مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 286 و 287 شباط وآذار 1995
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

موت بارد ـــ قصة: أسامة آغي

باغتني سكون البيت، أحسسته زمناً من حصار أنياب وحوش جائعة، الأنياب تقبض على جسدي، وجسدي يحاول دون جدوى الفكاك عن الجثة الممددة على الفراش.‏

كان الليل خارج البيت طائراً من ضباب أصم، وروحي فأراً مذعورةً تبحث عن ثغرة تتسلل عبرها، لكن نظراتي ترتطم بعنف على البدن المسجى، ترتد إلى باصري، فيهتز كلُّ آمنٍ فيَّ.‏

ـ يا للرب..! عينا زوجتي تتشبثان بي بتصميمٍ قاتل، فتحتاجني رغبة الخلاص من فم الموت المحدق، العينان الميّتتان مزروعتان في كل الأشياء من حولي.. تدعوانني إلى القيام بفعل ما...‏

أقول لنفسي.. افعل شيئاً يا عبد الله... ستمتص الجثة روحك..‏

اقترب من أحلام، أصمم على إغلاق الحدقتين المفتوحتين...‏

كان وجه أحلام يبوح بذبول عتيق لخلايا نسيت طعم الماء.‏

يقول الوجه لي... أنت من أماتني... أُذعر، تمتد يدي اليمنى تحاول ملامسة الوجه الساكن وإطفاء النظرات الجامدة... لكن البرودة تسري إلى دمي عبر أصابعي، كان بؤبؤا أحلام تقتحماني بسكونهما المرهق...‏

أرتد... ثمة صوت يخرج من ناحية مجهولة يصرخ بي قائلاً...‏

ـ أنت لا ترغب برؤية موتك...‏

ـ بل أنا أحب حياتي...‏

إذاً ماذا تنتظر... أسبل جفنيها...‏

ـ لست قادراً...‏

يقهقه الصوت الخفي، فتهتز كلُّ الأعشاب اليابسة في دمي، خشخشتها تبتلع ما تبقى فيَّ، وشجاعتي ماتت مع أبي منذ زمن بعيد، كان الرجال وقتها يتحلّقون حول جثته الممددة على دفة خشبية، أردت أن أفعل كما يفعلون، أن أساهم في غسل الجسد الذاهب إلى القبر، ... لكني تراجعت إلى الوراء... كانت نظرات العينين الساكنتين تطاردني... ولم يستطع الرجال إغلاقهما...‏

هربت إلى أمي... كانت تندب بعلها، وتذرف الدموع، ولا تُحس بوجودي... وهذا ما جعلني أغادر دائرة الموت... والذي لا يزال يزيد من حصاره عليّ... لذا همست لنفسي المبعثرة:‏

ـ لماذا ماتت أحلام هذه الليلة؟، ولماذا تركتني وحيداً وعاجزاً؟... ولأنني أمقت الوحدة... تركتُ زوجتي راقدة على فراشها... لقد صمّمت على إبلاغ الأقارب بموتها... وحين خرجت إلى الشارع كان الليل والضباب غابةً من عتمة جارحة وكانت دمشق تنام مغلّفة بكل هذا السواد... فمصابيح الشوارع نجوم باهتة الضوء وأنا وحيدٌ مع قدميّ وبرودة الموت المفاجئ...‏

همست لنفسي... سأقصد شمال المدينة أولاً، وسأمر بساحة المرجة مختصراً، المسافة... لقد اختلطت كل الأشياء في رأسي، غادرتني قدرتي على البكاء، استحال حزني إلى جليد ثلَّج بدني وأعصابي...‏

وتساءلت بصوت مسموع: أيعقل أن تُقرع أبوابُ الناس بعيد منتصف الليل؟ أجابني صوت مفاجئ: وماذا تريد من الناس في وقت كهذا!‏

قلت... من يكلّمني؟ ونبتت أشواك الخوف في كل خلاياي.‏

قال: انظر أمامك... تمعن... هل تراني... يبدو أن الليل والضباب امتصا كل رؤية لديك.‏

قلت: من أنتَ؟... وبدأت، ملامحه بالظهور، عريض المنكبين، وجه قمرٌ من قرنفل أبيض، وكانت لحيته الثلجية أشبه بغيمة طرية...‏

قال: أنا الشيخ محي الدين بن عربي...‏

قلت: أنت هو الشيخ!.. محال! فلقد قتلت دمشق شيخها منذُ قديم الزمان.‏

قال الرجل: الذي قُتل قلبُ الناس..‏

قلت: دعكَ مما قالوه..‏

وأخبرني ماذا تفعل الآن؟‏

حرتُ في الجواب، بل وامتلكني عجب شديد فشيخ دمشق الجليل لم يمت...‏

وهذا ما جعلني أُحس برعشة الخوف أمامه... برغبة الهروب منه لذا خاطبته قائلاً:‏

ـ سأذهب يا شيخي الطيّب لإخبار الأقارب..‏

قهقه الشيخ بصوت مدوٍ أحسست معه أن القهقهة ستطيح بحجارة بيوت دمشق وبأعمدة مصابيحها، بل ربما اقتلعت قاسيون من جذوره، وقذفت ببردى إلى الجحيم، نظر الشيخ بتفرس إليّ، كانت قسمات وجهه تنك عر عدوانية مباغتة ثم قال:‏

ـ لن أدعك تذهب وحيداً.‏

قلت: موت زوجتي يخصُّني بمفردي.‏

قال: زوجتك لم تمت...‏

قلت: لقد تركتها قبل قليل وهي راقدة...‏

قال: أنت الميّت.. ويجب أن تعود إلى فراش موتك..‏

قبض الشيخ على ساعدي الأيمن، أمرني بالسير معه، كنت وقتذاك رجلاً هزيل العزيمة وربما كنت ظل رجلٍ، في الحقيقة إنني أجهل من أكون ولماذا يحدث معي ما يحدث.‏

رغبت بالبكاء كانت برودة ضباب ليل دمشق تقتص من جسمي المتعب، وكان السكون تاماً لا تقطعه إلا خبطات أرجلنا.‏

قلت للشيخ بتوسل: أرجوك دعني أمضي بسلام..‏

قال الشيخ: ليس للأموات حق التجول في الشوارع.‏

قلت: ولكنني لست ميتاً‏

قال: كلكم ميّتون...‏

وصلنا بيتي... أدخلني الشيخ إليه جرجرة... ثم ولجنا الغرفة التي تركتُ أحلام راقدة فيها...‏

كان فراشها فارغاً والبيت تزفر فيه أفواه البرد الطاعن كل أنفاسها عجبت من اختفاء أحلام...‏

قلت باستهجان: ولكن أين زوجتي الميّتة...‏

قال الشيخ: استلقِ على فراشك... ففي الصباح سيأتي المشيِّعون.‏

فعلت كما أمرني الشيخ... كانت عيناي تخترقان سقف الغرفة وتصطدمان بنجوم تسحلُ أنوارها بعيداً عن مقلتي... وكانت يدٌ باردة بدأت تضغط على عنقي... فيفر كل شيء عن دمي ولا يبقى إلاّ ملمسِ السكون المميت البارد وليل دمشق المضبب ووجه أحلام الغائب...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244