مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 286 و 287 شباط وآذار 1995
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

نينوى ـــ شعر: محمود حامد

مُدُنٌ بلون الحلم تطلعُ‏

كيف تطلع من صبا ملكوتها‏

قمراً يُهِلُّ على نخيلِ الروحِ،‏

قُبرةً تهلُّ على النخيلِ وكوكبا‏

مدن بلون الحُلْمِ‏

تنهض من رماد طُلولها،‏

وصِباً يقوم من الرمادِ على صِبا‏

فاخلع جهاتِ الأرضِ‏

وافتح لي‏

شبابيكَ الصُّعودِ إلَيك‏

إن دمي يحنُّ إليكَ‏

مسرىً في الغمام وملعبا‏

مُدن بلون الحلمِ‏

تطلع بغتةً‏

من صمتها...‏

من حزنها...‏

وتلفُّنا بغمامة شفَّافةٍ‏

كمساء قُرطبةَ الحزين‏

وكرعشة من نينوى‏

تبكي على شباك غربتنا‏

سنين‏

تبكي فتوجعُ..،‏

كيف تبكي.. كيف توجعُ..،‏

كيف تُشعل دمعةً في العينِ‏

توجع حين تبكي...‏

كيف توجعُ...؟؟؟‏

كيف تكسِرُ دمعةً‏

من ياسَمين!!؟‏

هي شهقةٌ في الغيب تصرخُ:‏

نينوى‏

في الرُّوحِ...،‏

في عُشب يميلُ على السُّفوحِ‏

فتنتشي طرباً وتصرخُ:‏

نينوى‏

في رعشةِ الشَّفة القتيلةِ كُلَّما‏

حنَّت إلى ظلٍّ يُنادمها‏

على أرق الصَّبابة تشتهيهِ‏

بكت وصاحت:‏

نينوى‏

وتمدُّ في عطش النخيلِ بُكاءها‏

توحي لمن يمشي على‏

جرح النخيلِ بأنَّ همساً ما خفيّاً‏

بين ذاكرة الغمامِ،‏

وبين ذاكرة الصَّدى‏

ما زال يهمسُ ذلك الهمسَ الشجيَّ‏

على شبابيك المدى‏

فإذا أملتَ على التُّرابِ‏

صبابةَ الشَّفتينِ‏

تنهل في الظَّما ما تشتهي‏

فاشرب على ظمأِ الصَّبابةِ‏

ما يبوحُ بهِ النَّدى‏

يا نينوى‏

ما لاسمكِ المملوء حُزناً‏

بغتة يحتلُّ صمت الذاكره‏

ويطلُّ من عبق السنين الغابره‏

يأتي إلينا حاملاً‏

عمراً من التاريخ والذكرى،‏

ومنكسراً كجذعٍ من صنوبرةٍ‏

على كتف الجليل!!؟‏

*‏

يأتي فتنكسرُ المفارقُ‏

كيف يوغل في مداها خلسةً‏

ويشدُّها‏

هذا الرنين إليهِ...،‏

كيف يُثيرها هذا الرَّنينْ‏

وهي التي‏

لم يستثرها في الحنين‏

ما كان يتركه الصَّدى‏

في الآخرين!!؟‏

يا نينوى‏

والليل يجمعنا على‏

جسر الفُراتِ...،‏

وأنتِ ترتعشين حزناً،‏

والصَّدى يبكي...،‏

وصوت من بعيدٍ،‏

من بعيدٍ،‏

من بعيدٍ‏

يمشي إلينا...‏

كان يوغل مثلما‏

مطر على أحداقنا‏

يمشي كما‏

يمشي جُنون قصيدةٍ‏

عبر الوريد‏

*‏

صوت فأنهض...‏

لستُ أدري‏

كان صوتك أم صدىً‏

من قرطبه؟؟؟‏

من أيقظ الصوتَ الحزينَ وأغضبه؟؟؟‏

ذرفتهُ ريحُ الأطلسيِّ‏

دماً علينا...‏

لحظةَ انكسرت شبابيكُ البُكاءِ‏

على انكسارِ الأُمنياتِ..‏

دماً علينا...‏

لحظة انكسر الصَّهيلُ‏

دماً علينا...،‏

وانكسرنا كالصَّهيل‏

كانت على شباكها المنسيِّ‏

تقرأ نينوى‏

تاريخ آخر مجزره‏

في دفتر الحرم الخليليِّ‏

المضرج بالطفولةِ...،‏

والدم العربيِّ...،‏

فاشتعلت.. وغابت لحظةً‏

رجعت لتقرأ من جديد‏

فإذا بها تبكي...‏

وتشرد لحظتين‏

بين ارتعاشةِ دمعتين‏

حتّى إذا...‏

وصلت لصفحتهِ الأخيرةِ‏

أربكتها دمعةٌ‏

سقطت على وجهِ الغلافِ‏

فأيقظت عصفورةً تبكي،‏

وعصفوراً شهيد‏

لم تحتمل‏

هذي العُذوبةَ في البُكاءِ‏

بكت دماً...‏

دمعاً...‏

ندى‏

همس الصَّدى:‏

يا صاحبيَّ المعذره‏

فتبسَّما...‏

وتبسَّمت‏

ومضت تقول بسرها:‏

هذا الدم الأقوى‏

على هذا الجدارِ‏

هو الحقيقة...،‏

أي حقد غاضبٍ‏

لن يقهره!!!‏

*‏

قامت تلملم جرحها...،‏

وتضمني...‏

قامت تُلملمني‏

أنا الوطن المبعثر في الخرائطِ‏

والأماني...‏

كيف جاءتني على استحيائها تمشي‏

على حزن أرقّ من الشذا‏

في الأرجوانِ...،‏

وخلتُها ملكاً أتاني بغتةً،‏

ناديتُ فاخترق المدى صوتي‏

وغادرني مكاني...‏

من ترى هذا الذي‏

يأتي فيشعلني...،‏

وكنت على ارتعاشة جمرةٍ أحيا...،‏

على حُلُمٍ ألملمُ وجهها...،‏

ذاك المبعثر في الشتاتِ‏

وفي الزَّمانِ..،‏

تمدُّ لي كفاً.. فأعرف أنها:‏

كل الصبايا.. غادة الدنيا،‏

تَفيء إلى دمي...‏

كي تستريحَ على ارتعاشة مقلةٍ‏

زينُ الحسانِ...،‏

وخلتها تبكي...،‏

وتصرخُ دمعةٌ في المقلتينِ...،‏

أنا الحبيبةُ... كيف تنساني!!؟،‏

أنا يا عُشْبَ روحي‏

صفوةُ المُلْكِ1 التي‏

هجرت إليكَ العرشَ،‏

واشتعلت غماماً في يديك‏

أنا مُقلة تمشي إليكَ،‏

ومقلة تبكي عليك‏

ماذا أكون لديك!!؟‏

أنا يا عماد الدينِ2 آخر نظرة في مُقلتيك‏

تنسلُّ منكَ إليكَ،‏

تُبصرُ ما يجيءُ فتشتهي‏

لو أنها...‏

عند ابتسامتك الأخيرة تنتهي‏

*‏

روحي.. فقلتِ:‏

غريبة عيناكَ عني،‏

حزنك المكسور، صوتُكَ،‏

وجهك المهموم،‏

أنت كرعشةٍ في العين‏

داهمها النوى‏

فتلعثمت عند البكاءِ،‏

ولم تكن تدري‏

حقيقةَ ما تقول‏

حين استبدَّ بها الهوى‏

صرخت:‏

أنا مدن الفجيعةِ والبُكاءِ،‏

وأنتم الطلقاء من قيدِ العُروبةِ،‏

أين أنتم...؟؟؟‏

حين بعثرني صهيلُ الأطلسيِّ‏

على ذراكم...‏

شهقةً من أرجوانٍ‏

تلتقي أحبابَها‏

خلعت جنون القيد من يدها،‏

ومدَّت تحت أرجلكم‏

دروبَ الأمنياتِ،‏

وأشرعت أبوابَها‏

ومشت إلى شباكها‏

قمراً حزيناً...،‏

آهِ يا قمر الشبابيكِ الحزينةِ‏

أيُّها الأرقُ المُعَلَّقُ‏

فوق ذاكرةِ الجليل‏

دماً وقهراً‏

كيف نادى نينوى!!؟‏

كيف استعارَ البرقَ‏

فاخترق الجهاتِ إلى دمي:‏

مُدناً تنادي أُمَّةً،‏

ودماً ينادي رايةً،‏

وأنا أُلوِّح باليدينِ لدمعةٍ‏

كانت تقود خُطايَ‏

صوب الأندلس‏

فإذا بها...‏

في الصَّدْر بعثرها‏

جُنونُ الأُمنياتِ‏

فلم تكن...‏

إلاَّ صدى صوتي‏

ينادي في شبابيكِ النخيل‏

حُلُماً يكون لنا دليل!!!‏

1 صفوة الملك: زمرد خاتون ملكة دمشق أيام الصليبيين.‏

2 عماد الدين: هو عماد الدين زنكي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244