مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 286 و 287 شباط وآذار 1995
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الدلالة اللسانية ـــ د.منذر عياشي

توطئة:‏

يرتبط البحث في الدلالة ارتباطاً وثيقاً بالمنهج الذي يبحث فيها. ذلك لأن المنهج غالباً ما يحدد زاوية رؤية يتحدد هو نفسه بها. وإن هذه لن تكون بالضرورة زاوية رؤية وإدراك، ومعالجة وممارسة لمنهج آخر. وإذا كان ذلك كذلك، فإنه يترتب على هذا الوصول إلى نتائج متباعدة أو متقاربة، بحسب متطلبات البحث والمنهج الذي ألزم نفسه به. ولعلنا نستطيع أن نضرب على ذلك مثلاً بمنهجين مختلفين، كلاهما يبحث في الدلالة ويرصدها من زاوية مختلفة: الأول، وهو المنهج التصوري (conceptual) والثاني، وهو المنهج التداولي (pragmatique). يقول جاك ليرو: ((تعطي الدلالة التصويرية لنفسها مهمة دراسة الكفاية الدلالية للغة من اللغات. وإنها لتدرس بذلك المضمون الدلالي للنصوص، أي تدرس معناها(الحرفي) أو اللساني. بينما تدرس اللسانيات التداولية معنى العبارات من خلال العلاقة مع سياق التعبير))(1).‏

وإذا نظرنا إلى هذا الأمر من خلال نتائجه، فسنجد أن جملة من الفوارق تقف مميزة بين المنهجين. ولعلنا هنا نستطيع أن نذكر منها اثنين:‏

1ـ إن الدلالة التصورية دلالة مستقلة عن السياق الذي ورد التعبير فيه. وأما اللسانيات التداولية فترى أن الدلالة نسق من المعاني يحتكم إلى سياق التعبير ويرتبط به. ولذا، فإنه يمكن لمنهج الدلالة التصورية أن يصوغ ((عموميات تخص عمل المعاني في لغة من اللغات))(2)، ولا يمكن ذلك للسانيات التداولية.‏

2ـ إن الدلالة التصورية ((تدرس المضامين الدلالية بشكل مستقل عن صياغاتها التعبيرية))(3)، بينما تدرس اللسانيات التداولية المضامين الدلالية انطلاقاً من ارتباطها لصياغاتها التعبيرية.‏

وكما أن المناهج تختلف، وهي ليست موضع اتفاق بين كل الباحثين، فإن ميدان الدلالة يختلف أيضاً هو الآخر. ولقد نعلم أن عدة علوم تطالب به، وتدعي حق الأولوية فيه. ثم إذا كانت الدلالة تعد جزءاً أو فرعاً من فروع اللسانيات، فإن الاختلاف، أو لنقل إن التفاوت بين باحث لساني وآخر ليظهر تحديداً فيما يخص الدلالة نفسها وتعيين ميدان العمل فيها. ولقد يعني هذا أن علم الدلالة، كما رأى بعضهم، لا يزال سيئ التحديد، أو هو، كما رأى بعضهم الآخر، علم لم يكتمل بعد موضوعاً ومنهجاً، أو هو كما نراه نحن، علم دواعي وجوده تكمن في دوام تطوره موضوعاً ومنهجاً. وإنا لنحسب أنه يجب أن يكون كذلك أي يجب أن يبقى في تطور مستمر. والسبب، لأن الكلام دائم لا ينتهي ولأن الحياة قائمة مستمرة، وناهضة متطورة، ومتجددة متغيرة. وإن احتياجات المتكلم دلالياً إلى كلامه في دوامه لهي عين حاجته إلى حياته في تغيرها وتجددها لكي يستمر بقاؤه. وإن هذا وتلك ليترافقان إنْ قضاء لهذه الحاجات وإنْ إبداعاً لأخرى. وإن اللغة، كما قال تشومسكي في وصفها، طاقة خلاقة. وإن المتكلم، في استعماله لها، لا يكف بها تجديداً للدلالة وتوليداً، وإعادة صياغة وإنتاجاً، وقول أمر محدث أو قول أمر لمي تخذ إلى الحدوث بعد سبيلاً، أو قول أمر من خصائصه الوجود على غير سبيل الحدوث كالغيبيات في الأديان. ثم إن الحال قد يقتضي منه، تلبية لحاجات كائنه العقلية والروحية، والثقافية والأدبية، والعلمية والتعبيرية أن يدخل بها عوالم مجهولة بالنسبة إليه، وأن يكتشف أخرى مجهولة بالنسبة للآخرين، وأن يفكر بثالثة غير مفكرٍ فيها. وإن دخول هذه العوالم، أو اكتشاف غيرها، أو جعل غير المفكر به فيها مفكراً ليجعلها معلومة بعد أن كانت مستهامة. وبهذا تصبح اللغة على الوجود دليلاً، ويصبح المستدل بها منتجاً لدلالات غير متناهية.‏

وهكذا نرى أنه إذا كان متاحاً للمتكلم أن يجعل من الموجود لغة يقولها ويعبر عنه بها، فإنه يمكنه أيضاً أن يجعل مما هو في حكم المعدوم لغة يقولها ويستدل بها عليه. وهو في هذا وذاك، لا يقول الأشياء ولكنه يعنيها، أي يجعل منها كائنات لغوية مستقلة بوجودها. وإذا كان الإنسان مستطيعاً كل ذلك بأداة اللغة، فإنه مستطيع أيضاً أن يجعل المستحيل بها ممكناً والممكن من غيرها مستحيلاً. فهو بها يقوى أن يداهم الواقع المحسوس فيرده من بعد تحقق وكثافة وجود وهماً عصي الوجود، أو يؤسطره فيكون وجوداً على غير مثال. ولنا أن نقول، أخيراً، إنه حسب المتكلم أن يستخدمها لينتج بها جملاً لا تحصى عدداً، ونصوصاً لا تنتهي أمداً، ودلالات كثيرة.‏

يبدو لنا، إذن، مما تقدم أن علم الدلالة يعيش بين أمرين لن يقف به تبدلاً ولن يكفّا فيه تحولاً: بين منهج يتجدد، وميدان لا يتحدد. وسنذكر فيما يلي طائفة من القضايا التي تدل على ذلك.‏

1ـ الدلالة وإرادة التمثيل اللغوي:‏

أ- ثمة فرق بين إرادة عالم التعبير الحيواني وإرادة عالم التعبير الإنساني. وإذا كانت الدراسات كثيرة بهذا الخصوص، فإننا نستطيع مع ذلك أن نقف على عنصر واحد يعد من أهمها ويتصل بموضوعنا. هذا العنصر هو إرادة التمثيل اللغوي.‏

والحيوان إذ لا يستطيع أن يمثل لغوياً، أي لا يستطيع أن ينتقل من الشيء إلى رمزه وأن يجرد، فإنه لا يستطيع أيضاً أن ينفذ من إطار الأشياء إلى ما خلفها لكي يقف على القوانين المنتجة لها، ويبني المنظومات والأنساق. ولذا، فقد ظل عالمه عالم الفعل البسيط المرتبط بالمأكل والمشرب والجنس. وظل، في مقابله، عالم الإنسان، فضاء وحقل نشاط، عالم النظرة والرؤية والفعل المركب.‏

وقد قُدِّرَ للإنسان أن يكون متكلماً. فإذا بهذه الخصائص تندفع فيه أشكالاً معرفية، ونظماً علمية، وأنساقاً إدراكية. فتمكن أن يميز بين الأشياء وقوانين إنتاجها، مستعيضاً عن تلك وهذه بالكلمة وقوانين صياغتها، والجملة وقوانين تركيبها، والنص وقوانين تمثيله، ورمَّزَ وجرّد.‏

وهو إذ خلق كذلك، أي متكلماً وبنى لنفسه كوناً لا يحد من الدلالات غير المتناهية. وصارت اللغة عنده هي العنصر الموضوعي لتشكيل الأشياء صوراً، وتمثيلها دلالة، ومعرفتها عيناً، وإدراكها كنهاً. وصار هو، حينئذ، بتوسطها عالماً وعارفاً(4)‏

وهكذا، فقد غدا الشيء، في عالم الإنسان، لا يُرى إلا بتمثيله لغة. فالشيء الذي لا اسم له لا وجود له. ولقد يبقى كذلك في سجن الغياب دهره كله. وكذلك المعرفة، فقد غدت، بوصفها كشفاً، رهناً بإرادة تمثيلها لغة. فما لم تقله اللغة لا يشكل معرفة، ويظل في حكم معدوم. ومن هنا نفهم أن علاقة اللغة بالأشياء هي علاقة تثبيت معرفي، وأن علاقة اللغة بالمعارف هي علاقة تعميم وإيصال.‏

ب- ونضيف إلى ذلك أن دور اللغة لا يقتصر في الحياة الإنسانية على نقل الأفكار، ولكنه يتجلى أيضاً في مساهمتها بتشكيل الأفكار وصياغتها. فالفكرة، كما يقول كاسيرير: ((لا توجد قبل اللغة. إنها تتشكل في اللغة وبوساطتها))(5).‏

وإذا كان هذا هو حال الأشياء والأفكار مع اللغة، فإن حال المشاعر والإرادة الإنسانية لا يقل عنها. فالناس في مشاعرهم والبشر في إرادتهم يدركون موضوعية كينوناتهم بتوسط اللغة. وإنهم ليتحولون بها من كينونات شخصية تشعر وتريد نتيجة لتماسها مع الواقع (كما في العالم الحيواني) إلى كينونات نصية تشعر وتريد نتيجة لتماسها مع اللغة مباشرة.‏

وإننا لنلاحظ هنا، كما لاحظنا هناك، أن اللغة لا تضطلع بمهمة إيصال المشاعر والتعبير عن الإرادة فقط، ولكنها تقوم أيضاً بصياغتها صياغة إنسانية من جهة، وتشكيلها نصوصياً من جهة أخرى. ولقد يعني هذا أن اللغة تساهم تكوينياً في تشكيل المشاعر والتعبير عن الإرادة كما تساهم تكوينياً في تشكيل الأشياء والتعبير عن الأفكار.‏

جـ- وإذا كانت اللغة تستحوذ على عالم الأشياء والأفكار، وعالم الشعور والإرادة، فإنها لتستحوذ أيضاً، وبالحركة نفسها، على عالم المجتمع(6). فـ ((الأنا)) تتجه أول ما تتجه إلى ((الأنت)). وإن هذا الاتجاه ليبدو قوياً إلى درجة أن أي وعي بالأشياء، والأفكار، والمشاعر، والإرادة يجب أن يلبس لباس ((الأنت)) لكي يدرك. ولكن هذا الأمر لن يتحقق ((للأنا) ولن يتمثل في ((الأنت) ما لم تكن اللغة هي الوسيط الذي يحقق ذلك، بل ما لم تكن هي المبدع لصورة ((الأنت)) التي تستقبلها ((الأنا)) شخصياً وتتحول بها كلاماً. فاللغة بقدرة ما تفرق بين الذوات تجمع بينها. وإنها لتعطي لكل ذي ناطقة دلالة من أجلها تتصل الذوات وتتحاور/ فيصبح بعيدها قريباً، وقريبها متجانساً ومتجانسها وحدة تقولها اللغة نصوصاً على هيئات مختلفة، حتى ليبدو قريبها بعيداً، ومتجانسها نفوراً، ومتوحدها متعدداً إلى ما لا نهاية. وما كان هذا ليكون لولا أنها نظام وأداء. ولعلها بسبب هذه المزاوجة تؤدي دورها مضاعفاً: فالفرد يبدو عبرها مستغرقاً في فردانيته ومتميزاً بفرادته. وإنه ليبدو من خلالها أيضاً، وفي الوقت نفسه، إنساناً متصلاً بالإنسانية كلها ومندمجاً فيها. وإنها لكما تصيّره يكون. ذلك لأن اللغة كما يقول هامبولدت: ((تؤكد هذه العلاقة وتدعمها، وهي التي تهيمن على قدر الفرد وعلى تاريخ العالم.))(7)‏

وإذا كان ذلك كذلك، فإن المعنى الذي ينتجه الفرد والمعنى الذي ينتجه المجتمع لن يكون فردياً أو اجتماعياً ما لم تكن اللغة هي المؤسسة التي تتم فيها صياغته والتعبير عنه. وإذا كانت هذه الفرضية صحيحة، فإن هذا يعني أننا نموج في كون من الإشارات، إدراكها وبناء دلالاتها إنْ شرحاً، وإن تفسيراً، وإن تأويلاً رهن بإرادة اللغة. وإذا كان هذا هكذا، فإن معرفة الإنسان بنفسه وبالآخر، بوصفهما دالين مستدلين تصطلح عليهما كل لغة بإشارات مخصوصة، لتصبح معرفة لغوية. وإن هذا ليعني كذلك، أن اقتراب الإنسان من العالم ومن معرفته بأنه يعرف، إنما يتحقق بقدر اقترابه من لغته وما تنجزه من معارف. فهي التي تصنع له دلالة نفسه ودلالة الأشياء من حوله، وهي التي تعيد الخلق أمامه خلقاً لغوياً، يأخذ فيه كل كائن مكانه، أي يصبح معرفة لها معناها، ووظيفتها، وعلاقاتها، وحقل تعبيرها نسقاً وإنجازاً ضمن نسق اللغة وإنجازها. وهكذا تصبح إرادة الإنسان تمثيلاً لإرادة اللغة في إحداث فهمه وتكوينه، ودليلاً به يستدل على دلالات الأشياء من حوله، كما تصبح جملة معارفه التي يؤسس فيها وبها ميادين علمه ونشاط تعبيره.‏

ومن هنا، فقد استحقت اللغة في إنتاجها للدلالة أن تكون موضوع دراسة يعكف عليها اللسانيون وبها يشتغلون. ولقد كان الأمر كذلك قديماً ولا يزال حديثاً. فتعددت الاتجاهات وتنوعت المدارس، وتلونت المناهج، وكثرت أدوات التحليل سعياً وراء الوصول إلى الدلالة اللسانية.‏

2ـ المنهج الدياكروني: بريال. السيوطي. أحمد بن فارس:‏

ـ ميشيل بريال.‏

لقد كان المنهج قبل سوسير وفي زمن بريال، أي في القرن التاسع عشر، يقوم على الاستثمار التاريخي للدلالة، أو لنقل بمصطلحات علم اللغة، كان يقوم على المنهج ((الدياكروني ـ Diachronie))، أي الزماني التعاقبي.‏

ويمكن تعريف هذا المنهج على النحو التالي: يقول سوسير: ((لا تدرس اللسانيات الدياكرونية العلاقات القائمة بين كلمات توجد معاً في حالة واحدة من حالات اللغة، ولكنها تدرس العلاقات القائمة بين كلمات تتعاقب في الزمان وينوب بعضها عن بعض))(8).‏

وإذا كان ذلك كذلك، فإن هدف علم الدلالة سيكون، من هذا المنظور، هو تتبع تطور معنى ألفاظ اللغة عبر التاريخ، وليس دراسة العلاقات التي تحدثها هذه الألفاظ:‏

1ـ داخل الجمل وداخل النص لكي تنتج المعنى.‏

2ـ وفي مرحلة معينة من مراحل تاريخ هذه اللغة.‏

ولقد كان منظور ميشيل بريال، الذي عمم مصطلح الدلالة وأعطاه شهرته، يقوم على هذا المنهج:‏

آ- إنه يدرس التطور الدلالي للكلمة ليس من خلال إنتاج النص لمعناها، ولكن من خلال ما يضيفه إليها، في سيرورته التاريخية، من معاني.‏

ب- وإنه يدرس حالة اللغة ليس في مرحلة تاريخية ثابتة لذاتها وبذاتها، ولكنه يدرسها تعاقبياً، أي لغير ذاتها ومن غير الرجوع إلى ثوابتها الذاتية كما يصفح عنها راهن إنجازها وواقع أدائها. وإن هذا ليجعله ينظر إليها بالرجوع إلى حالة سابقة عليها يقارنها بها.‏

وهكذا نجده لا يلتفت بالتحليل إلى معاني الكلمات في الآنية الزمنية للغة. وكان، من نتيجة هذا، أنه لم يصل إلى بناء منهج لساني دقيق في دراسة الظاهرة اللغوية، فاعتمد على البلاغة من جهة، وعلى الاشتقاق من جهة أخرى.‏

جمع بريال كتاباته ودراساته في كتاب سماه ((مبحث في الدلالة)). وقد تحدث عنه بريكلي ورأى أن دراساته كلها تدور على ثلاثة أصول(9)، هي:‏

ـ توسع المعنى وتقليصه.‏

ـ تحول المعنى.‏

ـ انحراف المعنى.‏

ـ عبد الرحمن جلال الدين السيوطي:‏

وإذا عدنا إلى التراث العربي، فسنرى نذراً من العلماء ندبوا أنفسهم لفقه اللغة ولقضايا تتصل بالدلالة اتصالاً وثيقاً. وقد ذكرت كتب التراث طائفة غير قليلة منهم. إلا أننا عند التأمل سنجد أنهم قد قاربوا المنهج الدياكروني من غير أن يذكروه اسماً أو يؤسسوا له بناء نظرياً. فالسيوطي مثلاً، يأتي في كتابه ((المزهر في علوم اللغة)) على أن هذا الأمر في أبواب منه. وقد ذكر فيها أسماء جملة من العلماء، تدل الممارسة عندهم على حضور هذه المقاربة. وإنه لمما جاء عنده معرفة)) العام والخاص ((وبالمقارنة، نجد فيه ما بحثه بريال تحت اسم توسع المعنى وتقليصه)). وقد عقد السيوطي لهذا النوع فصولاً خمسة، نذكرها فيما يلي مع بعض الأمثلة:‏

1)) العام الباقي على عمومه: وهو ما وضع عامّاً واستعمل عامّاً. ونأخذ من الأمثلة التي دل بها على ذلك مثلين:‏

آ- كل ما علاك فأظلك فهو ((سماء)).‏

ب- كل أرض مستوية فهي ((صعيد)).‏

2)) العام المخصوص: وهو ما وضع عاماً ثم خص في الاستعمال ببعض أفراده. وإنه لعلى هذا كان مذهب ميشيل بريال في تقليص المعنى. ونأخذ مثلين من بين أمثلة أخرى ذكرها السيوطي:‏

آ- ذكر ابن دريد أن ((الحج)) قصد الشيء وتجريدك له، ثم خص بقصد البيت.‏

ب- لفظ ((السبت)) فإنه في اللغة الدهر، ثم خص الاستعمال لغة بأحد أيام الأسبوع، وهو فرد من أفراد الدهر.‏

3)) فيما وضع في الأصل خاصاً ثم استعمل عاماً. وإننا لنرى في هذا سمة من سمات التوسع كما هي الحال في مذهب بريال/ ونأخذ على ذلك مثلين من أمثلة السيوطي:‏

آ- كان الأصمعي يقول: أصل الوِرْد إتيان الماء. ثم صار إتيان كل شيء وِرْداً.‏

ب- القرب: طلب الماء. ثم صار يقال ذلك لكل طلب. فيقال: هو يقرب كذا أي يطلبه، ولا يقرب كذا.‏

4)) فيما وضع عاماً واستعمل خاصاً ثم أفرد لبعض أفراد اسم يخصه. ونجد من الأمثلة التي ذكرها:‏

آ- البغض عام، والفِرْك فيما بين ((الزوجين خاص)).‏

ب- التشهي عام، ((والوَحَم للحبلى خاص)).‏

5)) فيما وضع خاصاً لمعنى خاص. ونجد عنده من أمثلته:‏

آ- جعلوا أحاديث، ((ولا يقال في الخير)).‏

ب- ظننتني، وحسبتني، وخلتني، ((لا يقال إلا فيما فيه أدنى شك)).‏

وإنه لمما جاء في ((تحول معنى الألفاظ)) عند السيوطي، ما ذكره ((من الأسماء التي حدثت في صدر الإسلام)) و((من الأسماء التي كانت فزالت))‏

ـ أحمد بن فارس‏

وإذا عدنا إلى ابن فارس الذي أشار إليه السيوطي، فسنجده يقول عن ((تحول معنى الألفاظ)) ما يلي:‏

((كانت العرب في جاهليتها على إرث من إرث آبائهم في لغاتهم وآدابهم ونسائكم وقرابينهم. فلما جاء الله جلّ ثناؤه بالإسلام حالت أحوال، ونسخت ديانات، وأبطلت أمور، ونقلت من اللغة ألفاظ إلى مواضع أخر بزيادات زيدت، وشرائع شرعت، وشرائط شرطت فعفّى الآخِرُ على الأول))(11)‏

- ((كان مما جاء في الإسلام، ذكر المؤمن، والمسلم، والكافر، والمنافق. و العرب إنما عرفت المؤمن من الأمان، والإيمان هو التصديق. ثم زادت الشريعة شرائط وأوصافاً بها سمّي المؤمن بالإطلاق مؤمناً))(12).‏

3ـ سوسير والمنهج السانكروني:‏

لقد اتجهت اللسانيات وجهة أخرى حين جاء سوسير في بداية هذا القرن وحمل إليها منهجاً جديداً في البحث والدراسة: فقد أراد في كتابه ((دروس في اللسانيات العامة)) أن يجعل من اللسانيات علماً مستقلاً، كما أراد ذلك سابقه ميشال بريال في ميدان علم الدلالة. ولكننا إذا كنا قد رأينا أن بريال لم يستطع أن يحقق هذا الهدف لأنه ظل أسير البلاغة والاشتقاق، وبقي في رؤيته في إطار الوضعية المنطقية والاستقراء، فإن سوسير قد استطاع فعلاً أن ينجز استقلال اللسانيات، وأن يحدث في إطار المنهج الذي أقامه، قطيعة معرفية مع البحث اللغوي الذي هيمن قبله. وقبل أن نعرض مفهومه عن الآنية، أي عن المنهج السانكروني، يحسن بنا أن نمهد له بإيجاز بعض النقاط المفضية إليه. ذلك لأنه في استحداثها وجه اللسانيات وجهة أخرى.‏

ـ تدور النقاط التي سنوجزها حول: اللغة واللسان، اللغة والإشارة، اللغة والكلام، النسق، والقيمة. ولقد نعلم أنها نقاط أساسية في كل بحث لساني معاصر. كما نعلم أن البحث فيها هو الذي أعطى للسانيات صبغتها العلمية واستقلالها.‏

1ـ يميز سوسير بين اللغة واللسان (Langage- Langue). ويرى أن اللسان ((خليط ومتعدد الأشكال، ولذا يتراوح بين عدد من الميادين، مادية، ومعنوية وظيفية، ونفسية. وهو إضافة إلى ذلك ينتمي إلى الفرد كما ينتمي إلى المجتمع. وإنه، بسبب هذا، لا يقبل التصنيف في أي صنف من أصناف الوقائع الإنسانية. وإننا لمن أجل ذلك، لا نعرف كيف يمكن استخلاص وحدته))(13).‏

أما اللغة، فيراها على العكس من هذا: ((إنها كل واحد من ذاتها، ومبدأ للتصنيف،)) وإنها أيضاً جزء محدد وأساسي ((من أجزاء اللسان. وإنها كذلك)) ((إنتاج اجتماعي لملكة اللسان، ومجموع من المواضعات الضرورية، تبناها الجسد الاجتماعي لكي يسمح للملكة الفردية بالممارسة))(14).‏

2ـ ويتكلم سوسير عن اللغة والإشارة. وأمام هذه الثنائية، يرفض أن تكون جدولاً من الألفاظ، أو قائمة من كلمات تتطابق مع الأشياء(15). ولكي يؤكد وجهة نظره هذه (التي أصبحت اليوم نظرية ثابتة عند كل اللسانيين وفي كل النظريات اللسانية)، فإنه يقف على الإشارة، أي على الكلمة محللاً مادتها ومفككاً تكوينها. ويمكننا أن نوجز هذا التحليل كما يلي:‏

أولاً ـ إنه يرى أن الإشارة لا تربط بين اسم وشيء وهو يقصد بذلك أنها تخلو من أي رباط مباشر مع العالم الخارجي الذي تحيل إليه. ولذا فإننا نفهم أن الكلمة هي ذاتها ونتاج ذاتها، وهي هذا فقط. ومن هنا، فإنها بامتناعها عن غيرها لا تملك أن تكون هذه الذات وشيئاً آخر غيرها في الوقت نفسه.‏

ثانياً ـ ولكي يدعم سوسير ما ذهب إليه أولاً، فإنه يقبل على الإشارة اللسانية فيحلل مادتها ويفكك تكوينها، وإنه ليرى أنها تقوم على أمرين من غيرهما تلازماً ووحدةً وارتباطاً لا يمكن للإشارة اللسانية أن تصبح وجوداً في منظومة اللغة الإنسانية. هذان الأمران هما:‏

آ- ((المتصور ـ Concept)).‏

ب- ((الصورة السمعية ـ Image acoustique))(16).‏

ثالثاً ـ وإنه ليرى عند المعاينة أيضاً، أن ((الصورة السمعية)) لا تمثل ((الصوت المادي، إنما هو شيء فيزيائي بحت، ولكنها تمثل البصمة النفسية للصوت، وهذا تمثيل تمنحنا إياه شهادة حواسنا))(17).‏

والخلاصة التي يمكن أن ننتهي إليها هي أن الإشارة عبارة عن كينونة نفسية تتكون من ((متصور)) ومن ((صورة سمعية)). وأن كل واحد من هذين المكونين ليستدعي الآخر لا حيدة ولا مناص.‏

ولكن سوسير، في استدراك له، يلاحظ أن مصطلح ((الصورة السمعية)) قد ينسينا أن الإشارة تحتوي على ((المتصور)) أيضاً. وإنه ليقترح، بسبب هذا، استبدال المصطلحين معاً. ولذا، فهو يتبنى ((الدال)) عوضاً عن ((الصورة الشمسية)) و((المدلول)). عوضاً عن ((المتصور)). وإنه ليدعم وجهة نظره هذه بحجة يقول فيها: ((إن فائدة هذين المصطلحين أنهما يعززان التعارض القائم بينهما، كما يعززان التعارض مع الكل الذي يشكلان جزءاً منه))(18)، أي مع الإشارة نفسها.‏

وهكذا نجد أن سوسير يحدث نقلة في النظر إلى اللغة والتعامل معها على صعيدين:‏

ـ الصعيد الأول: ويرى فيه أن اللغة ليست جدولاً من الألفاظ ولا قائمة من الإشارات، ولكنها ((نسقٌ من الإشارات يُعبّر عن الأفكار))(19).‏

ـ الصعيد الثاني: ويفضي تحليله فيه إلى إقصاء الشيء أي المرجع، وإبعاده عن الإشارة اللسانية من جهة، وعن التحليل اللساني من جهة أخرى.‏

3ـ ويتكلم سوسير عن اللغة والكلام ويميز بينهما. فاللغة هي جميلة القواعد المتناهية، والمحدودة عدداً في أي لغة من اللغات. والكلام هو الأداء الفعلي والإنجاز العيني لكلام المتكلم. وهو أيضاً الممكن الذي لا يتناهى، ولا يحد، ولا يحصى عدداً. ولذا يصح تمثيله:‏

آ- بما قاله المتكلم من جمل أو نصوص في حياته اليومية.‏

ب- أو بما يمكن أن يقوله على الدوام وإلى ما لا نهاية.‏

وإن هذا ليخرج به من المحدود عدداً (أي القواعد) إلى المطلق إنتاجاً (أي نصوص الكلام). فالمتكلم، في إنجازه لكلامه، إنما يستخدم اللغة وقواعدها المحدودة. ولما كان ذلك كذلك، فقد عبر سوسير قائلاً: ((اللغة متميزة من الكلام، يمكن أن تكون موضوعاً لدراسة منفصلة نستطيع أن نقوم بها))(20). وما كان هذا هكذا، لو لم تشكل اللغة: ((الجزء الاجتماعي من اللسان، وهو جزء خارج عن الفرد الذي لا يستطيع بمفرده إلا أن يبدعه ولا أن يغيره))(21).‏

إن منهج سوسير يقوم إذن على التفريق بين اللغة والكلام. وإنه إذ يفعل ذلك يرد كل واحد منهما إلى ميدان، ويؤسس لدراستهما ضمن إطار لساني مختلف: لسانيات اللغة من جهة، ولسانيات الكلام من جهة أخرى. يقول سوسير: ((إذا فرقنا بين اللغة والكلام، فإننا نفرق في الوقت نفسه: 1ـ بين ما هو اجتماعي وما هو فردي. 2ـ وبين ما هو جوهري وما هو ثانوي، أو عرضي إلى حد ما))(22).‏

وإنه ليتحدث عن اللغة فيقول: ((ليست اللغة وظيفة من وظائف الفرد المتكلم، وإنما هي النتاج الذي يسجله الفرد. ولذا فإنها لا تفترض أبداً وجود تصميم مسبق. ذلك لأن التفكير لا يتدخل فيها إلا من أجل نشاط تصنيفي))(23).‏

وإنه ليتحدث عن الكلام أيضاً فيقول: ((وأما الكلام، فهو على العكس من ذلك. إنه فعل فردي للإرادة والعقل. ولقد يكون من المناسب أن نميز فيه:‏

1ـ التراكيب التي يستخدم الفرد المتكلم فيها نمط (CODE) اللغة، لكي يعبر عن فكره الشخصي. 2ـ الآنية النفسية الفيزيائية التي تساعده على إخراج هذه التراكيب))(24).‏

وهنا نجد أيضاً أن سوسير قد وضع أسّاً ثابتاً، ومبدأ رئيساً للسانيات الحديثة، تجاوز به ما كان قائماً في اللسانيات التاريخية. ولقد صار من غير الممكن لأي مذهب لساني أن لا يعتمد في منطلقه لدراسة اللغة على هذه الثنائية: ((اللغة والكلام)).‏

4ـ ويتكلم سوسير عن النسق، ويمكننا لكي ننفذ إلى عمق نظريته أن نبدأ بالمنطلق النظري الذي بدأ منه هو نفسه:‏

عندما يبحث المرء عن المعطيات الأولية، في أي ميدان من الميادين، ويركز سعيه في الكشف عن هويتها لكي يعرفها ويتحقق منها، فإنه لا يستطيع هذا إلا بالوقوف على الروابط القائمة بينها. غير أن هذا الكشف لن يتم كمالاً ودقة ما لم تكن المعطيات نفسها داخلة في شبكة من العلاقات التي تحدد كل معطى منها بالتبادل والتعاكس.‏

وإذا كان ثمة أشياء لا تتداخل ولا تتناغم فليس مرد ذلك إلى ذاتها، ولكن لأنها تشكل عبر العلاقات التي تتحقق بوساطتها، كيانات نسقية مستقلة. وإننا لنجد اللغات الإنسانية من بين هذه الأشياء. ومن هنا، فإن سوسير يقول: ((اللغة نسق (Systeme) لا يعترف إلا بترتيبه الخاص))(25). وإذا كان ذلك كذلك، فإنه يمكننا أن نقول: ليس للعناصر اللغوية وجود مستقل في ذاتها، ولكن لها وجود تحققه علاقتها. كما يمكننا، والأمر كذلك، أن نضيف: إذا كانت هذه العناصر اللغوية تمتنع عن غيرها من الأشياء فلا تتداخل معها ولا تتناغم، فليس تفسير ذلك يعود إلى وجود مستقل تحققه بذاتها، ولكن إلى نسق يحكمها يقيم تبادلية به خاصة، وترتيب لا يجد أي ترتيب آخر إليه سبيلاً. فاللغة بنية مغلقة، وعناصرها تتم جلاء وظهوراً ضمن هذه البنية.‏

هذا، وإن سوسير ليعطي الأولوية للبحث في النسق وصولاً إلى العناصر، ولا يعطيها للعناصر وصولاً للنسق. ونلاحظ أن مثل هذا التأسيس هو الذي يخرج الدلالة من أفق التعامل مع اللغة بوصفها نسقاً به تترتب الكلمات لتقول ممكنها الدلالي وفق تركيبها الخاص صوتاً في كلمة، وكلمات في جمل، وجملاً في نص.‏

وإذا عدنا إلى كتابه ((دروس في اللسانيات العامة)). فسنجده يؤكد هذا الأمر في عدد من النقاط ويقلبه على عدد من الوجوه. ولكي نوجز، سنختار النقطة التالية:‏

((إنه لوهم عظيم أن ننظر إلى كلمة من الكلمات كما لو أنها اتحاد قائم بين صوتٍ ما ومتصور ما. وإن تحديدها هكذا ليعني عزلها من النسق الذي تشكل جزءاً منه وهذا سيجعلنا نعتقد بأننا نستطيع أن نبدأ بالكلمات فنبني النسق بجمعها، بينما الأمر هو على عكس من ذلك. إذ يجب الانطلاق من الكل المتضامن لكي نحصل، بوساطة التحليل، على العناصر))(26).‏

ويتبين لنا مما تقدم أن النسق هو اللغة عينها. فإذا أشبعناه، نظراً تبين لنا أيضاً أنه نظام محايث للعناصر التي تتكون فيها. وبدلٌ على هذا أن أي عطل يصيب أحدها سيصيب لا محالة النسق نفسه. وإن سوسير ليضرب مثلاً بلعبة الشطرنج، فيوضح لنا فكرة النسق وقوانين انبنائه خارجياً وداخلياً:‏

((إن مقارنة مع لعبة الشطرنج لتجعلنا نحس به جيداً. إذ من السهل هنا نسبياً أن يميز المرء ما هو داخل مما هو خارجي. فانتقال هذه اللعبة من بلاد فارس إلى أوربا يعد نظاماً خارجياً. وعلى النقيض من ذلك، فإن كل أمر يتعلق بالنسق والقواعد يعد داخلياً. فإذا أبدلت قطعاً خشبية بقطع عاجية، فإن التغيير يبقى بلا أثر على النسق: ولكن إذا أنقصت من عدد القطع أو زدت فيها، فإن التغيير يمس قواعد اللعبة مساً عميقاً)) وإنه ليختتم مثله قائلاً: ((يكون داخلياً كل ما يغير النسق مهما تكن درجة التغيير فيه))(27).‏

وهكذا يبدو أنه ليس للعناصر اللسانية أي واقع متعين ومستقل عن هذا الكل. وإن هذا الأمر بفكرته هذه هو الذي يقيم النسق اللغوي ويؤسسه، وهو الذي يعطي للدلالة اللسانية مصداقية وجودها من داخل اللغة بوصفها نظاماً يحكم ترتيب كل العناصر الداخلة فيها.‏

5ـ ويتكلم سوسير عن القيمة أيضاً، فيفرق بينها وبين المعنى. بل إنه ليرى أن المعنى لا يستقيم بياناً وظهوراً من غيرها. فهي جزء منه، ولكنها جزء متميز. ذلك لأن معنى الكلمة هو مضمونها (أي مرجعها)، وأن قيمة الكلمة هو مكانها ضمن النسق، وأنه لولا هذا لما كان للمعنى أي وجود.‏

وإننا لنستدل من هذا أن القيم اللسانية قيم محايثة للنسق وليس للكلمات. كما نستدل أيضاً أن الكلمات خارج النسق إذا كانت تحمل معنى غير قابل للتحديد. كما نستدل، ثالثاً وأخيراً، أن الكلمة في كل لحظة من لحظات وجودها تطرح قضية معناها والقيم التبادلية المحتملة التي تعود إليها حال دخولها في نسق وخروجها منه إلى نسق آخر.‏

ولقد نجد بناء على هذا أن المنهج التاريخي في تتبعه للمعنى البدئي للكلمات لا يعمل بأي من هذه الاستدلالات ولا يقوى على التصدي لأي من النتائج التي تترتب عليها. ذلك لأنه منذ البدء يرى اللغة جدولاً من الكلمات. ومن هنا، فإن سوسير حين يعالج قضية القيم اللسانية يضع نفسه مباشرة في إطار منهج سانكروني تتزامن فيه معاني الكلمات مع قيمها في نسق تركيبي واحد لا ينفصل عن آنية الاستعمال.‏

وعندما يتحدث سوسير عن هذا الأمر، نجده يقول: ((إننا نقف على قيم محايثة للنسق وليس على أفكار تم إعطاؤها مسبقاً. وعندما نقول إن القيم تتصل بالمتصورات، فإننا نعني أن هذه المتصورات إنما هي متصورات خلافية بحتة، وأنها لا تتحدد إيجابياً عن طريق مضمونها ولكن سلبياً عن طريق علاقاتها مع كلمات النسق الأخرى. فخصوصيتها الأكثر دقة إنما تكون بما لا تكونه الكلمات الأخرى))(28).‏

والنتيجة التي نصل إليها، عند تتبعنا لسوسير، هي أن المعنى في الكلمات لا يقع محدداً إلا إذا وقعت هذه الكلمات في نسق واتخذت فيه مكاناً محدداً تكون بموجبه ما لا تكونه الكلمات الأخرى التي تقيم معها علاقات وتشاركها في النسق نفسه. ولذا، نستطيع أن نقول إن الكلمة هو مكانها ضمن النسق، وإن مكانها هو الكلمة التي يتضح بها معناها ويتحدد. وما كان ذلك كذلك إلا لأن (قيمة أي كلمة (كما يقول سوسير) إنما تتحدد بما يحيط بها))(29)‏

*- المنهج السانكروني‏

رأينا أن سوسير قد جعل من اللغة موضوعاً لدراسته. ورأينا أيضاً أنه لكي يصل إلى هدفه، قد تجاوز النظر إلى اللغة بوصفها جدولاً من الألفاظ إلى النظر إليها بوصفها نسقاً. وإنا لنعلم أنه قد انتهى بنظره هذا إلى استثمار منهجي، تجلت معالمه في:‏

1ـ التعامل مع الوقائع اللغوية من خلال أشكالها الثابتة.‏

2ـ وفي استبعاد الزمان بوصفه عنصراً رابطاً بين الإشارات اللغوية.‏

3ـ وفي تحليل علاقات الإشارات ضمن النسق استعاضة به عن الزمان.‏

ولقد يعني هذا أن مفهوم التطور اللفظي، صوتاً ودلالة، ليس هو الأس الذي تتمحور الدراسة حوله عند سوسير. فالمنهج السانكروني (أي التزامني أو الآني) يتعامل مع اللغة من خلال تحققها نسقاً معاصراً لإنجازها الكلامي، ومحايثاً لأدائها اليومي. وعند حديثنا عن هذا المنهج، سنرى أنه يحمل الخصائص التالية:‏

ـ إنه منهج يقوم على دراسة حالة لغة من اللغات في زمن معين، أي بعيداً عن تتابعها الزماني. فسوسير يقول: (إن الشيء الأول الذي يدهش عندما ندرس الوقائع اللغوية هو أن تتابعها الزمني يعد في حكم معدوم بالنسبة إلى المتكلم: ذلك لأنه أمام حالة)(30)‏

ـ وأنه منهج لا يأبه بالتطور الذي أصاب اللغة صوتاً، وتركيباً، ودلالة، وقادها إلى هذه الحالة أو تلك. ولذلك تجد سوسير يقول: (إن على اللساني الذي يريد فهم هذه الحالة أن يضرب صفحاً عن كل ما أنتجها وأن يتجاهل التعاقب (الديانكروني) فهو لا يستطيع أن يدخل إلى وعي المتكلم إلا بإقصاء الماضي.(31)‏

ـ وأنه منهج ينظر إلى اللغة بوصفها كلاً واحداً ومتماسكاً.‏

ـ وأنه منهج يتعامل مع اللغة بوصفها نسقاً.‏

ـ وأنه منهج يحدد ميدان بحثه في البنى اللغوية بدءاً من الإعارة اللسانية وانتهاء بالتركيب الجملي.‏

ـ وإنه، أخيراً، منهج وصفي. ولذا فهو ينظر إلى اللغة من الداخل لكي يصف عملها، أي أنه يسعى إلى الوقوف على القوانين التي تنتظم بها. وهو بهذا يختلف عن المنهج الدياكروني الذي يقف على اللغة من خارجها وينظر إليها من خلال التطور التاريخي بهذا العنصر أو ذاك من عناصرها.‏

وأما المقصود بالمصطلح (وصفي)، فهو أن هذا المنهج يتجه في تعامله مع اللغة وجهتين أساسيتين بآن واحد:‏

1ـ إنه يحدد الجمل التي تتحقق في لغة من اللغات باستخدام قواعدها المحدودة العدد.‏

2ـ وإنه بعد أن يحدد هذه الجمل، يسعى إلى تحليل بناها يبقى أن نقول إن هذا المنهج يعاني كثيراً من المشكلات. ولكنه على الرغم من كل ذلك قد استطاع أن ينتقل بالدرس اللساني إلى مرحلة العلم.‏

ويمكننا أن نضيف إن المشكلات النوعية التي واجهها والانتقادات التي استهدفت أسسه المفهومية والمنهجية (كتلك التي تخص القيم التبادلية كما في الحياة الاقتصادية، ومفهوم القسرية بين الدال والمدلول، وأسس الخطاب موضوع الكلام اليومي الذي أهمله سوسير، وغير ذلك) قد أتاحت لمنظرين أمثال بنيفينيست، ومارتينه، وتشومسكي وغيرهم، أن يجددوا فيه، بل أن يحدثوا ثورات لسانية بعد الثورة التي أحدثها سوسير نفسه.‏

ومهما يكن، فإن الدرس الدلالي قد استفاد فائدة عظمى من تطور اللسانيات نظرية ومنهجاً. ولذا نراه قد اتجه إلى دراسة مضمون الكلمات من خلال الصيغ التي تشكلها، كما اتجه إلى مضمون الجمل من خلال النظم التي تبنيها. ثم إنه لم يقف عند هذا الحد، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، فوصف مضمون النص من خلال الأنساق التي تكونه. وإنه ليربط بهذا بين دلالة الكلمة مفردة ودورها وظيفة ومكاناً، كما يربط بين دلالة الجملة ووظيفتها في النص.‏

المصادر والمراجع:‏

(1) Jaques Lerot: précis de tinguis Tinque generate, Ed, Minuit, Paris. P.198.‏

(3) المرجع السابق.‏

(4) انظر (اللغة والأشياء) منذر عياشي. مجلة علامات. ديسمبر 1991. جدة. السعودية.‏

(5) Ernest cassirer: Le Langage et la construction des objets‏

نشرت هذه الدراسة ضمن كتاب لمجموعة من المؤلفين بعنوان:‏

Essis sur le langage, Ed, Minut, Paris. 1969 p.66.‏

(6) المرجع السابق. P55 وما بعدها.‏

(7) المرجع السابق p57.‏

(8) F, de saussure: Cours de linguistinque generate. Ed. Payot. Paris, 1978. p193.‏

(9) Herbert. E. Bre’le: Semantique. Ed, Ed, Armant Colin Parism 1974, p19.‏

(10) عبد الرحمن جلال الدين السيوطي: المزهر في علوم اللغة. دار إحياء الكتب العربية. عيسى البابي الحلبي وشركاه. بلا تاريخ. ج/1/ ص /426-435/.‏

(11) أحمد بن فارس: الصاحبي ـ تحقيق: السيد صقر. دار إحياء الكتب العربية. القاهرة. بلا تاريخ. ص /78/.‏

(12) المرجع السابق ص/83/.‏

(13) F. de Saussure: Cours de tingui Tinque generale p20.‏

(14) المرجع السابق والصفحة.‏

(15) المرجع السابق p97.‏

(16) المرجع السابق p98.‏

(17) المرجع السابق p98.‏

(18) المرجع السابق P93.‏

(19) المرجع السابق p33.‏

(20) المرجع السابق p31.‏

(21) المرجع السابق p31.‏

(22) المرجع السابق p30.‏

(23) المرجع السابق p30.‏

(24) المرجع السابق p30-31.‏

(25) المرجع السابق p43.‏

(26) المرجع السابق p157.‏

(27) المرجع السابق p43.‏

(28) المرجع السابق p162.‏

(29) المرجع السابق p16.‏

(30) المرجع السابق p117.‏

(31) المرجع السابق p117.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244