مهما يمكن أن تتخذ من دلالات متعددة متباينة، فإنها تحمل ما يوحي بالحياة الروحية السامية، وبالرغبة في السلام والطمأنينة والتطهر، وتعلم على التخفيف من حدة الشعور بالخطر والإحباط والضغط الداخلي على الذات، فهناك المياه النقية الصافية، والشاطئ اللازوردي، والقارب الأبيض الجميل، والموجات المتلاحقة من طيور البحر، وما يرافق كل ذلك من أغنيات، وهناك لقاؤه بفتاة حبه الأول، والأجواء التي تغمر عالمه بالدفء والطهارة والأمل.. وهما يعبران جسراً خشبياً يصل الجنوب بالشمال، لكنها تنتهي كلها إلى الضياع دون تحقيق ما يصبوا إليه صاحبها فهو لا يستكمل عبور الجسر الذي يمكن أن يعني البعث الداخلي أو الانتقال من حالة نفسية إلى أخرى أو من وضع إلى وضع، وحبيبته تبتعد عنه ولا يستطيع اللحاق بهأن والزورق يقلّها ليبحر بها إلى البعيد لكن دون أن يقطع حبل الرجاء، فهو ما زال (على أمل العودة واللقاء في وقت قريب). ويبدو الحلم الثالث للمعتصم (ص98ـ 99) أكثر تركيزاًَ وتحديداً فيما يشير إليه من دلالات، فهناك الماضي أو التاريخ المتمثل بالأب الذي هو أشبه بتلك الشجرة التي يتكئ على جذعها، بجذوعها الراسخة وظلالها الوارفة، ولا تبتعد رمزية لباسه الأبيض عما يعنيه هذا اللون في عالم اليقظة من الطهارة والأمل، ومن حوله الأطفال الذين يحملون ذلك الأمل بعد أن تحل الكارثة بجيل المعتصم بصمت، هذه الكارثة التي ينبئ عنها عمل زوجه بجلوسها على مقعد حجري، وهي تحيك الصوف (مع سيل الدموع الحارة الصامتة). ونقف عند الرقصة التي أداها المعتصم في ستريو ومطعم الفندق، فإذا هي لا تخرج في رأينا عن حلم من أحلام اليقظة، ذلك أن السمات التي تتميز بها شخصيته لا تخوله في الحقيقة القيام بمثل هذا الفعل في عالم الواقع، وهو الذي يتصف (بالرصانة الزائدة والوقار الفائض). وإذا كان مثل هذا النوع من الأحلام يعبر عن مكنون لا شعوري، فإن ما حلم به المعتصم هنأن هو ضرب من التنفس السيكولوجي، يكسر به طوق الفكر الذي يعيش في إطاره، والذي حولته العادة إلى ما يشبه (الإدمان)، ويطلق نفسه على عفويتها، فيتخطى بخياله مآسي الحياة في هذا الواقع المرير مما يتيح له الرحيل من هذا العالم المليء بالتفاهات ومظاهر الزيف، لعله يستطيع أن يعلو على كل ذلك وينتصر للحظات على قوى الشر في هذا العالم، وهو الذي كان من طبيعته كلما ازدادت عليه وطأة الواقع أن يهرب إلى الطبيعة (ص79) شأن الشعراء الرومانتيكيين. أما الآن في هذه اللحظة التي فجرت فيها هذه الموسيقا ـ التي كان (يعشقها ويحب الاستماع إليها أيام شداته النفسية وتأزماته الفكرية والاجتماعية/ ص53) ـ أحاسيسه الفطرية، فإنه لم يعد يقنع بذلك الهروب الرومانتيكي الحالم الذي لا يعني لديه ـ لا شعورياً ـ إلا اليأس والإحباط والعجز عن الارتفاع إلى عالم سام يتميز بالنقاء والبراءة بعيداً عن أدران المادة، ونحن نقول "لا شعورياً" لأن ذلك تمثل في وعيه فيما بعد عندما كان يتحدث مع السيد حسني ويتساءل: (لست أدري لماذا أرى معظم الناس في زماننا هذا مثقلين بالمادة الفانية وبعيدين جداً عن الروح وجوهرها وعن الطبيعة وجمالها/ ص77). والآن وقد حركت الموسيقا أحاسيسه وانفعالاته المكبوتة وهي تحكي رقصة زوربا اليوناني، راح يفكر بزوربا، فتراءى له (بطلعته البهية، وقامته المنتصبة الطويلة، وعضلاته القوية المفتولة، وضحكته العريضة الساخرة من الأشياء كلها إلا من ألوان الجمال وغذاء الروح والفكر والجسد/ ص54)، فصور له خياله أن يتقمص وجودية زوربا في رقصته تعبيراً عن موقف يقوم على تحدي الحياة نفسها والتغلب على متاعبها وأزمانها، والتعالي عما يرسف في النفس من أغلال المادة الفعلية ضد قوى عاتيه في "معركة يتوهم أنه يخوضها". ومثل زوربا الذي عبرت رقصته عن انتصاره على الحياة وعن سخريته من مصاعبها ومهازلها. وإذ يؤدي المعتصم هذا الدور ويصل إلى نهايته، يسقط أرضاً ويرقد (في إغفاءة طويلة وسط هلع وحزن الحضور/ ص55). وكان يمكن أن نفسر سقوط المعتصم بأنه ظل يرقص إلى أن أنهكت قواه مع توقف الموسيقا، لكن الحقيقة هو أنه لم يحقق ذلك. الانتصار الذي يقصده (زوربا) بدليل قوله (عانقت زوربا ورقصت طرباً، ولكنه عاتبني وصفعني ثم انتصر علي فسقطت أرضاً في اغماءة كبيرة/ ص59) وتردد ذلك في حديثه مع السيد حسني (رقصتي ـ عما يبدو ـ لم تعجب زوربا، فصفعني بقوة ورماني أرضاً/ ص68). لقد أدى المعتصم حقاً رقصته بإتقان، فهو (يضرب الأرض بقدميه ضرباً، ويلوح بيديه، يضم كتفيه، يفرد عنقه، ينوس برأسه ويتابع الرقص أكثر فأكثر، ويتفنن في الدوران والقرفصاء، والاهتزاز/ ص55). غير أن هذا الأداء المتقن إنما هو في تصور الكاتب فحسب، ويبقى السبب بكل بساطة في إخفاق المعتصم هو في ما ترجمه وعيه الباطني من خلال منولوجه الداخلي (سامحك الله يا زوربا على فعلتك هذه، حقاً لقد كنت تعيش حياتك بعفوية كبيرة. وبأحاسيس ومشاعر صادقة في مجتمع كثير التعقيد والنحيب لكنك كنت تعرف الطريق الصحيحة في سيرك عبر الجبال الوعرة والوهاد المضنية/ ص59). وهو ما لم يختبره المعتصم ورفاق جيله في مسيرتهم. ونأتي أخيراً إلى القسم الثالث من التأملات وهو (الحلم) ص165: ومن ينعم النظر في (التأملات) بأقسامها الثلاثة دون أن يعير اعتباراً لتاريخ كتابتها يرى أن ترتيبها الفكري أو المنطقي ليس عفوياً أو عشوائياً، إنما هو بناء محكم التركيب، إنه حركة الفكر الصاعد في ثلاث خطوات تذكرنا بتلك المراحل التي اتبعها بعضهم في الجدل المنطقي الذي يقوم على الموضوع، ونقيضه، التأليف بينهما، أو بذلك المنهج الذي يتبعه الفكر في الارتقاء من المحسوس إلى مثل العالم المعقول. ففي (السقوط) تعرض لنا التأملات صورة ذلك الجيل الذي حمل آمال الأمة وأهدافها وقيمها، ممثلاً في (المعتصم). وفي (طالب المرجان) صورت لنا الطرف الآخر أو المقابل الذي يمثل النقيض من جيل المعتصم، ممثلاً (بطالب المرجان) و(طارق الفأر) و(أبناء أم مهند القرش). أما هنا في (الحلم) الذي يكتمل به البناء، فتحملنا (التأملات) إلى أعلى القيم الإنسانية التي يحمل بها (المؤلف)، وجميعها تتمثل في (الحب)، الحب المطلق الذي يتوحد به صاحب الحلم. وإذا كانت (التأملات) تقوم على البناء المحكم، فإن (الحلم) يقوم أيضاً على تقنية فنية محكمة، فهو يصور في البداية واقع الزمن الذي نعيشه (في رحاب هذا الوطن الصارخ الكبير بصحبة الرياح العاتية والعواصف المدمرة والأعاصير الهوجاء ـ ص165) وواقع الإنسان العربي، الضاربة جذوره في أعماق التاريخ، والذي كانت ولادته الأولى منذ أيام الطوفان، وفقد ذاته الآن، فأصبح رقماً من الأرقام في هذا الزمن (ص175) وغدا يحلم بولادة جديدة (ص179). والأمل معقود في الأطفال الذين هم (فيض من نور الله) والذين يمثلون (المحبة والعشق والروعة والبراءة والجمال). ومن خلال براءة الطفولة ونقائها تصل ذاته إلى التوحد مع الله ومع الحب الذي يتغلغل في الطبيعة والمخلوقات وذرات الكون جميعها. وحتى في لحظات التاريخ، ليبلغ إلى حالة من الطمأنينة والسلام والولادة الجديدة المنتظرة. وتبدو التقنية الفنية في (الحلم) الذي هو رحلة خيالية ذات طابع صوفي مبدع من خلال هذا العرض، ومن خلال أصوات ثلاثة تتمثل في جوقات يعبر كل منها عن الوجدان الجماعي للعالم الذي هم فيه: أولاها صوت (الأموات الأحياء) الذين يرددون لحناً عذباً يصور عالمهم (حيث الكل في واحد والواحد في الكل/ ص173) والذي ينتهي لحنها بالصراخ والحسرة (على أمة تقتل نفسها بنفسها، وتحرق ماضيها بحاضرها، وتدفن مستقبلها بأحقاد أمرائها، وأولاد الأفاعي الزاحفين إليها من الشمال ـ ص182) بعد أن يعرفون ما آلت إليه أمة العرب. والصوت الثاني هو صوت (الأحياء الأموات) الذين يصورون عالمهم الذي يتحكم به سيف الحكام وكأنه سيف القدر. وحيث يقوم على كل شيء فيه (بأمر السيف والسياف ـ ص185). أما الصوت الثالث فهو صوت (الأطفال) أحباب الله، الذين يكمن فيهم الأمل، والذي يقوم عالمهم على الطيبة والبراءة والحب والسلام/ ص195)، ومن خلال هذا الحب والأمل يتابع صاحب الحلم رحلته ليلتقي بذاته، وهناك يكون التوحد مع الحب المطلق، الذي هو غاية الإنسان وغاية الكون وغاية الوجود، ودونه لن يكون تطهر أو ولادة جديدة أو إشراق صبح جديد. ومع ذلك تظل (تأملات) سميح عيسى عزفاً حزيناً على قيثارة محطمة. * ملاحظة وتنويه: ( ): ما بين هذين القوسين يقع كلام المؤلف الذي غالباً ما نلحقه برقم الصفحة. " ": ما بين هذين القوسين مأخوذ من مراجع ساقتنا إليها تداعياتنا بشكل عفوي. ويحب الكاتب أن يقول: إن المراجع التي ساقته إليها تداعياته العفوية هي: ـ الموسوعة الفلسفية المختصرة: ترجمة بإشراف د. زكي نجيب محمود. ـ المعجم الفلسفي: د. جميل صليبا. ـ تراجم حية لأعلام الفلسفة الغربية: هنري ودانا تومس. ترجمة محمد بدران وعثمان نديه. ـ فلسفة الحضارة: البرت اشفيتزر، ترجمة د. عبد الرحمن بدوي. ـ اليهودي التائه: قصة لأوسكار وايلد. ـ قصة الفلسفة: أحمد أمين وزكي نجيب محمود. ـ البعث: د. سامي الجندي. ـ الشعر العربي الحديث في لبنان: د. منيف موسى. ـ حكمة الغرب: برتراند رسل، ترجمة د. فؤاد زكريا. ـ ندوة المثقف والسلطة في الوطن العربي: مجلة (المستقبل العربي) ع5ـ 1985. ـ المشكلة الخلقية: د. زكريا إبراهيم. ـ موسوعة علم النفس: د. أسعد رزوق. ـ التخلف الاجتماعي (مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور): د. مصطفى حجازي. ـ الصحة النفسية (دراسة في سيكولوجية التكيف): نعيم الرفاعي. ـ تفسير الأحلام: بيير داكو، ترجمة وجيه أسعد. ـ الرقص تعبير فني وأداة تواصل: د. أحمد أبو زيد. مجلة الكويت ع63. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |