مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 286 و 287 شباط وآذار 1995
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

النثر لغة الحضارة ـــ د. مها فائق العطار

النثر هو ذلك الكلام المرسل عفواً من الطفل الصغير في بدء كلامه، ولعله اللغة التي ترافق الإنسان منذ طفولته حتى موته، وقد وصفه أبو حيّان التوحيدي فذكر قول أبي عابد الكرخي:‏

((النثر أصل الكلام، والنظم فرعه. والأصل أشرف من الفرع، والفرع أنقص من الأصل، لكنّ لكل واحدٍ منهما زائناتٍ وشائناتٍ. فأما زائنات النثر فهي ظاهرة))، لأن جميع الناس في أول كلامهم يقصدون النثر، وإنما يتعرضون للنظم في الثاني بداعيةٍ عارضةٍ؛ وسببٍ باعثٍ، وأمرٍ معين.))(1)‏

وتابع أبو حيّان في تعداده فضائل النثر، فهو كلام الكتب السماوية كلّها مع اختلاف لغاتها ((منثورة مبسوطة، متباينة الأوزان، متباعدة الأبنية، مختلفة التصاريف، لا تنقاد للوزن، ولا تدخل في الأعاريض.))(2)‏

وعدّ أبو حيّان النثر بعيداً عن التكلّف، قريباً إلى الصفاء لأنّه أول كلام الإنسان، فذكر قول ابن طرارة أحد فصحاء أهل العراق: ((النثر كالحرّة، والنظم كالأمة.))(3)‏

ولقد شرّف تعالى النثر بذكره في القرآن الكريم فقال: (إذ رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً((4)، ((ولم يقل لؤلؤاً منظوماً)!. وسرح خيال أبي حيان في السماء فرأى النجوم منثورة أيضاً، ولعلّ هذا هو الذي أكسبها تلك الروعة وهذا الجلال..‏

كما ذكر أبو حيان قول ابن كعب الأنصاري: ((من شرف النثر أنّ النبي (() لم ينطق إلا به آمراً وناهياً، ومستخبراً ومخبراً وهادياً وواعظاً، وغاضباً وراضياً، وما سُلِب النظم إلا لهبوطه عن درجة النثر، ولا نُزِّه إلا لما فيه من النقص، ولو تساويا لنطق بهما.))(5).‏

لقد عرف أدباؤنا العرب في القرن الرابع الهجري قيمة النثر قبل الأدباء الغربيين بألف عام، فقد ذكر أبو حيّان قول أحمد بن محمد كاتب ركن الدولة: ((الكلام المنثور أشبه بالوشي، والمنظوم أشبه بالنير المخطط، والوشي يروق ما لا يروق غيره.))(6)..‏

فجاء سومرست موم الكاتب الإنكليزي في القرن العشرين، ليصف لنا النثر وصفاً كان قد سبقه إليه أدباؤنا العرب منذ مئات السنين، قال موم: ((فإن كتابة النثر مسألة تتعلق بالتهذيب الرفيع، لأنّ النثر خلافاً للشعر، فنٌّ متحضرٌ، أما الشعر فهو فنٌّ خامٌ Basoque... إن النثر هو فنّ الوشي Rococo وهو يحتاج إلى الذوق أكثر من القوة، وإلى الزينة أكثر من الإلهام، وإلى الوفرة أكثر من العظمة... وليس من قبيل المصادفة أن يكون أحسن النثر قد كُتب حين بلغ فن الوشي بأناقته واعتداله ذروة إبداعه عند بدء نشأته، لأنّ الأسلوب الموشى ساد بعد أن أصبح العالم متعباً من الأساليب الفضفاضة، وأخذ يصبو إلى شيء من الضبط تخلصاً من ادعائية الباروك، فكان فنّ الوشي تعبيراً طبيعياً عند الأشخاص الذين قدروا قيمة الحياة الحضرية...))(7).‏

هذا ما قاله موم بعد مئات السنين من موت أبي حيّان، لقد تنبه أبو حيّان لقيمة النثر فأفرد له صفحاتٍ في كتابه ((الإمتاع والمؤانسة))، وكان قد سامر الوزير عبد الله العارض الملقب بابن سعدان في قيمة النثر وشرفه وفضائله، التي يشعر بها العالم المتمدن الآن..‏

يقسم النثر إلى قسمين: نثر فنّي، ونثر عادي.‏

أما النثر الفني فهو الذي لا يُرسل عفواً، يبذل فيه قائله حظاً من الجهد، ويحقق فيه غايتين:‏

الأولى: نقل الأفكار والتعبير عن العواطف.‏

والثانية: إمتاع القارئ. ويضم هذا النثر الخطابة والكتابة.‏

وأما النثر العادي فهو الذي يوضح الأفكار، وينقل الآراء كلغة التاريخ والعلوم والفلسفة وغيرها.‏

عرف العرب قديماً النثر الفني، ولعلّ القرآن الكريم أكبر دليل على ذلك، يُعدّ القرآن الكريم نثراً فنياً راقياً، فقد أنزله الله سبحانه وتعالى على العرب في جزيرتهم للهداية، ولا شكّ أنّ الله قد أرسله إلى قومٍ يفهمونه، وليس غريباً عنهم، ولا فوق مستواهم الفكري، ولكنّه أعلى من قدرتهم على تقليده. ورأى د. زكي مبارك: أنّ القرآن يمثّل النثر العربي في العصر الذي نزل فيه وأنّ سر إعجازه راجعٌ إلى روحه ومعانيه لا إلى ألفاظه وأساليبه. فقد عارضه المشركون لمعانيه وأغراضه فقط.(8)‏

وقد أثّر القرآن الكريم آثاراً بعيدةً في اللغة العربية ((وحوّل أدبها من قصائد في الغزل والحماسة والأخذ بالثأر والفخر ووصف الإبل والخيل والسيوف والرماح، ومن حكم متناثرةٍ لا ضابط لها ولا نظام...‏

إلى أدبٍ عالميٍّ يخوض في مشاكل الحياة والجماعة، وينظم أمورها الدينية والدنيوية. فارتقى الأدب رقياً لم يكن يحلم به العرب واتسعت آفاقه...))(9)‏

لم يصلنا النثر الجاهلي بوجهه الصحيح، بل جاء نتفٌ منه، ولعلّ صعوبة حفظه وعدم تدوينه كانا السببين الرئيسين في ذلك، وقد وصلتنا بعض الأمثال والخطب القصيرة التي يسهل حفظها وتداولها بين الناس، ولعلّ الأيام القادمة تكشف لنا عما كان أجدادنا يتداولون آنئذٍ، إذا توصل علم الأصوات إلى جمع تلك الأصوات التي تدور في الأجواء منذ القديم حتى الآن فيسجلها لنا لتعرّف إلى تراثٍ ضاع أكثره منا..‏

يُعد القرآن الكريم بدايةً رائعةً للنثر الفني الذي أرسله الله تعالى ليكون هدايةً وقدوة للعرب والمسلمين جميعاً.. ولقد جاء الحديث النبوي نثراً آيةً في البلاغة والإيجاز، نثراً يدل على عبقرية محمد صلوات الله عليه، وعلى علمه وذهنه الثاقب وبيانه الساحر. جاء حديث النبي (() بعيداً عن الغرابة في اللفظ والتعسف والتكلف، فقد أُوتي جوامع الكلم، وقد وصف حديثه الجاحظ في البيان والتبيين فقال: ((ولم يتكلم إلا بكلامٍ قد حُفَّ بالعصمة، وشُيِّد بالتأييد ويُسِّر بالتوفيق، وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة، وغشَّاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام، وقلة عدد الكلام... لم تسقط له كلمةٌ، ولا زلَّت به قدمٌ، ولا بارت له حجَّةٌ، ولم يقم له خصمٌ، ولا أفحمه خطيب، بل يَبُذّ الخُطَب الطوال بالكلِم القِصار... ولا يحتج إلا بالصدق ولا يطلب الفَلْجَ إلا بالحقّ، ولا يستعين بالخِلابة... ولم يسمع الناس بكلامٍ قطٍ أعمَّ نفعاً، ولا أقصد لفظاً ولا أعدل وزناً ولا أجمل مذهباً ولا أكرم مطلباً ولا أحسن موقعاً ولا أسهل مخرجاً ولا أفصح معنى، ولا أبين في فحوى من كلامه (.))(10)‏

لقد حمل النبي (() رسالة الإِسلام فأحسن حملها، ونشرها وشرحها بلغةٍ نثريةٍ سهلةٍ موجزةٍ معبّرةٍ، فأتمّ رسالة القرآن، ولا اشك أنّ القرآن والحديث عمادا الإسلام، ومنهما تُستمد الشرائع والأحكام..‏

وأدرك الرسول الكريم روعة النثر وأثره في النفس البشرية فقال: ((وإنّ من البيان لسِحْرا.)) كانت كلمات محمد (() أبلغ وأروع مما سُمع من العرب قديماً وحديثاً، ولعلّ قوله: ((مات حتف أنفه))، هذه الكلمات الثلاث تصور تاريخاً طويلاً ربما قارب القرن أو أكثر لحياة شخصيةٍ إنسانيةٍ ما، عاشت تعبث في الأرض، ولكنها ستموت أخيراً رغماً عنها، إنه يتمم ويشرح ما جاء في الكتاب المبين: (قل لا أملك لنفسي ضَرّاً ولا نفعاً، إلا ما شاء الله لكلّ أمةٍ أجلٌ إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون(.(11) و (كل نفسٍ ذائقةٌ الموت((12)...‏

وقد قال سيدنا علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، ما سمعت كلمةً غريبةً من العرب (أي بروعتها وبيانها) إلا وسمعتها من رسول الله وسمعته يقول ((مات حتف أنفه)) وما سمعتها من عربيٍ قبله))(13).‏

شُغل الإسلام بالقرآن، والحديث، وارتفع النثر العربي وأخذ مكانةً مرموقةً، وكفّ كثيرون من الشعراء عن نظم الشعر. فقد بُنيت الحضارة الإسلامية على النثر العربي وبيانه وروعته، وشُغل المسلمون بتفسير الآيات وشرحها، وتتبّع الحديث لفهم ما يصعب عليهم، وبقيت للخطابة الصدارة في صدر الإسلام.(14)‏

وكان الرسول (() أخطب العرب، وعند الهجرة أصبحت الخطابة فريضة مكتوبةً في صلاة الجمعة والعيدين. كانت خطب الرسول (() موعظ، وتشريعاً وتنظيماً لحياة هذه الأمة التي أُخرجت للنور. لم يترك النبي (() موضوعاً اجتماعياً إلا خاضه حتى المرأة، فقد أمسك بناصرها متمماً ما جاء به كتاب الله الكريم.‏

وقد تبع الرسول (() خلفاؤه الراشدون من بعده، فكان أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم من أخطب الناس، يقتدون بنبيهم الكريم في خطبهم.‏

أما في العصر الأموي فقد ازدهرت الخطابة، وكانت العوامل المسببة لهذا الازدهار دينيةً وسياسيةً وعقليةً، فتعدد الأحزاب والثورات فتح مجالاً كبيراً للخطابة من الناحية الدينية والسياسية، أما المجال العقلي فمرده إلى دخول الثقافات الأجنبية التي دعمت العقل العربي في العصر الأموي. ووصف د. شوقي ضيف هذا بقوله: ((فقد كثرت المعرفة وتشعبت المعاني ودقت الفطن، ولم يعد لها حدٌّ تنتهي إليه، وانسابت من ذلك أسرابٌ كثيرة في خطابتهم، فصاروا أقدر على البيان والتصرف في الألفاظ.))(15)‏

وتنوعت الخطابة في العصر الأموي، وأينعنت في فروعها الثلاثة: الخطابة السياسية، وخطابة المحافل، والخطابة الدينية. لقد اتخذ الإسلام الكتابة دعامةً من دعائمه، فقد قال جلّ شأنه في أول آيةٍ نزلت على رسوله ((). (اقرأ باسم ربّك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم، علم الإنسان ما لا يعلم((16)‏

أثّر الإسلام في الحركة العلمية وأفادها من عدة وجوهٍ:‏

أولاً: نشر الدين يحتاج إلى القارئين الكاتبين، وقد حثّ الرسول (() بعض أصحابه أن يتعلّموا لغةً غير اللغة العربية، ولعل تعلّم اللغات الأجنبية الأخرى وسعت أفق المسلمين، بعد أن رفع الإسلام بتعاليمه مستواهم العقلي ونشر بينهم كثيراً من أحوال الأمم الأخرى وتاريخها فزاد ثقافتهم ووسع مداركهم.(17)‏

ثانياً: لقد أثار الإسلام عقول المسلمين في تحريكه لهم بالدعوة، والنظر إلى ما في العالم من ظواهر: (أو لم ينظروا إلى ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء(، (فلينظر الإنسان ممّ خُلق((18)... فالعديد من الآيات الكريمة التي حرّكت عقول المسلمين بها..‏

وقد ترقت الكتابة في العصر الأموي لتعقّد الحياة من جميع أطرافها المادية والسياسية والعقلية، إذ تحضّر العرب وأخذوا يستعيرون كثيراً من النظم الأجنبية، ومواد الثقافات لدى الأمم المفتوحة. ونشطت الكتابة التاريخية، فكُتبت مغازي الرسول (() وسيرته، ورأى د. شوقي ضيف أنّ النزعة لكتابة التاريخ عند العرب ظهرت في ظروفٍ مشابهةٍ لظهورها عند اليونان. كتب العرب تاريخهم بعد حروبهم مع الفرس، واتصالهم بالعالم الخارجي، وإنّ النثر التاريخي عند العرب عربيٌ خالصٌ نشأ في بيئتهم ولعلّهم كتبوا تاريخهم خوفاً من ضياعه لدخول الأمم الأخرى في دياناتهم.(19)‏

ثم بدأت الكتابة تشق طريقها من التاريخ إلى الرسائل السياسية التي ظهرت في صدر الإسلام، ولكنّها نمت وترعرعت تحت ضغط الضرورات السياسية والإدارية. وقد كان للفرس وغيرهم من الموالي فضل المشاركة في النمو بالكتابة لا فضل الظهور، ولكنّ التفاعل والانصهار في بوتقة الأمة الإسلامية المتعددة الأجناس والبيئات ساعدت على تقدم النثر وتطوره وتنوع أساليبه وفنونه.(20)‏

وكذلك تقدمت الكتابة الدينية لأن أصحابها تمرسوا على الخطابة والجدال والحوار في المسائل الدينية والمذهبية ((وأضفوا على كتابتهم نفس الصورة البيانية التي أضفوها على خطابتهم.))(21)‏

لقد تطور النثر العربي واتسع ليفي بالأغراض والمهمات التي أوكلت للمسلمين جميعاً، فعمل المفسرون على تفسير القرآن والحديث وجمعه، وكذلك كثرت السير لتعرّف الطبقة الأولى من الصحابة والتابعين، ولتسجيل أيام العرب فتفرق الصحابة العلماء في الأمصار وأنشؤوا حركةً علميةً واسعةً، وكوّنوا مدارس مختلفةً، وكان لهم تلاميذ ينقلون عنهم العلم، فتخرّج عليهم التابعون..‏

تأثر النثر الفني وعمق وقوي، ويرجع السبب الأول في ذلك لتأثره بالآداب الأجنبية التي عرفها العرب حين انتشروا بفضل الإسلام، وفتحوا الممالك، واكتسبوا الروح الجديدة التي ظهر أثرها في خطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم. ولقد صدق د. زكي مبارك في قوله: ((إنّ الفتح والمُلك أعطاهم من قوة الملاحظة ودقّة التفكير ما لم يعطهم القرآن وحده لو ظلوا محصورين في أرجاء الجزيرة العربية.))(22)‏

بدأ النثر العربي يتطور حين اختلط بالثقافة الفارسية والرومية، وقد وصلت الكتابة في العصر الأموي، أيام عبد الحميد إلى أرقى صورها، وقد ضُربت الأمثال ببلاغته فقيل: ((فُتحت الرسائل بعبد الحميد، وخُتمت بابن العميد.))(23). وأصبحت الكتابة عملاً معقداً، لا بدّ أن يكون الكاتب متقناً الثقافة الإسلامية إتقاناً تاماً يجمع بين القرآن الكريم وأوامر الشريعة، وبين الأدب العربي وكنوزه النثرية والشعرية والآداب الأجنبية.(24)‏

جمع عبد الحميد بن يحيى في نثره بين الثقافة العربية من جهةٍ والثقافة اليونانية والفارسية من جهةٍ أخرى، فجاءت رسائله منسّقة الفقرات، متميزة الأجزاء لا يداخلها استطرادٌ أو تشعثٌ.(25) كان عبد الحميد يراعي الجرس الموسيقي في إيقاع كلماته، وكأنّه يعيش في عصرنا هذا... فقد راعى التصوير والموسيقا معاً، فهذا كاتبٌ إنكليزيٌّ معاصرٌ يشرح قيمة الجرس الموسيقي في النثر فيقول: ((وثالثة مميزات الأسلوب عندي هي الجرس، ويتوقف ما تعزوه من أهمية للجرس على مدى حساسية أذنك... فالكلمات لها وزنها وصوتها ومظهرها ولن تستطيع أن تكتب جملةً جذابة المظهر النغمة إلا بمراعاة هذه الأمور الثلاثة))(26) ويقصد الكاتب: الوضوح والبساطة والجرس الموسيقي، وإذا راعاهم الكاتب في أسلوبه، كان كاتباً عظيماً كنثر الكاتب الفرنسي الشهير ((فولتير) الذي يُعدّ أبا النثر الفرنسي في القرن الثامن عشر..‏

ومن رسائل عبد الحميد رسالته الشخصية التي وجهها إلى أهله وهو منهزمٌ مع مروان بن محمد، يعزيهم فيها عن نفسه، وقد صوّر فيها مهارته البيانية تصويراً دقيقاً، فقال: ((أما بعد فإن الله جعل الدنيا محفوفة بالكره والسرور، وجعل فيها أقساماً مختلفةً بين أهلها، فمن درّت له بحلاوتها، وساعده الحظّ فيها، سكن إليها، ورضي بها، وأقام عليها، ومن قَرَصته بأظفارها، وعضّته بأنيابها، وتَوَطّأته بِثقَلها، قلاها نافراً عنها، وذمّها ساخطاً عليها، وشكاها مُستزيداً منها. وقد كانت الدنيا أذاقتنا من حلاوتها وأرضعتنا من درّها أفاويقٍ، استحليناها ثم شَمَست منا نافرةَ، وأعرضت عنا متنكّرةً ورمحتنا مولِّيةً، فلُمح عَذْبها، وأمرّ حُلْوها، وخَشُنَ لينُها، ففرقتنا عن الأوطان، وقَطَّعتنا عن الإخوان، فدارُنا نازحه، وطَيرنا بارحه؛ قد أخذت كلّ ما أعطت، وتباعدت مثلما تقربت، وأعقبت بالراحة نَصَباً وبالجَذّل همّاً، وبالأمن خوفاً، وبالعزّ ذلاً، وبالجدَةِ حاجةً، والسّراء ضرَّاء، وبالحياة مَوْتاً، لا تَرْحم مَن استرحمها، سالكَةً بنا سبيل مَن لا أوبة له، مَنْفيّين عن الأولياء، مقْطوعين عن الأحياء))(27)‏

ففي هذه الرسالة القصيرة الموجزة معان كثيرةٌ عميقةٌ، تصور ما حلّ بعبد الحميد تصويراً رائعاً للحياة المتقلبة، فإذا قرأها الإنسان يشعر بنغمٍ حزينٍ يرافق تلك الكلمات السهلة، هذا النغم الحزين الهادئ المجلجل أحياناً يدخل إلى الأعماق عن طريق الهمس الخفي معمقاً طريقه في النفس البشرية المغرورة بدوام السعادة والهناء..‏

وقد وصف شوقي ضيف أسلوب عبد الحميد في رسائله بأنّه، نفذ ((بصنعة الرسائل إلى كلّ ما يريده أصحابها من تنويعٍ في معانيها على أساس المنطق الدقيق وجمال في أساليبها على أساسٍ من التصوير الطريف والإيقاع الصوتي الأنيق.))(28) كما عارض ضيف قول القدماء بأنّ الرسائل بدئت بعبد الحميد، ولكنّها بدأت في فاتحة العصر الإسلامي، وأما عبد الحميد وغيره من البلغاء فأتاحوا لها النماء والازدهار..‏

بدأت الترجمة في العصر الأموي، ويمثّل عبد الله بن المقفع دوراً مخضرماً بين العصرين الأموي والعباسي في ترجمة وتأليف الكتب الأدبية. وكثرت الترجمة في العصر العباسي، ونُقل إلى العربية ثقافاتٌ هنديةٌ وفارسيةٌ في مجالاتٍ مختلفةٍ. وقد بلغت الترجمة أوجها في عصر المأمون، حيث نُقل إلى العربية الأفكار اليونانية والهندية والفارسية فأغنت نثرنا العربي، وتطور الأسلوب النثري وجاري الأساليب الدخيلة في التفكير. وأصبح الكتّاب الذين يتقنون اللغة العربية ولغةً أخرى، يستطيعون أن يضفوا على أساليبهم الطوابع العربية ولغةً أخرى، يستطيعون أن يضفوا على أساليبهم الطوابع العربية في الترجمة كابن المقفع(29). ومنذ العصر العباسي نهض النثر نهضة بعيدة عند ظهور فنّ الكتابة، فواكب الحضارة العربية التي صهرت في بوتقتها حضارات الشرق القديم، والحضارة اليونانية والرومانية، هذه الكنوز المترجمة من المعرفة ومذاهب الفلسفة المتعددة أثّرت تأثيراً كبيراً في أدبنا العربي نثره وشعره، وفي ((العلوم الإسلامية كعلم الكلام والفقه، وحتى في علم اللغة نفسه وما اتصل به من علم النحو، فقد وضع الخليل خطة أول معجمٍ في العربية وهو ((معجم العين)) ورتّبه على مخارج الحروف بالضبط كما يرتب الهنود حروف لغتهم.))(30)‏

لقد عُرف العرب بالبيان، وكانوا أمةً تهوى الخطابة، ولكنّ امتزاج ثقافتهم بالثقافة الفارسية جهلتهم يتجهون نحو الكتابة.. فانتشرت في العصر العباسي ((أربع ثقافاتٍ، كان لها الأثر في عقول الناس)) وهي الثقافة الفارسية واليونانية والهندية والعربية. وكانت هناك ثقافاتٌ دينية أيضاً أهمها اليهودية والنصرانية والإسلام.(31)‏

وعلل أحمد أمين ظاهرة الكتابة بقوله: ((فالعرب كانوا أهل فصاحةٍ لسانيةٍ أكثر منهم أهل بلاغةٍ كتابيةٍ، ولعل هذا هو السبب في أنّهم وضعوا للفصاحة كلمةً مشتقةً من اللسان، فقالوا: رجل لَسِن إذا كان ذا بيان وفصاحةٍ ولم يشتقّوا مثل ذلك من الكتابة. والحق أنّ القدرة الكتابية كانت عند الفرس أبين منها عند العرب، وحتى في الدولة الأموية كان أظهر الكتاب الفنيين من الفرس، أمثال عبد الحميد الكاتب، وسالم مولى هشام. وكان العربي يفخر بالسيف واللسان لا بالقلم.))(32)‏

تأثر النثر العربي بالحكم الهندية، ولعلّ شبهها بالأمثال العربية، جعل العقل العربي يولع بها قبل أن يميل إلى الفلسفة اليونانية المنظمة بأبوابٍ وفصول وموضوعاتٍ. وقد ذكر ابن قتيبة كثيراً من هذه الحكم في كتابه ((عيون الأخبار))(33) ولقد أثّرت مدرسة الإسكندرية في الثقافة العربية ونقلت إليها التراجم أيام الخلفاء الأمويين، وقيل أنّ أول ترجمة حدثت في الإسلام كانت بفضل خالد بن يزيد بن معاوية، والذي نقل له اصطفن ((هو من الإسكندرية، وكان هذا النقل من اللغة اليونانية والقبطية إلى العربية.))(34)‏

وكما عملت مدارس العراق (جنديسابور وحران وأمثالهما) في نقل كثير من كتب اليونان إلى اللغة السريانية ومنها إلى العربية، عندما اتصلوا بالعرب. وقد كان الباعث على هذه الترجمة ونشاطها في الدولة العباسية أمورٌ عديدةٌ كما قال أحمد أمين إنّ ((عيشة الحضارة المركبة تحتاج إلى أدويةٍ مركبةٍ، وعلاجٍ مركبٍ. ومتى لجأ الناس إلى نوعٍ أو نوعين من العلوم، وأخذوا يعالجونه عن الأمم الأخرى، دعاهم الشغف إلى تعرّف ما عند الأمم المختلفة من العلوم جميعها، ولو لم يكن بهم حاجةٌ ماسةٌ مباشرةٌ.))(35)‏

أثّرت الثقافة اليونانية في علوم اللغة العربية في شكلها وموضوعها، ولكنّ تأثيرها في الأدب كان ضعيفاً ((لقد تذوق العربي منطق أرسطو، وطب جالينوس. ولم يتذوقوا إلياذة هوميروس.))(36)‏

ولم يتأثر النثر العربي بالأدب اليوناني، ويرجع أحمد أمين ذلك أسباب منها: أولاً: لم يُترجم إلى العربية كتبٌ أدبيةٌ يونانيةٌ أو رومانيةٌ.‏

ثانياً: إن ((الفلسفة والعلوم عالميةٌ والأدب قوميٌ، ذلك أنّ الفلسفة والعلم نتاج العقل، والعقل مشتركٌ بين الأفراد والأمم... والأدب ظلّ الحياة الاجتماعية، ولكلّ أمةٍ حياةٌ اجتماعيةٌ خاصةٌ بها تمتاز عن حياة الأمم الأخرى في أشكالها ومراميها.))‏

ثالثاً: إنّ ((الأدب اليوناني أدبٌ وثنيٌ... والذوق العربي حين تُرجمت العلوم ذوقٌ مسلمٌ، لم يستسغ هذا النوع من الأدب الوثنيّ.))(37)‏

ولقد كان لليونان أثرٌ في النثر العربي من وجوهٍ:‏

أ- ألفاظٌ يونانيةٌ عُربت...‏

ب- قصصٌ يونانيةٌ نقلت إلى العربية...‏

جـ- حِكمٌ تُرجمت منسوبةٌ إلى فيثاغورس وسقراط وأفلاطون وأرسطو. ((لقد كان تأثير اليونان واسعاً عميقاً في الفلسفة والعلوم الرياضية والطبية، ضيقاً خفيفاً في الناحية الأدبية.))(38)‏

ثم اتّجه المؤرخون إلى كتابة السيرة وتاريخ الحوادث الإسلامية من حروبٍ بين بعض المسلمين وبعضهم الآخر، كوقعة الجمل وصفين وغيرهما. ولعلّ السبب الرئيسي في كتابتها، هو طبيعة الإنسان للتلذذ بالسمر في رواية الأخبار، والتمتع بسماع الأحداث الهامة في التاريخ. وخطا الأدباء متبعين خطا المؤرخين، في ترجمة الشعراء كطبقات ابن سلام، والشعر والشعراء لابن قتيبة، وقد سبقهم المحدثون إلى ذلك، فقد ظهر في العصر الأموي علم الحديث في جرحه وتعديله.. نشط النثر العربي وتعددت فروعه، فمنها النثر العلمي، والنثر الفلسفي، والنثر التاريخي، والنثر الأدبي الخالص، وظهر أعلام الكتّاب الذين ارتقى على أيديهم هذا الفنّ، وتعددت مناحيه واتجاهاته ومن هؤلاء الكتّاب: سهل بن هارون وعمرو بن مسعدة وأبو عثمان الجاحظ، وأبو حيّان التوحيدي، وابن العميد الصولي، والقاضي الفاضل وغيرهم، وشهد العصر العباسي ظهور ألوانٍ جديدةٍ من النثر الفني أبرزها فنّ المقامات، في حين تضاءلت منزلة الخطابة عما كانت عليه في عصر بني أمية، ولعلّ الجاحظ وصل النثر على يديه إلى ذروة ازدهاره، وما زال المعاصرون يتتبعون كتاباته وأسلوبه بشغفٍ بالغٍ..‏

ظلّت الخطابة السياسية لها المكانة المرموقة بينما الخطابة الحفلية أفل نجمها، وكثرت المناظرات الكلامية التي حمل لواءها المعتزلة، ووصلت إلى الأوج أيام المأمون الذي آمن بها وحماها. وقد كان للمعتزلة فضلٌ كبيرٌ على النثر العباسي، فنهضوا به نهضةً واسعةً. وقد وصف الجاحظ ذلك بقوله: ولا يكون المتكلم جامعاً لأقطار الكلام متمكناً في الصناعة، يصلح للرياسة، حتى يكون الذي يحسن من كلام الدين في وزن الذي يحسن من كلام الفلسفة، والعالم عندنا هو الذي يجمعها.(39)‏

واعترف الجاحظ بفضل الثقافات الدخيلة والقديمة التي أكسبتهم معرفة واسعة. ويكفي الباحث أن يطلع على كتب الجاحظ كالبيان والتبيين والحيوان ليتبيّن له مدى ثقافته العربية الممتزجة بالثقافات المتعددة، واطلاعه الواسع إلى جانب فكره الثاقب. وللجاحظ فضلٌ كبيرٌ على النثر العربي، فنوّع موضوعاته، وجعل كلّ شيءٍ يصلح لأن يكون أدباً، وكان قلمه طيعاً، فوسع معاني الأدب في كلّ نواحيه. وقد كان فرحاً مرحاً فكها ليجعل القارئ يستمر حتى النهاية..‏

نستطيع أن نعدّ ((الجاحظ، الكاتب الذي خطا بالكتابة الفنية عند العرب خطوةً جديدةً نحو التعبير عن جميع الموضوعات في صلابةٍ وبيانٍ عذبٍ.))(40)‏

ولقد أنصف الجاحظ الأستاذ ((بلات)) كلّ الإنصاف فقال عنه: ((إنّ هذا الرجل لم يعرفه الناس حق المعرفة، فإنّه يمثل الفكر البشري في فترةٍ من الفترات على الرغم من اتهاماته من بعض الوجوه باقتباسه من اليونان وبقله ابتكاراته.))(41)‏

استعمل الجاحظ فنّ الهجاء لأوّل مرةٍ في النثر العربي ففي رسالته ((التربيع والتدوير))، يصور لنا أحمد بن عبد الوهاب تصويراً ساخراً لاذعاً، فهو يوازن بين حقيقته وبين ما يدعيه، وقد وجده د. ضيف يفوق في فنّه هذا أصحاب ((فن التصوير الساخر)) ((الكاريكاتوري)) في العصر الحديث، ولعلّ الوصف أصعب بكثيرٍ من الرسم، فكلمات الجاحظ الساخرة تعطينا صورةً مضحكةً لابن عبد الوهاب، كلٍّ منا يرسمها رسماً مختلفاً في مخيلته، ولو جمعت تلك الرسوم لشكلت معرضاً غريباً من نوعه.‏

لقد أغنت الفلسفة تفكير الجاحظ، وساعده ذكاؤه في استغلال تلك الأفكار، وكانت روحه المرحة ترفرف بين سطوره، وتعطي صوره هالةً من السخرية المحببة إلى النفوس، وقد جعله د. ضيف إماماً للهجائين في العصر العباسي، ووصف أساليبه المختلفة فقال: ((والحق أنّ الجاحظ استطاع أن يدمج إدماجاً حسناً بين ثقافته وأسلوبه، وأن يخرج من ذلك إلى هذه الصنعة الجاحظية البديعة التي تقوم على التجانس بين اللفظ الموسيقي الرشيق، والمعنى العقلي الدقيق، تجانساً يمتع العقل والفكر، كما يمتع الحسّ والشعور))(42).‏

كان كتاب الدواوين يوسعون ثقافتهم ما استطاعوا، وتعمقوا في الفلسفة حتى يعمقوا أفكارهم، ويرتبوا معانيهم ترتيباً دقيقاً، وقد وصفهم الجاحظ بأنّه لم ير أبلغ من طريقتهم في الكتابة فقد التمسوا الألفاظ السهلة والرفيعة وعنوا بمعانيهم إلى جانب ألفاظهم، فقد نقل الكتاب الكتابة من الأسلوب القديم إلى الأسلوب الجديد في التصنيع ولعل الحياة العباسية وترفها في كلّ مجالاتها كانت السبب المباشر أيضاً في تنوع أساليب الكتابة..‏

ولكنّ العصر العباسي في القرن الرابع الهجري قد هيّأ لحركةٍ أدبيةٍ وعقليةٍ واسعةٍ، رغم الإمارات والدول المختلفة، وكان هذا العصر من أحفل العصور العربية بالنشاط الأدبي والعلمي والفلسفي.(43) وكان الدافع الرئيسي لذلك، تشجيع الحكام في تقريب الأدباء الممتازين للمنافسة بينهم حتى أنّهم استوزروا الأدباء في أقاليمهم كوزراء البويهيين أمثال: ابن العميد والصاحب بن عباد. وقد أخرجت الإمارات الفارسية عدداً كبيراً من الأدباء كالثعالبي والصاحب بن عباد..‏

يُعد ابن العميد أستاذ عصره في فنّ التصنيع، وحذا حذوه تلميذه الصاحب بن عباد. وقد ((تحولت صناعة النثر في تلك العصور عن طبيعتها الأولى تحولاً تاماً، إذ أصبحت أشبه ما تكون بصناعة أدوات الزينة والترف فهي تحفٌ تنسق في أروع صورة للتنميق.))(44) ولعل الكاتب كان يقضي وقتاً طويلاً في تزيين وتنميق نثره، ولكننا لا نشك أنّ هذا كان عملاً أدبياً رائعاً يدل على الترف لما فيه من زخارف دقيقة. ونحن الآن في هذا العصر، عصر الذرة والفضاء والسرعة لا نتذوق هذا الأدب المبالغ في تنميقه وتزيينه، فالأسلوب المرسل البسيط هو حاجة العصر وسمته..‏

كان القرن الرابع الهجري عصراً ذهبياً بالنسبة للنثر العربي، فهو العصر الأول في اللغة العربية الذي ((أراد فيه الكتّاب أن يستبدوا بمعاني الشعراء وألفاظهم وتعابيرهم، وأن يروّضوا القلم الطليق على التحليق في جميع الأجواء.))(45)‏

ووصف د. مبارك النثر في ذاك العصر فقال: ((أصبح النثر في القرن الرابع أداةً لتقييد الخواطر النفسية، والملاحظات الفنية، بحيث يرى القارئ من جمال الصنعة ودقة الأسلوب ما يغنيه عن التفكير في قصائد الشعراء الذين سبقهم هؤلاء الكتاب إلى تصيّد ما يقضي به العقل، أو يوحي به القلب، أو يشير إليه الخيال.))(46)‏

وظهر مشاهير الكتاب في ذلك العصر، وربما كان أبو حيان رائدهم، ((ويُعد التوحيدي من الوجهة الفنية رجلاً خصب الذهن، غني اللغة، وافر المحصول، قوي الخيال.))(47). كان أبو حيان ذا ثقافةٍ موسوعيةٍ، وقد أُوتي حساً لغوياً دقيقاً أتاح له اختيار الألفاظ المناسبة لموضوعه، كما مكّنه من الملائمة بين الألفاظ والمعاني، ولعلّ ثروته اللفظية الخصبة على التنويع في الاشتقاق لا يجاريه فيها كاتبٌ آخر، وكان لا يسرف في الصنعة، ويرى أنّ الكلام ربما استعصى على الكاتب البليغ أحياناً، فلا بد من التلطف في إتيانه ومعالجته، فيوضح أبو حيان نظرته هذه في مقدمة كتابه ((الإمتاع والمؤانسة)) فيقول: ((فإنّ الكلام صَلِفٌ تيّاهٌ لا يستجيب لكلّ إنسانٍ، ولا يَصحَب كلَّ لسانٍ، وخطره كثيرٌ ومتعاطيه مغرورٌ، وله أرَنٌ كأرَنِ المُهْرِ، وإباءٌ كإباء الحَرُون، وزهوٌ كزهو الملك، وخفْقٌ كخفقِ البرق. وهو يتسهل مرّة ويتعسر مراراً ويذِلّ طوراً ويعِزّ أطواراً))(48).‏

وقد وصفه أحمد أمين بقوله: ((غزير العقل واسع العلم حسن الصياغة، جيد السبك وبحق لقبوه بالجاحظ الثاني.))(49).‏

ولعلّ آثار أبي حيان التي وصلت إلينا أكبر دليل على غزارة معانيه واتساع آفاقه وتعدد ثقافته. وذكر ياقوت في معجمه أسماء طائفةٍ من كتبه بعضها لم يصل إلينا. ويُعدّ كتابه ((الإمتاع والمؤانسة)) موسوعةً علميةً، ومن أمهات كتب التراث التي نفخر بها، ومن أعظم مؤلفات أبي حيان، وأدلها على شخصيته وتفكيره وثقافته، فقد صور فيه آراءه واتجاهاته الفلسفية والدينية، وهو صورةٌ صادقةٌ عن ثقافته الأدبية واللغوية، ونظراته النقدية.‏

ولعلّ كتابه ((مثالب الوزيرين)) كان صورةً دقيقةً للهجاء، كان أبو حيّان يعبّر فيه عن كراهيته وحقده لابن عبّاد وابن العميد، فيظهر لنا أبو حيان غضوباً حسوداً حقوداً لا يتسامح بينما نجد الجاحظ أهدأ نفساً وأطيب خلقاً.. وقد ذكر قول أبي السلم الشاعر عن الوزيرين فبيّن لنا حقده وكراهيته لهما: ((وقلت لأبي السلم نجية بن علي الشاعر القحطاني. أين ابن عباد من ابن العميد فقد زُرتهما منتجعاً، رُزتهما جميعاً، فقال: كان ابن العميد أعقل، وكان يدّعي الكرم، وابن عباد أكرم وهو يدّعي العقل، وهما في دعوتيهما كاذبان وعلى سجيتهما جاريان.))(50) وقد بيّن أبو حيان الفرق بين المدح والهجاء ((قال: وأعجب من ذلك قول جرير فيما رواه الصولي: إذا مدحتهم فاختصروا، وإذا هجوتم فأطيلوا فإنّ الناس لا يملّون الشرّ(51). فأبو حيّان يصوّر النفس البشرية في كلّ زمانٍ ومكانٍ، ورأى د. مبارك أنّ نبوغ أبي حيّان يعود إلى حقده وثورته على الحياة والأحياء.(52)‏

أما رسالة ((الصداقة والصديق)) فتشعر قارئها بأنّ أبا حيان يائس من الصداقة، وقد فتّش عنها طوال حياته، ولكنّ القدر كان له بالمرصاد دائماً فيقول: ((وقبل كلّ شيءٍ ينبغي أن نثق بأنّه لا صديق ولا من يتشبه بالصديق.))(53)‏

تعطينا رسالة الصداقة والصديق لأبي حيان صورةً ذات وجهين للصداقة، صورة حلوةً تنمّ عمّا في الصداقة من معنى، وما لها من مكانةٍ في صدر أبي حيان وصدر كل إنسان يحلم بصديقٍ قريب إلى قلبه وروحه: وصورةً أخرى بشعةً، توجد في كلّ زمانٍ ومكانٍ، يصور فيها أبو حيّان جشع الإنسان وحبّه المنفعة، وعدم تفانيه في خدمة الناس، لقد جمع لنا أبو حيان مجموعة من أحاديثٍ حلوةٍ ونكاتٍ طريفة، وأشعار تصور لنا الصداقة الحلوة المرّة في آن واحدٍ إن أبا حيان يصور نفسه المسكينة التي تفتش عن صديقٍ لها في هذه الحياة المملوءة بالأعاجيب، إنّه يحب الصداقة من صميم فؤاده، ويقدّسها ولكنه يهيم في هذا العالم المملوء بالشرور والآثام، لقد كان أبو حيان متشائماً سوداوي المزاج، لا يهنأ له بالٌ ولا يرتاح لأحدٍ، لعل حظه التعس في المجال الأدبي كان السبب في ذلك، فهو يرى مَن لا يستحق يصل إلى المرتبة التي يتمناها لنفسه، ولم تكن الحال حال أبي حيان فقط، ومثله كثيرون في هذا العالم لا يُعرف قدرهم إلا بعد الموت، لعلّ الموت يرفع من شأن الناس!!..‏

وفي تصويره الرائع للصديق يقول: ((قال يحيى بن معاذ: بئس الصديق صديقٌ تحتاج إلى المداراة، وبئس الصديق صديقٌ تحتاج أن تقول له: اذكرني في دعائك، وبئس الصديق صديقٌ يلجئك إلى الاعتذار.))(54)‏

ورأى د. زكي مبارك أنّ أبا حيان كتب رسالة الصداقة والصديق ((حين بلغت شمسه رأس الحائط، كُتب في أدق وقتٍ من حياة التوحيدي.))(55)‏

كانت ثقافة أبي حيان خصبةً متباينة الجوانب، وآفاق متعددة المناحي، فهو يبدو من خلالها أديباً ذواقةً يستوعب الثقافة الأدبية المعروفة في عصره ويتمثلها ويستغلها في نتاجه الغزير، كان أبو حيان يحاول التعرف إلى مذاهب الفلاسفة، ولعلّه وجد في التصوف ملاذاً من يأسه ومستراحاً لنفسه القلقة الحائرة، وتعويضاً عن خيبة أمله، ومتنفساً لشكواه، وقد فسر الغربة تفسيراً صوفياً، فالغريب عنده: ((مَن إذا تنفس أحرقه الأسى والأسف، وإن كتم أكمده الحزن واللهف، الغريب من إذا أقبل لم تُوَسَّع له، وإذا أعرض لم يُسأل عنه، الغريب مَن إذا سأل لم يُعط، وإذا سكت لم يُبدأ... مَن إن زار أُغلق دونه البابُ وإن استأذن لم يُرفع عنه الحجاب.))(56)‏

كان أبو حيان يشعر بالغربة النفسية، فتولّد عنده الشعور بالتشاؤم، خلّف أبو حيان تراثاً ضخماً من المؤلفات النثرية التي تعطينا صورةً دقيقة لما وصل إليها النثر العربي في عصره الذهبي. ولعلّ أبا حيان أرقى كتّاب النثر في عصره، وقد وصفه أحمد أمين بقوله: ((فقد كان يجمع إلى السجع المزاوجة، وكانت غزارة معانيه، تلطف من طريقة عصره، ولذلك هو في نظري آدب من شيخه الجاحظ، لأن علوم زمانه التي استوعبها أكبر من علوم الجاحظ.))(57)‏

ومن مشاهير الكتّاب في القرن الرابع الهجري أبو الفرج الأصفهاني، وعدّه د. مبارك أنّه أكبر مؤلفٍ عرفته العربية، ولعلّ كتاب ((الأغاني))) أكبر أثرٍ تركه لدارسي الأدب ومحبيه..‏

أعطى القرن الرابع اللغة العربية فنّاً من فنون القصص، هو فنّ المقامات، ورأى د. مبارك أنّ ذيوع هذا الفنّ يرجع إلى أنّه وافق السليقة العربية التي تميل إلى القصص القصيرة، والتي تميل إلى الزخرف في الإنشاء.))(58)‏

وتُعدّ مقامات بديع الزمان من تحف النثر الفني في القرن الرابع، ففي مقاماته نماذجُ من القصة القصيرة، ففيها ((العقدة)) وتحليل الشخصيات كالمقامتين المضرية والبغدادية وهما من أبرع ما قصّ بديع الزمان..‏

ووصف د. مبارك نثر بديع الزمان بقوله: ((إن نثر بديع الزمان يشعرك بفهمه للحياة، فهو يتحدّث عن أشجان وأغراض هي في صميمها ألوانٌ للنفوس الإنسانية... فإنه يطالعك بطائفةٍ من الأزمات النفسية والروحية هي أزماتك أنت لو درست نفسك وتطلعت إلى وجدانك، وهذا هو السر في أنّ بديع الزمان لا يزال أدبه حيّاً، ولا تزال آراؤه وأفكاره قريبة منّا على بُعد العهد وتعاقب الأجيال.))(59)‏

وبدأت النهضة الأدبية في النثر في الأندلس أيضاً، في القرن الرابع الهجري في عهد عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم، حين ظهر كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه، وأملى أبو علي القالي أماليه، وقد شعرت الأندلس بشخصيتها منذ ذلك العهد، وحاكوا المشرق في مذاهبه النثرية الثلاث (أصحاب الصنعة والتصنّع)، ويُعد ابن شهيد أهم كاتب ظهر في العصر الأموي.(60)‏

كان ابن شهيد متسع الثقافة يجمع بين ضروب العلم المختلفة في عصره، وكان إلى جانب ذلك كاتباً عظيماً، وشاعراً كبيراً، ويدل ما رُوي عنه من آثار أنّ نثره أكبر من شعره. وقد اعترف الثعالبي بروعة نثره بقوله: ((إنّ نثره غايةٌ في الملاحة.))(61) ووصفه ابن حيان بأنّه الجاحظ لحبه الهزل وميله إلى الفكاهة، وأهم أثرٍ تركه ابن شهيد هو رسالة ((التوابع والزوابع)).. وقد فضل ابن شهيد النثر على الشعر في رسالته هذه، فقد رأى الخطباء أولى بالتقديم ولكنه إلى الشعر أسوق. كما بيّن آراءه في الكتاب والكتّاب والأدباء والمشكلات الأدبية على لسان الجن، وأشبه ما يكون بها رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، وقد ثبت أنّ أبا العلاء قلّده بها.. وعدّ د. إحسان عباس أنّ الكتب الأدبية الثلاثة في عصر سيادة قرطبة كانت من أهم الآثار النثرية في الأندلس وهي: العقد الفريد لابن عبد ربه، ورسالة التوابع والزوابع لابن شهيد، وطوق الحمامة لابن حزم.(62) ولعل كتاب العقد كان جمعاً ومختاراتٍ فهو لا يدل على الصورة الأندلسية، وبرر ذلك ابن عبد ربه بقوله: ((إنّ اختيار الكلام أصعب من تأليفه، وقد قبل أنّ (اختيار الرجل وافد عقله).))(63)‏

وأما الكتاب الثالث فهو طوق الحمامة لابن حزم الفقيه (أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي)، ميزة هذا الكتاب بين غيره من الكتب الأندلسية ((أنه كتاب في الحب كتبه فقيه من فقيه الأندلس كان شديد العارضة في المدافعة عن الدين، وقد صرف حياته في المجادلات الفقهية العنيفة.))(64)‏

ويدلنا هذا الكتاب على تطور الفكر العربي الإسلامي، وما أدى الإسلام من خدمة جلى في القضايا الاجتماعية العامة، يحتوي الكتاب نظرة في الحب العذري، لم يكن كثير الشيوع في الشعر الأندلسي من قبل، ويرى بعض الباحثين من المستشرقين أنه يوجد صلة بين هذه النظرة الأندلسية وما طرأ من تغيير على شعر الحب في أوروبا في القرن الثاني عشر، ويشيرون إلى طوق الحمامة حين يتحدثون عن هذا الأثر.(65) لقد اعتمد ابن حزم البساطة في التعبير، وبَعد عن الزينة اللفظية والسجع، واعتمد على الأسلوب المرسل.(66) ترجم ابن حزم في طوق الحمامة ((لنفسه، ودون خلجاتها))، وقد كان حيّ النفس دقيق الحسّ!!(67).‏

وقد كتب إبراهيم الأبياري في تقدمة لطوق الحمامة فقال ((فالرجل كان على رأيي لا يقره عليه العلماء من حوله، كان ظاهرياً صريحاً في غير مواربة، جريئاً لا تلين له قناة، قائلاً بما يعتقد، ناطقاً عن فكر صقلته البيئة الأندلسية بما تضم من رفاهيةٍ حرةٍ، وغذته من تقاليد شائعةٍ موروثةٍ.))‏

وجد ابن حزم الحب شيئاً ألفه الناس ولا يصح أن يكتموا أسراره، وما يحيط به. وقد كانت هذه طريقته في الدرس والتمحيص لا يريد التشهير بأحدٍ. كان ابن حزم يدرس ويتابع حباً بالعلم وقد ((كروا أنّ الباجي أبا الوليد سليمان شارح الموطأ اجتمع به يوماً يناظره، فقال له الباجي وهو يحاوره: أنا أعظم منك همةً في طلب العلم لأنك وأنت معانٍ عليه تسهر بمشكاة الذهب، وطلبته وأنا أسهر بقنديل، فقال ابن حزم: هذا كلامٌ عليك لا لك، لأنك طلب العلم رجاء حللٍ تريد تبديلها بمثل حالي، ولكني طلبته لا أرجو إلا نفعه دنيا وأخرى.))(69)‏

عرفنا ابن حزم فقيهاً صريحاً قوالاً ((لا يعي رأسه الرأي إلا انحدر منه على لسانه)) ودليلٌ على ذلك كتابه ((طوق الحمامة)) ويمكننا أن نعدّ ابن حزم ناقداً جريئاً، ذا أسلوب جديدٍ وصاحب نهج مبتدعٍ.(70)‏

نهض النثر العربي في القرن الرابع الهجري في العالم الإسلامي كلّه، ففي مصر أيام الفاطميين، رافقت النهضة العلمية الواسعة نهضةٌ أدبيةٌ واسعةٌ أيضاً، فقد شجع الفاطميون على الدراسة والثقافة، وقد أسسوا أكبر جامعةٍ في الشرق وهي ((جامعة الأزهر)) وقد بلغت الرسائل في عهدهم ((مبلغاً عظيماً من الرقي والاكتمال.))(71) ومن أعظم الكتّاب الأدباء في العصر الفاطمي هو ابن الشخباء الذي عني بالتشخيص والتصوير والاقتباس من القرآن الكريم، ويعدّه د. ضيف سجلاً طريفاً لتطور الكتابة في هذا العصر.(72)‏

إنّ تقدم النقد الأدبي في القرن الرابع يدلنا على التطور الذي لحق بالنثر العربي آنذاك ومن النقاد: الجرجاني وابن فارس، وابن شهيد والباقلاني وأبو القاسم الآمدي، وأبو هلال العسكري، وأبو علي الحاتمي وأبو عبد الله المزرباني..‏

وما أن جاء القرن الخامس الهجري وأتى أبو العلاء المعري الذي ((يُعدّ في نثره مرحلة قائمة بنفسها في تأريخ لغتنا العربية، فقد أخذ هذه اللغة من أيدي سابقيه فلم يقف بها عند الصورة التي تركوها بل خرج بها إلى مذهب التصنع الجديد، ولكنه حين خرج إلى هذا المذهب أوغل فيه إيغالاً لم يوغله أحدٌ من قبله، بحيث يمكن أن يُقال أنّ المذهب ابتدا به أيضاً، فقد عقّد لغة نثره تعقيداً لم يقع في وهم أحدٍ لا من سابقيه ولا من معاصريه حتى لتتحول جوانب من أعماله إلى ما يشبه الألغاز والأحاجي))(73)‏

وقد نهض النثر العربي في الأندلس نهضةً واسعةً في عصر ملوك الطوائف، ولعلّ انقسامها وتعداد حكّامها جعل تكاثر الكتّاب وتنافسهم، مما شجّع الحركة العلمية والأدبية معاً. وقد ((أضفى انقسام الأندلس إلى دويلاتٍ على العلم والأدب تقدماً ورقياً عظيماً.))(74) وقد وجد د. ضيف التشابه بين نهضة الأدب الكبيرة في الأندلس في عهد ملوك الطوائف في القرن الخامس الهجري والمشرق العربي في القرن الرابع الهجري حين توزعتها دولٌ وإماراتٌ مختلفةٌ(75). وقد كان ابن زيدون أعظم كاتبٍ في عصر ملوك الطوائف، ولعلّ أطرف ما تركه ابن زيدون من آثاره الكتابية هو ((الرسالة الجدية)) ثم ((الرسالة الهزلية))..‏

لم يكن النثر الأندلسي معقداً، ولعلّ الفتن والحروب منعتهم من التأني والتمهل.(76) وتدلنا رسالتا ابن زيدون على باعه الطويل في كتابه النثر، وقدرته الفائقة في تنويع الأساليب وغزارة المعاني.‏

ثم جاء لسان الدين بن الخطيب ويعدّه د. ضيف آية هذه العصور الدالة على بلاغة الكاتب ومهارته الفنية.(77) وقد ذكره ابن خلدون في تأريخه وقد كان معاصراً له. كان ابن الخطيب من أبرع كتّاب الأندلس في عصورها الأخيرة وقد قيل عنه: ((إنّه كاتب الأرض إلى يوم العرض)). وقد كتب نثراً متنوعاً من الرسائل الشخصية والديوانية، وكتباً في التاريخ، والتصوف والموسيقا والفقه والطب.(78)‏

ولعلّ مؤرخي الأدب غاب عنهم ابن خلدون، وقد عدّه أحمد أمين وسيد أدباء عصره، وشرح ذلك في قوله: ((وقد يُعد عجيباً أن نعدّه أديباً كبيراً أيضاً، لأنه نموذجٌ للأدب الذي نرتضيه، غزارةٌ في المعنى، وبساطةٌ في الأسلوب، وأسلوبه من النوع الذي يعدونه في البلاغة مساواةً لا إيجاز ولا إطناب، والعبارة على قدر المعنى.))(79) وتابع أحمد أمين قوله: ((كما تطور النثر بعبد الحميد الكاتب تطوّراً جديداً عماده الإطناب، وبسيط الأسلوب، وتطور عند الجاحظ لجعله كلّ شيء موضوعاً للأدب، تطوّر على يد ابن خلدون بجعله مسائل الاجتماع موضوعاً للأدب))(80)‏

وبيّن ابن خلدون في مقدمته قيمة الكتابة المتصلة بالحضارة فقال: ((الكتابة من خواص الإنسان التي يُميز بها عن الحيوان... فهي تُطلِعُ على ما في الضمائر، وتتأدّى بها الأغراض إلى البلاد البعيدة.. ويُطَّلعُ بها على العلوم والمعارف... وخروجها في الإنسان من القوة إلى الفعل إنما يكون بالتعليم... لذلك تكون جودة الخط في المدينة... وأنها تابعةٌ للعمران ولهذا نجد أكثر البدو أميين...))(81)‏

اتسع النثر في الأندلس وتطور، وربما نعزو ذلك إلى أنّ أكثر مؤرخي الأندلس كانوا أدباء، فجاءت كتب التاريخ الأندلسية أقرب إلى أن تكون كتباً أدبية أو تاريخاً كتب بلغةٍ فنيةٍ أدبيةٍ أكثر من كتب التاريخ المشرقية. لقد وضع الأندلسيون عواطفهم القوية، وإحساساتهم الرقيقة في تسجيل التاريخ، فبكوا مدنهم الضائعة نثراً وشعراً. وهنا نتساءل لماذا كانت عواطفهم أقوى؟ ألأنهم تركوا بلادهم في الشرق بوطنهم الأندلسي رديفاً عنه؟ أم لأنّهم عشقوا الطبيعة الجميلة هناك، وسُحروا بها؟ أم لأنّهم أرادوا أن ينشروا رسالتهم السامية في أرضٍ غريبةٍ عنهم لغة وديناً؟.‏

لقد صهروا الحضارات الغربية في بوتقة الحضارة العربية الإسلامية الحاملة حضارات الشرق القديم، فأنتجت هذا المزيج الرائع، ولعل أكبر دليلٍ على ذلك تاريخ ابن خلدون الذي كُتب بلغةٍ رفيعةٍ، وكذلك تاريخ غيره من المؤرخين العرب الأندلسيين..‏

نهضت الكتابة الفنية في العصر الأيوبي، وكان كاتبها الأول دون منازعٍ القاضي الفاضل، وقد اتخذه صلاح الدين الأيوبي وزيراً ومستشاراً وكاتباً له. ويروى عنه أنّه قال مخاطباً جنوده: ((والله ما ملكت البلاد بسيوفكم ولا برماحكم، ولكن بقلم القاضي الفاضل.))(83)‏

أما في العصر المملوكي فقد عنوا بالحركة العلمية والأدبية معاً، وأكبر دليلٍ قائمٍ حتى الآن هو (المدرسة الظاهرية) التي بناها الظاهر بيبرس، وكان من أشهر الكتّاب آنئذٍ ثلاثةٌ: ابن فضل الله العمري، وابن نباتة، ومحيي الدين بن عبد الظاهر، وهو أشهرهم في القرن السابع الهجري، وقد ولى ديوان الإنشاء في عهد بيبرس وقلاوون وابنه الأشرف خليل.(83)‏

وقد خيم على الكتابة الفنية جمودٌ شديدٌ أيام العصر العثماني، فلن نجد كاتباً فيه نستطيع أن نوازن بينه وبين كتاب عصر المماليك الذي يعدّه المؤرخون الأدبيون عصر انحطاطٍ في اللغة والأدب، ولربّما كانت هذه النظرة خاطئةً بعض الشيء، ولعل تلك العهود لم تُدرس دراسةً كافيةً، ويرى أحمد أمين أنّ العلم والأدب والفن قد انتهت في العالم العربي بانتهاء القرن الخامس الهجري ولكنّه وجد بعض الابتكار والتجديد في القرن السادس الهجري، وجاء بعد ذلك عصر الجمع والترديد لما فات، وقد أرجع أحمد أمين ذلك إلى أسباب منها:‏

أولاً: اختفاء العنصر العربي تقريباً الذي أنتج هذا النتاج الرائع.‏

ثانياً: ابتعاد المعتزلة وقمعهم، فهم الذين حملوا لواء النهضة الفكرية وكان من أقوى مبادئهم سلطان العقل، ومجيء المحدثين الذين يقولون بسلطان النقل.‏

ثالثاً: هجوم التتر على العالم الإسلامي وتخريبهم المدمر الحضارة الإسلامية وثقافتها.‏

رابعاً: انتشار العصبية والمذهبية والطائفية بين المسلمين.‏

خامساً: إقفال باب الاجتهاد، واحتفاظ العلماء بالقديم لما رأوا ما حلّ بالعالم والعلماء من نكباتٍ(84) فالتفت العلماء إلى تأليف الموسوعات فهي جمعٌ لمتفرق: ((وتحتاج إلى جدٍّ وصبرٍ أكثر مما تحتاج إلى كبر عقل.))(85) فكانت الموسوعات الشهيرة منها: ((نهاية الأرب)) للنويري و ((مسالك الأبصار)) لابن فضل الله العمري، و ((حياة الحيوان)) للدميري وغيرها..‏

وما أن شارف القرن التاسع عشر، حتى نهض النثر العربي، عندما أُرسلت البعثات إلى أوروبا، ولعلّ التمازج الحضاري بين حضارتين، حضارةٍ آفلةٍ وحضارةٍ ناميةٍ مزدهرةٍ، جعل نثرنا العربي يستعيد وجهه المزدهر أيام العباسيين. وقد أسفرت الخلافات بين الطوائف المختلفة من كتّاب النثر من مجددين متطرفين، ومحافظين متزمتين، ومجددين معتدلين عن ظهور نثرٍ يتمتعُ بأسلوبٍ سهلٍ مرسلٍ يبعد عن التصنّع والتعقيد، وظهرت اللغة العربية الناصعة لتأخذ من معينٍ لا ينضب من الكلمات والأساليب، وتوضع في أوعيةٍ جديدةٍ من فنون النثر المتقدمة في الغرب ـ وقد بدأت الأعمال الأدبية الحديثة في القرن العشرين بجرأةٍ في عالم المقالة والقصة والمسرحية..‏

وبدأ عصر النهضة الحديثة في وطننا العربي بإعادة الوجه الصحيح لنثرنا العربي. بدأه الجبرتي بتاريخه الذي كتبه بلغةٍ سهلةٍ فيها طعم التجربة الجديدة التي شهدها وعاصرها، فصوّر غزوة نابليون وأحداثها في مصر، ثم جاء رفاعة الطهطاوي لينقل إلينا صور الحضارة الغربية من منبعها آنذاك من ((باريس)) وكان له الفضل في تطويع اللغة للتعبير عن حضارة العصر ومكتسباته العقلية والمادية، كما أغنى معجمنا اللغوي بالمصطلحات العلمية والفنية. وذاك هو التعريب الواعي الذي يحفظ للغة خصائصها الصوتية وأساليب بنائها لصيغها، وكان له الفضل في تدميث التعبير اللغوي وتبسيطه وتيسيره لجعله يبين عن المقصود في أيسر الطرق.. لقد أطل نثرنا العربي على حضارة العصر ومكتسباته العقلية والمادية، وقد تطغى فوائده على لجوئه أحياناً إلى العامية والركاكة والاضطراب، فأغنى الفكر العربي الحديث وأشرف به على آفاق الحياة المعاصرة..‏

ترجم رفاعة الطهطاوي روايةً فرنسيةً (تلماك Les Aveutuses de Telemagues) ولعلها أول روايةٍ فرنسيةٍ ترجمت إلى العربية، وربما أراد أن يوجه الناشئة إلى أهمية القصة في الأدب، وأنّها لونٌ من ألوانه لم يعبأ به العرب من قبل، وأنّها ستكون جليلة النشأة في التربية الحديثة.. لقد جدد رفاعة ألوان الأدب، وأسلوبه فرفع قيمة المسرح لأنه وجد في مجتمعه فراغاً حضارياً كاملاً، فوطّأ نشأة المسرح الحديث، لأنه نقل إلى مجتمعه المتخلّف صورة المسرح الباريسي بدقائقه وجزئياته، ولعلّه أمسك بأيدي أدبائنا، ونبّههم إلى قيمة المسرح وفائدته في الحياة الحديثة. يُعدّ الطهطاوي رائداً لنثرنا الحديث، فقد حاول أن يلتفت إلى الحياة التي نحياها ويسع التعبير عنها، وفتح الباب أمام نثرنا العربي ليخوض غمار التجربة الحديثة، كتابه ((تخليص الإبريز في خفايا باريز)) له قيمةٌ فنيةٌ تاريخيةٌ، واجتماعيةٌ فصور حضارتين، حضارةً آفلةً وحضارةً ناميةً مزدهرةً وتُعدّ مقالته: ((في منتزهات مدينة باريس)) نصاً من أثمن النصوص في تاريخ المسرح العربي، فقد قدّم رفاعة صورةً من حضارة العصر للناس، وأدى رسالة ساميةً، ووطّأ نشأة المسرح في مصر، ورفع قدر الممثلين، لأنّهم كانوا على مستوى فكريٍ واجتماعيٍ ممتازٍ، أمّا قيمة الكتاب التاريخية فيعدّه الفرنسيون الكتب الطريفة في تصوير الحياة الاجتماعية الفرنسية في القرن التاسع عشر، وقد أدرك رفاعة خطر المسرح وفائدته في ذاك الوقت المبكر قبل قرنٍ ونصفٍ من الزمن، فقال جملته المأثورة: ((وبالجملة: فالتياتر عندهم كالمدرسة العامة يتعلّم فيها العالم والجاهل.))(86) لقد رغب رفاعة في الإفادة من المواقف الصالحة التي لا تمسّ مزاجنا القومي الذي كونته وراثاتٌ قديمةٌ حفظت لنا شخصيتنا..‏

يمثّل كتاب رفاعة اللقاء بين حضارتين، حضارةٍ آفلةٍ كان لها ماضٍ عريق تحتاج إلى أيدٍ مؤمنة لتدخل الشمس في خفاياها فتضيئها، وحضارةٍ مزدهرةٍ متقدمةٍ تحمل بحناياها أزاهير الغرب المتفتحة للحياة الجديدة، كان هذا اللقاء والامتزاج هو السبب الرئيسي المباشر في توليد الشرارة الفكرية الأولى لمنطلقات الفكر العربي الحديث. وذكر رفاعة في مقدمة كتابه ((أنّ تقدم البلاد لا يُقاس بدينها، وإنما يُقاس بمستواها العلمي.)) هذا الكلام يُقال قبل قرنين من الزمن، من رجل دينٍ متعممٍ ومجلببٍ، ما أروع هذا العقل المتفتّح المتقبّل للحضارة والفكر الجديدين في أوسع مدىً!!..‏

وأما أحمد فارس الشدياق فقد نقل إلينا وصور لنا عاداتٍ غريبةً، وأقواماً مختلفةٍ عنّا، فكتب أدب الرحلة بلغةٍ نثريةٍ ناصعةٍ متينةٍ، ساخرةٍ أحياناً، جادةً أحياناً أخرى، ففي كتابه ((كشف المخبا عن فنون أوروبا)) صورٌ حلوةٌ من الغرب، صورها تصويراً مرحاً لأنّه أُوتي موهبةً رائعةً من السخرية، وقد شُبّه بالجاحظ، لأنّ كليهما يضحكان من الحياة، هذا الضحك الساخر العذب المرن، مع مرونة التعبير ودقة الملاحظة، كان الشدياق يمتاز بقدرة الابتكار والتوليد في اللغة، فأدخل مصطلحاتٍ في اللغة العربية، فأغنى نثرها وساعده على أن يسع التعبير عن الحياة الجديدة.. ففي كتابه هذا صورٌ حلوةٌ، غريبةٌ ساخرةٌ، وموازناتٌ لطيفةٌ بين الشعبين الفرنسي والإنكليزي!!..‏

كما كتب الشدياق سيرته الذاتية أيضاً ((الساق على الساق فيما هو الفارياق))، صور فيها تجربته في الحياة، ونقد التعابير النثرية في عصر الانحطاط التي شغلت الكتّاب عن الحياة ومشكلاتها وهمومها.. ودعا إلى الاتصال بالواقع، والبعد عن التأنق والتصنع، فجاءت لغته النثرية، سهلةً قويةً موحيةً، مصورةً واقعه أصدق تصوير..‏

كان الشدياق ناقداً سياسياً متعصباً للعرب، ساخراً من الأتراك وناقداً اجتماعياً في نقده جهل رجال الكنيسة، وجهل النساء والرجال معاً، واختار في نقده أسلوب العرض والتصوير الفني الساخر لا أسلوب الوعظ، ليكون أقرب إلى نفس القارئ، وأشد تأثيراً فيها، وأقدر على توفير القيمة الأدبية لنقده.. لقد وسع الشدياق فنون النثر العربي، فخاض غمارها. كانت المقالات المختلفة الموضوعات تأخذ حيزاً كبيراً من نثره، فأنشأ مجلة ((الجوانب)) التي أسهمت مساهمةً فعالةً في عصرها في نشر الأفكار العربية، ويُعد حقاً إمام الرواد في قدرته على التخلص من قيود الانحطاط، وفتحه الباب للكتّاب لينفذوا منه إلى أدب الواقع، وتخطّى الشدياق مرتبة الرواد ليصل إلى مرتبة البناة.. فقد ملك ناصية اللغة، وقدرةً فائقةً على الابتكار والتوليد، وكتب بلغةٍ قويةٍ حارةٍ مرنةٍ غنيةٍ، فأعاد للنثر العربي صورته الزاهية في عصره الذهبي، لغة الجاحظ وأبي حيان. ثم جاء بطرس البستاني بعده، فألف موسوعته وحده، تلك الموسوعة التي تعجز الآن عن تأليفها جامعة الدول العربية مجتمعةً..‏

إنّ تطور النثر واتساعه للتعبير عن الحياة الحديثة وقضاياها وهمومها، وتعدد فنونه، واختلاف موضوعاته كلّها، ليلحق بركب الحضارة المادية.. فالمقالة مثلاً بأنواعها، أخذت مكانةً رفيعةً ولكنّها تضاءلت الآن، وإذا وازنا بين تطلّعنا إلى المقالة في عالمنا العربي والمقالة في العالم الغربي، فالأخيرة لا تزال تحتل الصدارة بين الفنون النثرية الحديثة.. إنّ الصحف في العالم المتمدن لا يستغني عنها الخاصة والعامة، والمقالة كما نعلم هي بنت الصحافة نشأت معها وترعرعت في أحضانها، وما زالت تمارس عملها بنجاحٍ كبير في الدول المتقدمة، ولعلّ حرية الفكر في العالم الحرّ هي العامل الأساسي في تقدّم المقالة وتطوّرها، وفي المحافظة على مكانتها المرموقة.. إنّ المقالة تعالج موضوعاً واحداً يرجع إليه الفرد ليطّلع على ما يدور في العالم من تطوراتٍ في الموضوع الذي يهمه أمره، إنّ المقالة تناسب التطور، وهي سريعةٌ في تجوالها، عميقةٌ في دراستها، موجزةٌ في أهميتها، إنّ الأدباء والعلماء في العالم يطالعون الدوريات باستمرارٍ ليعوضوا عمّا فاتهم، فعصرنا هذا هو عصر الذرة، وإذا أراد المرء التعمّق والتخصص في موضوعٍ ما، يراجع الكتب والمصادر التي عالجت هذا الموضوع بجزئياته..‏

إنَّ المقالة ناجمةٌ عن التصميم الفكري، وتحمل طابع الحياة العلمي التخطيطي، فهي تقدم آراء الكتّاب، وتعطي صورة لواقع الثقافة أو السياسة أو الاقتصاد. كما تعبّر المقالة عن أفكار كاتبها تعبيراً صحيحاً، وتناسب الأذواق والتطور العلمي والثقافي، وتناسب الفرد العامل ورجل الأعمال، وتناسب الأديب والمتأدب، تناسب الأعمار والأجناس.. إنّها بنت العصر وصديقته الحاضرة والمستقبلية، إنّ العالم المتقدّم مشغولٌ بمشكلات الحياة ومتاعبها، فقد مضى عصر الاسترخاء والراحة والتفكير المديد..‏

لقد زرت في إحدى جولاتي في العالم الكنيسة الحديثة في مدينة ((برازيليا)) في البرازيل، تلك المدينة التي صُممت على أحدث طرق البناء في العالم، وقد استغربت كثيراً حين شاهدت صالة الكنيسة الضخمة التي تتسع لآلاف المصلين وقوفاً، فسألت المشرف عليها: ألا يوجد مقاعد للجلوس؟!!.. ضحك وقال: ((إننا يا سيدتي في أواخر القرن العشرين، إننا في عصر الذرة والفضاء.. لذلك ليس لدى الإنسان المتمدن وقتٌ للصلاة الطويلة، فالصلاة هي العمل المتواصل، والدأب ومتابعة مسيرة الحياة..))‏

تُعدّ المقالة من ((أهم صور النثر الأدبي وأمتعها.))(87) وهي مرآةٌ صادقةٌ لشخصية كاتبها، ويرى أحمد أمين كاتب المقالة أنه ((واسع التفكير أكثر من أيّ كاتبٍ آخر.))(88) ولعلّ المقالة فنٌ صعبٌ يحتاج إلى تركيزٍ وجهدٍ. وروى سعد صائب أنّه أمضى ثلاثة أيامٍ، ليركّز خاطرةً حاول كتابتها، سنة 1974، لكنّه فشل بذلك، حتى دخل عليه أحدهم، فسأله: ماذا تفعل؟.. فأخبره بما جرى.. فعلّق السائل: بأنه يكتب كتاباً بثلاثة أيامٍ.. لكنّ سعداً: أكّد صعوبة المقالة، لأنّها تحتاج تركيزاً واستقصاءً وتدلّ على عمق الكاتب وثقافته وسيطرته الفنية بتركيز فكرته أو خاطرته(89)..‏

أما القصة فقد تطوّرت في القرن العشرين، وأصبحت تتناول المجتمع ككلٍ، كما وصف هذا ميشيل بوتور ((Michei Butor)) فقال: ((ليس من الخارج، كجماعةٍ منظوراً إليها من وجهة نظر فردٍ منعزلٍ، بل من الداخل كشيءٍ ينتمي إليه المرء، كشيءٍ لن يستطيع الأفراد أن ينفصلوا عنه تماماً مهما كانت جذورهم أو ظواهرهم.))(90)‏

تُعد القصة كفنٍّ جديدٍ في العالم العربي أقدر على مناصرة القضايا الجديدة والدعوة إليها، فالأسلوب ((في النثر ليس غايةً في ذاته، وإنّما وسيلة لغايةٍ هي إيصال الفكر والإقناع بالرأي))(91)‏

إنّ القصة من أحدث الفنون النثرية ظهوراً في الغرب، وتُعدّ أكثر ((مناسبةً للعصر بقدرتها على التركيز والتحليل والعمق معاً.))(93) حتى إنّها أصبحت الفنّ المفضل لدى ملايين القراء في العالم، وكذلك الرواية التي تعالج المشكلات الصعبة الحل، والتي تتطلب صفحاتٍ طويلةً لحلّها.. ولعلّ الرواية تتطلب مجتمعاً قارئاً، ((يحصل على الكتاب ويتعامل معه بسهولةٍ.))(93) وتُكتب الرواية للمجتمعات المعقّدة، فالقصة لا تفي بالغرض، ولا تتسع لحلول المشكلات المعقّدة، فالمجتمع المادي يهرب إلى هذه الحياة ليجد فيها الحياة والهدوء، كالكتب التي تفسر الحياة تفسيراً روحياً..‏

ويرى أحمد أمين أنّ الرواية أسهل الأدب قراءةً، فهي لا تحتاج جهداً كبيراً من القارئ، ((ولا تتطلب إجهاداً في الخيال كما يتطلّب الشعر، ولا إمعاناً في التفكير وإجهاداً للعقل، كما تتطلّب المقالة، وإنما يتلذذون قراءة القصة، كما يتلذذون من أكلةٍ شهيةٍ أو منظرٍ جميلٍ، فهي نوعٌ من الجمال الفني يتقبل العقل تحت تأثيره، وفي سكرة التلذذ به الفكرة المبثوثة في ثنايا الرواية، ولذلك كان تأثيرها في قبول العقائد والنظريات كبيراً.))(94)..‏

أصبحت الرواية في عصرنا القالب الأدبي القادر على أن يخاطب ضمير البشرية، وتكاد تكون الرواية مع المسرحية القالب الملائم للفكر الحديث لمواقفه المتضاربة، إنّ عصرنا هو عصر الرواية، فالتعقيد الحضاري الجديد، وما أصاب حياتنا من غنىً وخصبٍ، غنىً فكريٍ وتعقيدٍ علميٍّ، في ضوء الموقف الأدبي الإنساني، لذلك تُعدّ الرواية أشيق فنٍّ أدبي يتأثّر الإنسان به، فالروايات ((التاريخية التي كتبها والترسكوت في سكوتلاندا، وهنري سينكيويتش في بولندا، وألويز جيرازيك في تشيكوسلوفاكيا، قد فعلت شيئاً مجدداً تماماً لتبعث الكبرياء القومية والذاكرة الجماعية بحوادث تاريخية.))(95)‏

وإذا نظرنا إلى العالم العربي وجدنا أنّ الروايات التي كُتبت في أدب النكبة في دورها الثاني بعد نكسة حزيران عام (1967)، نشأ فيها جيلٌ جديدٌ من الروائيين الرعب على بساط المأساة نفسها.. إنّ الرواية أكبر سلاحٍ في المعركة التي تخوضها اليوم، فلنكن واقعيين في نشر الأحداث التي جرت وتجري فعلاً على الساحة المنكوبة، لتكون الرواية سلاحاً رقيقاً يمسّ شغاف القلوب البعيدة عنها.. ولنبعد عن البكاء والحنين واستدرار الشفقة التي تعطي صورةً معكوسةً لهذا الواقع المرير، وخاصةً أنّ الرواية تدخل في أعماق العامة قبل الخاصة.. ولعلّ قصص وروايات الكاتب الشهيد غسان كنفاني قد أثرت تأثيراً بالغاً في نفوس الغربيين الذين اطلعوا عليها من خلال ترجمتها إلى اللغات المختلفة..‏

لقد تأثر النثر العربي في عشرينيات القرن تأثراً كبيراً بالنثر الغربي، فقد صار للقصة شأنٌ كبيرٌ في عالمنا العربي، ويعود هذا لكثرة ما تُرجم عن اللغات الأخرى إلى العربية، ويرى الأستاذ عمر الدسوقي: أنّ الأدب الغربي هو أدب القصة، وأنّ لونين من الأدب هما اللذان يسودان الأدب الغربي: القصة والمقالة(96)، ولذلك تأثّر أدبنا العربي بذلك، ونمت المقالة في أوائل عصر النهضة وحمل لواءها الكثيرون من أدبائنا، ويعرّف النقاد الغربيون النثر في القصة بقولهم: ((النثر هو أداة)) تعبّر عن الحياة الجارية المألوفة الشائعة التي لا غرابة فيها ولا شذوذ ولا سمو...، ففي مقدور النثر أن يعبّر عن كلّ هذه الأشياء تعبيراً أدقّ وأوفى مما يستطيع الشعر... من هنا كان النثر أداةً ملائمةً للتعبير عن حوادث الحياة اليومية التي تجري على المألوف، ولا تكون عظيمة المغزى، ولما كانت القصة حكايةً تُروى بالنثر من أوجه النشاط والحركة في حياة الإنسان، فخيرٌ لها إذاً أن تقصّ قصةً عاديةً عن الإنسان العادي الحقيقي كما تجري حياته في عالم الواقع المتكرر كلّ يومٍ.))(97). ويعني هذا أنّ النثر هو معالجة الواقع المألوف..‏

إنّ النثر لغة الحضارة، الحضارة التي تتألف من عصارة حضاراتٍ مختلفةٍ متعددةٍ، ومزيج مدنياتٍ متنوعةٍ، شرقيةٍ وغربيةٍ، لقد تقدّم نثرنا العربي في الماضي عندما فتح بابه للثقافات المختلفة لتنصهر في بوتقة اللغة العربية فتكسبها بريقاً ولمعاناً غريبين، كذلك في عصرنا الحاضر حين طعّم المهجريون أدبنا بثقافاتٍ قديمةٍ خصبةٍ، لم يُتح له أن يذوقها إلا على أيديهم... فأدخل أدباؤنا المهجريون فنوناً نثريةً حديثةً في أدبنا العربي الحديث، وقد أسهم ميخائيل نعيمة في إغناء النثر العربي بما كتبه من القصة القصيرة فقد عدّه بعضهم ((موباسان العرب))، كذلك كان نعيمة أول من أدخل فنّ السيرة إلى أدبنا العربي الحديث، فكتب سيرة جبران، فتح نعيمة بذلك آفاقاً جديدةً.‏

في فنون النثر. إنَّ السيرة الفنية تدل على رقيّ وتطور الأمم، فهي تعيد لنا حياة أديبٍ ما، أو سياسيٍ، هذه الحياة التي أودعها تجاربه ومآسيه فتكون عبرةً للأجيال القادمة بعده، إنها تصوّر وسطه الاجتماعي وبيئته، وعلاقاته مع رفاقه، وتصوّر لنا أيضاً العوامل الخارجية التي أثّرت في اتجاهه الأدبي أو السياسي، هذه السيرة إذا كُتبت بصدقٍ فنيٍ عميقٍ، لعلّها تفيدنا في الموازنة بين الاتجاهات الأدبية، فنرى التغيير في الجو الفكري والخلقي بين أدب أمةٍ في عصر ما وأدب أمةٍ أخرى في عصرٍ مختلفٍ، وتبين لنا الفرق في المزاج والنفسية بين الأقوام المختلفة..‏

تطور النقد الأدبي في القرن العشرين، فقد حاول النقّاد العرب ((تجديد النقد الأدبي كما عرفه القدماء، وتطبيق النظريات العربية في النقد كما عرفها نقاد العصر العباسي على الشعر الحديث))(98) وخطا أول خطوةٍ حديثةٍ فيه المرصفي صاحب ((الوسيلة الأدبية))، وتبعه بعده النقّاد منهم مَن نهج نظرة القدماء إلى الشعر أمثال اليازجي والمويلحي، ومنهم من نهج مسلك المرصفي في الإفادة من علوم العربية في فهم النص أمثال ((حمزة فتح الله، والشيخ المهدي، وحفني ناصيف))(99) ثم جاء فوج المجددين أمثال العقاد وشكري والمازني ونعيمة وطه حسين وغيرهم، وتعددت المذاهب النقدية، وكان النقاد ينتمون إلى مدرستين:‏

مدرسة تتأثر بالأدب الفرنسي، وأخرى تتأثر بالأدب الإنكليزي، وتضاربت الآراء في ذلك مما جعل هذا الفنّ النثري (أي النقد) يتسع ويتطوّر مع تطور الفكر واتساع الثقافة..‏

ولعلّ النقد وصل إلى ذروته في عهد مندور في كتابه النقدي ((الميزان)) وكأنّه كان يطالب في مقالاته بإلحاق الأدب العربي الحديث بركب الآداب العالمية ورميه في تيارها، فقد تناول فنوناً نثريةً حديثةً بالنقد كالمسرحية والرواية إلى جانب الشعر، فقد شعر مندور أنّ الشعر لا يكفي لمسايرة الركب الحضاري في القرن العشرين، بل يجب على كتّابنا متابعة هذا التقدم في الأدب الغربي، وحاول مندور أن يضع المصطلحات النقدية الجديدة التي نقلها عن الغرب، وطرح أفكاراً فنيةً مختلفةً بعيدة المدى، كما دعا إلى الجمع بين الثقافة الغربية وبعث الثقافة العربية القديمة في عصورها الأولى، ورأى مندور أنّ الاطلاع على ما في الكتب الغربية الجيدة واطلاعنا على الآداب والفنون الأوروبية من تصويرٍ ونحتٍ وموسيقا يُغذي أدبنا، ويغني مصادره، ويفتح نوافذه على الثقافات العالمية قديمها وحديثها..‏

إنّ المسرح والقصة يعبران عن قضايا العصر، ولكلٍّ منهما طريقٌ ووجهةٌ، لأنّهما ينبعان من معينٍ واحدٍ، ويعكسان قضايا الفرد المعذّب التائه في تيار المدنية الحديثة.‏

إنّ النقد الحديث الذي يجمع بين الأنواع النقدية المختلفة من نقدٍ جماليٍ، وعلميٍ، وتقريري كما يسميه أحمد أمين ((النقد الأدبي))/ وقد عرَّفه تعريفاً رائعاً وأعطاه تفسيراً حلواً فقال: ((فإذا عُرف الأدب الإنشائي بأنّه تفسيرٌ للحياة ويصور الفنّ الذي يوضع فيه.))(100)‏

وقد كان تطور النقد ظاهرةً عامةً اشترك في إبرازها نقادٌ كثيرون من مختلف الجنسيات ساعدهم على ذلك تعدد الثقافات، واتساع الأفق الإنساني والمقارنات المتباينة بين الآداب المتعددة المنازع والمذاهب والعصور. إنّ تطور النقد وازدهاره في أعقاب الحرب العالمية الأولى كان ((نتيجة لقيام مذاهب أدبيةٍ جديدةٍ (التي وسعت آفاق) الأدباء والنقّاد جميعاً، وخلقت مجالاتٍ للقول. والإبداع والنقد..))(101) أصبحت الحياة الأوروبية في أواخر القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين مسرحاً للحركات الفكرية العنيفة التي دفعت فنّ النثر بأنواعه المختلفة في عجلة الزمن لتدور به مسرعةً فيتطور ويتقدم إلى الأمام يحمل أعباء الحياة الجديدة وأفكارها ومشكلاتها الاجتماعية، ويضع لها أدواءً ناجعةً، وللنقد خطورةٌ في تأثيره وتوجيهه للأدب والمجتمع معاً..‏

تطور النقد العربي، لما نقلته الترجمة عن النقد الأوروبي، وتأثّر بالتأليف أيضاً، وبالبعثات العلمية والأدبية إلى الغرب فاطّلع الأدباء على ما ((في الغرب من علومٍ ومعارف، و (على ما) فيه من ثقافةٍ وحضارةٍ))(103).‏

وقد كان للطباعة والصحافة أثرٌ بالغٌ في النقد أيضاً، وأسهمت الصحف في ترقية الفكر العربي وتثقيفه، وفي دفع النهضة العلمية والأدبية والنقدية إلى الأمام، وقد وجد النقاد أنّ الصحافة أحيت اللغة وساعدت على نهضتها، فاحتضنت النقد الأدبي وغذّته وذلك بتشجيعها له بنشرها أفكاره، فحمل ذلك الأدباء على تجويد إنتاجهم الأدبي خوفاً من النقاد. وقد ساعد المستشرقون الفكر العربي على اتصاله بالفكر الغربي عن طريق تراجمهم وتآليفهم في اللغة العربية وآدابها، وكان من العوامل المهمة التي أثّرت في النقد العربي الحديث..‏

ولا يسعني وأنا أستعرض النثر، وما أدته من خدمات في تقدم اللغة العربية ومسايرتها ركب الحضارة الحديثة إلا أن أذكر ما قدمته الصحافة لتطوّر النثر وتقدمه لفظه وعبارته، فالنثر يخاطب الجماهير خاصتهم وعامتهم، ويتحدّث إلى الجهال كما يتحدّث إلى المتعلمين، لقد تطورت أساليب النثر لتأثير الأدب الأجنبي فيها، الذي لا يزال يغذي أدبنا إلى اليوم..‏

إنّ الحياة الحديثة تهتم بالنثر وفنونه أكثر من الشعر، فالتعبير في الشعر مضغوطٌ نفسياً، أما التعبير في النثر فأطلق. وكما يقول د. عز الدين الأمين: ((إنّ النثر يصور لنا حياة الأمة أكثر من شعرها)). فالنثر لغة العقل لا لغة العواطف، إنّه يعبّر عن الأفكار بينما الشعر يعبّر عن الأحاسيس..‏

ولعل وصف د. طه حسين للنثر أبلغ وأعمق فإنّه لغة العقل ((ومظهرٌ من مظاهر التفكير، وتأثير الإرادة (والروية) فيه أعظم من تأثيرها في الشعر(103)، وإذا ما ظهر النثر الفني في أمةٍ فإنه يزداد تبعاً لازدياد القوة فيها وتبعاً لإشاعة الكتابة بين أفرادها.‏

لقد أصبح العالم مكاناً للعيش أكثر راحة (فقد) أصبحت الطبقاتُ المثقفة تستطيع أن تستريح وتستمتع بفراغها(104) لقد أصبح العالم المتمدن الآن ينعم بفنون النثر ويجد ما يمتّع فراغه، إنّ فنون النثر تناسب الأذواق والأعمار، ولعلّ المطالعة مرضٌ مفيدٌ يسري في شرايين الأفراد المثقفة المنتشرة في أنحاء المعمورة، إن الفرد المتحضر المثقف لا يضيع لحظةً واحدةً من لحظات عمره تذهب هباءً في ثرثرة لا تفيده، بل يعمل جاهداً ليثقف فكره ويصقله، لقد مضى عصر الانفعال والعواطف، وأتى عصر الفكر والعمل، والكفاح مسرعاً، مَن فاته القطار لا يستطيع اللحاق به.‏

((فالكاتب مواطنٌ، وله رأيٌ في المسائل ذات الأهمية الاجتماعية والسياسية، كما أنّ له دوراً في قضايا عصره.))(105) فالكاتب ((ليس مكتشفاً للحقيقة بل هو الذي يمدّنا ويقنعنا بها... إن فنّ التقديم يغوي القارئ.))(106)‏

أسهم النثر العربي في الماضي، وتوغّل لينقل الحضارة العربية والعلم العربي إلى الأمم الأوروبية وأفسحت الأمم الأوروبية صدرها لهما، ((واستطاعت أن تفرق بين العلم والسياسية، فبينما كانوا يحاربون المسلمين سياسياً، كانوا يفسحون صدورهم للعلماء ثقافياً.))(107)‏

ولعل قول جبران خليل جبران في أهمية الاطلاع على الثقافة الغربية والأخذ منها، وعرضه لهذه الفكرة المعروفة عرضاً محبباً خير ما أختم به بحثي، يقول جبران: ((إنّ روح الغرب صديقٌ وعدوٌّ لنا. صديقٌ إذا تمكنّا منه، وعدوٌّ إذا تمكّن منا. صديقٌ إذا فتحنا له قلوبنا وعدوٌّ إذا وهبنا له قلوبنا. صديقٌ إذا أخذنا منه ما يوافقنا وعدوٌّ إذا وضعنا نفوسنا في الحالة التي توافقه.))(108)‏

***‏

مراجع البحث:‏

(1) أبو حيان التوحيدي، ((الإمتاع والمؤانسة))، تحقيق أحمد أمين وأحمد الزين، المكتبة العصرية بيروت صيدا، ج2/ص ص 132-133.‏

(2) المصدر السابق ص133.‏

(3) المصدر ذاته ص134.‏

(4) القرآن الكريم، سورة الدهر، الآية رقم 20.‏

(5) و(6) ((الإمتاع والمؤانسة)) ج2/ ص135.‏

(7) سمرست موم، ((عصارة الأيام))، ترجمة د. حسام الخطيب، دار الفكر دمشق 1972، ص ص 44-45.‏

(8) د. زكي مبارك، ((النثر الفني في القرن الرابع الهجري))، الطبعة الثانية، مطبعة السعادة مصر 1934، ج1/ ص ص 44-56.‏

(9) د. شوقي ضيف، ((الفنّ ومذاهبه في النثر العربي))، الطبعة السادسة، دار المعارف بمصر، 1971، ص ص 46.‏

(10) الجاحظ، ((البيان والتبيين))، الطبعة الثانية، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر القاهرة، 1961، ج2/ ص17.‏

(11) ((القرآن الكريم))، سورة يونس، الآية رقم 49.‏

(12) المصدر السابق، سورة الأنبياء، الآية رقم 35.‏

(13) د. عدنان زرزور، البيان النبوي مكتبة دار الفتح، الطبعة الأولى دمشق، 1393هـ، ص22.‏

(14) ((الفنّ ومذاهبه في النثر العربي)) ص52.‏

(15) المصدر السابق ص67.‏

(16) ((القرآن الكريم))، سورة العلق، الآية رقم 1 و2 و3 و4 و5.‏

(17) أحمد أمين ((فجر الإسلام)) الطبعة العاشرة 1969م دار الكتاب العربي بيروت ـ لبنان، ص ص 142-143.‏

(18) ((القرآن الكريم))، سورة الأعراف، الآية رقم 185، سورة الطارق، الآية رقم 5.‏

(19) ((الفنّ ومذاهبه في النثر العربي))، ص102.‏

(20) المصدر السابق، ص 104.‏

(21) المصدر نفسه، ص 105.‏

(22) ((النثر الفني في القرن الرابع الهجري)) ج1/ ص ص 57-58.‏

(23) ((عبد الملك بن محمد بن إسماعيل أبو منصور الثعالبي، ((يتيمة الدهر)) طبعة الصاوي، ج3/ ص137.‏

(24) ((الفنّ ومذاهبه في النثر العربي))، ص ص 115-116.‏

(25) المصدر السابق، ص118.‏

(26) ((عصارة الأيام)) ص46.‏

(27) محمد بن عبدو بن عبد الله الجهشياري، ((كتاب الوزراء والكتاب)) تحقيق: مصطفى السقا، إبراهيم الأبياري، عبد الحفيظ الشلبي، ط1، مطبعة الباني الحلبي القاهرة 1938، ص ص 73-74.‏

(28) ((الفن ومذاهبه في النثر العربي))، ص120.‏

(29) و(30) المصدر السابق ص120.‏

(31) أحمد أمين ((ضحى الإسلام))، الطبعة العاشرة، دار الكتاب العربي، بيروت لبنان ج1/ ص163.‏

(32) المصدر السابق، ص167.‏

(33) المصدر ذاته، ص249.‏

(34) المصدر نفسه، ص270.‏

(35) المصدر السابق، ص365.‏

(36) و(37) المصدر نفسه ص281.‏

(38) المصدر ذاته، ص ص 2810283.‏

(39) الجاحظ، ((الحيوان)) دار العراق بيروت 1955م، ج3/ ص387.‏

(40) ((الفن ومذاهبه في النثر العربي)) ص161.‏

(41) شفيق جبري، ((أنا والنثر))، نهضة مصر 1960، ص135.‏

(42) ((الفن ومذاهبه في النثر العربي))، ص188.‏

(43) المصدر السابق، ص201.‏

(44) المصدر نفسه، ص227.‏

(45) ((النثر الفني في القرن الرابع الهجري))، ج1/ ص30.‏

(46) المصدر السابق، ص107.‏

(47) المصدر نفسه، ص131.‏

(48) ((الإمتاع والمؤانسة)) ج1/ ص9.‏

(49) أحمد أمين، ((ظهر الإسلام))، الطبعة الثالثة، مكتبة النهضة المصرية القاهرة 1962 ج1/ص238.‏

(50) أبو حيان التوحيدي، ((مثالب الوزيرين))، تحقيق د. إبراهيم الكيلاني، دار الفكر بدمشق 1964، ص9.‏

(54) المصدر السابق، ص98.‏

(55) ((النثر الفني في القرن الرابع الهجري))، ج2، الطبعة الثانية، مطبعة السعادة بمصر ص140.‏

(56) أبو حيان التوحيدي، ((الإشارات الإلهية)) تحقيق عبد الرحمن بدوي، مطبعة جامعة فؤاد الأول القاهرة ـ 1950، ج1، ص83.‏

(57) أحمد أمين، ((ظهر الإسلام)) الطبعة الثالثة، مكتبة النهضة المصرية القاهرة 1962. ج2/ ص99.‏

(58) ((النثر الفني في القرن الرابع الهجري)) ج1/ ص204.‏

(59) المصدر السابق، ص351.‏

(60) ((الفن ومذاهبه في النثر العربي)) ص321.‏

(61) ((يتيمة الدهر)) ن ج2/ ص43.‏

(62) د. إحسان عباس، ((تاريخ الأدب الأندلسي))، دار الثقافة بيروت ـ لبنان، ص334.‏

(63) ابن عبد ربه، ((العقد الفريد)) نسخة الشيخ عبد العزيز محاسن، ج1/ ص3.‏

(64) ((تاريخ الأدب الأندلسي)) ص341.‏

(65)ـ المصدر السابق، 342.‏

(66) المصدر ذاته، ص333.‏

(67) ((ظهر الإسلام))، ج3، مكتبة النهضة المصرية 1962، ص ص 212-213.‏

(68) د. إبراهيم الأبياري، مقدمة طوق الحمامة ص، ب.‏

(69) المصدر السابق، ص، د.‏

(70) المصدر ذاته، ص، و.‏

(71) ((الفن ومذاهبه في النثر العربي))، ص359.‏

(72) المصدر السابق، ص364.‏

(73) المصدر ذاته، ص291.‏

(74) و(75) المصدر نفسه، ص523.‏

(76) المصدر السابق، ص326.‏

(77) و(78) المصدر ذاته، ص ص 332-334.‏

(79) ((ظهر الإسلام)) الطبعة الثالثة، ج4، 1964، ص206.‏

(80) المصدر السابق، ص ص 206-207.‏

(81) عبد الرحمن بن خلدون ((المقدمة))، مطبعة مصطفى محمد، مصر، الفصل الثلاثون ص ص417-418.‏

(82) ((صلاح الدين الأيوبي))، عبد الحي بن العماد الحنبلي، ((شذرات الذهب في أخبار من ذهب)) مكتبة القدس، القاهرة، 135، ج4/ ص327.‏

(83) ((الفن ومذاهبه في النثر العربي))، ص ص 378-388.‏

(84) ((ظهر الإسلام)) ج4، ص ص 191-195.‏

(85) المصدر السابق، ص195.‏

(86) ((رفاعة الطهطاوي))، ((تخليص الإبريز في خفايا باريز)) دار التقدم، مصر 1905م، ص110.‏

(87) و(88) ((أحمد أمين، النقد الأدبي))، الطبعة الرابعة، مكتبة النهضة المصرية القاهرة 1972. ص99.‏

(89) د. مها العطار، ((فنّ المقالة في سورية بين 1964-1980))، ص3.‏

(90) ميشيل بوتور، ((أفكار حول الرواية بين الفرد والجماعة))، ترجمة علي سليمان محمد، مجلة البيان الكويت ـ العدد 113، أغسطس آب 1975. ص ص44-51.‏

(91) د, محمد حسن عبد الله، ((الحركة الفكرية والأدبية في الكويت)) رابطة الأدباء في الكويت 1973. ج1/ ص364.‏

(92) المصدر السابق، ص 503.‏

(93) المصدر ذاته ص504.‏

(94) ((النقد الأدبي)) ص102.‏

(95) لوستين وارين، رينيه ويليك، ((نظرية الأدب))، ترجمة محيي الدين صبحي مراجعة د. حسام الخطيب، ص130.‏

(96) عمر الدسوقي، ((في الأدب الحديث))، الجزء الأول، الطبعة السادسة، دار الفكر العربي القاهرة 1964. ص ص 389-390.‏

(97) الموسوعة البريطانية، في ((الأدب الحديث)) ج1/ ص393.‏

(98) ((في الأدب الحديث)، ج2، الطبعة السادسة، دار الفكر القاهرة 1973، ص214.‏

(99) المصدر السابق ص ص 214-216.‏

(100) ((النقد الأدبي)) ص173.‏

(101) المصدر السابق، ص403.‏

(102) عز الدين الأمين، ((نشأة النقد الأدبي الحديث في مصر)) دار المعارف بمصر 1970، ص60.‏

(103) د. طه حسين، ((في الأدب الجاهلي))، دار المعارف بمصر 1958، 326.‏

(104) ((عصارة الأيام)) ص45.‏

(105) ((نظرية الأدب)) ص123.‏

(106) المصدر السابق، ص ص 40-41.‏

(107) ((ظهر الإسلام)) ج3، ص307.‏

(108) جبران خليل جبران، البدائع والطرائق ((دار طلاس، الجمهورية العربية السورية ـ دمشق 1984، مستقبل اللغة العربية))، ص128.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244