|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
إدغار آلن بو شاعراً وقاصاً ـــ د.بديع حقي كانت حياته المضطربة المؤسية، المترعة بالألم والعذاب، تهوِّم فوقها كؤوس الخمرة، تعكس على صقال مرآة أدبه، قصائد نديِّة، شجيَّةً، غامزة أوتار القلب، كما تنعكس في قصصه الخارقة لتجلو حقده وتشفيه وانتقامه من مجتمعه الجائر، الظالم الذي لم يكن يقدِّر موهبته الأدبية الرائعة، شاعراً وقاصاً، إلا بعد أن قضى نحبه. فلا مندوحة لي، من أن أستهلَّ هذه الدراسة التي هي محاولة يسيرةٌ، مختصرةٌ في استجلاء عبقريته، بلمحةٍ وجيزةٍ عن سيرته المضنية، تسبقها كلمةٌ صادقة معبِّرةٌ، ساقتها كاتبةٌ نابهةٌ (ماري بونابرت) في قاموس أدباء العالم، ملخصةً بها حياة (إدغار آلان بو) المعذبة، في كلمةٍ جامعةٍ، مانعةٍ، ألفيتها أجملَ ما يمكن أن أستشهد به تقديراً وتقويماً لأدبه الفذ، تقول فيها: (حتى يكون في ميسور (إدغار آلان بو) أن يثني طبيعته الغريبة، المتقلبة، المرنّقة بالأسى، عن أن تحيله إلى مجرم حقيقي، أو إلى مجنونٍ حقيقي، فقد كان يفزع إلى مخدر آخر، إلى مخدر، لم يكن غيره يحسن استعماله مثله، أعني به الحبر الذي كان يغمس فيه قلمه، ليسطر على الورق، بخطه الجميل، المتقن، الصور المأتمية، الرهيبة، ولكنها الصور المواسية التي كانت تسلُّه، أحياناً، من شجنه). ولد إدغار آلان بو في بوسطون (الولايات المتحدة الأميركية) في 19/1/1809 وكان والده دافيد يتحدر من أسرة فقيرة كريمة النِّجار، وكانت أمه إليزبيت، ممثلة مغمورة، أحبَّها والده فتزوجها واحترف مهنتها، وقد مني والداه بالفاقة والمرض، فأصيبا معاً بالسل الرئوي، وعرف والده بعبثه وسكره، فقد هجر زوجته المريضة وعمر ابنه إدغار لا يجاوز السنتين، فلم تلبث أن قضت نحبها وهي في ريِّق صباها في برشموند، وقد تبنى جون آلان ـ وهو تاجر إيقوسي الأصل ـ وزوجته فرانسيس الطفل اليتيم إدغار، بعد أن لمسا لديه مخايل النجابة والذكاء، وتعهداه برعايتهما الساهرة، وقد قسرت ظروف العمل جون آلان على المضي مع أسرته، إلى إيقوسيا، مؤقتاً، وشاء قبل عودته مع زوجته إلى ريثموند ـ حيث كانا يقيمان ـ بأن يضع الطفل في مدرسةٍ داخليةٍ في قرية من ريف لندن، هناك عانى الطفل من وحشةٍ قاسيةٍ، وغربةٍ مقيتةٍ وآب إدغار إلى موطن أسرته في ريثموند، في الثالثة عشرة من سنه، ليتابع دراسته في جامعة فيرجينيا، وكان فتى وسيماً، ذا ذكاءٍ وقَّادٍ، وميلٍ متَّقدٍ إلى المطالعة، وقد عرفت هذه الجامعة بتسامحها مع طلبتها في التمتع بالحرية والعبث، وانساق إدغار إلى الميسر، يبدد ماله، وإلى الخمر يغب منها، سائماً سَرْحَ اللهو، ولم يلبث أن طُرِدَ من الجامعة لسلوكه السيئ، وانبتَّ ما بينه وبين أبيه بالتبني جون، بعد أن رفض هذا تسديد ديونه المتراكمة، ومضى إدغار، باحثاً عن سبيل للرزق، عن طريق الصحافة الأدبية في بوسطون وتأتى له ثمة، أن ينشر أول دواوينه الشعرية (تيمورلنك وقصائد أخرى) وعاد إلى ريثموند عام 1829 بعد أن تناهى إليه أن السيدة آلان ـ أمه بالتبني ـ تُحْتَضر، وكانت تؤثره بعطفها وحنانها، بيد أنه لم يتسنَّ له أن يراها، فقد شُيِّعت ودفنت قبل وصوله، وقد صفح عنه جون آلان، واتفق إدغار معه على أن يلتحق بالأكاديمية العسكرية، غير أنه ضاق بها ذرعاً، فتركها، وانصرف إلى الكتابة، وعكف على تأليف أقاصيصه الخارقة المتميزة بالأسلوب النقي المشرق والخيال المشوب، وقد تزوج جون آلان، فتاة في مقتبل العمر، مما أحفظ إدغار الذي كان بارَّاً بأمه المتوفاة، وفياً لذكراها، فجعل يركب والداه جون بالزراية والسخرية، وأفضى ذلك إلى قطيعةٍ نهائيةً ما بينهما، فلما قضى جون نحبه لم يترك لإدغار، في وصيته، دانقاً واحداً من ثروته الطائلة. وقد لفتت إحدى قصصه (مخطوطة ضائعة ضمن قارورة) نظر ناشرٍ يدعى كندي، فألحقه بصحيفته مشرفاً على قسم الثقافة فيها، وعرفت بفضله ذيوعاً وانتشاراً واسعين، وفي أيلول عام 1835 بنى إدغار بابنة عمته فيرجينيا كليم، ولم تكن تجاوز الثالثة عشرة، بيد أنه لم يجد عن خمرته، يعاقرها بين الفينة والفينة، مما حمل صاحب الصحيفة على الاستغناء عنه، على الرغم من ذيوع اسمه وشهرته الأدبية المتنامية، واضطر إدغار إلى التماس الرزق في نيويورك، فانتقل إليها مع زوجته وأمها، هناك، تسنى له أن يؤلف كتابه (مغامرات آرثور غوردون بين) وفكر أن ينشئ مجلة خاصة به، ثم نظم قصيدة (الغراب) و(الأجراس) اللتين فتحتا له أبواب الشهرة شاعراً لا نظير له بين شعراء عصره، بيد أن الكأس الروية كانت تجذبه وتغريه دوماً، ليمضي من حانةٍ إلى حانةٍ مترنحاً، معربداً، يتعتعه السكر، وكأن القدر السيئ كان يواكب خطاه المتعثِّرة في الحياة، فقد أصيبت زوجته فيرجينيا بمرض السل، وكتب، واصفاً حاله، آنذاك، بقوله: (كنت أتوقع احتضارها، دوماً، ولا آلو أشعر بمزيدٍ من التعلق بها، وأضحى شعوري متوفّزاً، وأصيب عقلي بلوثةٍ من جنونٍ، وفي مثل هذه الهنيهات الصعبة، كنت أفزع إلى الخمر لأنسى). في هذه الفترة العصية من حياته كتب أكثر قصصه عنفاً، وقد وصفه أحد معاصريه (غراهام) فيما كان يرود حول فراش زوجته المسكينة، كأنه أم حنون تخاف على وليدها: (كان أقلَّ سعالٍ يُلِمُّ بها يجعله يرتعش ويعتصر قلبه حزناً ورأفة) وأخيراً قضت نحبها، وهي في الخامسة والعشرين من عمرها، بيد أن أمها الوفية ظلت ترعى شؤونَ إدغار وتسهر عليه بحنانٍ غامرٍ، وتمضي من صحيفةٍ إلى صحيفةٍ، حاملةٍ مقالاً له أو قصيدة لنشرها مستدرةً عطفَ رفاقه وإحسانهم غير أن حياته المضطربة ظلت تترجَّح موزعةً بين الكتابة والخمر التي كانت تذويه عضواً فعضواً، غارقاً في شبمٍ من شرابه الأثير، وعثر عليه أخيراً، في بالتيمور ـ وكان قد وصل إليها في طريقه إلى نيويورك ـ مخموراً، مطروحاً على حَيْد الطريق، مغشياً عليه، بعد أن سلب ما لديه من مالٍ، ونُقل إلى مستشفى، وهو في حالٍ من الإعياء شديدٍ، وقضى نحبه، إثر خمسة أيام من الهذيان والاحتضار، وكذلك اختتمت حياتهُ المعذبةُ وفقدت أميركا بغيابه، أعظم شاعرٍ لها في القرن التاسع عشر. إدغار آلان بو شاعراً لعل أهم ما يتميز به (بو) بين شعراء عصره، هو تلك العناية القصوى والحرص المسرف الشديد، والجهد المتصل، المبذول، في انتحال ألفاظه الموحية وصياغتها وصقل أسلوبه وتحكيكه منتقياً أحلى ما تسيغه أذنه المرهفة وذائقته الشعرية الملهمة من كلمات. ولربما عَدَّ (بو) من هذا النحو، شاعراً برناسياً، في حرصه الدائب على صفاء أسلوبه وتشذيبه من أي عنصرٍ نثريٍ يمكن أن يشوب قصيدته، لكن شعره يمتاز على شعراء (البارناسية) بأن الصور الشعرية في قصيدته، مترعة بالألق الوضاء، والحركة النابضة بالحياة، وقد أشار بودلير إلى ذلك بقوله: (إن شعره العميق، المتوجِّع، يبدو محكماً، صافياً، متألقاً، كجوهرةٍ بلوريةٍ نقيةٍ، وعلى الرغم من ولعه بالأوزان الصعبة، فإن شعره يختزن تناسقاً عميقاً، ولهذا فإنه يصعب ترجمته إلى لغة أخرى لئلا تفقده الترجمة انسجامه ورواءه، وكذلك تدَّخر قصيدته كما نظمها بهاءها ورونقها وطلاوتها). لهذا أحجم بودلير عن ترجمة قصائد (بو) وتصدى لترجمة قصصه الخارقة، وقصصه الهازلة والجادة، ومغامرات آرثر غوردون بيم وأوريكا، وقد أشار إلى ذلك بصدد تعليقه على شعر (بو) فقال: (إن ترجمة شعره حلم يجاذب دوماً عشاقَ شعره لكنه يظل حلماً بعيد المنال، فإن شعره لا يماثل التدفُّق المتَّقد الذي يتَّسم به شعر (بيرون) ولا يماثل النفحة الحزينة المترقرقة في شعر (تنيسون)، إنه أشبه بالحلم بل أكثر عمقاً، وأشبه بالبلور بل أكثر صفاء). هكذا أضحت قصائد (بو) المنهلَ العذبَ لرواد الرمزية الأوائل في توقهم إلى الموسيقا اللفظية الموحية المؤتلقة مع الغموض الذي كان يلفع قصائدهم. ولبو، قصيدة تدعى (الأجراس) هي في نظر النقاد المنصفين إحدى المعجزات، في الشعر الأميركي كله، ففيها تتجاوب كلماتُ القصيدة وحروفها، متهامسةً، متردِّدةً كرنين الأجراس وصداها، يتعانقان ويتناغمان، كما ولا أحلى. وقد نقل الشاعر الفرنسي (مالارميه) هذه القصيدة نثراً إلى الفرنسية، في جملة قصائد (بو) المشهورة، وعلى الرغم مما عرف عن مالارميه، من حرصٍ بالغٍ على انتقاء كلماته وصياغتها فقد افتقدت هذه القصيدة بعد نقلها إلى الفرنسية نثراً، انسجامها الكامن من وزنها وألفاظها وقوافيها، ولم تعد مؤتلقةً، متناغمةً، كما نفضتها عبقرية (بو) الشعرية. ولبو، قصيدة مشهورة تدعى (الغراب) هي إحدى العجائب المذهلة في الشعر الأميركي بما تدخره من صفاءٍ وإيحاءٍ وصور، وقد علَّق عليها الشاعر نفسه في دراسةٍ مستفيضةٍ توضح مراحل استلهامها والمنهجَ الذي اتبع في نظمها، وموضوعها بسيطٌ يسيرٌ، يتسق، في أن طالباً ساهراً، مؤرقاً، يتناهى إلى سمعه، في حَلَك الليل، قرعٌ خفيفٌ على النافذة ثم على الباب، فيخف لفتحه، متصوراً أن ثمة زائراً طارقاً يقصده، وفتح الباب فإذا هو إمام غرابٍ مسكينٍ، مشرَّدٍ، اجتذبه نورُ المصباح فأتى إليه، ويبدو أن الغراب قد درَّبه صاحبه على ترديد ألفاظٍ تترفق من منقاره مع جملة (لا شيءَ، لا شيء بعده) وتتغلغل في ثنايا القصيدة، متناوحةً، متلامحةً، منهمرةً، من بيت إلى بيت، كأنها دموعٌ هافيةٌ ساجمةٌ على الوجنتين، منساقةٌ إلى سمع القارئ، لتجنَّحَ خياله، وإلى قلبه لتتجاوبَ مع خفقاته. وفي قصيدة (بيت الأحلام) حاول (بو) أن يحذو كيف تتسلسل الأحلام، رهوةً، مرفرفةً، في خاطر النائم، مسربلةً روحه، إما جنحت عيناه إلى الاغتماض. ولئن كان بعض النقاد يذهبون إلى أن جودة القصيدة تكمن في عفويتها فإن (بو) كان يذهب إلى نقيض ذلك، فإن همه وهِجِيراه، يتلخصان في الصياغة والاستقصاء، واقتناص شوارد المشاعر الكامنة، واضعاً إلهامه تحت سيطرة منهجه الانتقائي، الصارم، مصراً على ملائمة أوزانه وقوافيه وألفاظه مع الدَّلالات المستمرة من قصيدته، وأنه يحسن بالشاعر أن يضع لقصيدته مخططاً ينتظمها، ساعياً إلى أن تكون ذات بنيةٍ متماسكةٍ، مؤكداً على أن الشاعر الذي لا يستطيع أن يلتمس ما لا يمكن استشراقهُ ولمسة من الأحاسيس، ليس بشاعرٍ، فالشاعر الحق هو المسيطر، المتحكم على كلماته كلّها، وقد تجانف (بو) عن نظم القصيدة الملحمية الطويلة، لأن الانتقاء والاستصفاء المنشودين، في القصيدة، ينتفيان فيها، فلا تستأهل القصيدة الوصف بأنها قصيدة، إلا إذا أفضت إلى الإثارة والدهشة، فالإطالة تتحيَّف من قوام القصيدة ووحدتها، ولا نعني هنا وحدة معانيها، بل وحدةَ ما يمكن أن تشي به من انطباعاتٍ سانحةٍ. ويُضاف إلى ذلك، أن (بو) كان يُعنى عنايةً ظاهرة بقوافي قصيدته المحكمة التي يحسن أن تلخِّص في ترادفيها على نحوٍ ما، نغماتٍ متساوقةً، مهيمنةً، كالجملة الموسيقية المتناوحة، ضمن قطعة موسيقية. شيءٌ آخر نبَّه إليه (بو) وأصرَّ عليه هو تنكره ورفضه لبدعة التعليم في الشعر التي تجعل من الشعر مطيَّةً للغبرة والموعظة، وتتراخى هذه البدعة المنافية لروح الشعر إلى بدعة الحقيقة والمنفعة والأخلاق، فإن بعضَ متذوقي الشعر يذهبون، خطأً، إلى أن مزيته تتلخَّص في كونه هادياً للحقيقة، مرتدياً إهاب المعلم المرشد، أو في كونه نافعاً، يبذل المنفعةَ المجدية، أو في كونه أخلاقياً يرضي الضمير والوجدان. في حين أن الشعر الحقيقي ليس له سوى ذاته، سوى جماليته. هذا هو إذن أقصى مما نتطلبه من الشعر الحقيقي لاستجلاء الجمال الأمثل، لذا يقوم مبدأ الشعر ـ برأي بو ـ على التشوف الإنساني المتّقد إلى الجمال المطلق، وتحقيقه هذا المبدأ يتم بإثارة حماسة النفس، بيد أنه ينبغي لهذه الحماسة أن تكون بمنأى عن العاطفة الجياشة، القريبة من ثمل القلب وسكره، وعن الحقيقة التي هي قوت العقل وغذاؤه، والتي هو بالنثر أحرى وأجدر. هذا التصعيد المواكب للشعور المتوفز بالخلود هو ما كان يبغيه (بو) من ربة شعره، وهو تصعيد يترافق أيضاً مع حرصه المتأني على صياغة قصيدته، على النحو الصارم الذي التزم به في النظم، يقول (بو) أعتقد أنه في ميسوري أن أزهى بأنه ليس هناك نقطة ما، من شعري، تركتها للمصادفة، إن القصيدة التي أنظمها، تسعى متكاملة، خطوة، فخطوة، دون أن تحيد عن هدفها المرسوم لها، يحدوها المنطق المتشدد نفسه الذي يحدو مسألة رياضية. وقد ألف (بو) كتابه (أوريكا) استلهمه بمقدمة تشير إلى أنه كتاب حقائق، لا بوصفه يحمل سمة الحقيقة، بل بالجمال الذي تزخر به الحقيقة، يتسلسل، كما لو أنه طرفة فنية، أو كرواية، أو كقصيدة ـ كما يؤثر هو أن تتسم به ـ يبسطها لمن يحبهم ويحبونه. ويضم هذا الكتاب، على الجملة، أفكاراً علمية، مستحدثة، جريئة، تتلألأ كحبات اللؤلؤ، الكامنة في أصدافها فالكتاب قمين إذن بأن يوصف كقصيدة، ولكنها قصيدة نثرية، تتدفق كالنهر اللجي، صوراً وأفكاراً وخواطر. إدغار آلان بو، قاصاً: إن القصة المطولة (مغامرات آرثور غوردون بيم) والقصص الخارقة والقصص الهازلة والجادة، التي نشرها مفرقةً، منجمة، في بعض المجلات الأدبية، ثم ضمَّها في كتبٍ مستقلةٍ، تدل على تأثره البالغ (بالرومانسية) الإبداعية، السوداء السائدة في عصره. ويمكن تصنيفُ هذه القصص في زمرٍ ثلاثٍ، الزمرة الأولى ذات اتجاه يتكئ على تجربة علمية خيالية كقصة (مغامرات هانس بفال) حيث يجلو فيها رحلة إنسان نحو القمر ممتطياً (بالوناً) من اختراعه ـ لعله سبق جول فيرن بها ـ وقصة (اكتشاف فون كمبيلين) التي سرد فيها قصة كيميائي يتسنى له أن يقلب بعض المعادن الرخيصة إلى ذهب، والزمرة الثانية تأتلف في قصص تنحو إلى وصف مظاهر الرعب والإرهاب، كقصة (المدفون حياً) والزمرة الثالثة يغلب عليها سمة النزوات المنحرفة لدى بعض النساء كقصة (ليجييا). وتسربل هذه القصص كلها سويداء قاتمةٌ كئيبة، فبدت أشبهَ بكوابيسَ جاثمةٍ في حلمٍ مزعجٍ، ليس فيها منفسحٌ للعشق وأطايبه ومواجعه، ولعل (بو) كان يحسب أنه ليس في مقدور النثر أن ينفض لواذع الحب ومواجيده تماماً، تاركاً هذه المهمة للشعر، لأن قصائده كلَّها مترعةٌ ريَّا بالوجد، مغلَّفة بأسى عميقٍ، عميقٍ يجاذب القلب معانقاً شغافه، متغلغلاً في حناياه، وتمنح جل هذه القصص، في الواقع، من حياة (بو) وذكرياته المضنية وحظه العاثر، وحقده الدفين على مجتمعه الجائر، واشيةً بأعصابٍ متوفّزةٍ، عاكسةً ما كان يعانيه في طفولته وصباه من شجنٍ وألم وإحباط، بعد أن ماتت والدته بالسل وتركه والده لرحمة الأقدار، فحُرِمَ وهو طفلٌ صغيرٌ الحنان والرعاية، كما حُرِمَ وهو شابٌ موهوبٌ، التقديرَ والتشجيعَ والتفهمَ، وقُدّر عليه أن يمنى بوفاة زوجته وهي في سحرة العمر، ليجد سلوانه في الخمر التي زادت بلواه وعجَّلت بوفاته، حتى لقد بدا إدمانه بالخمر، أشبه بالانتحار فكان يكرع كؤوسها ـ كما يورد بودلير ـ لا كمدمنٍ مولعٍ بها بل كوحشٍ بربريٍ. وقد جلا في قصته: (ويليام ويلمون) طفولته الموحشة، في المدرسة الداخلية بلندن، منطوياً على نفسه، غريباً بين لداته ومع ذلك فلا نلقى في هذه الأقاصيص نواحاً ولا توجعاً، بل توقاً تشوفاً إلى المثل الأعلى المنشود، إنه يحبك، ببراعةٍ، خيوطَ قصته، ويشيدها، لبنةً لبنةً، كمهندسٍ ماهرٍ، صناعٍ، مُتَّكئاً على التخمين والاحتمال، في الكشف عن مضمون قصته الخارقة، مرشياً إياها، بسخريةٍ عابثةٍ، لاذعةٍ ـ شيطانية أحياناً ـ مريقاً في ثناياها ما كان يمور في عطفيه من أمنيات خبيئةٍ ورغباتٍ مكظومةٍ كان يهفو عبثاً إلى تحقيقها، ففي قصته (الخنفساء الذهبية) يعمد إلى الكشف عن الوسائل المتتابعة لحل الرموز المستغلقة المفضية إلى كشف كنز خبئٍ، مطمورٍ، ومن يدري، لعله فيما هو يحوك نسيج قصته، بالثروة الضخمة التي كان يفقدها ويتشوق إليها، أما وصفه للكنز المكتشف فمثير لدى القارئ شعوراً بالدهشة والإعجاب. وفي قصة (نبيذ ألامونتيلادو) يصف (بو) شعورَ إنسانٍ حاقدٍ، فلا نفسه ضغينة مكبوتةٌ، ضد عدوٍ لدودٍ لينسج خطة رهيبة، للإيقاع به، وحبسه خلف جدار جعل يبنيه حجراً، حجراً، كما لو أن حقده الدفين تجسد في يدين تجمعان الحجارة القاتلة، متظاهراً أمامه بودٍ مصطنعٍ مغلفٍ بسخرية ماكرةٍ، جاراً إياه، خطوةً خطوةً نحو مصيره المحتوم، منجزاً جريمته، متشفياً، نشوانَ، فكأن (بو) كان يجلو بهذه القصة شهوة الانتقام لديه ضد حساده الذين كانوا ينفون عليه موهبته الأدبية الفذة، ويضمرون له الإساءة فكأنه كان يصور بهذه القصة حقده الكظيم نحو خصومه وكارهيه. يقول عنه (بيلادان) (كان ينبغي له أن يعيش في مجتمع مثير للغضب مفضٍ لديه إلى شعور متنام بالخوف والرعب، على نحوٍ يتجلى فيه أدبه كما لو أنه رد فعل انتقامي، ضد مجتمعه، وكذلك خلَّف (بو) المشبوحُ على صليب واقعه حشداً من الكوابيس سوف تحور، في قصصه، إلى جنٍ وشياطين). أثر (إدغار آلان بو) في الأدب المعاصر كان لإدغار آلان بو، أثرٌ بالغٌ وعميقٌ في الأدب العالمي كله بعامة وفي الأدب الفرنسي بخاصة، ومن المعلوم أن للشاعر الفرنسي (بودلير) الفضل الأكبر في شهرة (بو) المستفيضة، والتنويه بعبقريته شاعراً وقاصاً، لا نظير له في الأدب الأمريكي كله فقد أخذ (بودلير) بمدرجته في رؤيته الجمالية للشعر محتذياً في إيثار القصيدة الوجيزة، المكثفة، واختيار الألفاظ ذات الجرس الملائم للمعاني، وانتقاء القوافي المتناغمة مع الألفاظ، وإسباغ جو شفاف من الغموض على القصيدة كلها. وقد استفاض (بول فاليري) في دراسة وافية عن (بودلير) عما أفاده هذا الشاعر المبدع، من إدغار آلان بو، وما اقتبسه ومنحه من ينبع شعره الثر، حتى خرجت طرفته الخالدة (أزهار الشر) كما لو أنها قد استصفت كلَّ ما كان يترقرق في شعر (بو) من ماءٍ وسحرٍ وطلاوة. ولعل إعجابه الكبير بشعر (بو) هو الذي أغراه بنقل آثاره النثرية والقصصية إلى الفرنسية، إذ كان يعرف أن شعره يفقد بعد نقله إلى الفرنسية، كل ما يترقرق فيه من سحر فأحجم عن ترجمته، يقول (بودلير): (إن هذا الفقير، السكير، المضطهد، المنبوذ يروق لي أكثر مما لو كان متزناً، فاضلاً، مثل (غوته) أو (والترسكوت) لقد تألم كثيراً من أجلنا)، كما تأثر معلم الرمزية الأكبر (مالارميه) بنظرة (بو) الجمالية، إلى الشعر، وطريقته الصارمة في انتقاء ألفاظه وصقلها وتحليلها، يقول في رسالة له (إنني أدين بهذه الأفكار العاتية، لمعلمي الأكبر (إدغار آلان بو)). ولم يقتصر تأثير (بو) على بودلير ومالارميه والرمزية بصورة عامة، بل ذلك كله إلى التأثير في الاتجاه السريالي، يقول (أندره بروتون): إن بو هو سريالي في مغامرته. أما تلك الأقاصيص الخارقة التي عرف بودلير كيف ينهض بترجمتها بأسلوبه الأخاذ، فقد كان لها أثرٌ بعيدٌ في نشوء الرواية البوليسية الغربية المعاصرة، وأضحى (بو) رائداً لهذا النمط الجديد من الأدب القائم على الجريمة وحوكها واكتشافها، وكذلك نبهت أسماء روائيين وقصاصين (كجورج سيمونون وكونان دويل وأغاثا كريستي) ممن قصروا إنتاجهم الأدبي على هذا المنحى الشائق والمنزع المثير بين منازع الأدب الغربي المعاصر، بعد أن أضحى جمهور واف من القراء يستطيب الرواية البوليسية، بما يتسق فيها من إثارة وغرابة وتشويق. أما أثر (بو) في الشّعر العربي المعاصر، فيتجلّى عن طريق الشاعر الفرنسي بودلير ذي الرؤية المتحدرة من رؤية (بو) الشعرية، فقد نهل كثير من الشعراء العرب المتأثرين بالثقافة الفرنسية كسعيد عقل، وأمين نخلة من ينبوع بودلير العذب السخي، كما تأثر (بو) بعض الشيء عمر أبو ريشة في اطلاعه مباشرة على شعره بالإنكليزية، وعلى الرغم من غلبة المنحى الرومانسي على جل قصائد عمر. أما أقاصيصه الخارقة فقد ترجم بعضها إلى اللغة العربية وانتقى إبراهيم المازني قصة (نبيذ ألامونتيلادو) في جملة مختاراته من القصص الإنكليزي، ولم يظهر أيُّ أثر لبو في الأدب البوليسي العربي المعاصر، فيما عدا إيماءات طفيفة ترقرقت في رواية (يوميات نائب في الأرياف) لتوفيق الحكيم، التي هي، في الواقع، صورٌ مميزةٌ مستمدة من حياة الريف المصري، أكثر من أن تكون قصة جريمةٍ غامضةٍ مستوحاةٍ من أقاصيص (بو) الخارقة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |