|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الرحيل ـــ قصة قصيرة: محمد رشيد رويلي اشتدّ لفح الهجير، واعتلى اليباسُ أديمَ الأرض.. جفَّ الغدير، وتمزقت أحشاؤه، وتكسرت محاجرُ العيون، ولُفظت الكلماتُ زفراتٍ حرّى.. لم تصمد شياه الشيخ (مفرّج) ولا إبله أمام جنونِ العاصفة وهديرها، فتساقطت جيفا في مهب الريح الغصوب لتعصف ناراً يتلظى بسعيرها جسدهُ الواهن. أزاح الشيخ مفرّج بكبرياء ما تراكم على وجهه النحاسي المتغضن من غبار الفجيعة، وسار يتلظى من حرّ التراب، ويحجل في مشيته حافياً، وعيناه تحدقان في بصمات النهر بذهول، فشعر بتعب شديد يطغى على عقله، فأغلق عينيه الذاويتين خشية أن يصاب بالإغماء، وغرق في لجة الصمت الرهيب الذي يلفه.. الألم يتسارع من كلّ صوب، والنحيب يتعالى بلا دموع، ونعيق الغربان يحطم سكون العاصفة... الأمل خبا كسراج تفتت ذبالته، والشفاه اليابسة هجرتها البسمة، واستوطنتها شقوق الحرمان... ـ يا الله.. لقد غدوت جثة، وبقيت دون دفن... ارتعش الشيخ مفرّج وهو يتمتم بهذه العبارة، وشعر بوهن ما رآه يوماً في حياته وهو يحاول النهوض، فأقعى متلفتاً حواليه والقنوط يتملكه.. الكلّ قد رحل طلباً للنجاة، ولم يبق سوى الموت يرفرف بجناحيه على بقايا أحياء لا يملكون سوى وجيب قلوبهم... الشياه والجمال والخيول تتناثر على امتداد البصر ضحايا معركة غير متكافئة.. ماذا يفعل؟! أيرحل مع الشفق إلى حيثُ أشارت زوجُه يستجدي العون ويستندي الأكف، يدفن في مستنقع القهر والجوع والحرمان؟؟ نيران الحياة تخبو، وظلال الشك تتكاثف حول قتامة الغد... الرحيل مع المجهول وإليه مسيرةُ ألم لا تنتهي، وفي البقاء أشباحٌ مريعةٌ ووحوشٌ ضاريةٌ تغرز مخالبها في متاهات الوهن لتغرس الموت ألواناً.... عيون أولاده الثلاثة أطفأتها العاصفة تبحث عن الأمان، وتلوذ بأذيال أم تتوسل بالرحيل... تنحنح الشيخ مفرّج بقوة كعادته عند إطلاق حكم أو إصدار قرار، وتمتم بوهن: ـ عند الشفق سنرحل بعون الله إلى عرب الشيخ متعب... كان يعرب جيداً الشيخَ متعب، فسبق أن آواه وأكرمه وأهلَ بيته عندما غزته قبيلةُ بني عامر التي تنتمي إليها زوجه... تراقصت الشفاهُ اليابسةُ جذلى، وحدقت العيونُ الذاهلةُ ببعضها، واهتزت الرؤوسُ مستهزئةً من المحال. كان الشفقُ يتوقد كما لو أن ما في السماء يتهاوى في فوهة بركان مشتعل.. لا متاع سوى البُقاق تهادى على خلوج أفرادها القدر عظة وعبرة، تلوح برأسها باحثةً بين دقائق التراب عن أمل تتعلل به فلا تجد سوى الحرمان، فترفع رقبتها بإجهاد، وتجتر قتادَ الأمس بقرف.. ـ عند تكاثف الظلمة سنرتاح، وليعنّا الله.. كان كلُّ ما في وجهه وقامتِه متهدلاً يبعث في النفس الإحساسَ بحزن يائس حتى رداؤه الذي مزّقه العوز تدلى على كتفيه المائلتين، وصدره الغائر كأنه على مشجب، وزوجه تسير خلفه تبشر أولادها الثلاثة بإشراقة الغد.... لم يستطع النومَ.. كان إحساسٌ مكبوتٌ بالألم والحيرة يلازمه طوال ليله. يجفف بيده المعروقة عرقاً متحدراً على جانبي وجهه المخدد، وعيناه باهتتان تخيلهما لا تريان شيئاً، ولا تعكسان حتى ضوءُ القمر، فتملّكه الذهول، وأثقلته الكوابيس... هدأ بعد لأي عندما لامس جانب الحقيقة، وأبصرت عيناه جلاءَ الأشياء ووضوحَها، وقدح زنادَ الفكرِ المرهقِ فما اهتدى إلى شيء... القافلة تسير سكرى تجر أذيال الخيبة والمرارة.. لا نباحَ ولا ثُغاء ولا رُغاء سوى أزيز ينبعث من الأعماق ليبارك سواتر الأنين المتجذر في الأجساد الواهنة... العيون ترنو بكسل تارة إلى هدير العاصفة، وتارة أخرى إلى الأرض التي احتضنت بقايا الراحلين... ستةُ أيام بلياليها والموت يتجدد لبوسُه كلّ لحظة... يمنح بسخاء آهاتٍ حرّى ويغرس بإتقان فسائل اليأس.... هَزُلت الوجوه، ونَحُلت الأجساد، فلم تعد تقوى على مُتابعة المسير... نَبَ الزادُ، وجفَّ اللعابُ، وتخددت الشفاهُ فلم تعدى تقوى على الهمس. ـ إني أرى غبار فارس يعدو يا والدي!! لم يُعر الشيخُ انتباهاً لما قاله ولده البكر، فبقي متمدداً على جنبه صريعَ الهواجس والظنون... العيون تتطلع متلهفة إلى سبابة متشنجة تشير إلى البعيد... ـ وقع حوافرُ جواد يدقّ في مسامعي يا والدي... ألصق الشيخُ أذنه على الأرض بإحكام، وأصغى لحظاتٍ وتمتم: ـ ربما كان راحلاً مثلَنا، كالمستجير من الرمضاء بالنار.. كان الله في عونه. يتكشف الغبار، فيعلو الأنينُ.. تهدأ العاصفةُ، فتزمجر عواصفُ أخرى في النفوس اليائسة.. يلوح الأملُ فتتصدع القلوبُ الواهنة.. ـ إنه يتجه نحونا يا والدي! الأملُ شعلةٌ يتجدد ضوءُها في كل سني العمر ومتاهات الحياة... تشع أطيافاً سحرية كلما اقتربت من الحقيقة، وتُلقي ظلالاً ضبابية على مجاهل الخيال... ـ انظروا.. انظروا.. إنه يقترب منا. تتطلع العيونُ بذهول، وتترجح الأجسادُ الملوّعةُ، وتلوّحُ الأيدي المتعبة. أمسك الفارسُ لجامَ حصانه بشدة، فصهل بقوة ناثراً حواليه زبداً صابونياً، وقد ارتعش خطمهُ الوردي ارتعاشةً مريعةً، ورفع قائمتيه الأماميتين متوثباً وكأنه أمام أشباح مخيفةٍ خارجةٍ من جوف اِلأرض تريد الفتكَ به. حدّق الفارس في الوجوه المتعبة طويلاً، ثم لامس برفق غرّة حصانه ورقبتَه، وترجّل.. كانت عيناه تلمعان كنجمتين متقدتين، وابتسامةٌ مشرقة كالشمس تكلل شفتيه... ـ الشيخ مفرّج وأهل بيته؟! يا مرحبا يا مرحبا ـ أهلاً بك يا ولدي.. من أرى؟؟ ـ كأنك لم تعرفْني؟! أنا صقر ولدُ الشيخ متعب. ـ يا قوةَ الله.. أهلاً بولدي صقر.. كيف لم أعرفك؟؟ قاتل الله الزمنَ الصعب.. كيف والدُك؟. ـ إنه بخير، وأنتم الآن في رحاب كرمه وحماه. احتضن صقر الشيخ مفرّج بحرارة، ورحب بأهل بيته الذاهلين، وسار معهم إلى خيمة سباعيةٍ مشرعةٍ أطنابُها، تفوح منها رائحة الهيل، ويعزف فيها المهباجُ لحن الرِفاء. بللت دموع الشيخ متعب وجنتي صديقه القديم، وهو يقبله بحرارة، ويحتضنه بقوة: ـ ماذا ألمّ بك؟! لماذا أنت هكذا؟! من فعل بك ذلك؟! سيلٌ من الأسئلة، وشلالٌ من الدموع امتزجا في لجة الصمت الرهيب... ضريبةُ الحياة تدفع نقداً دون تساؤل.. الدموع والآهات والزفرات الحرّى عملاتٌ مزيفة ترفضها أرصدةُ الواقع... ابتلع الشيخ مفرّج بصعوبة بضعَ قطرات من القهوة المرّة وغيّبها في حلقه. اليد الراعشةُ تهزّ الفنجان دون عناء، وملامحُ الذهول تروي قصة السنين العجاف. وقف الشيخ متعب بجسمه المكتنز ووجهه اللحيمِ العريضِ الوجنتين يداعب برفق معزقة لحيته الفضية الكثةِ يهلل ويرحب من آونة لأخرى، ويصدر بصخب أوامرَ لأتباعه اختفاء بضيفه العزيز... نحرت الخراف، وزغرد الرصاص، وامتلأت البطون، وشرعت الألسن تهذي بحديث الراحلين. أمر الشيخ متعب نصبَ خيمةٍ تضاهي خيمته وتجاورُها لضيف طوّق عنقه منذ سنين طويلة بجميل لم يستطع نسيانه أو سداده. أربعة أهلة مضت والشيخ مفرّج وأهلُه يعيشون برخاء في كنف الشيخ متعب جمع الوفاءُ شملَهم، وأغدق الكرمُ الفياضُ كلَّ معانيه المتجذرة على حياتهم... الهواء مشبع برائحة الفرح، والغيوم الدكناء تغسل صدأ الوجوه المتعبة... البرقُ ضياءُ نفوس يائسة، والرعدُ تهليلةُ عطاءٍ لا ينتهي.. الشتاء القارس يهزّ بعنف أعمدة التحدي، فتتراقص أطنابها فرحاً بانتصار جديد، وشتاءُ العمر مخاضٌ عسير لا ولادةَ فيه إلا للأنين والعويل... كيف السبيل إلى الرحيل وفي كلّ مرّة يضاعف الشيخ متعب أعدادَ الشياه والإبل وينتقي له أجود الخيول العربية الأصيلة؟؟ كيف الرجوعُ إلى الأرض التي التهمت بشراهة حصادَ السنين وشقاءَ العمر، وفي كلّ مرّة يردد الشيخ متعب أن لا مجلس يطيب، ولا ربيعَ يزهر، ولا شتاءَ يمطر إلا بوجود ضيفه وصديقه الشيخ مفرّج؟؟ كيف الوصولُ إلى الشتات المتناثر في كلّ اتجاه؟؟ أن فيهم الحبَ والأملَ والعطاء وروحَ الحياة.. اعتصر الشيخ مفرّج صُدغيه بقوة، وغاصت عيناه في حُلْم جميل، وعلى شفتيه ابتسامةٌ غامضةٌ تائهةٌ بين الحلْم والحقيقة. نهض متثاقلاً وخطا عدةَ خطوات، وهو يهمس في سره: بعون الله سأعيشُ الحقيقة.. قبل أن يدخل الخيمةَ المجاورة استوقفته همساتٌ نديةٌ فتية!! ابنة الشيخ متعب تشكو لأبيها سلوكَ ابن ضيفه الشائن!! تمتزج الشكوى بالبكاء!! والتوسلُ بالرجاء!! أعتى العواصف تمزق حجب السكون بقوة، وتضع على النطع أوردة المستحيل.. واذلاه.. لن تموتَ الحقيقة والله، وسيبقى الخيرُ والوفاء في كلّ مكان من بادية العطاء. تنحنح الشيخ مفرّج بقوة، وصاح بأعلى صوته: ـ يا شيخ متعب.. يا أبا صقر ـ أهلاً.. تفضل. كلمتان واهنتان تكلَلهما هالةً من الحزن والأسى العميقين.. بريقُ العينين المتقدتين وارتجافةُ الأنف اللحيم، وارتعاشةُ الشفتين الغليظتين، والعرقُ المتحدر من جانبي الوجه والرقبة.. أضفى كلُّ ذلك على هيئته تعبيراً تحاشى الشيخ مفرّج رؤيته فطأطأ رأسه شأنَ المجرم المعترف، ونكّس طرفَه كمن ينتظر الحكمَ النهائي. اقترب الشيخ متعب كثيراً من صديق عمره الذي تملكه الهمُ، وحدّق في عينيه الذاويتين الهاربتين من اللقاء، فتمتم: ـ ماذا بك؟! أيشغل فكرُك شاغل؟ ـ الحنين والشوق.. ـ الحنين.. الحنين.. على من يا شيخ؟ على من رحل وخذلك؟ والشوق على من؟ على من التهمَ حصادَ عمرِك؟ اقعد يا رجل.. اقعد.. ستزيل البيَّةُ1 سحابةَ غمسِك وكربِك. ـ أجل.. ستزيلها حتماً. احتدم الصراع بين الأنامل المرتعشة وهي تنقل الحصى بوهن، والتقت العيونُ الكسيرةُ بذهول... ـ سأهزِمُكَ هذه المرّة يالشيخ مفرّج. لقد هُزمتُ هذا اليوم والله... لم يول الشيخُ مفرّج اهتماماً بهذه اللُعبة للمرّة الأولى في حياته.. وعيناه ساهمتان باهتتان تعانيان من وطأة كابوس رهيب.. أجنحةُ الألم ترتعشُ في صحارى الخيبة والمرارة تائهةٌ في مسارب الوهم وظلال الخيال.. ـ ترحل يا شيخ مفرّج وإلا رحلنا؟ ـ لا بالله أرحل. ناقوس الرحيل يدقّ بصخب في أذنيه يناشده الوفاء المعهودَ فيه.. يطالبهُ بجلاء الحقيقة الملتهبةِ بسياط الحيرة والذهول. ـ هذا انتصار آخر لك انتزعته من شيخ ما عاش يوماً واحداً دون وفاء. إني أرى في الرحيل الآن وفاءً يا صديقي، وليساعدني الله. ـ ماذا تقول؟! ـ أقول الحقيقة، وأرجو أن تغفرَ كلَّ إساءةٍ بدرت مني أو من أهل بيتي. ـ معاذ الله أن تصدرَ عنك إساءة، وكلٌ يفعل بحليبه. تلاقت العيونُ وجلى مترددةً تلوذ بأجفان الحيرة والأسى، موشحةً بأطياف ضبابية، ترشح عُصارةَ سني العمر المنصرمة لتنساب في الأخاديد الغائرة... ـ كان الله في عونِك يا أخي. ـ في عوننا جميعاً. الشمس حانقة تُلهب الكثبان والتلالَ المتعالية بسياط قانيةٍ يقطرُ منها الكرةَ رغم مواسم الضياء.. مواكب الخير مثقلةٌ بالعطاء تمشي الهوينا يتقدمها الشيخ على صهوة كميتٍ أبيضِ المنخرين، يلفظ زفير نار، ويصهَل غضب، وغيناه جاحظتان تصليان اللجامَ المحكم بنظرات لا تقل حقداً عن الشمس الحانقة.. يريد الانعتاق ليعدو ويعابثُ الريحَ بعرفه، ويعزف بحوافره لحنَ العودة. يتلفت الشيخ ويرنو ببصره على قطعان الماشية التي يمزق ثُغاؤها سكون الصحراء وهي تلتصق ببعضها من وقع حوافرَ جيادِ أولادهِ المزينةِ بشرائطَ مضفورةٍ في نواصيها وأعرافِها وأجراسٍ بأعنتها وهي تنهب الأرض على الطريق العاثر، فيتملكه إحساسٌ غريبٌ لم تستطع أخاديد وجهه الغائرة أن تخفيه. مسيرة الأيام الرخيةِ ربيعٌ مزهرٌ عبق الآمال بقوة عجيبة، ويزيح ستائر العَتَمَةِ لينفذ الضياءُ إلى الأعماق.. يطيح بكوابيسِ الحرمانِ لتتوضعَ أوشحةُ الخيرِ في كل اتجاه. ارتفعت اليدُ المعروقةُ بَغتة تومئ بالوقوف على بوابةِ منحدر رهيب... خيام متناثرة ترقد في أسفله بحذر لذيذ، وتبدو في تناثرها كلحاف مرقّع يطفو فوق مستنقع من الزبد. تفرّق الأولادُ في كلّ اتجاه، وأقعى الشيخُ وزوجهُ ساهمان يطغى على تفكيرِهما مرارةُ الماضي وحلاوةُ الحاضر. استدعى الشيخ ولده البكر، وسار معه على طريق المنحدر حتى بلغا منعطفاً صعباً، فتنحنح الشيخ، وتمتم بهدوء: ـ بلغني أنك معجب بابنة الشيخ متعب يا ولدي.. ألا تريدُها حليلةً؟؟ ـ أنا؟! ومن افترى عليك؟ والله يا والدي ما طلب من أحد شيئاً وأنا في موقف ضعيف، وما انتهزت كرمَ الصديق يوماً لإشباع نزوةٍ ولو كانت مُلحة، وما نظرت إلى أهل من أجارَنا وبددَ شبحَ الموت من حولنا إلا كنظرةٍ لمحرم على كل نفس أبية.. هكذا علمتني، وكذلك تربيت. ـ رعاك الله يا ولدي وحماك. لا تُلق بالاً بدعابتي هذه، ولا تنقلها لأخويك. ـ أمرك مطاع يا والدي. ـ اذهب وارسل الذي يليك. كان الابن الأوسط لا يقلّ تهذيباً وأدباً عن أخيه، بل يفوقُه فصاحةً وبلاغةً وحكمة... أما الصغير فكان ثرثاراً لجوجاً ساخطاً على الرحيل المفاجئ، يتوسل كلَّ هنيهةٍ بالعودة، ويُلحّ إلى درجة المقت كعادته لتنفيذ كلِّ مطلبٍ يجول في خَلده.. مردداً: ـ هل سنرجع يا والدي إلى عرب الشيخ متعب؟ ـ أمن أجلها يا ولدي؟! بدا الارتباك جلياً على قسمات وجهه الصغير، ولم ينبس ببنت شفة. ـ لماذا لم تحدثني عنها يا ولد؟! يقال أنها طامحٌ رغم صِغرها، وعابثةٌ ماجنةٌ رغم جمالها.. أليس كذلك؟ ـ أجل.. أجل يا والدي. لن أفيها حقها من الوصف.. أنها فاتنةٌ ومثيرةٌ.. عيناها الدعجاوان تخفيان الأسرار، وتظهران الشهوةَ والرعبة.. شفتاها القرمزيتان تنادياني كلّ يوم نداءً ساخناً ملحّاً يبعث الحرقة في شرايين القلب.. جيدها الأتلع الصافي وقد انهمرت فوقَه جدائلُ شعر كثيف يفوح بأريج الخزامى.. قوامها المياد.. وكل شيء فيها لم يخلق والله إلا للفتنة والمتعة. ـ وهل سلمت من مخالبك أيها الشقي؟! ـ كانت عنيدةً ومتمنعةً رغم أنها كانت تبتسم لي بسماتٍ صارخةً، وتظهر لي سحر غمازتيها ولآلئَ فمها الشهي.. لا أكتمك يا والدي بأني لم أعد في الدنيا سواها، فما انقطعت يوماً عن التربص بها والتعرض لها ولكن دون جدوى. رأيتها قبل الرحيل بيوم وقد انضوى عنها مئزرُها لتستحمَ على الغدير، فبرزت كلُّ مفاتنها وبدا جسدُها الشهي يصرخ شهوة، فسرت دفقةٌ من رحيق اللذة في جسدي، وارتعشت ارتعاشة ما شعرت بها يوماً، فحاولت اغتصابها.. لكنها أُفلتت من مخالبي.. هربت بعيداً، ولم أرها حتى عند الرحيل.. ما أقلّ وفاءَ النِسوةِ يا أبتي.. ـ بل ما أقل وفاءَك يا بني.. نكس الفتى رأسه الصغير، وطيفُ ابتسامةٍ خرساءَ يجلل شفتيه، وغاص في حُلْم جميل. هوت الكف الراعشة قويةً لتمزق حجبَ السكونِ، وتدمي وجهاً ذاهلاً يحملق مستجيراً. أمسك الشيخ بتلابيب ولده، وهزه بعنفٍ، وصرخ بوجهه الدامي: ابن حرام.. ابن حرام.. وتتالت الصفعاتُ قوية على وجهه، والركلاتُ على جسده حتى سقط منهكاً، وانتابته قشعريرةً عندما حملق بالمُدية لامعةً وهي تقترب من عنقه... ـ يا شيخ مفرّج.. إنه والله ولدُك.. اقتلني قبل أن تقتلَه... كان صوت زوج الشيخ مفرّج ناشجاً بقوة يستحلف الشيخَ بكل غال أن يعفو عن ولده الصغير، وقد أمسك ولداه أُمَهما وهي تضرب وجهها وتفرّق شعرَها، وتوسلوا جميعاً عند قدمي الشيخ راجين العفو. وقف الشيخ مفرّج منتصباً.. أماراتُ الغضب تهيمن على كلّ مسامات وجهه المتغضن والمُدية بيده، وقد وضعها على عنق زوجه قائلاً: ـ ابن من هذا؟ ـ أنه والله وُلدت ومن صلبك. ـ ليس من صلبي من يخون الزاد، ويعتلي صهوةَ الفجور، ويقابل الوفاءَ بالغدر والخسة.. ليس من صلبي من ينهش أعراضَ من أنقذنا من الموت والحرمان.. بالك من فاجرة.. لماذا لم تحسني تربيته كأخويه؟؟ واذلاه.. أين الشرفُ يا أهل الشرف؟ أين الوفاءُ يا نبع الوفاء؟! قم أيها الغادر.. أما أنتم فشدوا وثاقه جيداً، وارسلوه إلى الشيخ متعب لينظرَ في أمره، فوالله ما أحببت إرساله حياً إليه.. هيا أسرعوا، وحمّلوا رحلَكم، فلم تعد عيناي تبصران أحداً بعد اليوم. انتفض الشيخ متعب بعصبية عندما رأى ابنَ الشيخ مفرّج وقد أدماه وثاقَه، وأمسك بتلابيب الرجل الذي كان يرافقه قائلاً: ـ وأين الشيخ مفرّج؟ ـ لقد رحل. ـ ومن أنت إذن؟! ـ عابر سبيل أجزل لي الشيخ العطاءَ حتى قبلت بحمل هذا الرجلِ إليك، وأقسم بأنني أجهلُ السبب. ـ وأين كانت وجهتُه عندما رحل؟ ـ جهة الجنوب الغربي. نادى الشيخ متعب خادمه ليحُلَّ وثاقَ الرجل، ويطعموه، ويُحسنوا وفادتَه، وأمر آخر ليسرج له الشهباء بسرعة، وقال لمن احتشد حوله: أنا راحل الآن، ووالله لن أعود إلا برفقة الشيخ مفرّج، وأنشد والدموعُ تغلف عينيه: رحل ضيفنا ما جاء منا رزية ولوجتنا مِنه ما جاء منا عتابها(1) نرفو خَمَال الضيف إلى داسْ زَلّة كما ترفو بيض العذارى ثيابها(2) الأجواد إذا قاربتهم ما تَملَّهم والأنذال إذا قاربتها عِفتْ مَا بْهَا(3) الأجواد مثل البدر في ليلة الدجى والأنذال ظَلْمَا تايه من سرى بْهَا(4) الأجواد مثل الزَّمل للشيل ترتكي والأنذال مثل الحشو كثير الرغا بها(5) أقسمت يا أرض خلت من مفرّج ما أبغاها لو هُو زعفران تْرابْها(6) (1) رحل ضيفنا دون أن تأتيه أذية ولو فعل بنا الدنية فلا يمكن أن نعاتبَه عليها. (2) نستر إساءات الضيف إن حدثت كما العذراء تستر نفسها إذا انشق ثوبها خاطته. (3) الأخيار قربهم سعادة والأنذال قربهم سأم وشر لا ينتهيان إلا بمفارقتهم. (4) الأخيار شبه القمر في كمال نموه والأنذال كالليل المدلهم من سافر به سيخطئ الطريق. (5) الأخيار شبه الجمال القوية تتحمل المصاعب والأنذال مثل أبناء الإبل الصغار لا تملك إلا الرغاء وهو صوتها الأجش. (6) يقسم الشيخ متعب بأنه لا يمكن أن يسكن الأرض التي رحل عنها صديقه الشيخ مفرّج حتى لو كان ترابها من الزعفران الطيب الرائحة وذلك حتى يعود برفقته. 1 البيَّة: لعبة يدوية تشبه المنقلة وهي مكونة من عدد من الحفر والحصى. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |