|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
مذكرات جنين ـــ قصة: زرياف عبد القادر المقداد لا أدري لِمَ كنتُ أظنك أحببت أمي حين تزوجتها، لقد خجلتُ من نفسي كيف تظن بك حسناً، فمنذ أول نظرة لك اخترقت ثنايا جسدها أدركتُ أنك لم تتزوجها إلاّ كعامل احتياطي، يضاف إلى قائمة العمال في الأراضي المنتشرة هنا وهناك، تسلبها خيرها، وتشبع بها جشعك. بحثتُ في وجه أمي عن سحنة ما للجمال في وجهها، بحثت عن تلك المسحة من الجمال التي تحتفظ بها أي أنثى ليدركها رجل ما، هل أدركتها يا أبي؟ أشكُ في ذلك، لأنني رأيتها تغور عميقاً في وجهها، وتبتعد خلف أسوار دارك عندما دخلتها لأول مرّة، وأذكر ساعتها كيف بصقت نسوتك وأولادك عليها عندما جئت بها، وأنك ازددت طولاً، وتضخم شارباك في رأسك الصغير الذي يتربع في قمة جسدك، وبرزت وجنتاك فيبتعد أولادك عنها، وتهرب نسوتك خوفاً. وعندما ألقيتني في رحم أمي ثرت، وتمرّدت على جميع القيم والمبادئ، وصرتُ أشك في أنك تدركها، لأنَّها تتوقف عند حاجزٍ لا تتجاوزه أبداً، وهو جشعك المتواصل للنساء والقمار. ولن أنسى عندما كنتُ مُضغة في رحمها كيف ضربتها، وأخرجتها من دارك، والسماء تصرخ بخشونة لم أعهدها فيها. تحملني في أضلعها، وتسبق الشمس في صحوها، ثم تنام كخرقة بالية كتلك التي تمسح بها آثار خوفك من خسارة ما في لعب القمار أتلقى صفعاتك الرهيبة على جسدها، وهي تئن بحملها، ترتجف قطيرات الندى على وجهها، فألمسها ساخنة حارقة تحمل كل همومها وشجونها من بيت خرجت منه، وعافته لتدخل بيتك باحثة عن أمان فيه، فلا تجده. أكبر في رحمها، أتكوم في داخلها، تحين ساعة ولادتي، تستجدي الراحة منك وترجوك: ((اتركها اليوم بلا عمل)) تلعق نسوتك شفاهها ويطيب لها أن تتذوق مرارة ما ذاقته كل واحدة منهن وأنت تصرخ: ستخرجين قبل الجميع. يشفق العمال على أمي، وأنتَ لا تهتز شعرة في رأسك، وأطلّ من جدار بطنها عليك، علّك تراني، فأشفع لها، إلاَّ أنَّ آثار النوم تعلق بأجفانك وترفض أن تتركها تلتقط شيئاً من أنفاس الراحة. أملُّ من مراقبتك، أغور في جوفها، وأكاد أختنق من تعبها. تصرخ في وجهها: صبي.. أريده صبياً. لكَ ذلك، قوة أكبر من جهلك جعلتني صبياً أنتَ من زرعه في رحمها، ألا تدرك؟ احصد ما تزرعه. سأكون رجلاً مثلك، ولكني أرفضك، أتحداك، أنا الجنين القابع في بطنها أتحداك. ترجوك: أن اتركها بلا عمل.. ولدك سيأتي للدنيا.. توزع نظراتك بين دائرة القمار وبينها وبين الكأس: اغربي عن وجهي. يقطر كرمك من أردانك ولا تشمه أمي ولا نسوتك، وينسمح. بك الأقزام الصغار من أهل القرية لينالوا شيئاً منه، وسأندفع من بطنها في أي لحظة وأتربّع على مائدتك: ((فم جديد يقضم الطعام)). تتكوم أمي مع بقية العمال، داخل قاطرة تحملهم كقطيع الخراف. أختار اللحظة الحاسمة لأريد كيف ستندفع بين الجموع لتلتقطني، سأريك كيف ينفصم ظهرك من هذا القادم الجديد. أثور في جوفها، ويندفع بركاني، أضربها برأسي: الآن أريده أن ينحني أمام الجميع، ويلتقطني هنا من الشارع، مللتُ صبرَكِ وصمتَكِ. تخجل أمي من البوح بألمها، وتتشابك أسنانها لتمنع صرختها من الخروج: الآن أريد الخروج يا أمي..! تكومني في جوفها، ترجوني، تستعطفني كما تفعل مع أبي، أحوّل استجداءها إلى ألم فظيع وأرفسها كجدي صغير يريد الخروج من بطن نعجة.. تلتف ساقا أمي، تحاول أن تحجزني، أكره رائحة عرقها وتعبها: أريد الخروج، تتجمع الدماء في وجهها، ويندفع ألمها صارخاً. تنتبه النسوة حولها، وتصرخ إحداهن بالسائق يحمل قطيع الخراف: توقف. تنحدر قطرات الندى من الزهرة الأم، أكوّم جسدي في داخلها وأنفرج.. تُنصب خيمة في طرف الشاعر، يصرخ الناس: هاتوا أبا الولد.. الآن أحرجك،.. تقدّم.. انتشلني من الطريق الذي غُرس في حصاه تعب أمي..، عليك أن تركض أمام الجميع وإلا سوف يتهمونك بقسوة القلب، وأنك لم تترك أمي ترتاح يوم ولادتي، اخرج من جلدك، تعرّى أمام الأقزام والعمالقة من البشر.. تنتشل الولود الصغيرَ من الأيدي، وأحدّق فيك بنظرة تقتلك، ويمزق صوتك أحشاءَك في جوفِك. : ((يا بن الـ.. ... أما وجدت وقتاً أنسب من هذا للخروج..؟. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |