|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الرجيمة ـــ قصة: ناديه الغزي يا رجيم أين زوجك؟؟ السهول واسعة.. واليمنَ خضراء.. قد أقبلت الأمطار!! قد أقبلت الأمطار! وعلى متون الجبال الشاهقة، تساكب الغيث ثم انحدر نحو السدود المُقامة.. لا شيء يتغير، ولا شيء قد تغيّر منذ أيام أو منذ عام. * قطعان الغنم تتابعت إلياتها تتأرجح في الطرق البعيدة.. ومشارف المدن ذات الطبقات والزخارف، ما زالت بعيدة عن متناول الأيام. يا رجيم أين زوجك؟.. قد أقبلت الأمطار؛ قد أقبلت الأمطار؛ أتقدم إليك.. أسألك قطعة من لحمك.. سمنتِ يا رجيم، وصار جسدك الاستوائي أقرب تناولاً.. لم يتغيّر فيك شيء منذ أيام أو منذ عام.. فأنت ما تزالين جميلة كالسمسم.. ذكية كالخلد يحفر أوكاره تحت الأرض.. بين كلّ وكر ووكرٍ طريق سري، وفوق كل مدخل كثيب صغير من تراب. سريّة أنتِ! تجتذبينني، وتشدينني.. مشدود أنا كالثور بحبال هواكِ العاصف.. وملحق أنا بنعليك.. راغب أنا في شفتيك.. موسوم كالكبش فوق عينيّ ومكشوف النقرة من ضعفي تجاهك.. أخضع تحت ألوية رحمتك.. وأنتِ تشدين وثاقي، ثم.. تلبسينني درع الشوك. آتيك.. أفرغ سموم الأفاعي فيك. وتتلونين أنتِ.. أيتها الرقطاء التي أحاول ترويضها.. بألف لون! أنتِ الرعناء بألف طريقة.. الهمجية بألف وسيلة. أين زوجك يا رجيم؟؟ * قد أقبلت الأمطار.. قد نبت السندس.. واعشوشبت براري اليمن القديم. أجيبيني.. قولي تعال، أيتها السمسمة البريّة، واحشي رئتي بكلامك المحلى بالأعسال.. ولا تتركي لي أي مجال كي أهرب منك، فلقد تخطيت الصعوبات، ونقلت خفي طويلاً في المسالك الوعرة.. وسمحت لروحي بالسقوط فيكِ. * التفتت ((رجيم)) نحو القادم. ونشبت أفعى هائلة بهيكلها النحيل المرقش، قرب قدمي المرأة.. ثم صوبت نحوها.. نظرها: وكانت رجيم تعرف أن أمثال هذه الأفاعي تقتل بمجرد أن تصوّب نظرها، لكنها لم تخف ولم يطرف لها جفن.. بل هي حدقت بشدة غير موصوفة بعينين كبيرتين سوداوين في حدقتي الأفعى.. نشبت المرأة.. ونشبت الأفعى.. ارتخت الأفعى.. وخفضت رأسها المثلّث الشكل.. ثم حوّلت لسانها الطويل وأظهرته عدة مرات بخفة نادرة المثيل.. وبعدها.. التمست الأرض، فتحولت إلى عدة انحناءات، تتلوى عرضانياً.. مبتعدة عن المكان فوق صفحة الرمل والتراب. هربت الأفعى.. وبقيت.. ناشبة ((المرأة))!! * أنزلتُ خماري.. ولَهَمْتُ ثوبي الأطراف.. زوجي يرعى أغنامه.. وهاهي ذي عشية النهار قد أقبلت، وقت إيابه إلينا.. أقبل أيها الرجل العشيق.. أقبل مع كلأ أساطير الحِمْيريين.. تخطّ باب خِبائي المتجه نحو ظل الشمس.. واترك أدعيتك ومعتقداتك وتنبؤاتك في الزمن الشرقي، فهاهي ذي امرأة من بني كركر تدعوك إليها. * مالت الشمس نحو مغيبها.. بقي لها فرسخ أو فرسخان،، وتسقط خلف جبال اليمن الآبدة.. هي خطفة أو خطفتان، وأنتهي من صَلَفي وارتعاشي فأسجل على بدنك خطّاً جديداً من الحرام.. وأرسم على جلدك شجرة أخرى من الخطأ. أخفض نقرتي.. فالطميني بهواك أيتها المرأة. ويزوغ نظري.. فلا أعرف من منكما مطلبي! أنتِ.. أم الأفعى؟! وتضحكين.. ولا تمانعين.. تتاجرين بالأفق وبكل خباء وحيد.. تتاجرين باللاشيء الذي أصبحت وتنتصرين على ثغاء أغنام زوجك. أنتِ لا تحبينني.. ولا تحبين زوجك.. تحبين جسدك وروحك التي تُشبه الليل المطمور بالكمأة، المنشور بالبرق والرعد؛ ولكن.. لا بأس.. فقد أدبرت الأمطار.. أدبرت الأمطار! وسكنت براري حِمْيَر القديمة لتتساءل عن سرّ انجذابي إليك.. وأنتِ تضحكين.. بقي فرسخ واحد.. وتهجرنا شمس النهار!! وأنتِ تتجلّين.. ألهبتِ النار يا ((رجيم)).. وبها تسقطين.. وإيايّ.. تَجُرين!! * تضحك المرأة.. تقول لعشيق العام الماضي.. عشيق الشهر الماضي.. عشيق الأسبوع الذي فات: خذ ما تريد!! * جبال شاهقة، ووديان لا قرار لها.. والأساطير القديمة تتدحرج من جبلٍ إلى جبلٍ كالسيول وتتربّع على حُليمات كلّ لسان. * كان ((لقمان بن عاد)) يسير في البادية.. يحضر في الحجر والرمل.. ويتلاشى مع الغيم والمطر.. يسير مع الإبل.. وينبت مع الخصب، ويثور مع الأمطار الاستوائية، وبينما هو يمشي في الزمن السعيد.. ويمر في المكان البعيد، إذ به يسمع الرجل والمرأة يتحادثان.. أين زوجك يا رجيم!! * تقول الأساطير الحِمْيرية.. إنَّ لقمان عرف كل شيء.. وسمع كل شيء، وبينما كان الشخصان يتحوّلان إلى عقربين إذ بالمرأة تسمع صوت ثغاء الأغنام.. وتشمّ رائحة غُبار قدومها.. هي أغنامنا أيها الرجل الذي معه أسرق بساط خبائي.. تقدَّم الغبارُ وظهر الغنم.. وإني ملقاة على الأرض أبيع نفسي لك، وتستبيح أنت مفاصل زوجي.. ملقاة أنا على الأرض والأرض تُعلمني بصوت الاقتراب.. وبأنّه.. من بعد.. لا يمكنك الخروج من أي خرم.. ولا يمكن لي.. أن أتلوّى وأترقّش لأنقذ نفسي عند أيّ سؤال أو جواب.. ـ يقتلنا يا رجيم.. ـ ربما يقتلك.. وربما يقتلني.. فهذا حق وهبته له السماء * تحوّل العاشق الصنديد إلى جربوع مسائي.. وتصاغر الهوى في العروق حتى أصبح خوفاً.. واللسان الطليق بأحاديث الغرام أصبح ثأثأة.. والجسد المشدود أصبح ارتجافاً. ((خبئيني يا رجيم)) غربت الشمس.. غربت الشمس.. ووصل صاحب الحق مع الأغنام. * السهول عُظمى.. وحِمْير امرأة ورجل.. زوجان يتوغل بينهما قطيع في الضروع حليب.. وفي الحليب رزق من نبات البادية.. للحملان العشب.. للناس الأرزاق! امرأة ورجل.. نقطتان هامشيتان في أفق الدنيا.. معهما خباء.. وفي الخباء صندوق خشبي أسمته الأسطورة تابوتاً. أسرعت رجيم قبل وصول زوجها.. ففتحت التابوت.. ثم طلبت من شحرورها المغرّد الذي قطع الوديان من أجل تغريده بين يديها.. طلبت منه أن يستلقي في التابوت.. فلمّا.. اطمأنت عليه.. أحكمت إغلاق التابوت الخشبي.. سوّت ثوبها.. ونفضت آثار التراب عن كعبيها، وأعادت خمارها فعقدته على رأسها وحول عنقها، وتحوّلت، من جديد إلى زوجة راع، مطيعة، تحسن حفظ نسب أولادها.. * وصل الراعي.. وأوقدت النار في المساء.. وعلى نار الحطب أنضجت رجيم خبزاً.. ومن بين ضروع الأغنام انتقت ضرعاً، حلبته، ثم أحضرت الحليب وقد علته كوكبة من فقاعات الزبد.. فأكلا.. وشربا، ولقمان، يطلع من شظايا ضوء النجوم، يعرف الحكيم كلّ شيء، ويرى كل شيء.. ينتظر نهاية الأسطورة الحِمْيرية. * لا تحركي القطيع يا امرأة.. ولا تحاولي بعثرة المساند في الخباء، فإننا للتوّ.. أصبحنا غرباء فما أنا عارف لماذا اغترب قلبي فجأة عن هذا المكان فَوَدَّ مكاناً آخر، اكتشفته هذا الصباح فراقني.. مكان فيه جدول ماء يا امرأة.. وفيه مراع قريبة، فلا تمكثين وحيدة طول النهار، وكان مستور عن صدى الريح، ومشفوع فيه المطر.. ومُشارف للسنوات السمان.. مباعد للسنوات العجاف.. لُمّي المتاع يا امرأة البيت، ويا دجاجة القنّ ذات السنابل المورقة.. واطوي فراشنا ونوازعنا إلى الرحيل.. وهيا.. فلنأخذ طريق القمر. القمر يوصلنا إلى الخصيب.. القمر يوصلنا إلى المكان الخيّر.. * ظهرت الأفعى المرقّشة من جديد.. ونشبت قرب (رجيم) يحدّق بها بعينيها الصفراوين تلتمعان في العتم.. ولسانها يتلاعب خارجاً من فمها بسرعة، ينتظر لحظة انتصار الأفعى على المرأة. لكنّ رجيم تجاهلت المرقطة التي تنتظر هلاكها.. فقد كانت المسألة مسألة حياة أو موت بالنسبة إليها فلمَّت متاع البيت. وحمّلت الأحمال.. علّقت القدور والدلاء، وطوت الخيمة في هذا العراء. * لماذا يرشدنا القمر.. أيها الرجل القوي من ((بني كركر)) ولنترك أمرنا للفجر ترشدنا الشمس!! تحرّكت الأفعى وتلوّت ورقصت، وتضخم رأسها المثلث حتى تحوّل إلى حجر كبير كاد يسحق قلب رجيم.. لكن المرأة تماسكت.. وأدركت أن الرحيل، أزمع عليه الرجل. ـ لا بأس.. أطيعك أيها الزوج العملاق طاعة عمياء.. سأحمل عنك متاعك.. وأقود أغنامك لكن.. خذ فاحمل هذا التابوت.. ففي التابوت كلّ حُليي وثيابي والمتاع الثمين.. فما من أحد غيرك يحمي هذا الكنز من لصوص الليل.. ومن الضباع الناهشة.. ومن القرود العابثة. * تحرك الركب الضئيل؛ وأسرى الرجل بامرأته ومتاعه وغنمه يتبعون القمر.. تحركوا.. كقواقع سائبة يرميها البحر ويدفعها نحو هدفه في الشاطئ القريب. وتحت قبة السماء المترامية.. ظهر نور القمر وقد تمدد على كل البسيطة.. وسيطر على القافلة العابرة، ليبدو؛ بوضوح ظلّ رجل يحمل تابوتاً ويمضي. * ((الحمل ثقيل)) وحليك ومتاعك يا امرأة أثقل.. هأنذا أنقل التابوت من على كتفي اليسرى إلى الكتف اليمنى.. ثم أضعه على رأسي.. وأصبر فقد أوشكنا على الوصول. * من الظلمة.. ومن ثقب صغير، بصعوبة كان الرجل يستنشق منه الهواء.. من الخوف: من شدة الخوف.. وتحت أي ضغط، في أية حقبة من حقبات الزمن.. يبقى الإنسان إنساناً.. وتمارس أجهزته البيولوجية عملها كالمعتاد.. بحسب الظروف والضغوط.. وتتظاهر ردود الفعل عند حصول شروط معينة بشكل واحد يخضع لهذه الشروط.. قبل التأريخ.. قبل اختراع القنبلة الهيدروجينية أو بعدها.. سيان. لذا وجد العشيق المحمول.. نفسه.. مضطراً اضطراراً حتمياً مرغباً لإفراغ مثانته التي امتلأت بفعل الخوف.. ولم يستطع إمساك عضلاته.. فبال!! وسال البول في التابوت.. وتجمع.. قال العاشق الولهان أتحمل زنخه ورائحته النتنة حتى يصل بي الزوج إلى المكان المطلوب.. فأراوغهم.. وأفتح التابوت وأمضي.. أمضي.. سلام على العشق.. وألف وداع العشيقات البراري!! لكن العاشق الجليل العواطف، لم يكن يعرف أن هناك ثقباً في منتصف التابوت، وله الحق، كل الحق في هذا الاعتقاد، فلم يكن هو صانع التابوت.. ولا دقّ فيه مسماراً بطبيعة الأمر. ولا هو قد وضع فيه ثوباً ذات يوم.. أو نوى أية نية لاستعماله!! وكانت المصادفة أن يكون الثقب فوق رأس الزوج!! فسال البول.. سال وغمر الراعي المسكين من قمّة رأسه حتى قدميه.. فبول الخوف كثير!! * ولقمان يسير بعيداً.. يواكب المأساة الحميرية وينتظر لحظة الانفجار.. فلقمان بن عاد يعرف كل شيء وله الحكمة والقول في كلّ معضلة. * توقف حامل التابوت!! ما هذا يا امرأة؟ ما هذا الذي على رأسي وجسمي؟ جمد الدم في عروق الأنثى.. ونشبت الأفاعي هياكلها، ورؤوسها المثقلة الشكل يتطاير منها الشرر.. وتملص الخلد من وكره واتجه إلى وكر آخر.. يريد مخرجاً. ـ ولقد حاولت رُجيم أن تقول شيئاً في التابوت أداوة ماء أيها الرجل. ـ لكنه مَلِح أيتها المرأة.. وساخن كالماء وقت الظهيرة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |