|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
ابن خلدون لغوياً ـــ د.سام عمار 1ـ مقدمة: هو أبو زيد ولي الدين عبد الرحمن بن محمد المشهور بابن خلدون. ولد بتونس عام 1332م. ولما بلغ سنّ التعلّم كان أبوه معلمَه الأول. وكانت تونس حينئذ مركز العلماء والأدباء في بلاد المغرب ومنزل رهط من علماء الأندلس الذين شتتتهم الحوادث. فكان من هؤلاء أساتذة ابن خلدون ومعلموه مع والده ومن بعده. قرأ عليهم القرآن وجوّده بالقراءات السبع، ودرس عليهم علوم اللسان من لغة ونحو وصرف وبلاغة وأدب مع عناية خاصة بالشِّعر. ثم درس الفلسفة فيما بعد. وحظي في جميع دراساته بإعجاب أساتذته ونال إجازاتهم. (المقدمة ـ الجزء الأول، ص 37-38). عمل بالسياسة في المغرب واشتغل في القضاء في مصر. وبين عامي 1374-1382م تفرّغ للدرس والتأليف. وخلال هذه الفترة ألّف مقدمته المشهورة وقد توفي بالقاهرة عام 1406م. تخصص ابن خلدون في التاريخ والاجتماع، وإليه يُنسب تأسيس علم الاجتماع قبل الأوروبيين بحوالي خمسة قرون، ولكنه كان عالماً موسوعياً ألمَّ إلماماً واسعاً بالعلوم الشرعية وبعلوم اللسان وبالفلسفة والمنطق والرياضيات والجغرافيا والعلوم الطبيعية والروحانيات والعلوم السحرية.... الخ. وكان لأسلوبه المتحرر من قيود السجع والصنعة في عصر الانحدار أثر كبير ((في لغة الكتابة في مختلف أنحاء الوطن العربي في العصر الحديث.)) (المقدمة، الجزء الأول، ص97). إن مَهمَّة العمل الحالي هي أن يسلط الضوء على اهتمامات ابن خلدون اللغوية. 2ـ آراء ابن خلدون في اللسان وملكة اللغة وعدد من المسائل المرتبطة بهما. 2/1- اللغة واللسان والفصحى والعامية لدى ابن خلدون: يرد توضيح معنى اللغة في غير مكان من الجزء الرابع من مقدمة ابن خلدون. ومن الطبيعي ألا يكون قصده وضع تعريف دقيق شامل للغة، فهو قبل كل شيء مؤرخ وعالم اجتماع. ومع ذلك ففي تعريفاته كثير من الدقة والوضوح. وهذا يتفق تماماً مع ما يصدر عن العالم. يقول في الصفحة (1250): ((واللغات إنما هي ترجمان عما في الضمائر من(..) المعاني يؤديها بعض إلى بعض بالمشافهة في المناظرة والتعليم وممارسة البحث في العلوم...)). وواضح أن هذا التعريف ضيق؛ لأنه يتناول استعمال اللغة في مجال التعليم، سواءٌ أكان هذا التعليم تلقيناً وبالخطاب والعبارة أم تقييداً بالكتاب ومشافهة للرسوم الخطية من الدواوين، (ص1251). ولكنه يقدم في الصفحة الرابعة والخمسين بعد المئتين والألف تعريفاً متكاملاً للغة بقوله: ((اعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني، ناشئة عن القصد لإفادة الكلام. فلا بدَّ أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها، وهو اللسان. وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم.)) فاللغة تَبَعاً لهذا التعريف تمتاز بعدة أمور: أولها: أنها تقتضي شخصاً متكلماً؛ وثانيهما: أنها تستعمل لتحقيق هدف؛ وثالثها: أنها تنقل رسائل بشرية ضمن سياق زماني ومكاني وثقافي؛ ورابعها: أنها ذات طبيعة اجتماعية ما دامت تنقل هذه الرسائل، وخامسها: أنها فعل لساني ما دامت ملكة في العضو الفاعل لها وهو اللسان؛ وسادسها: أنها تختلف باختلاف الأمم التي تستعملها ما دام اللسان مشتركاً بين جماعة لغوية معينة يتواضعون على اصطلاحاته ويقرون بها ويطورونها. وهذا التعريف لا يقل جودة عن التعريفات التي تقدمها اللسانيات الحديثة. وإن لم يصرِّح فيه بكلمة ((نظام)) فإنها مستشفة منه لدى كل ذي نظر. وابن خلدون يستعمل اللسان واللغة كثيراً على سبيل الترادف، فيتحدث عن اللسان المضري واللغة المضرية: اللغة التي نزل القرآن بها (ص1274). ولكنه يُخَصِّصُ عند الاقتضاء فيستعمل مصطلح اللسان أو اللسان الأصلي للغة المضرية، لغة القرآن؛ ويستعمل مصطلح اللغة للعاميات التي تطورت بتأثير مخالطة الأعاجم في الأمصار والحواضر، كما تطورت كذلك لدى معاصريه من العرب البُداة. ((فالتخاطب في الأمصار وبين الحضر ليس بلغة مضر القديمة، ولا بلغة أهل الجيل، بل هي لغة أخرى قائمة بنفسها بعيدة عن لغة مضر وعن لغة هذا الجيل العربي الذي لعهدنا، وهي عن لغة مضر أبعد. فأما أنها لغة قائمة بنفسها فهو ظاهر، يشهد له ما فيها من التغاير الذي يُعَدّ عند أهل النحو لحناً. وهي مع ذلك تختلف باختلاف الأمصار في اصطلاحاتهم. فلغة أهل المشرق مباينة بعض الشيء للغة أهل المغرب، وكذا أهل الأندلس معهما، وكل منهم متوصل بلغته إلى تأدية مقصودة والإبانة عما في نفسه. وهذا معنى اللغة واللسان.))(1) (ص1274). إنه يخلص إذاً إلى أن هناك لغاتٍ، أي عاميات، في المشرق والمغرب والأندلس مخالفة للغة مضر ولغة أهل جيله من العرب البداة من جهة، ومتباين بعضها عن بعض قليلاً من جهة ثانية. وظاهرة التطور هذه تبدو له طبيعية. ((فالبعد عن اللسان إنما هو بمخالطة العجمة، فمن خالط العجم أكثر كانت لغته عن ذلك اللسان الأصلي أبعد)). والواضح من كلامه أنه إنما يتحدث عن لغة التخاطب، أي اللغة الشفوية لا المكتوبة. وهذا ينطبق إذاً على ما درجنا على تسميته بالعاميات، ولا ينطبق على اللغة المكتوبة، أي الفصحى، لغة مضر. وسنبين بعد قليل أننا لسنا مع فكرة أن العاميات مستقلة تماماً عن اللغة المضرية، بل أنها شكل من أشكال هذه اللغة تطور في ظروف معينة. ولكنّ ابن خلدون يرد على دعوى أن ((لغة العرب لهذا العهد (أي عهده) لغة مستقلة مغايرة للغة مضر وحمير (يستخدم ابن خلدون في معظم فصول المقدمة كلمة ((العرب)) بمعنى الأعراب أو سكان البادية، وهم من احتج النحويون بكلامهم)، فيقول: ((ولا تلتفتنّ إلى خَرْفَشَة النحاة، أهل صناعة الإعراب، القاصرة مداركهم عن التحقيق، حيث يزعمون أن البلاغة لهذا العهد ذهبت وأن اللسان العربي فسد، اعتباراً بما وقع أواخِرَ الكَلِمَ من فساد الإعراب الذين يتدارسون قوانينه. وهي مقالة دسها التشيّع (الاستخفاف) في طباعهم، وألقاها القصور في أفئدتهم؛ وإلا فنحن نجد اليوم الكثير من ألفاظ العرب لم تزل في موضوعاتها الأولى، والتعبير عن المقاصد والتعاون فيه بتفاوت الإبانة موجود في كلامهم لهذا العهد، وأساليب اللسان وفنونه من النظم والنثر موجودة في مخاطباتهم، وفهم الخطيب المصقع في محافلهم ومجامعهم، والشاعر المغلق على أساليب لغتهم، والذوق الصحيح والطبع السليم شاهدان بذلك. ولم يفقد من أحوال اللسان المدوّن إلا حركات الإعراب في أواخر الكَلِم فقط الذي لزم في لسان مُضَرَ طريقة واحدة ومَهْيَعاً (طريقاً) معروفاً هو الإعراب، وهو بعض من أحكام هذا اللسان.)) (1271). وهذا الكلام دقيق: فاللسان نظام مركب من أربعة أنظمة فرعية هي: النحو الصرفي (الإعراب)، والصوتي، والدلالي، والمعجمي(2). ويُرجِع ابن خلدون أسباب العناية بلسان مضر وتدوين أحكامه ووضع مقاييسه واستنباط قوانينه، حتى صار علماً سمّاه أهله بعلم النحو، وصناعة العربية، فأصبح فناً محفوظاً، وعلماً مكتوباً، وسلماً إلى فهم كتاب الله وسُنة رسوله وافياً، إلى كون ((القرآن متنزلاً به والحديث النبوي منقولاً بلغته وهما أصلاً الدين والملة؛ فخُشِيَ تناسيهما وانغلاق الأفهام عنهما بفقدان اللسان الذي تنزلا به.)) (ص 1271). ويشير ابن خلدون إلى أن من الممكن العناية بلغة العرب في عهده واستقراء أحكامها؛ بحيث يتوصل من ذلك إلى قواعدها الناظمة التي تُغْني عن دلالة حركات الإعراب في الفصحى فيقول: ((ولعلنا لو اعتنينا بهذا اللسان العربي لهذا العهد واستقرينا أحكامه نعتاض عن الحركات الإعرابية في دلالتها بأمور أخرى موجودة فيه. فتكون لها قوانين تخصها، ولعلها تكون في أواخره على غير المنهاج الأول في لغة مضر. فليست اللغات وملكاتها مَجاناً (أي مُجُوناً بلا منهج وضوابط).)) (ص1272). ولعل ابن خلدون أدرك خطورة هذه الفكرة، فاستدرك في نهاية الفقرة بالإشارة إلى أن العناية بلسان مضر واستنباط قواعده من أجل الشريعة، وليس هناك ما يحمل على مثل هذا العمل فيما يخص لغة العرب لهذا العهد (ص1273). والغريب أن يطرح ابن خلدون هذه الفكرة وهو الذي ردَّ قبل قليل على دعوة أن لغة العرب لهذا العهد مغايرة للغة مضر عندما قال: ((ولا تلتفتنّ إلى خرفشة النحاة.. إلخ)). والغريب كذلك ألا يشير دعاة تقعيد العامية أو العاميات المختلفة والكتابة بها في القرن العشرين إلى أن ابن خلدون قد طرحها قبلهم بقرون، ولكنّ طرحه لها كان يتسم بالحذر والافتراض والتحفظ والتردد بدليل استخدامه كلمتي: لعلَّ ولو. وأياً كان مصدر الفكرة ومنشؤها وهدفها ودعاتها فإننا نعلن أنها مذهب غير سديد، لا يحمل للعربية غير التشتت والأذى. ولن ندخل في دائرة الجدل البيزنطي حول الفصحى والعاميات، فقد غدا الحديث فيه ممجوجاً. وإذا كانت العاميات واقعاً حياً لا مفر من الاعتراف به فإن ربطها بالفصحى وتقريبها منها خير سبيل لعلاج الأمر. ولكاتب هذه السطور دراسة نشرت في العدد الثاني من مجلة المعلم العربي لعام 1993، فصّل فيها القول حول هذه المسألة، وتحدث عن لغة عربية واحدة تظهر في أشكال على حسب الاستعمال المكتوب أو الشفوي: منها فصحى التراث والفصحى المعاصرة، والوسطى المنتمية إلى الفصحى المعاصرة، والوسطى الوثيقة الصلة بالعامية، وهذه تظهر في شكلين: إقليمي أو قطري ومحلي، ودعا إلى التمسك بالفصحى المعاصرة أداة تواصل على المستويين الشفوي والكتابي. 2/2- اللغة ملكة صناعية: يرى ابن خلدون ((أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني، وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها. وليس ذلك بالنظر إلى المفردات وإنما بالنظر إلى التراكيب. فإذا حصلت على المعاني المقصودة، ومراعاة التأليف الذي يطبق الكلام على مقتضى الحال، بلغ المتكلم حينئذٍ الغاية من إفادة مقصودة للسامع، وهذا هو معنى البلاغة. والملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال؛ لأم الفعل يقع أولاً وتعود منه للذات صفة، ثم تُكرَّر فتكون حالاً، ومعنى الحال أنها صفة غير راسخة. (ص 1268-1269). إن ابن خلدون يعمم نظريته هذه بحيث تشمل اللغات جميعها؛ فاللغات ملكات صناعية، بمعنى أنها تكتسب بالتدرب والمران، وعلى ذلك تكون جودتها وقصورها مرتبطين بتمام الملكة أو نقصانها، أي بمقدار التدرب عليها الذي يبلغ أحياناً حد الإتقان، ولا يبلغه في أحيانٍ أخرى. وهذا الإتقان لا يقوم على الألفاظ وإنما على التراكيب التي تدخل فيها الألفاظ بالطبع. فإذا أُتقِنَ تركيبُ الألفاظ المفردة للتعبير عن المعاني بمراعاة التأليف الذي يطبق الكلام على مقتضى الحال بلغ المتكلم الغاية من الكلام، أي بلغ حد الإتقان للملكة، فغدا كلامه بليغاً. وبمقدار ما تتكرر الأفعال اللغوية تترسخ الملكة وتتقن. وهذا التعميم الذي يطلقه ابن خلدون على اكتساب الملكات اللغوية، ويربطه بالتراكيب اللغوية لا بالمفردات ينم عن حس لغوي مرهف. فالتركيب يقتضي معاً علاقات نحوية صرفية وصوتية ومعجمية ودلالية، في حين أن اللفظ وحده يفتقر إلى العلاقات النحوية الصرفية التي هي عماد الاستعمال اللغوي، كما تفتقر إلى العلاقات الدلالية التي تنجم عن التركيب، فاللفظ في السياق يأخذ دلالة قد تكون مختلفة عنها في سياق آخر. ولعلي لا أحمِّل نظرية ابن خلدون هذه أكثر مما تحتمل إن قلت: إنها تذكرني بمقولة شومسكي (1938-...) التي مفادها أنَّ الطفل يولد ((مزوداً بمعرفة تامة بالنحو الكلي أو الكوني، ونعني بذلك أنه مزود بمخطط مثبت يستخدمه (...) لاكتساب اللغة))(3)، فالطفل يمكنه أن يكتسب أية لغة إنسانية كانت استناداً إلى معلومات ناقصة جداً، وهذا يقتضي أنه يمتلك الأشكال العامة المشتركة بين جميع اللغات الإنسانية بوصفها جزءاً من تجهيزه العقلي الفطري.(4) أما عرضه لكيفية اكتساب الطفل العربي للغة قومه فقابل للتعميم على سائر اللغات ولا تناقضه في ذلك النظريات الحديثة في تعلّم اللغة. يقول: (فالمتكلِّم من العرب حين كانت ملكة العربية موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها، فيلقنها أولاً، ثم يسمع التراكيب بعدها فيلقنها كذلك، ثم لا يزال سماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم، واستعماله يتكرر، إلى أن يصير ملكة راسخة، ويكون كأحدهم. هكذا تصيرت الألسن واللغات من جيل إلى جيل وتعلمها العجم والأطفال.)) (ص1269). ولكن الجملة الأخيرة قلقة مضطربة، فإن كان القصد منها تعميم التعلّم الشفوي على جميع اللغات البشرية لم يستقم عطف الأطفال على العجم، بل كان الأولى الاقتصار على الأطفال عرباً كانوا أو عجماً. وإن كان القصد منها العربية وحدها في ألسنتها (الحميري والمضري والعربي لعهد الكاتب) ولغاتها (العامية المختلفة) لم يستقم كذلك تعميم تعلمها لدى الطفل العربي والراشد العجمي) لا من وجهة نظر ابن خلدون للتعلّم، بل من وجهة نظر النظريات الحديثة في تعلم اللغات. فلا خلاف في قضية تعلّم الطفل العربي للغته الأم، أما بالنسبة للعجمي فهي لغة أجنبية لا أمٌّ. وتعلّم الأجنبي للغةٍ يختلف عن تعلّم أبنائها لها، إلا إن كان المقصود بالعجمة عجمة النسب لا عجمة اللغة، بمعنى أن متعلمي اللغة العربية هم من أصاغر ((أبناء العجم الذين يربَون مع العرب قبل أن تستحكم عجمتهم، فتكون اللغة العربية كأنها السابقة لهم، ولا يكون عندهم تقصير في فهم المعاني من العربية.)) (ص1252). 2/3- تعليم اللسان المضري: يرى ابن خلدون أنّ ((وجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث وكلام السّلف، ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم، وكلمات المولدين أيضاً في سائر فنونهم، حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولُقِّن العبارة عن المقاصد منهم. ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حسب عباراتهم وتآليف كلماتهم، وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم، فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال، ويزداد بكثرتهما رسوخاً وقوة. ويحتاج مع ذلك إلى سلامة الطبع والتفهم الحسن لمنازع العرب وأساليبهم في التراكيب ومراعاة التطبيق بينها وبين مقتضيات الأحوال. والذوق يشهد بذاك. وهو ينشأ من هذه الملكة والطبع السليم فيها...)) (ص ص 1275-1276). إن أول ما يمكن أن نلاحظه على هذا النص الذي حمل عنوان: تعليم اللسان المضري، أن الأولى كان أن يحمل عنوان تعلّم اللسان المضري، فكل ما جاء تحته يتعلق بالتعلّم لا بالتعليم. ولكن ابن خلدون ختم هذا الفصل عفوياً بجملة أشارت إلى التعلم فقال: ((وهكذا ينبغي أن يكون تعلّمها))، أي تعلّم اللغة المضرية. فإن عدنا إلى مضمون النص وجدنا أن الأمر هنا مختلف عما جاء في الفقرة السابقة (2/2) التي تتعلق إجمالاً باكتساب الطفل اللغة عموماً. والذي يظهر هنا أنها تتعلق بتعلّم غير العرب للغة العرب، بدليل أنه يدعو من رام تحصيل ملكة اللسان المضري إلى أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم (أي العرب) حتى يتنزل لكثرة الحفظ منزلة من نشأ بينهم ولُقِّنَ العبارة عن المقاصد منهم. أما ما يُحفَظُ فقد جعله ابن خلدون في فئات هي: القرآن والحديث، كلام السلف، ومخاطبات فحول العرب، وكلمات المولدين في سائر فنونهم. إنه إذاً الحِفْظُ من مصادر اللغة الأساسية القديمة والمولده. فالاحتجاج اللغوي في صناعة النحو يعتمد مصادر ثلاثة هي: القرآن والحديث وكلام العرب، ولهذين الأخيرين قيود لنا بصدد ذكرها. وأما كلام العرب المولدين فيتمثّل به ولا يحتج.(5) إن ابن خلدون المؤمن بحيوية العربية وأصالتها وتجددها دعا متعلّم العربية إلى الحفظ من سائر فنون المولدين شعراً ونثراً لتكتمل بذلك مصادر الملكة التي يروم تعلمها. والحفظ جانب بالغ الأهمية في تعلّم اللسان المضري، ولكنه غير كاف لهناك جانب آخر متمم لا مندوحة عنه: إنه الاستعمال: استعمال هذا الذي حفظه ووعاه في التصرف على سَنَن اللسان العربي، ومنهج العرب في صوغ تراكيبهم وفق مقتضى الحال. وكلما كثر الحفظ الواعي والاستعمال الملائم، ازدادت الملكة رسوخاً وقوة. وهذه مسألة أكدها علم النفس الحديث؛ فالتعلم (المفضي إلى الاكتساب بالنتيجة) يزداد إتقاناً بتأثير عوامل كثيرة أبرزها: الأثر (الاستجابات تتعزز إن كانت مصحوبة بحالة رضا)، والتكرار (تزداد الاستجابات رسوخاً بازدياد تكرارها)، والاستعداد للتعلّم.(6) ولكن الاستعمال اللغوي الصحيح، ولا سيما على الصعيد الشفوي في التخاطب والحوار يقتضي وجود المتعلم بين أبناء الجماعة اللغوية التي تستعمل هذه اللغة، هذا ما تؤكده الطرائق الحديثة في تعلّم اللغات غير الأم، وتدعوه بالحمام اللغوي. ويبدو أن ابن خلدون اعتبر ذلك تحصيل حاصل فلم يشر إليه صراحة، باعتبار أن الهدف الأساسي من تعلم العربية ضمن السياق الذي عالج فيه الموضوع كان إجمالاً الاندماج في الجماعة العربية ولهدف ديني عموماً. وقد أشار في غير موضع من الجزء الرابع (الفقرة 2/2 و 2/4 من هذه الدراسة) إلى المرْبَى والمنشأ في الجيل العربي الذي يؤدي إلى إتقان ملكة اللسان العربي. وهذا هو بشكل أو بآخر معنى الحمام اللغوي. وإتقان ملكة اللسان المضري (ابن خلدون يستعمل اللغة واللسان هنا بمعنى واحد) يحتاج بالإضافة إلى ما سبق إلى سلامة الطبع وحسن التفهم لمنازع العرب وأساليبهم في التراكيب ومراعاة التطبيق بينها وبين مقتضيات الأحوال. وهذا في رأينا هو مضى الذوق لدى ابن خلدون كما سنرى. وهو في رأينا ينمو بنمو الملكة ويزداد رهافة بازدياد إتقانها، بحيث لا يمكن فصله عنها. 2/4- تفسير ابن خلدون للذوق في مصطلح أهل البيان وتحقيق معناه: يحدد ابن خلدون معنى لفظة الذوق بأنها: ((حصول ملكة البلاغة في اللسان)) (ص1279). ويدفعه ذلك إلى تعريف البلاغه بأنها: ((مطابقة الكلام للمعنى من جميع وجوهه بخواص تقع للتراكيب في إفادة ذلك)).(7) ثم يشرح ذلك بقوله: ((فالمتكلم بلسان العرب والبليغ فيه يتحرى الهيئة المفيدة لذلك على أساليب العرب وأنحاء مخاطباتهم، وينظم الكلام على ذلك الوجه جهده. فإذا اتصلت مقاماته بمخالطة كلام العرب حصلت له الملكة في نظم الكلام على ذلك الوجه، وسهل عليه أمر التركيب، حتى لا يكاد ينحو فيه غير منحى البلاغة التي للعرب (...) فإن الملكات إذا استقرت ورسخت في محالها ظهرت كأنها طبيعة وجبلّة.)) (1279). وينبني على ذلك أن ملكة الذوق، شأنها في ذلك شأن باقي الملكات، ليس طبعاً ولا جبلَّة. إنها ليست فِطْرَةً. فالعرب لا تنطق صواباً بالطبع، أي بالجبلَّة. إنما يُتَعَلَّمُ الاستعمالُ الصحيح للكلام ونظمُه تعلُّماً، ويكتسب اكتساباً. فالذوق ((ملكة لسانية في نظم الكلام (النظم هنا بمعنى التركيب وفق نظام، لا بمعنى الشعر) تمكنت ورسخت فظهرت بادئ الرأي أنها جِبِلّة وطبع)). وهذه الملكة ((إنما تحصل (أي تكتسب) بممارسة كلام العرب وتكرّره على السمع والتفطُّن لخواص تراكيبه، وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك التي استنبطها أهل صناعة اللسان.)) (ص1279). ومعنى ذلك أن حفظ قواعد اللسان العربي لا يعني بالضرورة امتلاك ملكة الذوق أو البلاغة. فملكة اللسان غير صناعة العربية فكثيرون ممن يحفظون قواعد اللسان العربي يخطئون في استعماله. وكثيرون ممن يجيدون هذا اللسان لا يحفظون قواعده كما سنرى. ومن جميل القول ومُقْنِعه تعليله لتسمية هذه الملكة بالذوق. إنه يقول: ((واستُعيرَ لها الملكة، عندما ترسخُ وتستقر، اسم الذوق الذي اصطلح عليه أهل صناعة البيان، وإنما هي موضوع لإدراك الطعوم. لكنْ لمّا كان محل هذه الملكة في اللسان من حيث المنطق بالكلام، كما هو محل لإدراك الطعوم استُعير لها اسمه؛ وأيضاً فهو وجدانيٌّ كما أن الطعوم محسوسة؛ فقيل له ذوق.)) (ص 1280). وملكة الذوق هذه لا تحصل غالباً للمستعربين من العجم الذين يتعلمون اللسان العربي كباراً والطارئين عليه المضطرين إلى النطق به لمخالطة أهله، كالفرس والروم والترك بالمشرق والبربر في المغرب. وسبب ذلك أنهم أقبلوا عليه كباراً وأتقنوا ملكة لسانية أخرى هي لغاتهم الأصلية. وتكون "قصاراهم بعد طائفة طائفة من العمر... أن يعتنوا بما يتداوله أهل مصر (بلد) بينهم في المحاورة من مفرد ومركب لما يضطرون إليه. وهذه الملكة قد ذهبت لأهل مصر وبعدوا عنها." وفي هذا إحالة على ما قاله سابقاً "راجع الفقرة 2/1"، وهو أن لغة أهل الحضر والأمصار لغة قائمة بنفسها. ولكنه يستثني من ذلك أمثال سيبويه والفارسي والزمخشري من فرسان الكلام الذين كانوا أعجاماً مع حصول الملكة لهم؛ لأنهم كانوا "أعجاماً بالنسب فقط. أما المربى والنشأة فكانت بين أهل هذه الملكة من العرب ومَن تعلَّمها منهم. فاستولوا بذلك من الكلام على غاية لا وراءها (...) فهم وإن كانوا، عجماً في النسب فليسوا بأعجام باللغة والكلام، لأنهم أدركوا الملة في عنفوانها، واللغة في شبابها ولم تذهب آثار الملكة ولا من أهل الأمصار. ثم عكفوا على الممارسة والمدارسة لكلام العرب حتى استولوا على غايته." (ص1281). ومعنى ذلك أن هؤلاء العلماء نشؤوا صغاراً بين العرب في وقت كانت الملكة اللسانية في أوجها، فالملةُ الإسلامية في عنفوان قوتها واللغة العربية في عز شبابها، وملكة الذوق كانت ما تزال مشرقة لدى البدو من العرب ولدى الحضر من أهل الأمصار. ومثل هذا التعليل يتفق مع منطق ابن خلدون ذاته، وهو أ ن امتلاك الملكة في لغة معينة يعيق اكتسابها في لغة أخرى، ويتفق مع المعطيات الحديثة لتعلّم اللغات، وهو أنه كلما كان البدء يتعلم لغة ما أكبر كان الحظ في إتقان ملكتها أوفر، فإن توافر لها الحمام اللغوي ولم تنافسها لغة أخرى غدت وكأنها اللغة الأم التي يفترض أن يتقنها أبناؤها. 2/5- ملكة اللسان غير صناعة العربية ومستغنية عنها في التعليم: يرى ابن خلدون أن ملكة اللسان شيء وصناعة العربية شيء آخر. ويحدد صناعة العربية بأنها: "معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها خاصة". إنها "علم بكيفية لا نفس كيفية". وهكذا فإن معرفة قوانين الملكة ليست الملكة ذاتها. إنها كحالة من يعرف صناعة من الصنائع علماً نظرياً ولا يحكمها عملاً تطبيقياً. ويعطي أمثلة لذلك: حالة بصير بالخياطة قواعد وأصولاً، ولكنه لا يتقنها عملاً وتنفيذاً؛ وحالة عالم بالنجارة كيفية وفناً، ولكنه غير قادر على ممارسة ذلك فعلاً. "وهكذا العلم بقوانين الإعراب مع هذه الملكة في نفسها. فإن العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل وليس هو نفس العمل." "ص1277"، ويمثّل على ذلك بأن "كثيراً من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علماً بتلك القوانين إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مودته أو شكوى ظلامة أو قصد من قصوده أخطأ فيها عن الصواب وأكثر من اللحن، ولم يُجدْ تأليف الكلام لذلك والعبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي. وكذا نجد كثيراً ممن يحسن هذه الملكة ويجيد الفنّين من المنظوم والمنثور، وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول، ولا المرفوع من المجرور، ولا شيئاً من قوانين صناعة العربية." "ص1277". وهو يخلص من ذلك إلى أن الملكة، إن حصلت، تستغني عن صناعة العربية بالجملة. وهذا معنى قوله: "ومستغنية عنها "أي عن الصناعة) بالتعليم"، لأن الملكة ليست فطرة ولا طبعاً كما رأينا، بل هي مكتسبة بطول المران القائم على كثرة الحفظ والاستعمال. ويستثنى من حكمه السابق جمهرة من المبدعين المهرة في صناعة الإعراب والبصيرين بحال الملكة معاً. ويعقب على ذلك بقوله "وهو قليل فقط وهو قليل واتفاقي" "ص1277". وأكثر هؤلاء في رأيه ممن خالطوا كتاب سيبويه وتعلموا عليه. فإن هذا الكتاب "لم يقتصر على قوانين الإعراب فقط".، بل ملأه صاحبه "من أمثال العرب وشواهد أشعارهم وعباراتهم، فكان فيه جزء صالح من تعليم هذه الملكة." "1278". على أن بعض المخالطين لهذا الكتاب "يغفل عن التفطّن!. لهذا، فيحصل على علم اللسان صناعة ولا يحصل عليه ملكةً." "1278". ومثل ذلك يحصل للمخالطين لكتب المتأخرين المقتصرة على القوانين النحوية. ويختتم فكرته بتوضيح كيفية حصول ملكة اللسان (أي اكتسابها وإتقانها). وقد تمَّ تقديم ذلك (الفقرة 2/3 خاصة). 2/6- إذا سبقت العجمة إلى اللسان قصرت بصاحبها في تحصيل العلوم عن اللسان العربي. والسر في ذلك كما يرى ابن خلدون هو أن مباحث العلوم كلها تكمن في المعاني الذهنية والخيالية، وأن معاني العلوم الشرعية تكمن في الخيال، ومعاني العلوم العقلية تكمن في الذهن. ولما كانت اللغات ترجماناً عما في الضمائر من تلك المعاني، وكانت الألفاظ واللغات وسائط وحُجُباً بين الضمائر، وختاماً (سداداً) على المعاني، تحتم على المتعلّم الذي يسعى إلى اقتناص تلك المعاني من ألفاظها أن يعرف دلالتها اللغوية وأن يكون ذا ملكة لغوية جيدة (ص1250). "وإذا كانت ملكته في تلك الدلالات راسخة بحيث تتبادر المعاني إلى ذهنه من تلك الألفاظ عند استعمالها شأن البديهي والجِبِلِّيِّ (وهذا شأن متكلم اللغة الذي يتقن ملكتها) زال ذلك الحجاب بالجملة بين المعاني والفهم، أو خفَّ ولم يبق إلا معاناة ما في المباحث من المعاني" (1250-1251). وهذا ـ كما يقول ابن خلدون ـ إن كان التعليم تلقيناً وبالخطاب والعبارة. أما إن احتاج الأمر إلى العودة إلى الكتاب "كان هنالك حجاب آخر بين الخط ورسومه في الكتاب، وبين الألفاظ المقولة في الخيال؛ لأن رسوم الكتابة لها دلالة خاصة على الألفاظ المقولة، وما لم تعرف تلك الدلالة تعذرت معرفة العبارة، وإن عرفت بملكة قاصرة كانت معرفتها أيضاً قاصرة." (1251). وإذا كانت ملكة المتعلم في الدلالة اللفظية والخطية مستحكمة ارتفعت الحجب بينه وبين المعاني، وصار إنما يعاني فهم مباحثها فقط. هذا شأن المعاني مع الألفاظ والخط بالنسبة إلى كل لغة. والمتعلمون في الصغر أشد استحكاماً لملكاتهم." (1251). وهذا الذي قدّمه ابن خلدون جيد السبك ومحكم البنيان منطقياً. فإذا كانت اللغات ترجماناً عما في الضمائر من المعاني، وكانت دلالات تلك المعاني تتأتَّى من الألفاظ والتراكيب اللغوية، ترتب على السامع أو القارئ أن يكون ذا ملكة لغوية تمكنه من فهمها في سياقاتها المختلفة. وهذا يعني أن من أحكم ملكة اللغة في لغة سهل عليه فهمها، وهذه خاصية أبناء اللغة عموماً. أما إذا كانت الملكة قاصرة فإن قصوراً في الفهم سينشأ عن ذلك، وسيترتب عليه قصور في تحصيل العلوم، وهذه حال متعلمي اللغة من غير أبنائها عموماً. وهم من يسميهم ابن خلدون أعجاماً. ويبدو أن ابن خلدون على قدر من الثقة بكلامه يجعله يعمِّم هذه الفِكرة لتغدو نظرية، عندما يقول: "وهذا شأن المعاني مع الألفاظ والحظ بالنسبة إلى كل لغة". ولا ينسى ابن خلدون أن يؤكد أن من يتعلمون اللغة صغاراً يكونون أشد استحكاماً للملكة اللغوية من الكبار. وهو بذلك ويريد أن يستثني من ظاهرة العجمة جهابذة اللغة وعلماءها من الأعاجم أمثال سيبويه والفارسي والزمخشري. ولكنَّ هؤلاء لا تنطبق عليهم هذه النظرية لأسباب ذكرت في الفقرة (2/4). ونظرية ابن خلدون في أن العجمة إذا سبقت إلى اللسان قصرت بصاحبها في تحصيل العلوم عن أهل اللسان العربي، مؤسسةٌ أصلاً على نظرية أخرى له وهي أن "الملكة إذا تقدمت في صناعةٍ بمحلٍ فقلَّ أن يجيد صاحبها ملكة أخرى" (راجع ص930 من الجزء الثالث). وما دام محل ملكة اللغة، وهي صناعة (راجع الفقرة 2/2)، في اللسان، فإن استقرار العجمة السابقَ فيه يعيق استقرار ملكة اللغة العربية، إلا ما ندر. وفي هذا الاستثناء يبدو بجلاء تحفظُ العالم وحذره ودقته. وإذا قرن هذا العالم العجمي "بنظيره من علماء العرب وأهل طبقته منهم كان باع العربي أطول وملكته أقوى، لما عند المستعجم من الفنون بالعجمة السابقة التي تؤثر القصور بالضرورة" (1253). إن ابن خلدون سابقٌ لعصره، فقد أثار في أواخر الرابع عشر الميلادي مسألة تشغل الآن الأوساط التربوية الأوروبية التي استقر فيها عمال من البلدان المستعمرة وشكلوا جاليات ضخمة أخذ أبناؤها يواجهون مشكلة حقيقية في التحصيل الدراسي في هذه البلدان. فهم مضطرون إلى الدراسة بلغة البلد المستقبل في حين أن لغتهم الأم لغة أخرى، ولذلك فإنهم إجمالاً يعانون مشكلة إخفاق دراسي. إنه الوضع الذي يطلق عليه علم اللغة الاجتماعي اسم الثنائية اللغوية (Bilinguisme). 2/7- أهل الأمصار على الإطلاق قاصرون في تحصيل هذه الملكة اللسانية التي تستفاد بالتعليم، ومن كان منهم أبعد عن اللسان العربي كان حصولها له أصعب وأعصر. والسبب في ذلك على رأي ابن خلدون، وهو منسجم مع منطقه دائماً، هو "ما يسبق إلى المتعلّم من حصول ملكة منافية للملكة المطلوبة، بما سبق إليه من اللسان الحضري الذي أفادته العجمة، حتى نزل بها اللسان عن ملكته الأولى إلى ملكة أخرى هي لغة الحضر لهذا العهد (عهده هو). ولهذا نجد المعلمين يذهبون إلى المسابقة بتعلم اللسان للولدان (...) وما كان من لغات أهل الأمصار أعرق في العجمة وأبعد عن لسان مضر قصر بصاحبه عن تعلّم اللغة المضرية وحصول ملكتها لتمكن المنافاة حينئذ." (ص ص 1282-1283). أما شواهد ابن خلدون على ذلك فهي ثلاثة: أولها: أهل إفريقية والمغرب الذين "كانوا أعرق في العجمة (لغاتهم الأصلية) وأبعد عن اللسان الأول (لسان مضر) فترتب على ذلك قصورهم التام في تحصيل ملكته بالتعليم". ويذكر هنا شاهداً ما كتبه أحد كتاب القيروان إلى صاحب له فأكثر فيه من الأغلاط وأغلظ. ويمثّل لذلك أيضاً بأشعارهم التي كانت نازلة عن الملكة، بعيدة عن الطبقة. ولذلك لم يظهر بإفريقية من الشعراء إلا ابن رشيق وابن شرف. أما الباقيون فهم طارئون عليها وطبقتهم في البلاغة مائلة إلى القصور. (1283). وما ذكره في مكان آخر يدعِّم ما جاء به هنا. لقد بين أن أهل المغرب وإفريقية أجروا "صناعة العربية مجرى العلوم بحثاً وقطعوا النظر عن التفقّه في كلام العرب (...) فأصبحت صناعة العربية كأنها جملة من قوانين المنطق العقلية أو الجدل، وبعدت عن مناحي اللسان وملكته؛ وما ذلك إلا لعدوهم عن البحث في شواهد اللسان وتراكيبه وتمييز أساليبه، وغفلتهم عن المران في ذلك للمتعلم؛ فهو أحسن ما تفيده الملكة في اللسان، وتلك القوانين إنما هي وسائل للتعليم، لكنهم أجرَوها على غير ما قصد بها، وأصاروها علماً بحتاً، وبعدوا عن ثمرتها." (ص1278). وثاني شواهده هو: أهل الأندلس الذين هم "أقرب إلى تحصيل الملكة بكثرة معاناتهم وامتلائهم من المحفوظات اللغوية نظماً ونثراً. وكان فيهم ابن حيان المؤرخ، إمام أهل الصناعة في هذه الملكة ورافع الراية لهم فيها، وابن عبد ربه والقسطلي وأمثالهم من شعراء ملوك الطوائف، لِما ذخرت به بحار اللسان والأدب وتداول ذلك فيهم مئتين من السنين، حتى كان الانقضاض والجلاء أيام تغلب النصرانيه، وشغلوا عن تعلّم ذلك، وتناقص العمران فتناقص لذلك شأن الصنائع كلها، فقصرت الملكة فيهم عن شأنها حتى بلغت الحضيض (...) ثم عادت الملكة بعد ذلك إلى الأندلس كما كانت، ونجم بها ابن بشرين وابن جابر وابن الجيّان وطبقتهم، ثم إبراهيم الساحلي الطريحي وطبقته، وقفاهم ابن الخطيب من بعدهم." (ص1284). أما أهل اللسان العجمي الذين تفسد ملكتهم (البربر) فهم طارئون عليهم وليست عجمتهم أصلاً للغة الأندلس (ص1284). وشاهده الثالث هو: أهل الشرق الذين كان شأنهم في عهد الدولة الأموية والعباسية "شأن أهل الأندلس في تمام هذه الملكة وإجادتها، لبُعدهم لذلك عن الأعاجم ومخالطتهم إلا القليل. فكان أمر هذه الملكة في ذلك العهد أقوم؛ وكان فحول الشعراء والكتاب أوفر لتوفر العرب وأبنائهم في المشرق (...) وبقي أمر هذه الملكة مستحكماً في الشرق في الدولتين، وربما كانت فيهم أبلغ ممن سواهم ممن كان في الجاهلية (...) حتى تلاشى أمر العرب ودرست لغتهم وفسد كلامهم وانقضى أمر دولتهم، وصار الأمر للأعاجم والملك في أيديهم والتغلُّب لهم، وذلك في دولة الديلم والسلجوقية، وخالطوا أهل الأمصار والحواضر حتى بَعُدوا عن اللسان العربي وملكته، وصار متعلمها منهم مقتصراً على تحصيلها." (ص1285). 2/9- حصول الملكة يكون بكثرة الحفظ وجودتها تكون بجودة المحفوظ: أما حصول الملكة بكثرة الحفظ فقد تقدم الكلام عليه. وأما جودتها فتكون على قدر جودة المحفوظ وطبقته في جنسه. "وعلى مقدار جودة المحفوظ أو المسموع تكون جودة الاستعمال بعده، ثم إجادة الملكة من بعدهما (...) فبارتقاء المحفوظ في طبقته من الكلام ترتقي الملكة الحاصلة؛ لأن الطبع إنما ينسج على منوالها. وتنمو الملكة بتغذيتها." (1303)؛ وتعليل ابن خلدون لذلك هو "أن النفس، وإن كانت في جِبِلَّتها واحدة بالنوع، تختلف في البشر بالقوة والضعف في الإدراكات. واختلافها إنما هو باختلاف ما يرد عليها من الإدراكات والملكات والألوان التي تكفيها من خارج. فبهذه يتم وجودها، وتخرج من القوة إلى الفعل صورتها. والملكات التي تحصل لها (أي النفس) إنما تحصل بالتدريج، فالملكة الشعرية تنشأ بحفظ الشعر، وملكة الكتابة بحفظ الأسجاع والترسيل (ما ليس بسجع)؛ والعلمية بمخالطة العلوم والإدراكات والأبحاث والأنظار؛ والفقهية بمخالطة الفقيه وتنظير المسائل وتخريج الفروع على الأصول (...) وكذا سائرها. وللنفس في كل واحد منها لون تتكيف به. وعلى حسب ما نشأت الملكة عليه من جودة أو رداءة تكون تلك الملكة في نفسها. فملكة البلاغة العالية الطبقة في جنسها إنما تحصل بحفظ العالي في طبقته من الكلام." (ص1304). ويخلص من ذلك إلى أن الفقهاء وأهل العلوم كلهم قاصرون في البلاغة وذلك "لما يسبق إلى محفوظهم، ويمتلئ به من القوانين العلمية والعبارات الفقهية الخارجة عن أسلوب البلاغة والنازلة عن الطبقة؛ لأن العبارات عن القوانين والعلوم لا حظ لها في البلاغة." (ص1304). وعرض ابن خلدون أمثلة لذلك، منها حالةٌ هو فقد كان يجد استصعاباً عليه في نظم الشعر متى رامه مع بصره به وحفظه للجيد من الكلام من القرآن والحديث وفنون كلام العرب، وإن كان محفوظه قليلاً. ويعلل ذلك فإن تلك الصعوبة جاءته من حفظه للأشعار العلمية والقوانين التأليفية، فخدش ذلك وجه الملكة التي استعدَّ لها بالمحفوظ الجيد من القرآن والحديث وكلام العرب، فعاق القريحة عن بلوغها (1305). إن هذا الاعتراف يمثل قمة تواضع العالم وصدقه ودقته. وبناء على ما سبق يقارن ابن خلدون بين كلام العرب من الجاهليين والإسلاميين ويتوصل إلى أن كلام العرب من الإسلاميين أعلى طبقة في البلاغة وأذواقها من كلام الجاهلية في منظومهم ومنثورهم. ويبين أن السبب في ذلك هو أن من أدركوا الإسلام سمعوا الطبقة العالية من الكلام في القرآن والحديث اللذين عجز البشر عن الإتيان بمثلهما. والطبع السليم والذوق الصحيح شاهدان بذلك للناقد البصير بالبلاغة (1306). وهذا الذي جاء به ابن خلدون ينم عن حس نقدي أصيل، وحجة مقنعة وبرهان قوي. وذلك كله ينسجم مع منطق ابن خلدون في الاستدلال ومنهجه في التفكير والتعبير. 3ـ آراء ابن خلدون في علوم اللسان وعدد من المسائل المتعلقة بها: ولابن خلدون آراء جميلة في علوم اللسان ونشأتها وتطورها. فقد ناقش في ثمانين صفحة من الجزء الرابع علومَ اللسان التي قسمها إلى النحو واللغة والبيان والأدب؛ وانقسام اللسان إلى فني النظم والنثر؛ وعدمَ اتفاق الإجادة في فني المنظوم والمنثور معاً إلا للأقل؛ وصناعة الشعر ووجه تعلّمه؛ وكونَ صناعة النظم والنثر في الألفاظ لا في المعاني؛ وبيانَ المطبوع من الكلام والمصنوع وكيفية جودة المصنوع أو قصوره؛ وترفع أهل المراتب عن انتحال الشعر؛ وأشعار العرب وأهل الأمصار لعهده. وهذه الآراء القيمة في علوم اللسان وفي عدد من المسائل المتعلقة بها تستحق بحثاً مستقلاً يكون مشروعاً لعمل جديد، ربما كان فيه من المتعة ما يفوق ما في العمل الحالي. 4ـ خاتمة: من خلال ما قدمناه وناقشناه من آراء لابن خلدون في اللغة واللسان ملكةً وتعلّماً واكتساباً وذوقاً، في الأعراب والأمصار، نجد أننا أمام عالمَ لغوي جليل، واسع المعرفة، طويل الباع، قوي الحجة راسخ البرهان. في رأيه جرأة وفي طرحه تواضع وحذر، وفي أسلوبه قوة وتماسك، وفي فِكره وضوح وتناسق، وفي منهجه منطق وسداد. لقد كان سابقاً لعصره في طرح عدد من القضايا اللغوية، ورائداً بالقياس إلى معاصريه. وهذه القدرة على الاستشفاف، واستباق الزمن لا تميز سوى العباقرة والمبدعين. لقد كان ابن خلدون عبقرياً بحق. فلو لم ينسب إليه إلا تأسيس علم الاجتماع قبل الأوروبيين بحوالي خمسة قرون لكان ذلك حَسْبَه. *** 5ـ الهوامش: (1)ـ يعطي علم اللسانيات الحديث تعريفاً أكثر دقة ووضوحاً لكل من اللسان واللغة مما يقدمه ابن خلدون وذلك طبيعي فابن خلدون لم يرد تأسيس نظرية في هذا الميدان. ويفهم من كلام ابن خلدون هنا أن اللسان المضري أصل واللغة فرع. ولكن علم اللسانيات الحديث يرى العكس فاللغة أصل واللسان ليس إلا أحد مكوناتها، وليس إلا جزءاً معيناً منها. ولكنه أساسي بالتأكيد. إن اللغة متعددة الأشكال متنافرة، وهي في الوقت ذاته على تخوم عدة ميادين فيزيائية وفيزيولوجية ونفسانية. أما اللسان فعلى العكس من ذلك يشكل كلاً في ذاته ومبدأ تصنيف، وله المركز الأول بين وقائع اللغة. (راجع: ف. دو سوسير: موضوع الألسنية. مجلة الفكر العربي العدد 8-، 1979، ص ص 104-105). (2)- W. F MACKY : 9 PRINCIPES DE DIDACTIQUE ANALYIQUE TRADUCTION FRANCAISE, 1972, PP 115- 117. (3)ـ جون سيرل: ((شوسكي والثورة اللغوية))، الفكر العربي، العدد 8-9، 1979، ص136. (4)ـ المرجع نفسه ص 136. (5)ـ راجع في هذا الصدد: سعيد الأفغاني: في أصول النحو، 1964، دار الفكر الطبعة الثالثة، الفصل المتعلق بالاحتجاج في النحو، ص ص 5-76. (6)ـ فاخر عاقل: نظريات التعلم، دار العلم للملايين، بيروت 1973، الطبعة الثالثة، ص ص 34-36. (7)ـ عرفت البلاغة فيما بعد بعلم المعاني. 6ـ المصادر: 1ـ ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، تحقيق علي عبد الواحد وافي، الجزء الأول، لجنة البيان العربي، القاهرة، 1975، الطبعة الأولى. 2ـ ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، تحقيق علي عبد الواحد وافي، الجزء الثالث لجنة البيان العربي، القاهرة 1960، الطبعة الأولى. 3ـ ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، تحقيق علي عبد الواحد وافي، الجزء الرابع، لجنة البيان العربي، القاهرة، 1926، الطبعة الأولى. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |