|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
أفق على الحداثة ـــ أول الكلام: محمد عمران "1" "لا شيء باطل. العلمُ وإلى الأمام. هكذا قال سِفْرُ الجامعة الحديث، مخاطباً الجميع". أما سفر الجامعة القديم فكان قد أعلن أن كل شيء باطل وقبض الريح. بين القولين، القديم والجديد، مسافة ما بين عالمين متضادين؟ أحدهما يُشرف على الأفول، والآخر يُطل من شرفة الشروق. هذا الإشراق الذي بشَّرَ به كاهنُ العلم الحديث، مخاطباً الجميع، إنما هو إيذانٌ بولادة شمس الماء: ثمة نهارٌ ساطع يولد في سرير هذه الطاقة المكتشفة لتوها –طاقة الماء. وفي عظمة هذا الاكتشاف "لا شيء باطل. العلم، وإلى الأمام". لم يكن هذا صوت رامبو، أحد السحرةِ في معبد الشعر الحديث؛ بل كان العصر كله متكلماً من حنجرة رامبو. وهذا القديسُ الساحرُ لم يكن يرى العالم عبر عين الشعر فقط بل عبر عين العلم، الذي يقود خطا البشرية إلى الأمام، متقدماً على ضوء شمس الماء. ولكنَّ خُطا الشعر، أيضاً، تقدمت في ضوء هذه الشمس. فهل كان اكتشاف طاقة الماء فاتحة الجديد في العلم وفي الشعر على السواء؟... "2" نحن نعرف أن العصر الحديث ابتدأ باكتشاف البخار. فحين صارت الآلة تُدارُ بالبخار انتقلت البشرية من الظلمات إلى النور، من القرون الوسطى إلى العصر الحديث. هذا الانتقالُ الذي حدث على شكل ثورة في الصناعة، حدث أيضاً على شكل ثورة في نظرة الإنسان إلى العالم. "في جهةٍ، كان ثمة من يبني المصانع والمدن الحديثة؛ وفي أخرى، كان ثمة من يتأملُ هذا الذي يحدث على مستوى الإنسان والطبيعة". اكتشافُ البخار، الذي أعطى ثورة الصناعة الحديثة؛ أعطى إلى جانبها، توق الإنسان إلى مغامرته الكبرى مع الطبيعة. هكذا، بالبخار، ابتدأ فضُّ الأسرار. وكلما انفضَّ سرٌ من أسرار الطبيعة، أو حُلَّ لغزٌ من ألغازها، ازدادت حماسةُ الإنسان لامتلاكها. حتى، أخيراً، بامتلاك الذرَّة، كاد جسدها الغامض أن يتعرى: كاملاً، بين يدي الإنسان. هذا العريُ الذَّريُّ أدّى، بدوره، إلى عري الإنسان من نفسه. صار هو والذرة وجهاً لوجه. والذي كان توقاً إلى امتلاك الطبيعة، صار رعباً ذرياً يقبض على قلب العالم. بين التوق والرعب، التأمل والذهول، العقل والجنون، ولدت الرؤيا الحديثة لعالمنا الجديد. وفي حاضنة هذه الرؤيا وُلدت الحداثة. "3" كيف، إذاً، يمكن تعريفُ الحداثة؟ لغةً، تقف الحداثة على التضاد مع القِدَم. نُسمي حديثاً كل ما هو نقيضُ القديم ونسمي الكون مُحدثاً، لأن خالق الكون قديم. هكذا، في علم اللاهوت، يرتبط القِدمُ بالأزلية، والمحدث بالخلق. في الأزلية ثبات، وفي الخلق تحول. التحول، إذاً أو التغير، أو التبدل، هو سمةُ الكون المحدث. من هنا يرتبط مفهوم الحداثة بمفهوم التبدل؛ فتصير الحداثة دلالة على التحولات الكبرى التي يتغير بها العالم في مرحلة زمنية ما. ونحن نقصد بالتحولات الكبرى الانقلاب الشامل في نظرة الإنسان إلى الوجود، وإلى الطبيعة.. هذا الانقلاب الذي ينتج عنه، أول ما ينتج، وعي جديد وحساسية جديدة. يمكن القول، إذن، إن حساسية الإنسان تغيرت منذ صارت الآلة تُدار بالبخار إنما علينا أن نحدد ماذا نعني بتغير الحساسية. "الوجدان؟ إنني لا أملك شيئاً منه". هذا ليس اعتراف شاعر. هذه صرخة يطلقها كاهنَ الشعر الألماني "جوتفرد بن" معلناً من خلالها موت الوجدان الشعري، مذبوحاً بسكين العقل الحديث. وموت الوجدان يعني، فيما يعني، موت العاطفة التي كانت وطن الرومانسية، كان الشعرُ لغة الوجدان، فصار لغة العقل. وكان لغة الذات الشاعرة في عذاباتها وهواجسها فصار لغة المنطق العام. وكان إيقاعاً عذباً على أوتار النفس الباطنة، فصار لحناً عنيفاً على إيقاعات الشارع العام. ما حدث للشعر، حدث للفنون كلها، للثقافة بأجناسها جميعاً. لقد دخلت كلها حساسية العقل الحديث. ونحن، بصيغة ما، نستطيع تعريف الحداثة بأنها هذا الدخول في العقل العام. "4" علينا، في البدء، أن نشير إلى المنابع الأولى لهذا الذي اصطلحنا على تسميته بالعقل العام. نحن نتفق على أن القرن العشرين هو التتويج الذهبي للثورة التي خرجت من اكتشاف الطاقة. أما المنابع الحقيقية لهذه الثورة، فكانت في أرض القرن التاسع عشر. هناك، حيث كانت قد تأسست مدن الصناعة الكبرى؛ حيث، في ظلها، كان الإنسان يكتشف تاريخه وعقله ومنطقه ومعناه ووجوده، كان أيضاً يكتشف قلعة الكبير على المصير المشترك. كان بالتالي، يطرح الأسئلة على ذاته وعلى العالم، على التاريخ وعلى العقل، وعلى الظاهر والغامض، في آن. تلك الأسئلة، في النفس، وفي التاريخ، وفي الدين، وفي الاقتصاد، وفي الحب، وفي الفلسفة، وفي الموت، وفي الجنس،... تشابكت كلها في نسيج متداخل تشكل منه ما نسميه: ثورة العصر الحديث. على محاور أربعة، وفي زمن واحد، تقدمت هذه الثورة: -محور باتجاه اكتشاف قوانين الطبيعة والمجتمع –ماركس -محور باتجاه اكتشاف أسرار النفس البشرية –فرويد -محور باتجاه اكتشاف أصل الأحياء –داروين -ومحور باتجاه التاريخ لاكتشاف الحضارات البائدة –الاستشراق والتنقيب. هكذا أخذت الأسرار تتكشف، واحداً بعد الآخر. والكون الذي كان غامضاً، شيقاً بغموضه، الكون الذي كان لغزاً حاراً، تحول على يد العقل البارد إلى "وجود معزول خالٍ من الروح ومن المعنى، ومن الغاية والهدف". هنا، في هذا الوجود المُعطى بلا غاية، ولد العقل الحديث، كما لو على فمِ هاوية. وفي الظل البارد لهذا العقل، ولدت الحداثة محمولة على هذي الأجنحة كلها. صحيح أن الحداثة رؤيا كلية شاملة. لكنها رؤيا في الكون المطلق المجرد، لا في الإنسان. هي، بهذا المعنى رؤيا كونية. وهي، لذلك، لا تنظر في الزمان والمكان. إن زمنها هو الكشف في المستقبل، وإن مكانها هو الوجود. غير أن الكشف في المستقبل لا يكون إلا في الحلم أو في النبوءة سمتان من سمات الرؤيا. هما، لذلك، سِمتان من سمات الشعر. ولأن الرؤيا لا تكون إلا في الآتي؛ فإن الشاعر الحديث، كما بشَّرَ الكهنة الأوائل، يُحرق سفنه، كي لا تكون عودة إلى الماضي. "إن الشاعر الحديث يبدأ من نقطة الصفر في التاريخ ولكن، ماذا عن هذا الإرث الكامل الذي اسمه التاريخ أو الحضارة أو التراث؟. وهل ثمة شاعرٌ يبدأ من العدم، من نقطة الصفر في التاريخ؟؟. تلك هي الإشكالية الكبرى في علاقة الحداثة بالتراث. إنها عودة إلى "عصفور كانط": خلال طيرانه، كان العصفور يهمس لنفسه: ما أجمل الطيران لولا هذا الهواء اللعين"؛ ناسياً أنه، لولا هذا الهواء، ما كان بوسعه أن يطير. الشاعر الحديث هو هذا العصفور. والتراث هو الهواء. لكن وظيفة الهواء هي فقط أن يحمل العصفور. أما الحداثة المبكرة فأعلنت قتل الهواء. إن أوديب لا يؤسسُ خطواته إلا على دم أبيه. على الشاعر الحديث، انطلاقاً من لغة رامبو، أن يبدأ خطواته من قطيعة الأسلاف. "أما السفن التي يدعو إلى إحراقها، فهي المكتبة الأهلية في باريس". "6" ما دامت الحداثة رؤيا في الكون –الرؤيا بطبيعتها غامضة، والكون أيضاً غامض –فإن الغموض سمة أخرى من سمات الحداثة. ذلك "أن اللغة تتخلى هنا عن وظيفتها القديمة المألوفة، وظيفة النقل أو التوصيل". اللغة لم تعد حاملة للمعاني، بل للإشارات. هي "تُلقى على شكل تعازيم أو رموز إشارية أو أصوات". واللغة ما عادت تتكلم من شفة القصيدة بل من جسدها كله. وهي لا تتكلم، بل تقدم إشارات، تماماً كما إشارات الضوء. إن جسد القصيدة كله يومض بهذه الإشارات الخاطفة. وعلى المتلقي أن يلتقطها، وإلا غابت عنه القصيدة. هذه، أيضاً، قطيعة أخرى مع اللغة. إن الشاعر الحديث الذي يؤسس خطواته في أرض جديدة، يؤسس معها لغته أيضاً. لقد كان القول وظيفة اللغة. فما وظيفة اللغة التي لا تقول؟. وظيفتها أن تشير، أو أن توحي". إن على اللغة أن تتجرد من دلالاتها المتينة، وتعود إلى حيويتها الأولى"، إلى منابع الطفولة البعيدة حيث تقترب من لغة الحلم والأسطورة. ولغة الحلم والأسطورة لا تكون إلا غامضة. إن الشاعر ساحرُ لغة. والسحرُ بطبيعته غامض. الغموض لدى الشاعر الحق، ليس عجزاً شعرياً. هو عجزٌ لدى العاجزين فقط. أما لدى المبدعين فهو تحويل اللغز إلى سيمياء. ذلك أن الشاعر المبدع لا ينظمُ العالم، بل "يتناوله في حالته الغفل" في المعمل الغامض، في الغرفة المظلمة، هناك، داخل اللاشعور الذي سماه الكاتب الألماني "جان باول": إفريقيا الباطنة هنا، في هذه المجاهل الغامضة، في هذه الغابات السوداء، يقف الشاعر الحديث "على نقطة الصفر من التاريخ" ويضع خطواته في المجهول لا لاكتشاف نفسه فقط، بل لاكتشاف العالم الذي يختلج داخل مفازات هذه النفس. "7" العلامة الأخرى للحداثة هي الانزياح، والانزياح نشازٌ، أو شذوذٌ عن القاعدة، أو على الأقل، خروج عن المألوف. ذلك أن الغرابة هي سمة الحداثة. أما الحكم عليها بالشذوذ، فلا يعني على الإطلاق حكماً أخلاقياً. المسألة هنا تتعلق بالشعر ذاته، لا بالشاعر. هناك شعرٌ سوي يجري على سُنن وتقاليد راسخة، وهناك شعر يتمرد على السنن والتقاليد.. شعر "خارج على القانون" يضع تقاليده الخاصة بنفسه. وشذوذ الحداثة إنما هو هذا الخروج على القانون. كان قانون الشعر أن يكون صوت القبيلة، أو صوت العقيدة. وكان قانون المنطق يحكم الشعر. وكان رُقي اللغة، وجزالة اللفظ، ووضوح المعنى، وعقلانيته ومنطقيته،.. واحداً من أهم وأشرف قوانين الشعر. وكان قانون الأخلاق معيار الجودة أو الرداءة في الشعر. الحداثة خروج على تلك القوانين كلها. هي تؤسس لنفسها خارج الآخر، خارج المنطق، خارج نظام العقل، ونظام اللغة، ونظام الأخلاق. العالم لا معقول. هو لذلك، لا منطقي وتحت هذا السطح الذي يبدو أنه نظام العالم هناك، في الأعماق، تضطرب فوضى الأشياء والعناصر. في هذه الفوضى يعمل الشعر. إنه يحاول أن يصنع نظام الفوضى. ما نسميه نشازاً في الشعر الحديث، إنما إيقاعات هذه الفوضى التي لابد للشعر أن يعكسها على مراياه. إن للعصر كله إيقاعه الخاص الناشز عن إيقاعات العالم القديم. والشعرُ هو أكثر الأصوات تعبيراً عن هذا النشاز أعني عن هذا العصر. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |