مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 286 و 287 شباط وآذار 1995
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

مصابيح ذاكرة الأرجوان ـــ شعر: محمد حمدان

إلى من ستحمل يا موكب الرُّخّ أوجاعنا‏

والخرائط تحجل بين ضفاف الركوعِ‏

وفوضى الرجوع؟‏

إلى أين يغدو بنا وهج التيه يا سيد الكونِ؟‏

يا سيّد الكونِ‏

ملّت نوارس عمري هذا السكون المواربَ‏

من شاهقٍ حطّنا النّوءُ في جوف كهفٍ‏

بعيدِ المدى‏

غارق في ضباب الصدى‏

مداراته من فراغٍ‏

وألواحه من فراغ‏

على بابه يستريح الجنون العتيق‏

ويغفو الرهان‏

ـ أنا.. أنت‏

تربان للحُلم.. والهمِّ.. والأسئلهْ‏

ـ أطلنا اقتسام الطريق الطويل شريدين‏

شوّقنا النجمُ‏

أدمننا الاجترار‏

مصاطب من طلل الوقتِ‏

جللها اليتمُ‏

زيتونة قمّطتها رموش السراج الكفيفِ‏

قباب من الوشم‏

تغفو على العتبات زنود العشيرةِ‏

حاصرنا ودعٌ موصب الهمسِ‏

أزمن فيه القعودُ‏

ـ وداعاً سبيل النواطيرِ‏

والأمنيات الخجولاتِ!‏

ـ مدّي السواري ليزهر في وجهنا الريحُ‏

واسقِ ـ إمامَ الزمانِ ـ العطاشَ‏

فموالنا ما يزال على هودج البختِ‏

يرنو احتمالاً كليلاً إلينا‏

ولا ظل لي في شرائع تلك المحيطاتِ‏

أقفو خطاهُ‏

وفي ملكوت الوطاويط لا ظلّ لكْ‏

أسيران في درك الجبِّ‏

صادرنا القحط من ألف شهرٍ‏

وعرّس في رِحْمنا‏

صورتانا جدارٌ‏

يحنطه مهرجانُ اللعانِ‏

على منبر الجبة المستباحةِ‏

ـ أنتَ...‏

يداك اللتا أوكتا فارتحلتَ‏

وفوك نفخْ‏

ـ أنا عالمان‏

وبينهما برزخ من جراح الردى‏

والهتون العصيّ‏

تميز غيظاً سؤال الأجنة‏

عن وكنة للربيعِ‏

وماجت عيون المدائن بين عواصمَ‏

تحنو لماماً‏

وتقسو كثيراً علينا‏

عيون المدائنِ تستنفر الملح والطينَ‏

أم القرى في القرى تسأل الغار عن أضحيهْ‏

فلا الصمت فارس عصر اليبابِ‏

ولا هم أعلام قرص الألوهةِ‏

ضاع الكتابُ‏

تمرّغ في حمأ العقم ما بين هرجٍ ومرجٍ‏

تركنا العباءة للآبقين‏

فضاعت بلاد الكتابِ‏

ومتربة النزفِ تسألُ: هل من مزيد‏

وجاء يهوذا يقبلنا بالخناجرِ‏

ـ كنا مسيح عذاباتهِ‏

في تخوم السواد المديدةِ! ـ‏

جاء ليطفئ وحي ((السلام عليكم))‏

ونور التواصل فينا‏

ليزرعنا في الصحارى‏

أنابيب نفط.. وغاز.. وماءْ‏

ـ أنا.. أنتَ‏

صار شقي السبيل إلى المدن المبهمهْ‏

أمي التي شكّلت خصرها حبقاً‏

بسملتْ‏

قرأت سورة الفتحِ:‏

يا رب صنهُ وصنهم بمشكاة نورك‏

واجعل لهم مخرجاً من عثارْ‏

مضينا...‏

ومهر البيادر يركض فينا‏

يلُتّ الغروب بصبح العرقْ‏

فتورق ما بين خصلة شعر شموس‏

وبين الطُّلى والترائب بيارة من دخانْ‏

رقصنا على وتر العطرِ‏

حتى الهديل الأخير من الشمعِ‏

ثَمَّ انطفأنا‏

وذاب بياض الذرا‏

اخضر فينا الشمولُ‏

نساءٌ‏

وخوخ المحارات يسكره السَّبَل الغضُّ‏

والجلنار شفاه من الرغبات الظماءِ‏

ودقات كعب اليمامِ‏

تغلّس فوق رصيف القلوبِ‏

مواعيد من حلمات السنونو‏

وطقس النهود الشتائيُّ‏

أدفأ من حضن تنورنا‏

خبزهن اللَّمى‏

وأنا خارج من حمى المسغبهْ‏

تصعلك فينا الحضور المواجهُ‏

ينفض عنا غبار التكايا‏

فأوقعنا الوهم في اللجّ أكثر.. أكثرَ‏

كنا على طرقات المدينةِ‏

بين الإمارة والأسرِ‏

بين الغواية والطّهرِ‏

بين المسرات والفقرِ‏

بين البشارة والآهِ‏

لم نعطها ما تريدُ‏

ولم تعطنا ما نحبّ‏

فلا نحن منها‏

ولا نحن بدوٌ‏

وما السَّفْر إلا فلول المهابيجِ‏

في صبوات أولي الأمرِ والأوصياءْ‏

كلانا تجاوز صاحبه‏

قوّضتنا لغات النّفير المصنّع‏

خارجَ دائرة الضوءِ‏

يستورد المترفون أعنتها‏

تتمطى.. تجاولُ‏

تعزف لحن انبلاج كذوبٍ‏

ليقتل فينا الشفقْ‏

مجالسنا تتراشق لحماً‏

ومن ليس منا يمزق إرباً‏

وأفكارنا حجر من كلامْ‏

ـ أنا.. أنتَ‏

هذا أوان العشاء الأخيرِ‏

خرجتَ بلاداً تحب الحياةَ‏

تمجد إنسانها في الدروب القصيةِ‏

تغزل من مسكهِ الشعرَ‏

للغض فيها فضاء من الكُحل والغُنجِ‏

تضفر نخب الفصول وشاحاً لقوس قزحْ‏

خرجتُ بلاداً‏

تؤذن في ملعب من أنين‏

تصلي على حفنة من رمالٍ‏

وتبحث عن موسم من خيول عرابْ‏

توزع لاءاتها في منافي الشتاتِ‏

وترفض أن تتفزم درب قوافلَ‏

بين الموانئ‏

ترفض فزاعة المومياء‏

نثرت على صيِّب القوس أمشاج روحي‏

ركزت لها راية فوق كل الجسورِ‏

لعلّ العبور يكون عليها ومنها‏

خرجنا بلاداً من المُزن والأقحوانِ‏

لنبني للبدر تاجاً‏

وللمتعبين المسرّةَ‏

كي يتواصل في وطن العشق نهر وبحرٌ‏

حصدنا الهجيرَ‏

وأرصفة تنجب المبعدينَ‏

حصدنا الدمى والأناشيد والأقبيهْ‏

حصدنا السكوت المباحَ مطايا أمانْ‏

توضأ بالشهداء شيوخ الخرائبِ‏

واشتعل الرأس هجرا‏

بنوا من جماجم أيامنا الباكياتِ‏

قلاع انفصالٍ‏

تحصّن قصر المُدى بالمذاهبِ‏

فانفتق الرتق عشرين سوراً‏

وما زال جمر التخلف والخُلف ينهش صدري‏

وأفشالنا يرقصونَ‏

يدقون في كل كبوة رُمحٍ‏

طبول ارتداد تبارك عهد السبايا‏

... ويا أيها الناسُ‏

زرقاء أشعارنا كشفت عن ضمير الطحالبِ‏

قبل الجنوح إلى الانحناء الرجيمِ‏

تميط اللثام عن القبح.. والصحوِ‏

هل للحقول إذا احتبس الهطلُ‏

غيرُ دم الوردِ؟‏

الله أكبرُ..‏

هل للبلاد إذا جفّ ضَرع الكراسي‏

سوى السنديان؟‏

يهاجر فيّ عويل المسافاتِ‏

حاولت أن أطرد الحقد من لغة الهندباءِ‏

ولكنهم يزرعون المشاتل كرهاً جديداً‏

على رسلكم أيها الزارعون!‏

وهل تنبت الأرض إلا البذور التي احتضنتها؟‏

سأبقى أغني أميرة حلمي‏

شروقاً يوحد هذا التراب المكبّل بالعطش الآدمي‏

((خلقت ألوفاً))‏

أحن إلى الفتكة المشتهاةِ‏

إلى غضب عادلٍ‏

يبعث الشوق والشرق والحب فينا‏

نذرت له ما تبقى من النبعِ‏

يا غيرة السيف والقمح والوارثين‏

تأبطت قهر الشراعِ/ أسابق ظني‏

مصابيح ذاكرة الأرجوانِ ـ لها الماءُ والضوءُ ـ‏

تعلن باسم النخيل الذي ما يزال سفير الرمال إلى سدرة الحقِّ‏

باسم الخيول التي لا إمام لها غير حمحمة الفجرِ‏

لا اااااا‏

لن أبرئ مغتصبي من دم أبداً‏

لن أبرئ من نشروا الليل ديناً لمملكة البحرِ‏

من حوّلوا سهم كل الجهات إلى الغربِ‏

من حبسوا الومض في صُرّة العتمِ‏

من منعوا الحب عن مهمة القمر الأخضر العربي‏

ـ أنا.. أنتَ‏

يسكنني الوجد في الشام والنيلِ‏

يسكنني موعد للندى‏

بين وادي الفراتين والأطلسي‏

لقد كنت مهد البداياتِ‏

كل الجهاتِ إلى قبلتي‏

كنت مهد الشروقِ‏

وما زال تموز يمنحني خصبه كي أغني‏

وما زلت أدفع هذا العباب الكثيف المجنّحَ‏

يمناه ريش الطواويسِ‏

يسراه سابلة من جراد وبومْ‏

متى ـ أيها القادرون ـ أعود إليهِ؟‏

متى ـ أيها القادرون ـ‏

يعود الشروق المغيب عني إلي‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244