مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 273-274-275 كانون الثاني وشباط وآذار 1994
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

مرصد الموقف الأدبي ـــ حسن حميد

(* نجمتان ـ رواية ـ 260‏

* ناشد سعيد‏

* إصدار اتحاد الكتاب العرب 1994)‏

ـ 1 ـ‏

بعد مجموعتين قصصيتين (مآرب أخرى) و(حماة الديار) يدخل القاص ناشد سعيد عالم الرواية من خلال روايته الأولى (نجمتان) التي صدرت مؤخراً ضمن منشورات اتحاد الكتاب العرب بدمشق.‏

(نجمتان) رواية تنتمي من حيث الموضوع إلى عوالم الرواية القومية، التي تتخذ من القضايا القومية (الوحدة) موضوعاً لأحداثها وأمكنتها وزمانها أيضاً.‏

فموضوع الرواية يعالج موضوع الوحدة العربية التي أقيمت ما بين سورية ومصر سنة 1958، والظروف التي أحاطت بهذه الوحدة والتي أجهضتها سنة 1961، ومكانها مشطور إلى مكانين (سورية) و(مصر)، وزمانها يمتد على السنوات الثلاث التي هي عمر تلك الوحدة بالتمام والكمال.‏

وشخصيات الرواية شخصيات تمثل المجتمعين السوري والمصري إلى حد لا يقترب من التمثيل الشمولي قدر ما يقترب من الشخصية النمطية الأكثر معرفة ووضوحاً في المجتمعين، مثل شخصية الفلهوي، والمومس في مصر، وشخصية التاجر، والمثقف في سورية.‏

وقراءة الرواية في المستوى التجريدي تشير بوضوح إلى أن الرواية ليست رواية أحداث أو رواية شخصيات. وإنما هي رواية فقد وخسارة على صعيد الأحداث والشخصيات أيضاً، ولتوضيح هذا الأمر.. نقدم التمهيد التالي (نادر) مقاتل سوري يخدم في إحدى قطعات الجيش السوري، ثم لا يلبث أن يلتحق بالكلية الحربية في القاهرة بعد أن اجتاز امتحان الشهادة الثانوية، وبعد عامين من التدريب يطرد من الكلية الحربية لأسباب سياسية وأهواء فكرية لا يرضى المصريون عنها. من خلال هذه الشخصية (نادر)، وهي شخصية رئيسة في الرواية، نتعرف الكثير من وجوه الحياة في المجتمع الشامي، الحياة الفقيرة، والحياة الغنية. وكذلك نتعرف (من خلال إقامته في القاهرة) الكثير من وجوه الحياة في المجتمع المصرين نتعرف حياة الفقراء الذين يجعلون من عربات الخضار أمكنة لنومهم وسكنهم، كما نتعرف إلى نماذج من الفهلوية المصرية من خلال شخصية (أنور) زميل (نادر) في الكلية الحربية.. ونماذج أخرى من الفتيات والنساء اللواتي يعملن في تجارة الرقيق الأبيض.‏

"هذه الشخصية المحورية (نادر) مثلها مثل باقي الشخصيات في الرواية تعاني من لوثة الفقد والخسارة منذ بداية الرواية وحتى نهايتها، وبالتالي منذ بداية زمن الوحدة وحتى نهايتها. فهو يخسر الكثير من رفاقه في الحرب، كما يخسر عشيقته نبيهة (في دمشق) وعشيقته الثانية (نوال) في مصر. كما يخسر صديق الدراسة (نقولا)، كما يخسر الدورة العسكرية في الكلية الحربية حين يفصل من الدورة، كما يفقد (نجمة الملازم)، وبالتالي يخسر تقدير والديه في القرية.. وهكذا تظل هذه الشخصية في حالة خسران فقد منذ بداية ظهورها وحتى غيابها في نهاية الرواية.‏

.. كذلك (نبيهة) عشيقة (نادر) حين يتركه ويذهب إلى القاهرة، كما تخسر أحلامها في الزواج من شاب يأتيها على حصان أبيض، حين تتزوج من تاجر طاعن في السن.‏

و(نوال) العشيقة الثانية تخسر (نادر) حين يغادر القاهرة مطروداً من الكلية الحربية. و(أنور) زميل نادر يفقد البهجة التي كان يتمتع بها وهو يأخذ مصروفه من (نادر). كما يفقد (نقولا) الطمأنينة والعيشة الحلوة في القاهرة بعد مغادرة (نادر).. ويفقد والدا (نادر) أمنيتهما بأن يرى كل منهما (نادر) وقد تخرج من الكلية الحربية ضابطاً بنجمة..‏

وهكذا تمضي الشخصيات من فقد إلى فقد، ومن خسارة إلى خسارة.. لتنتهي الرواية بالفقد الكبير الوحدة العربية ما بين مصر وسورية.‏

ـ 2 ـ‏

(نجمتان) رواية مكتوبة بأسلوب بسيط بعيد كل البعد عن الخطابية والتقريرية (ما عدا بعض الأمكنة القليلة جداً في الرواية) مثلها مثل الروايات القومية التي ملأها مؤلفوها بالبيانات والمنشورات، والكلام الكبير...‏

الجديد في رواية ناشد سعيد (نجمتان) لأن الأحداث والشخصيات هي التي تقدم موضوعها (الوحدة) وليس العكس كما نقع على هذا في الروايات التي عالجت الموضوعات القومية. فالأفكار هنا مضبوطة، أو مثل منضبطة لصالح حركية الشخصيات.. وموران الأحداث.‏

(نجمتان) رواية تقرأ كأحداث متفاعلة لا كأفكار مهيأة مسبقاً..، أي أنها رواية تعالج موضوعاً (كثر الحديث فيه) من خلال سيرورة حياة الناس العاديين، وغير العاديين.. وليس من خلال ذهنية المؤلف ومعايشته لأحداث الوحدة وانهيارها أيضاً. رواية جادة، قدمت مؤلفها لقارئها تقديماً جميلاً يليق به وقد عرف ما يريده الأدب من الأحداث الكثيرة.. حقاً...‏

(* فياض ـ رواية ـ 490 صفحة‏

* خيري الذهبي‏

* إصدار اتحاد الكتاب العرب 1992)‏

ـ 1 ـ‏

يواصل الروائي خيري الذهبي تقدمه الأدبي والإبداعي معاً من خلال ما يقدمه من روايات وأعمال أدبية مثيرة للحوار والجدال (وأحياناً الجدال) ذلك لما تتسم به رؤيته من نظرات ثقابة، ولما تحتويه أعاله من جهود فكرية وثقافية واضحة المعالم، ولما يمتلكه من أسلوب أدبي رفيع في مستواه، عال في تقانته.‏

من أعمال خيري الذهبي الروائية الأخيرة الصادرة حديثاً، الجزء الثاني من روايته الطويلة (التحولات) والذي جاء تحت عنوان (فياض) [كان الجزء الأول من التحولات قد صدر تحت عنوان: حسيبة، وقد لاقى تقريظاً واسعا من جمهور واسع من القراء والنقاد.. الأمر الذي وفر لخيري الذهبي قلقاً إبداعياً جديداً ومكثفاً، وخوفاً متزايداً على جزئه الثاني من التحولات: فياض، الذي تراجع محتواه وأهميته هنا في هذه العجالة. والحق، والكلمة هنا ليست متأخرة أبداً فقد قلت ما هو فحواها في حين صدور حسيبة، إن حسيبة رواية عالية المستوى وهي تختار مجتمعاً سورياً خالصاً مصفى في كل شيء.. رواية قدمت عالم التجارة، والناس، والثورة، ولقمة الأكل، والخوف من أشياء كثيرة أولها قحط الموسم، وليس آخرها قسوة المحتل الفرنسي لبلاد الشام.. كانت حسيبة رواية مشغولة بحذق ورهافة وبقلم مبدع أصيل تماماً].‏

.. و(فياض) رواية في حجم أكبر من حجم حسيبة (الجزء الأول من التحولات) وفي حضور أدبي مواز لحضور حسيبة، ومتمم لمقولاتها، وأمكنتها، وأزمانها.. وفيها يجتهد خيري الذهبي في قراءة التاريخ ليس من أجل إعادته أو ذم الراهن، وإنما من أجل جلو معانيه بلغة الحاضر، وأسلوب الحاضر.. دونما قسوة في تقديس ذلك الماضي أو ذمه.‏

وخير الذهبي واضح مع قارئه في رواية فياض، حين يعين بأن العرب، عرب الحاضر والراهن، يعيشون في الماضي.. يسكرون بما مضى.. رغم تقدم الدنيا وتطورها، وأن نزوع الكثير من أبناء شريحة الانتلجنسيا العربية إلى الهروب والانسحاب إلى الماضي.. ليس من أجل التأويل لمحو عثرات الحاضر وإنما التقرب من ذلك الماضي الجميل لتزيين صورهم، وأقلامهم، ومقالاتهم أمام قراء الراهن والمتأثرين به. لذلك كثرت قراءة عصر النهضة العربية أفكاراً وأعلاماً.. لكن دونما طائل أو نتيجة أو جدة أو مغايرة.. فما زالت مقولة (التقدم) و(الوحدة) و(القومية) في الربع الأول من هذا القرن هي هي لم يضف أحد من أبناء الانتلجنسيا إليها لبنة أو (طوبة) واحدة، وما زالت المشاريع هي هي.. أحلام في أحلام.. بل أن الراهن انكشف (وهو عصر وسائل الإعلام المنارة والمفضوحة) عن عجز مفكري اليوم من أبناء الأنتلجنسيا العربية وانسجامهم الهروبي في اتجاهين عجيبين، الأول: نحو الماضي والضياع فيه، والثاني: نحو المقولات الغربية التي تكفر العرب أمة، وقولاً، وحضارة.. والضياع فيه أيضاً.‏

خيري الذهبي يدرك ذلك تماماً، لهذا عاد وعالج جزءاً من التاريخ العربي معالجة أدبية كشافة، من خلال شخصية أسامة بن المنقذ، لكن هذه الشخصية ليست أساسية في الرواية قدر ما هي مرحلة ذلك العصر أساسية. أن أسامة بن المنقذ.. شخصية وعملاً وزماناً.. ليست هي في رواية (فياض) إلا شبكة من خيوط واهية لعلاقات وأحلام وأوهام.. أخفت وراءها مرحلة زمنية من حياة الرعب.. شديدة الرعب، لأن من عاصر أسامة بن المنقذ، ومن تلا المعاصرة لم يتمثلوا تجربته الفنية.. لأن الفردية، والنزوع إلى الاستقواء بالآخرين من عجم وروم ومماليك (آنذاك) أخفى شخصية أسامة بن المنقذ.. ومثيلاتها.. بقولة أخرى تريد رواية (فياض) أن تقول أن الماضي.. يعاش الآن.. بتمام الشخصيات، وبالأمكنة ذاتهاً، والأزمنة نفسها.. أيضاً.‏

إن قراءة (فياض) على أنها أخذت من التاريخ الحرفي لأسامة بن المنقذ الكثير ما هي إلا قراءة سطحية لا تنم عن رقعة الذوق النقدي لدى قارئها، كما لا تشير إلى وعيه بما يحدث في الراهن.. وصورة الراهن تكاد تطابق الفارط زمنياً مطابقة الكف للكف. وأن السخرية التي يمشي (فياض) في ركابها وهو يعرف بالحضارة العربية أو وهو يتحدث عن صاحب كتاب الاعتبار في جو غير ملائم للحديث الرصين.. إنما تأتي ككوميديا سوداء تستنفر الوجدان وتستنفره، وهذا ما يريده المؤلف، بله والقارئ أيضاً.‏

ـ 2 ـ‏

إن التحولات التي يبديها خيري الذهبي في روايته الجديدة (فياض) هي تحولات لسيرورة حياة عاشها البشر وسيعيشونها، تحولات لقيم كانت وستبقى، لكن من منا يقر بعد القراءة المتأنية للرواية أننا كما في عوالم التاريخ أو كنا في عوالم الراهن، أو عوالم الآتي من الأيام وأحلامنا مقوضة، وخطانا عاثرة، واللاعبون بمصائرنا كثرة، وحضورنا غائب.‏

(فياض) رواية تقرع جرس النهوض الأخير، جرس الاعتبار، والتأمل، والصحوة المشتهاة.. في عالم اختلط بره ببحره، وصار شوكه وثمره في طبق واحد، وأساه وفرحه في قدر فخارية شديدة الصلابة.. فوق نار محمرة اللهب.. لن تأتي إلا بالمرارات.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244