مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 286 و 287 شباط وآذار 1995
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

سحبة عتابا ـــ قصة: نزار عابدين

كان من الصعب والنادر أن يتفق أهل مدينتنا الصغيرة على أي أمر من أمور الحياة...‏

كانت الزراعة المورد الرئيسي لرزقهم، ومع ذلك فإنهم لم يتفقوا يوماً على أي أمر من أمورها، بل كانت الخلافات على أشدها بين أنصار الاعتماد على محصول واحد، وأنصار تنويع المحاصيل. وحتى ضمن أفراد الفريق الواحد، كان هناك خلافات كثيرة في الأساليب والأدوات وطرق الري وجني المحاصيل، وأنواع هذه المحاصيل.‏

اختلفوا في السياسة.. وكانوا.. يمضون ساعات طويلة في المقهى أو في الدكاكين أو في جلساتهم الخاصة يناقشون قضايا السياسة المحلية والإقليمية والعالمية، وما يهمهم وما لا يهمهم.. وتفرقوا بين الأحزاب التي كانت تتناحر في تلك الأيام، وترفع شعارات متناقضة. وتصدر بيانات يصعب على كثيرين من أهل مدينتنا أن يقرؤوها. ويصعب على كثيرين ممن يستطيعون قراءتها أن يفهموها.‏

اختلف أهل مدينتنا الصغيرة فيما بينهم في طرق بناء بيوتهم، بين بيوت أرضية متفرقة، وأبنية متعددة الأدوار، واختلفوا في طرق تربية أطفالهم وتعليمهم، وفي نوعية الملابس التي يجب على الرجال والنساء ارتداؤها.. حتى في عباداتهم كانوا مختلفين، ويتبعون مذاهب مختلفة، ويهتمون بالجزئيات الصغيرة، ويجعلون منها قضايا هامة..‏

لكنهم كانوا متفقين ـ إلا قلة شاذة لا قيمة لرأيها ـ على أن غناءنا الشعبي الأصيل أفضل من الأغاني التي تبثها الإذاعات المختلفة، وكنا في تلك الأيام نسمع منها بضع إذاعات عربية، وإذاعة كانت تدعى "إذاعة الشرق الأدنى"(1) ولم نكن نعرف مقر هذه الإذاعة، ولكن كثيرين كانوا يفضلونها على غيرها.‏

كان هناك من يختلفون في المفاضلة بين عبد الحليم وفريد، ومثلهم اختلف آخرون في التحيز لفريد أو لعبد الوهاب، واختلفوا في أسمهان وأم كلثوم، وقبل ذلك في أم كلثوم ومنيرة المهدية، أما الأكبر سناً فقد كانوا يثيرون خلافهم القديم في المفاضلة بين سيد درويش وسلامة حجازي ـ لكن هؤلاء وأولئك جميعاً اتفقوا على أن غناء هؤلاء جميعاً ـ وإن كان جميلاً ـ لا يعادل غناءنا الشعبي الأصيل في جماله وقوة تعبيره.‏

لم نكن نعرف التلفزيون في تلك الأيام، ولم يكن راديو الترانزستون موجوداً حينذاك.. وقلائل من كانوا يمتلكون أجهزة "راديو" بعضها يعمل بالكهرباء، وبعضها يعمل على بطارية يعادل حجمها حجم بطارية السيارة وبعضها يعمل بالاثنين معاً.. وأقل منهم من كانوا يمتلكون أجهزة تسجيل، وأقل من هؤلاء من كانوا يقتنون أجهزة "فونوجراف"(2) لسماع الأسطوانات..‏

لكن الجميع كانوا يتفقون على أن أغانينا الشعبية أجمل من أي غناء آخر، وأن صوت الربابة في السهرات، وصوت "الشبّابة والأرغول"(3) في الأعراس "ومراسح الدبكة"(4) أجمل بكثير من أصوات الآلات الموسيقية الأخرى.. وأن "العتابا والنايل والميجنا" أجمل من كل غناء يمكن أن يسمع.. وحَرَجْ على هؤلاء المغنين كلهم أن يعرفوا كيف يؤدون "سَحْبَة" عتابا واحدة..‏

في تلك الأعوام الجميلة السعيدة، والأيام تمر بطيئة مليئة بالبساطة والهناء وراحة البال، كان لواء الغناء في مدينتنا الصغيرة معقوداً لاثنين من المغنين: صادق محمد، وحسن أبو علي، وكما يحدث في مدينتنا دائماً انقسم الناس بين هذين، وتحزَّب فريق لهذا، وتحزب فريق آخر لذاك..‏

وكان الخلاف يصل أحياناً إلى درجة المشادة.. لكن الاثنين كانا يتربعان على عرش الغناء في مدينتنا الصغيرة، ولم يكن العرس عرساً إذا لم يحضره "أبو محمد صادق" أو "أبو علي حسن" وكان وجهاء القرى المجاورة يوجهون الدعوة إلى أحدهما فحياء ليالي العرس والأفراح تعبيراً عن الغنى والوجاهة والمكانة الاجتماعية.‏

كان من الصعب أن يجتمع الاثنان في مكان واحد أو في عرس واحد.. فإذا تلاقيا مصادفة في مكان ما، تبادلا التحية بفتور كما يحدث بين المتنافسين في أي مجال، وتحدثنا في أي موضوع ما عدا موضوع الغناء، ولا يطول اللقاء أكثر من دقائق، لأنه إن طال أكثر، سيتدخل أحد "أولاد الحلال" لإثارة الفتنة، وعندها تنشب المعركة الكلامية بين الاثنين.. وحتى في السياسة، كانا من حزبين متنافسين، وفي أيام الانتخابات البرلمانية كان كل منهما يغني في "مضافة" مرشحه المفضل معدداً مناقبه ومكثرة، مهاجماً خصمه بكل قوة، فكأنهما من شعراء الهجاء في العصور الغابرة. ومن الأحداث الهامة التي جرت في تلك الفترة، افتتاح مشروع إيصال مياه الشرب إلى البيوت مياه الشرب إلى البيوت، وكنا نسميه "الفيجة"، والاستغناء عن مياه الآبار.. وفي تلك المناسبة أقام نائبنا في البرلمان حفلة على شرف المحافظ الذي افتتح المشروع وحضر الحفلة القائمقام وقائد شرطة المحافظة وعدد كبير من المسؤولين والوجهاء.. ويومها وضع النائب كل ثقله "15"، حتى تمكن من جمع صادق وحسن في تلك الحفلة.. أما في حفل تدشين المشروع بعد انتهائه فقد ادعى صادق محمد أنه مصاب "بالزنطارية"(5) ليهرب من الدعوة، وقد أقسم بعضهم أنه كاذب، بدليل أنه خرج إلى الصيد في ذلك اليوم... لكن النائب غفر له ذنبه هذا، لنه كان المغني المفضل في حملاته الانتخابية.‏

وكان كل منهما يشن على الآخر حملة دعائية لا تتوقف.. فإذا ما جاء ذكر حسن في مكان ما، علق صادق قائلاً:‏

ـ يا عمّي هذا غلط.. غلطان من يعد حسن أبو علي بين الشعراء.. هذا قد يصلح للغناء مع القرباط(7) لا أكثر..‏

ويرد عليه واحد ليس من أنصار حسن، ولكنه يريد أن يثير "صادق" أكثر ليسمعوا منه أكثر:‏

ـ لا تستطيع يا أبو محمد أن تنكر أن صوته "طيّب"‏

ويتحقق لهذا ما أراد، إذ ينفعل صادق ويقول ثائراً:‏

ـ هذا صوته طيِّب؟ يبدو أنك لست من الذين يعرفون في الغناء.. لا اسمح لي.. إذا كنت تقول عن هذا الصوت الأقرع إنه صوت طيب، فعلى الغناء السلام.‏

وينظر أبو محمد صادق حوله كأنما ليرى أثر كلامه في الوجوه، ويكمل "لفّ" سيجارته، ثم يتابع: ـ أصلاً لو‏

كان من الشعراء لاستطاع أن "يَجُرّ" على الربابة، هل رآه أحد منكم ذات يوم يجر على الربابة؟! ويصمت الجميع.. فكلهم يعرفون أن حسن لا يتقن هذا، وقد حاول أن يتعلمه لكنه فشل، ويعلمون أيضاً أن حسن يغني بمصاحبة عازف ماهر يرافقه دائماً.. ويكمل أبو محمد صادق: ـ والشيء الثاني أن حسن لا يغني بيتاً من مَنْطوقة(8)، وكل ما يغنيه مما حفظه من شعراء آخرين، وأنا أتحداه في أي جلسة ونختار موضوعاً ونغني فيه. ويزهر أبو محمد بانتصاره، ويطرب مؤيدوه لهذا الكلام مثلما يطربون لغنائه الحزين.. وقد كان غناء صادق في أكثر الأوقات حزيناً، وقال بعضهم إن في حياته قصة لا أحد يعرفها، ولكن هذا كان خطأ، فطبيعة صوته كانت تنم عن حزن بالإضافة إلى الكلمات والمعاني التي كان يختارها.‏

لكن كلام صادق لم يكن كله صحيحاً.. إذ لم يكن حسن سيئ الصوت إلى هذه الدرجة.. صحيح أنه لم يكن يتقن العزف على الرّباب، وصحيح أنه لم يكن لديه ملكة الارتجال والتأليف، وكان معظم ما يغنيه من تأليف غيره، ولكنه كان يملك صوتاً مطرباً أعلى طبقة من صوت صادق، وأكثر طلاوة منه.. وكان كثيرون يتطوعون بإيصال آراء صادق إلى حسن، وربما حرّفوا الكلمات، وربما زادوها ليزيدوا النار اشتعالاً، ويتطوع آخرون بإيصال رأي آخر، قد لا يكون صادق قد قاله: ـ يا عمّي.. هذا مغني.. ألا تلاحظون أنه يتحدث "بالنحوي"(9) ويلبس "طقم" وكرافيت؟! لو كان شاعر عتابا صحيح، لما فعل هذا.. من منكم رأى شاعر عتابا يجرّ على الربابة وهو يلبس الطقم، ويخنق نفسه بالكرافيت؟! ويضحك حسن أبو علي حين يسمع هذه الآراء.. قال كثيرون إنه كان يتألم ويشعر بعمق الطعنات التي يوجهها صادق محمد إليه، ولكنه كان يظهر اللامبالاة بكل هذه الانتقادات ويضحك:‏

ـ أبو محمد صادق على عيني رأسي.. ومع أنه رجل فهيم، إلا أنه يخطئ كثيراً.. بالله عليكم ما علاقة اللباس بالغناء؟ يعني إذا ارتديت القمباز أو الجلابية والدّامر يتغير صوتي وطريقة غنائي؟! يا جماعة قولوا له أن يتحدث بغير هذه الطريقة، فقد صار أبو محمد موضة قديمة.‏

ويسكت حسن قليلاً ريثما يستوعب محترفو نقل الكلام ما قاله، ثم يقول بعد قليل:‏

ـ يا جماعة الخير ـ المطرب وجه من وجوه البلد، ويدعى إلى مدن أخرى، ويجب أن يظهر بمظهر لائق. والطقم والكرافيت صارا اللباس الرسمي.‏

وكما يتحلق حول صادق محمد من يؤيدونه في آرائه، ويفضلونه على حسن أبو علي وغيره من المغنين والشعراء، ومن يتسلون بإثارة كل منهما على الآخر، ونقل الكلام محرفاً، فإن الحلقة حول حسن في المقهى أو في أي مكان آخر، تضم هذه الفئات نفسها.. يقول أحدهم:‏

ـ ولكن يا أبو علي.. أبو محمد صادق من أشطر الشعراء، وأشطر من جرَّ على الربابة.. وقد حضرته وهو يقول عشرات الأبيات من رأسه(10).‏

ولا يهتم حسن بمعرفة غاية القائل من كلامه، هل هو لإثارته؟ أم أن الرجل فعلاً من المعجبين بمنافسه؟ ويضحك حسن كعادته ويقول:‏

ـ يا جماعة الخير.. كأننا نعيش قبل ألف سنة.. الربابة نفسها صارت موضة قديمة، ولم يعد أحد يستعملها في الغناء، وقد رأيت المغنين في العاصمة نفسها، فأين نحن من هؤلاء؟ ولا أقول أين الثرى من الثريا، نحن متأخرون كثيراً.. هؤلاء الذين تسمعونهم في الراديو هل يغنون على الربابة؟! وحتى في القديم كان المغني لا يعرف إلا الغناء، ويرافقه العازفون على العود أو أي آلة موسيقية أخرى.. واسألوا أبو محمد صادق: هل قرأ في التاريخ وحتى في أيام هارون الرشيد أن المغني كان يغني من تأليفه.. أم كان يغني من تأليف الشعراء؟!‏

ويعلق أحد الموجودين على كلام حسن.. ويضيف آخر كلاماً لم يقله صادق.‏

ويسمع حسن، ويقول ثالث:‏

ـ لا أحد ينكر أن صوت أبو محمد صادق طيب، بينما يقول هو عنك يا أبو علي إنك لا تغني إلا الميجانا، وإن صوتك أقرع.‏

ويثور حسن قليلاً، ولكنه يتمالك نفسه ويضحك ويقول:‏

ـ أنا صوتي أقرع؟! لا أزعل من هذا الكلام لو كان من يقوله يملك صوتاً أطيب من صوتي.. أما صادق فإنني كلما سمعته أظن أنني أسمع صوت الجاروش(11).. وهو يظن أنني أغني الميجانا لأنني لا أعرف العتابا.. طمنوه أنني أعرفها جيداً.. ولكن الميجنا مقبولة في المدن أكثر.. ويجب علينا أن نتطور، أم يريدنا أن نبقى محصورين في منطقتنا؟‏

كان هذا يتكرر كثيراً.. حتى حفظ الناس هذه المعزوفة، لكنهم لم يملّوا سماعها، إذ كانت مثل هذه المشادة الكلامية مقدمة كافية لأن يطلب المجتمعون من أحد المغنين أن يُسمعهما شيئاً، فلا يتردد في تلبية الطلب، وقد لا ينتظر أن يطلب منه أحد الغناء، بل يغني ويتكلم، وكأنما يضرب أمثلة لما يقول، أو كأنه معلم يقدم أمثلة وشواهد على كلامه، لتوضيح المقصود، وإفهام السامعين.‏

وذات يوم سافر حسن أبو علي إلى مكان ما، وكان هذا أمراً معتاداً في مدينتنا كما في غيرها من المدن، فليس غريباً أن يسافر أي إنسان إلى أي مكان، بل إن من أبناء مدينتنا من سافروا إلى بيروت أو إلى القاهرة، حتى إن منهم من سافر إلى أوربا أو إلى أمريكا، لكن حسن أبو علي ليس شخصاً عادياً، ولذلك فإن سفره يمكن أن يلفت انتباه كثيرين، خاصة إذا كانوا ممن يبحثون عن أي أمر ليجعلوا منه مادة للتسلية، والأحاديث التي يقطعون بها الوقت والتعليقات التي لا تنتهي:‏

ـ له صديق في مدينة بعيدة، يذهب إليه بين الحين والآخر ليحفظ منه بعض أبيات العتابا والميجنا..‏

ويفرك يديه كأنه علم الحقيقة وحده، أو كأنه عثر على جواب للسؤال الأبدي.. ويرد عليه آخر ربما كان من مُحبِّي حسن:‏

ـ حرام عليك يا رجل.. كل ما في الأمر أن أحد الوجهاء يعرفه ويحب سماع صوته فدعاه إلى عرس ابنه.‏

وفي مكان آخر يدور نقاش حول سبب سفر حسن، ويتساءل الجميع، فيتطوع أحد الذين يدعون معرفة الأسرار بالقول:‏

ـ هناك مسابقة للمغنين وشعراء العتابا، ومن يغلب الجميع له جائزة كبيرة، وقد ذهب حسن للاشتراك فيها.‏

ويرد آخر من المعجبين بصادق ولعله يردد كلامه:‏

ـ هذا مستحيل.. ففي مثل هذه الجلسات يكون الأمر أشبه بالمبارزة وهناك لجنة تدير الجلسة، وتحكم على الشعراء، وهذه اللجنة هي التي تختار الموضوع، ومطلوب من الشعراء أن يتباروا في مثل هذا الموضوع، وكلنا نعلم أن حسن لا يستطيع ارتجال بيت واحد.‏

وفي المقهى قال أحدهم:‏

ـ أحد الأغنياء سمع غناء حسن، فقرر أن يسجل له اسطوانة، وما زال حسن خائفاً، لأنهم قالوا له إذا سحب صوته على الأسطوانة قد يختفي نهائياً..‏

ويضحك أمام الموجودين، ويقول ساخراً:‏

ـ ما شاء الله.. ربما كان أعظم من إيليا بيضا وحضيري أبو عزيز وناظم الغزالي ونحن لا نعلم.. وربما كان أعظم من أبو علي فريد نفسه.‏

انشغل بعض الناس قليلاً بموضوع سفر حسن، ووجدوا مادة جديدة للحديث، وهم عادة يجهدون أنفسهم في البحث عن أي شيء يشغلون به أنفسهم.. وعاد حسن بعد أيام إلى المدينة، وسرعان ما انتشر الخبر وانكشف السر.‏

علم الناس أن حسن كان في العاصمة. لم يكن هذا مهماً.. فقد كان كثيرون يسافرون يومياً إلى العاصمة، أما الأكثر أهمية فقد كان الهدف من سفره إلى العاصمة.. أعلن أحد المقربين منه:‏

ـ لقد طلبوه في الإذاعة، وسجلوا له كل أغانيه..‏

ردّ عليه آخر ضاحكاً:‏

ـ أغانيه؟! تقول إن لدى حسن أبو علي أغاني خاصة به؟!‏

كأنك تتحدث عن محمد عبد الوهاب.. كل ما يغنيه بيتان من العتابا ليسا من تأليفه..‏

انفعل الأول وقال متحمساً:‏

ـ ولكنه سجل أغنية على الأقل في الإذاعة، وستذاع قريباً، بينما غيره لم يسمع به أحد في العاصمة.‏

ظل الآخر يهزأ بما يقوله جليسه:‏

ـ تجده غنّى في ركن الهواة، أو في برنامج الريف أو البادية.‏

انزعج المُناصر لحسن وقام مغضباً وانسحب من الجلسة معلناً:‏

ـ هكذا نحن دائماً.. لا يمكن أن نشجع ابن بلدنا.. أما لو كان أي واحد صوته مثل صوت البوم من بلد ثانية لقلتم عنه إنه أعظم من وديع.. والله لو أن أم كلثوم نفسها تعرضت لهجوم أهل بلدها كما تهاجمون ابن بلدكم لما صارت مشهورة، بل ربما لم تصبح مطربة أبداً..‏

قال أحد المحايدين المعتدلين في آرائهم:‏

ـ ليس عجيباً ولا غريباً أن يسجلوا أغنية لحسن أو لغيره في الإذاعة، فصوته ليس أسوأ من أصوات كثيرين نسمع أغانيهم في الإذاعة، وربما كان أفضل منهم..‏

علق أحد الذين يحبون أن يظهروا دائماً بمظهر العارفين بالأمور:‏

ـ أصلاً أي إنسان له واسطة صغيرة في الإذاعة يمكن أن يسجلوا له أغنية، وتجده قد ذهب إلى نائبنا في البرلمان، وترجاه أن يتوسط له.. فكلم النائب رئيس الإذاعة، فسجلوا له أغنية على شريط.. لقد رأيت هذا في الإذاعة.‏

استلم أحد المشاكسين طرف الحديث وقال:‏

ـ هل زرت الإذاعة؟!‏

ـ ابن أختي له صديق في الإذاعة، عندما زرته في العاصمة التقيت بهذا الصديق عنده، فأخذني إلى هناك.‏

ـ ورأيت كيف يسجلون الأغاني؟!‏

ـ طبعاً.. يسجلون كل أغنية على شريط ويعلقونه..‏

أشار المشاكس إلى سلك معدني رفيع لفّت به قائمة إحدى الكراسي، ريثما يتم تثبيتها، قال:‏

ـ يعني مثل هذا؟!‏

ـ تقريباً.. لكنه أثخن قليلاً ولونه أسود.‏

أراد المشاكس أن ينهض إلى بيته ويأتي بشريط تسجيل ليريه كيف يكون الشريط، لكن صديقاً له همس في أذنه:‏

ـ دعك من هذا.. ماذا ستستفيد إذا كذبته؟ دعه يتفاخر كما يريد، فما الذي يزعجك؟!‏

كثر الحديث حول هذا الأمر في المجالس والمضافات والمقاهي والدكاكين.. ثم انشغل الناس بأمور أخرى، وكادوا ينسون الموضوع كله، لولا الحرب الكلامية اليومية التي لا تفتر بين صادق محمد وأنصاره من جهة، وحسن أبو علي وأنصاره من جهة أخرى..‏

وذات يوم انتشر الخبر في المدينة بعد الضحى بقليل:‏

ـ حسن أبو علي سيغني في الإذاعة عصر اليوم..‏

لا أحد يعرف كيف انتشر الخبر ومن الذي نشره.. ربما سمعه الناس أثناء عرض برامج الإذاعة وتناقلوه، وربما أشاع حسن بنفسه الخبر حتى يسمع به الجميع، وهو يعلم أن أي خبر مهما كان تافهاً سينتقل بسرعة النار في الهشيم بين الناس، فكيف إذا كان خبراً كهذا...‏

استعد كثيرون لهذا الحدث.. تفقد كثيرون أجهزتهم، ودعا كثيرون ألا تنقطع الكهرباء في ذلك الوقت... ولأن حسن لم يكن يملك جهاز تسجيل فقد طلب من أحد مالكيها أن يسجل له الأغنية مع تقديم المذيع لها.‏

وأزف وقت إذاعة الأغنية ضمن منوعات غنائية كما تسميها الإذاعة وكانت كل أجهزة الراديو في المدينة تعمل بأقصى ارتفاع للصوت يمكن أن تعطيه، والحقيقة أن معظم الناس، حتى بعض أنصار صادق محمد، كانوا فرحين، لأن ابن بلدهم سيغني في الإذاعة كالمطربين المشهورين.‏

وقال أحدهم:‏

ـ من يدري.. ربما يصبح من المشاهير ذات يوم..‏

علق أحد المناكدين:‏

ـ وماذا ستستفيد؟ سيترك المدينة كما تركها جميع أبنائها الذين حققوا نجاحاً في أي مجال، أو وصلوا إلى المراكز العليا ولم نعد نراهم حتى في الأعياد، وليس غريباً أن يدعي أنه من مدينة أخرى وينكر نسبه.‏

كادت مشادة أخرى تنشب بين الاثنين وآخرين، لولا أن الأغنية انتهت، وعلا صوت المذيع قائلاً:‏

ـ والآن سيداتي سادتي نستمع إلى حسن أبو علي في ميجنا وعتابا.‏

صفق أحدهم، وصاح آخر: طيب.. فصرخ أكثر الموجودين يطلبون الصمت المطبق.. وارتفع صوت الربابة مجروحاً مشروخاً يئن أنيناً حزيناً باكياً.. ولم يكن جميلاً كصوتها في المجالس والسهرات، ثم انخفض صوت الربابة قليلاً، فصرخ أحدهم:‏

ـ قويّة‏

أرادوا أن يجيبوه ليفهم، لكن صوت حسن ارتفع في تلك اللحظة، أنكر كثيرون الصوت واستغربوه. قال أحد السامعين:‏

ـ هذا ليس حسن.‏

لم يجبه أحد، لأن الجميع كانوا يصغون بانتباه إلى الغناء، لكنهم كانوا في قرارة أنفسهم يوافقون على رأيه.. بدا الصوت جافاً ليس فيه طلاوة، وأكثر حدة مما كانوا يسمعون في المجالس.. وكان الصوت ارتعاشة، قال عنها أحدهم فيما بعد:‏

ـ هذه الرعشة ضرورية من أجل الطرب.‏

رد عليه آخر في حينه.‏

ـ وما أدراك أنت بالطرب وأصوله؟ كان محمد عبد الوهاب ابن عمة هذه الرعشة سببها الخوف.‏

استمع الناس إلى غناء حسن كباراً وصغاراً.. رجالاً ونساء.. في البيوت والدكاكين.. وكان صوته في تلك اللحظة يملأ المدينة كلها. ولم يكن هذا غريباً. فقد اشتهرت في تلك الفترة أغنيات لمطربين ومطربات كنت تسمعها من شرق المدينة إلى غربها، رغم عدم وجود أجهزة التسجيل، إذ كان الناس يسمعون عرض البرامج، ويحفظون مواعيد إذاعة الأغنيات الجديدة والجميلة، وفي الوقت المحدد يرفعون صوت أجهزتهم ليسمعوا الجيران والآخرين والمارة في الشوارع، وربما كانوا يعتبرون هذا أحد واجباتهم تجاه غيرهم ممن لا يملكون أجهزة راديو، فمن حق هؤلاء أيضاً أن يستمتعوا...‏

شعر حسن وهو جالس في بيته بنشوة النصر لحظات، والمدينة كلها تصغي إليه.. وأدرك أنه حقق انتصاراً ساحقاً على صادق محمد، ولعله في تلك اللحظة كان يحلم بأن يغني على المسارح وفي الحفلات، وترافقُهُ فرقة موسيقية كاملة، وتُطلب أغانيه من برنامج ما يطلبه المستمعون، ويتحقق له الغنى والشهرة.‏

لكن شيئاً غريباً حدث في تلك اللحظة.. شيء لا يتكرر كثيراً في الإذاعة، بل هو نادر الحدوث.. ارتفع صوت المذيع فوق الأغنية صارخاً:‏

ـ ما هذا الصوت المنكر؟! شيلْ هالـ... يا.‏

نظر الناس بعضهم إلى بعض مستغربين.. أذهلتهم الصدمة فلم ينطق أحد منهم حرفاً واحداً.. انقطعت الأغنية، وارتفع صوت المذيع:‏

ـ سيداتي سادتي، نوالي تقديم هذه المجموعة من أغنيات العتابا والميجنا فنستمع الآن إلى صباح.‏

أقفل جميع الناس بلا استثناء أجهزتهم، حتى المعجبين بصوت المطربة صباح احترموا مشاعر الآخرين وأقفلوها.. خيم على الجميع في كل مكان سكون عجيب.. ذهل الجميع.. ورددوا التساؤلات: ماذا حدث؟ كيف حدث هذا؟! كيف يسمحون لأنفسهم؟! أراد الذي ادعى أنه يعرف الإذاعة أن يشرح الأمر، لكنهم نظروا إليه بغضب فآثر الصمت والسلامة.. كانوا يشعرون بالغضب فعلاً.. حتى الذين لم يكونوا يعجبون بصوت حسن، والذين كانوا من أنصار غريمه التقليدي صادق محمد شعروا بغضب شديد.. لم يسألوا أنفسهم عن سبب الغضب والحزن الذي ملأ قلوبهم.. لعلهم تذكروا في تلك اللحظة الإهمال الذي كانت مدينتنا الصغيرة تلقاه وينعكس على شوارعها المليئة بالحفر المتعرجة بلا سبب، ومياه الشرب التي لا تتوفر دائماً، والكهرباء التي تنقطع ساعات طويلة.. لعلهم شعروا بالصدمة فكان حزنهم الجماعي كالفرح الجماعي الذي سرى بينهم عندما سمعوا بأن ابن بلدهم سيغني في الإذاعة.. لكن ذلك الحزن والذهول لم يدم إلا دقائق قليلة.. عاد الناس بعدها إلى أعمالهم، وبعد قليل رفع كثيرون أصوات أجهزتهم على أغنيات أخرى أو إذاعات أخرى.. وبدأ الحدث يفجر التعليقات والتعليقات المضادة:‏

ـ هذا لا يجوز... ليس من حق المذيع أن يقطع الأغنية.‏

ـ ومن الذي سيمنعه؟‏

ـ رؤساؤه، وقوانين الإذاعة، أم تظن أن الفوضى في الإذاعة كالفوضى في بيتكم؟‍‏

ما شاء الله على تنظيم بيتكم..‏

ـ هذا ليس مهماً..‏

ـ بل مهم جداً...‏

ـ أهم منه أن نفهم.. كيف سمعنا صوت المذيع أثناء إذاعة الأغنية؟!‏

لم يجرؤ الذي يدعي أنه يعرف الإذاعة أن يتدخل، فلم يكن يعرف أي شيء عن هذا الموضوع.. نظر إليه الشاب، فلم يتحرك.. حينئذ قال الشاب:‏

ـ المذيع يتحدث في المايكروفون، وينتقل الصوت عبر الأجهزة حتى يصل إلينا، والمايكروفون له مفتاح، مثل مفتاح الكهرباء، ولعله نسي أن يغلق المفتاح عندما تحدث.‏

شمت أنصار صادق محمد بما حدث، وأخرسوا أنصار حسن دون أن يفعلوا شيئاً، فقد شعر هؤلاء بالخزي، وتوقفوا عن الافتخار بمطربهم المفضل.. مع أن بعضهم قال بعد أيام:‏

ـ لا يمكن أن يمر هذا دون حساب، ولو أن أحداً ذهب إلى الإذاعة وتقصى الأخبار لوجد أن المذيع قد عوقب، وليس غريباً أن يمنعوه من الإذاعة، وقد لا نسمع صوته بعد الآن.‏

لكن شيئاً من هذا لم يحدث، فلقد ظل الناس يسمعون صوت ذلك المذيع نفسه.. وقال آخر، وتبين أنه كان يتكهن ويتنبأ دون الاستناد إلى حقيقة مؤكدة:‏

ـ لن يرضى نائبنا بهذا، لأن حسن مطربه المفضل، وقد اتصل مع رئيس الإذاعة، وأبدى له انزعاجه من هذا الموضوع.‏

كان هذا غير صحيح طبعاً.. والموضوع كان أبسط من أن يتحرك نائب في البرلمان من أجله، والمؤكد أن النائب لم يسمع بالموضوع كله.. ولم يسمع أغنية حسن التي سجلها للإذاعة.. وحسن نفسه ـ وهو الوحيد القادر على إيصال الأمر إلى النائب ـ كان أكثر الناس شعوراً بالخيبة والصدمة والمهانة...‏

لم يره أحد خارج منزله، لا في ذلك اليوم ولا في الأيام التالية، ومع أن كثيرين تجنبوا زيارته في تلك الأيام، لأنهم لم يكونوا يعرفون كيف سيواجهونه، وبماذا سيتحدثون معه، فإن آخرين شعروا بأن من واجبهم أن يقفوا معه في هذه المحنة، لكنه رفض استقبال أي زائر، وقالت زوجته إنه يجلس وحيداً في غرفة في آخر الدار.. وقال جيرانه إنهم سمعوا منه في الليل عزفاً مجروحاً على الربابة يبكي الحجر، وكان يغني غناء حزيناً كأنه أم ثكلى، بصوت باكٍ يختلف كل الاختلاف عن صوته المعروف.. وكاد الناس يختلفون حول هذا الأمر كما يفعلون دائماً، لأنهم يعرفون جميعاً أن حسن لا يجرّ على الربابة... فهل كان يعرف الجرّ على الربابة ويخفي هذا؟ ولماذا يتظاهر بعدم المعرفة ويستعين بعازف يرافقه؟ هل يحاول تقليد المطربين الذين يرافقهم عازف على العود؟ لكنهم جميعاً صدقوا حكاية الغناء الحزين وعذروه، فالصدمة التي تلقاها لم تكن بسيطة..‏

في جلسة كان نجمها أبو محمد صادق أظهر بعض الحاضرين من مؤيديه الشماتة بما حدث.. وقال واحد منهم:‏

ـ أصدق كلمة سمعتها هي الكلمة التي قالها المذيع..‏

وفوجئ الجميع بما حدث في تلك اللحظة.. كان صادق محمد يتحدث مع جاره، وفجأة قطع حديثه والتفت إلى المتحدث والغضب ظاهر على وجهه ورفع صوته حتى غطى على جميع الأصوات:‏

ـ ومن أنت حتى تحكم على حسن أبو علي؟! ومنذ متى تعرف أصول الغناء والعتابا، وتقدر على تمييز الصوت الطيب من الصوت غير الطيب؟!‏

خيّم الصمت على الجميع كأنهم في مأتم.. تشاغل بعض الحاضرين بلف السجائر وإشعالها.. فوجئ صاحب المجلس بثورة صادق وردّه العنيف، حتى أنه لم يجد ما يقول حين نهض صادق محمد وخرج مسرعاً من المجلس دون أي كلام، وحتى دون أن يسلم.‏

تحدث الناس في هذا الأمر وتناقلوه، واختلفوا كالعادة في تفسيره، ولم تنقض تلك الليلة حتى كان نصف المدينة على الأقل قد سمع بما قال صادق محمد.. وكان يمكن أن تبدأ سلسلة من التعليقات والتفسيرات، لكن ما حدث في اليوم التالي غطى على كل ما عداه. قبل الظهر بقليل كان صادق محمد يطرق باب دار حسن، وفوجئت أم علي عندما فتحت الباب فارتبكت وتلعثمت، وقال:‏

ـ أهلاً يا أبو محمد.. تفضل..‏

ـ إن شاء الله عامر يا أم علي.. قولي لأخي أبو علي إذا سمحت إنني أريد أن أراه..‏

أحرجت أم علي أكثر، وقالت:‏

ـ والله يا أبو محمد حبس نفسه في غرفته، ولا يستقبل أحداً. ولا يكلم أحداً، وهددني بالطلاق إذا أدخلت أحداً.‏

ضحك صادق محمد، وكانت ضحكته مجلجلة قوية صافية:‏

ـ لن أدخل لئلا يطلقكِ أبو علي.. اذهبي ـ حفظك الله ـ وقولي له إنني هنا.‏

فوجئت المرأة مرة ثانية عندما أبلغت زوجها بحضور صادق.. فتح الباب بسرعة، وخرج حسن بجلابية خفيفة يرتديها في المنزل ودون أن يضع على رأسه شيئاً.. وانطلق نحو الباب بخطى سريعة، فاتحاً ذراعيه وهو يردد:‏

ـ يا أهلاً ويا سهلاً.. أهلين وسهلين.. الله يحييك يا أبو محمد.. يا أهلاً ويا سهلاً..‏

وحين وصل إلى الباب تعانق الرجلان.. وكاد حسن يجهش بالبكاء وهو يردد:‏

ـ تفضل يا أبو محمد.. تفضل.. البيت بيتك..‏

رفع أبو محمد صوته قائلاً:‏

ـ يا الله‏

ودخل مع حسن إلى أرض الدار.. أسرع حسن ففتح غرفة الضيوف وهو يردد عبارات الترحيب بزائره.. وحين جاءت القهوة التي أعدتها أم علي بسرعة رفع أبو محمد صادق يده ممتنعاً عن أخذ الفنجان.‏

فهم حسن الإشارة فقال:‏

ـ ولو يا أبو محمد.. اشرب القهوة، ولو أنك جئت تطلب واحداً من أولادي لأعطيتك إياه.‏

تناول أبو محمد فنجانه، وشرب قهوته.. قال حسن:‏

ـ طلباتك يا أبو محمد؟!‏

ـ ليس لي إلا مطلب واحد..‏

ـ أنت تأمر يا أبو محمد..‏

ـ تقوم الآن، فتحلق ذقنك، وتتعطر كالعريس، وتلبس أفخر ملابسك، وتخرج معي، ولا تسألني إلى أين..‏

تردد حسن لحظات قليلة، ولكنه حزم أمره بسرعة.. لا يستطيع أن يرفض بعد أن وعد.. استأذن من ضيفه وغاب قليلاً، ثم عاد وهو يرتدي ملابسه التي يلبسها عندما يسافر إلى دمشق.‏

ـ أنا حاضر يا أبو محمد، ولكن نتغذى أولاً..‏

ـ بل نخرج الآن.‏

ـ كما تريد..‏

وفوجئ الناس في ذلك اليوم. بمشهد لم يكونوا يتوقعون أن يروه يوم من الأيام.. صادق محمد وحسن أبو علي يسيران في الشارع وقد تشابكت يداهما، ويقول أبو محمد شيئاً فيضحكان بصوت عالٍ، ويقول حسن شيئاً آخر فيضحكان أكثر، ويسلمان على الناس في دكاكينهم، أو على من يمرون بهم.. وتهامس الناس، وتساءلوا، وحاولوا أن يفهموا، لكن ما كانوا يرونه كان صعباً على الفهم..‏

لم يكن حسن يعرف إلى أين يذهب به صادق، وتعمد أبو محمد أن يطيل الطريق ليراهما أكبر عدد ممكن من الناس.. وبعد جولة في السوق اتجها إلى بيت صادق..‏

بعد صلاة الظهر بقليل.. بدأ الناس يتوافدون على بيت صادق محمد، كانوا كلهم من كبار تجار السوق ووجهاء المدينة.. شربوا القهوة عدة مرات، ثم جاء أبو محمد صادق بعد أن خرج ودخل مرات عديدة وهو يردد كلمات الترحيب بالجميع ويخص حسن أبو علي وقال:‏

ـ يا وجوه الخير.. اسمحوا لي أن أُغني بيتاً واحداً..‏

جرّ أبو محمد صادق على الربابة، وغنى بيتاً جميلاً معبراً رحب فيه بالضيوف وخص منهم أخاه حسن.. ثم قال:‏

ـ تفضلوا...‏

خرج الجميع إلى مكان الطعام، فوجدوا عدداً كبيراً من المناسف وفوق كل منها خروف كالكبش.. كان عدد المناسف بعدد الموجودين، وكانوا جميعاً يعرفون أن هذا فوق طاقة صادق محمد.. لكنه قال:‏

ـ هذا أقل ما يمكن أن أفعله لأخي حسن أبو علي.‏

بعد الغداء استمع الناس إلى غناء الغريمين المتنافسين، وهذا شيء لم يحدث من قبل، وطالت الجلسة حتى ما بعد العصر بقليل، حين استأذن حسن والمدعوون بالمغادرة. فودعهم أبو محمد بترحيب أكبر مما استقبلهم به.‏

علم الناس فيما بعد أن صادق رهن بعضاً من حليّ زوجته ليقيم هذه الوليمة، ولم يرض الوجهاء بهذا، فدفعوا الرهن دون أن يخبروه، وأعادوا الحليّ إلى أم محمد.. وأعان آخرون أبو علي حسن فأقام مأدبة مماثلة على شرف أبو محمد صادق..‏

وسمع النائب بما حدث عندما جاء يزور المدينة، فأقام وليمة لم تشهد المدينة مثلها من قبل على شرف الاثنين معاً، وبمناسبة مصالحتهما، وغنى الاثنان في تلك الليلة كما لم يفعلا من قبل، وأقسم الجميع على أنهم لم يسمعوا مثل غنائهما في تلك الليلة.‏

لم يحاول حسن أن يسجل أي أغنية للإذاعة بعد ذلك، وصار الاثنان صادق وحسن يغنيان معاً، وافتقد الناس تلك المشاحنات والخلافات، وما كانت تجر من حروب كلامية بين الاثنين وأنصارهما، لكن كثيرين ما زالوا حتى الآن يذكرون ما حدث في ذلك اليوم حتى قطعت الأغنية، وتلفظ المذيع بتلك الكلمات القاسية.‏

الدوحة ـ قطر‏

هوامش:‏

(1) عرفنا بعد العدوان الثلاثي عام 1956 أنها إذاعة بريطانية، ثم عرف بعضنا فيما بعد أنها تابعة لإذاعة B.B.C.‏

(2) احتفظت بالأسماء الأجنبية لأن مجامع اللغة العربية ـ حفظها الله ـ لم تتفق على تسميات عربية لها.‏

(3) من عائلة الناي.‏

(4) جمع مرسح، وهو تحريف لكلمة مسرح، وتعني حلقة الدبكة أو مكانها.‏

(5) تحريف لكلمة دوسنتاريا.‏

(6) كان مغنو العتابا يفضلون هذه التسمية.‏

(7) الفجر أو النّور.‏

(8) من تأليفه.‏

(9) تقليد لهجة أهل المدينة، ولا سيما بقلب القاف همزة.‏

(10) اصطلاح آخر بمعنى: من تأليفه.‏

(11) الرحى المنزلية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244