مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 291 تموز 1995
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

مدخل إلى علم الاقتصاد الأدبي ـــ دراسة: حنا عبود

عندما نسمع بمصطلح الاقتصاد الأدبي نظن أنه مصطلح بلاغي، أو أنه ترجمة للمصطلح البلاغي المشهور: مطابقة الكلام لمقتضى الحال، أي يقوم على التزام القواعد البلاغية، بحيث يتقن المتكلم أصول الكلام أو الكتابة من أجل تشخيص الحال بما يلائمها، من دون زيادة أو نقصان، فقد تقتضي الحال الإيجاز أو المساواة أو الإطناب، فأي إخلال بذلك يعني الإخلال بالأداء، وبالتالي الانحراف عن الهدف المنشود. ليس هذا وحسب، بل إنه يشتمل أيضاً على أصول انتقاء الألفاظ، إذ قد تكون اللفظة المناسبة في موقف غير مناسب في موقف آخر، وقد تكون الألفاظ مناسبة إلا أن التركيب غير مناسب... ومع ذلك نرى أن الأساليب تتغير وتتبدل من عصر إلى عصر، بينما تبقى البلاغة كما هي.‏

علم الاقتصاد الأدبي لا علاقة له بالبلاغة، لأن البلاغة إنما تحصل عن طريق التقاليد الأدبية وليس عن طريق التعليم والدراسة أي بدخول المرء في عمق الدلالة الأدبية، وليس في القواعد البلاغية. والملاحظات التالية قد تكون مفيدة في تحديد دور البلاغة.‏

1-البلاغة عندما تكون نتيجة تلقين القواعد البلاغية هي بلاغة جامدة لأن الدخول إلى الأدب عن طريق بلاغي تماماً تهميش الموقف الأدبي، كالدخول إلى الشعر من باب معرفة العروض، فالبلاغة كعلم تابعة لا متبوعة، فهي من العلوم النافلة التي لا يجوز جعلها طريقاً إلى الأداء اللغوي الجميل، فالبلاغي لا يقابل الأديب. البلاغي له حرفة غير حرفة الأدب، إن كتب أنتج كلاماً صحيحاً ولكنه ليس كلاماً أدبياً بالضرورة. ونلاحظ أن جميع البلاغيين في تاريخنا لم يكونوا أدباء، فالجرجاني والعسكري والقزويني وأضرابهم لم ينتجوا سلعة أدبية حقيقية. فمعرفة البلاغة لا تؤدي إلى إنتاج النص الأدبي بالضرورة، تماماً مثلما أن معرفة العروض وعلومه لا تعني إنتاج النص الشعري، والعروضيون كانوا نظامين ولم يبرز منهم شاعر.‏

2-الدخول إلى الاقتصاد الأدبي عن طريق القواعد البلاغية لا يعني تهميش الاقتصاد الأدبي وجعله تابعاً وحسب، وإنما يعني أيضاً تجميد الإنتاج الأدبي وتقييد حريته وإن لفترة. والملاحظ أن الاقتصاد الأدبي هو ابن التقليد الأدبي ولكنه ليس ابن القواعد البلاغية. فالتقليد الأدبي هو النشاط الحر الناجم عن الموقف الأدبي، فأنت عندما تجعل الآثم ينال جزاءه إنما تتبع تقليداً أدبياً لا تستطيع أن تغيره وإلا سقط أدبك ولم يأبه به أحد. أما كيف تجعل الآثم ينال جزاءه فهذا لا قاعدة له وإنما متروك للنشاط الفني الابتكاري الحر. ولاشك أن البلاغة –في التحليل الأخير- هي خلاصة التأملات في الفن الأدبي، ولكنها على يد المتحمسين المندفعين انقلبت إلى قوالب جامدة، وفقدت صلتها بالعلاقات الميثولوجية التي تحدد الأدب، والتي هي أصل اللغة والبلاغة والأدب.‏

البلاغة تسير في الطريق المعاكس، أي تقدم القاعدة وتطالب الضرب عليها ضرباً، على النقيض مما يطالب به التقليد الأدبي، الذي ينبع من موقف أدبي إنساني عام ذي أصل ميثولوجي لا يمكن مخالفته، كما لا توجد قاعدة متبعة، فأنت حر في اتباع آلاف الطرق للتعبير عن هذا الموقف الذي ترى نفسك منساقاً إليه بطبيعتك. إن الروائي الذي يعاقب الآثم إنما يفعل ذلك من تلقاء ذاته، وعندما لا يعاقبه، بل يدعه يرقى في سلم النجاح فإنه يدفعه إلى النجاح المعكوس، أي النجاح الذي يثير سخطنا ويجعلنا ناقمين على الكاتب نفسه، ونسرع فنعلن فشله على الملأ. من يفرض على الكاتب معاقبة الآثم؟ لا أحد سوى التقليد الأدبي.‏

من هذا التقليد العفوي تنشأ البلاغة الحقيقية. أما القواعد البلاغية فلا تنشئ أدباً، بل إنها تسهم في تجميد أساليب الأداء فيرى المنتجون الأدبيون أنفسهم وقد وقعوا في أشراك الكليشيهات والتعابير الجاهزة، فنحن مثلاً نقول ارتعدت فرائصه، وقلما استخدمنا تعبيراً جديداً من أمثال: تراءى له قلبه وهو يرتجف، أو شعر كأنه تمثال من جليد... أو غير ذلك. إننا عندما ندخل الإنتاج الأدبي عن طريق البلاغة نكون وافقنا مسبقاً على التخلي عن حرية التعبير التي هي الشرط الأساسي للإنتاج الأدبي وإبراز التقليد الأدبي لا إعادته كما هو. إننا دائماً موجودون في قفص التقليد الأدبي، لأنه تقليد أخلاقي، لكن حرية التعبير هي التي تعيد هذا التقليد ضمن ما يسمى الجديد. والبلاغة لا تسهم في هذا التجديد، فهي دائماً تطفو على السطح ولا تغوص إلى عمق العملية الفنية.‏

3-البلاغة مرتبطة بالسفسطة، أي باللغو الكلامي، فحتى الآن لم نعرف سفسطائياً إلا كان ضليعاً بعلم البلاغة، بل إنه يستخدم هذا العلم لا لإنتاج النص الأدبي، بل لإظهار البراعة وقوة المناظرة وحسب. فلا غرابة مثلاً إذا أيّد شيئاً هنا ورفض شيئاً هناك لا يختلف عن الشيء السابق في شيء، ولا غرابة في اتخاذ موقفين من ظاهرة واحدة. وقد اشتهر الإغريق بالسفسطائيين من أمثال سقراط وهيباس وبروتاغوراس وغورجياس... الذين برعوا في التلاعب اللفظي باعتماد البلاغة لتأييد فكرة مغلوطة أصلاً...‏

فإذا نظرنا في أقوال سقراط –وهي الأوفر لدينا- لم نخلص إلى شيء. إنه يناقش في العدالة أو القانون أو الخير و الجمال. ولكنه لا يوصلنا في النهاية إلى تحديد العدالة أو القانون أو الخير أو الجمال إنه يستخدم البلاغة للغوص في السلبيات وليس للغوص في التحديدات الإيجابية. وقد وصل الأمر ببروتاغوراس إلى نفي وجود الأشياء بتلاعبه البلاغي وتفتيقه اللفظي.‏

أما الأدب فمهما اعتمد على الفنون البلاغية، وحتى لو غدا كليشيهات جاهزة في أساليب الأداء اللغوي فإنه لا يصل إلى هذه الدرجة المتمحلة والمصطنعة، فلا يجوز أن يتجه إلى البلاغة كغرض مقصود لذاته. ولعل المقامات في الأدب العربي مثال بارز في هذا الصدد، فما كان منها ناحياً نحواً بلاغياً نجح في التنميط اللغوي وفشل في الأداء الفني، فالمسألة هنا أبعد من مسألة الصح والخطأ، إنها مسألة كيفية التواصل مع الآخرين، ومدى قبولهم لما نقول. لقد قدم الإغريق بسفسطتهم البلاغية نصوصاً إدهاشية، أي تقوم على الإدهاش، ولم يقدموا نصوصاً أدبية والنصوص الإدهاشية لا تحترم التقليد الأدبي، بل لا تحترم أي تقليد.‏

ونعتقد أن سبب ذلك هو انجرافهم وراء الاقتصاد السياسي وليس وراء الاقتصاد الأدبي، فكلهم –عدا سقراط وبعض تلاميذه- كانوا يبيعون قدرتهم البلاغية، أي يعلمونها لقاء مبالغ متفق عليها. وهذا الموقف جرهم إلى المزيد من الاصطناع البلاغي والإيغال فيه، فقد خضعوا للسوق الاقتصادية وليس للسوق الأدبية التي لها قوانين مختلفة. ونظن أن هذا الإيغال هو ما أفقد البلاغة وهجها في العصر الحديث، فأخضعها النقد الأدبي لدراسات عادت بها إلى أصلها الميثولوجي، ولم يعد لتلك الفروع الكثيرة التي انتهت إليها البلاغة أي أهمية بالنسبة إلى الكاتب المعاصر، فقد غدت كالجداول اللوغارتمية، من غاص فيها ضاع ضياع الطفل في جرن معمودية فلورنسا، كما يقول دانتي.‏

الأدب وليد الفطرة، ينمو ويتطور وفقاً لأنماط الفطرة هذه، من غير قسر ولا فرض، ولا تقعيد جامد. بلاغة الأدب مستمدة من طقوسيته الميثولوجية التي تتنامى باستمرار وتتجدد كل يوم، من غير أن تتخلى عن الجذور الأولية التي تعتبر أساساً لا يمكن التخلي عنه، لا لأنه يفرض نفسه، بل لأنه منطلق كل بلاغة أدبية، فالسفسطة البلاغية في الأدب انتحار.‏

لقد أدت السفسطة البلاغية لدى البنيويين الفرنسيين إلى نتائج لم يقبل بها قسم كبير من المختصين، بل أن بعض الذين انتهوا إليها طفقوا يتراجعون عنها ويعيدون النظر فيها، وعلى الأخص في بعض أطروحاتها كموت المؤلف وموت النص. وهذا يدل على أن الغوص في بلاغة القول بعيداً عن مرجعيته الميثولوجية قد يؤدي إلى مثل هذه النتائج، في حين أن ربط الإنتاج الأدبي بهذه المرجعية مثمر النتاج، من غير ما حاجة إلى التعقيدات البلاغية المتشعبة، فالفن الأدبي ليس بلاغة إلا بمقدار ما تصدق البلاغة في حملها الينبوع الميثولوجي الأدبي، وإلا فإن الطغيان البلاغي يحرف الإنتاج الأدبي عن مساره ويغير من استراتيجيته.‏

4-ثم إن البلاغة تحاول أن تحدد ما لا يحدد. فهي تزعم مثلاً أنها علم مطابقة الكلام لمقتضى الحال، مع أن الحال لا يمكن تقديرها من قبل البلاغة، وبالتالي فإن البلاغة لا تستطيع أن تحدد مقدار الكلام المناسب لمقتضى الحال. وقد يوضح المثال التالي ذلك:‏

لنفرض أن ثلاثاً من الأمهات استيقظن صباحاً فوجدن أطفالهن يعانون من ارتفاع حرارة، ولا شيء آخر سوى هذه الحرارة. فهل يكون رد الفعل الكلامي واحداً؟... ولا نعتقد ذلك، فقد تكتفي إحداهن بصرخة، وأخرى بدعواتِ الله والنبي ورقية على الرأس، وثالثة تفضِّل استدعاء الطبيب. إذا رفعنا العدد إلى ثلاثة آلاف أو ثلاثة ملايين امرأة نحصل على زمر من ردود الفعل، وليس على رد فعل واحد، فأين مطابقة الكلام لمقتضى الحال؟ والمثال ذاته ينطبق على الأدباء، فقد يتريث أديب عند مشهد يمر به غيره مروراً عابراً، فما يحدد مقتضى الحال ليس القواعد البلاغية، بل النفس البشرية. وهذا يدل أن البلاغة هي عام الجزئيات لا يمكنها أن تحيط الفلز الأدبي. إنها تصفه بتشعباته وفروعه ولكنها لا تفسر لنا سبب استمرارية التقليد الأدبي كمرتكز لكل اقتصاد أدبي. فالقول إن البلاغة هي علم مطابقة الكلام لمقتضى الحال نوع من السفسطة التي تشتمل على مغالطة داخلية، وهذا ما جعل البلاغيين يظنون أن الأدب هو علم الكلام فراحوا يحددون "الأصول" في الألفاظ والبدايات والخواتيم والتقديم والتأخير وأنواع الأفعال والأسماء. وقد وصلت البنيوية الفرنسية إلى الطريق المسدود مثل البلاغيين العرب الذين ساروا في هذا المنحى.‏

ثم أن بلاغة التعبير لا تنحصر في بلاغة الكلام، لأن هذه البلاغة تابعة للشغل الميثولوجي لإنتاج الأدب، حتى أن بعضهم تطرف وصرح بأن كل كتابة هي خلق ميثولوجي، واللغة على أهميتها هي جزء من الدلالات الأدبية، وإلى جانبها كثير من الدلالات، وإلا كيف نفسر أن الأدب الإيماني الذي ينتعش في هذه الأيام لم يفتقد الدلالات على الرغم من افتقاده اللغة؟‏

هناك تشبيه ناجح لبرغسون في كتابه "منبعا الأخلاق والدين" حول الثابت والمتغير استمده من النباتات النهرية، فكثيراً ما تنمو هذه النباتات من قاع النهر بساق طويلة باسطة أوراقها على سطح الماء الذي يحركها حسب اتجاهه، فتبدو لنا متحركة وهي ثابتة. فالكلام هو ظاهر الأدب ولا يجوز لنا الاقتصار على التوصيف السطحي. لابد من المتابعة للوقوف على المرجعية الأساسية للأدب حتى تستقيم الأمور، وعندما يكون للبلاغة معنى آخر يطرح عنها التراكمات الأجرومية المرهقة.‏

بعد هذا التحديد للعلاقة بين الأدب والبلاغة ننظر في عناصر الاقتصاد الأدبي: الفلز الأدبي والواقع الاجتماعي والأنماط الأولية، ثم الصياغة الفنية والحرية.‏

هذه هي أهم عناصر الاقتصاد الأدبي، ولكن قبل الخوض بها نتريث قليلاً عند هذا المصطلح لنبين أهميته ودوره في الحياة والرابطة الاجتماعية والإنتاج المادي.‏

قد نظن للوهلة الأولى أن الاقتصاد الأدبي مقتصر على الأدب ولا علاقة له بالحياة والرابطة الاجتماعية والإنتاج المادي، مع أنه ذو علاقة وثيقة، فهو ليس تسلية ولا تزجية لأوقات الفراغ، بل هو وسيلة من وسائل دفاع الإنسان عن نفسه وتحفيز قواه الروحية وتحويل العمل إلى نوع من الفرح وتمكين الإنسان من النظر إلى الآخرين بروح الرضا والمغفرة وتجاوز السيئات... وفي هذا ضابط للإنتاج المادي فلا يداخله الاستغلال والاستثمار والشهوات الذئبية. واليوم إذ يعمل الاقتصاد السياسي على إفساد الناس ودفعهم إلى التنافس المميت، نرى الاقتصاد الأدبي يعمل على تجنب قوانين الاقتصاد السياسي المدمرة، ويقيم نوعاً من العلائق السليمة، التي لو توافرت لابتعد المجتمع عن فوضى الإنتاج ومضاربات السوق وهدر الطاقات.‏

سلطة الاقتصاد السياسي مستمدة من الجهاز المالك /الحاكم، أما سلطة الأدب فمستمدة من القاعدة الروحية الواسعة للمجتمع، وأقصد بالقاعدة تلك الطبقات المبعدة عن مباذل الاقتصاد السياسي. إن الاقتصاد الأدبي يفعل فعله بصمت وهدوء، وعلى المدى الطويل. ربما تمر أجيال وأجيال على الناتج الأدبي من غير أن يفعل فعله ومن غير أن نلحظ له تأثيراً، ولكن لابد من أن يؤثر في المجتمع فيوقف على الأقل الانهيار الذي يدفعه إليه الاقتصاد السياسي. إنه غير مدعوم بقرارات وإجراءات رسمية كالاقتصاد السياسي، بالإضافة إلى أنه يفتقد إلى القوة المادية، فإنتاجه روحي وإن انعكس على النشاط المادي.‏

سلطة الأدب تكون بإشاعة جو من الرهافة بعيداً عن الجو المشحون الذي يخلقه الاقتصاد السياسي. إن الأخلاق الأدبية هي التي تدفع الناس إلى التعاون في الجائحات والأزمات وليس الاقتصاد السياسي الذي يسببها، ولولا هذه الأخلاق لما استطاعت الهيئة الاجتماعية التغلب على الصعوبات أو التخفيف منها. وكلما تقلصت الأخلاق الأدبية امتدت واتسعت وسادت أخلاق الاقتصاد السياسي القائمة على شريعة الشهوة الذئبية، التي تجعل الملكية محركاً أولياً لكل حياة البشر كأنهم لم يخلقوا إلا ليتملكوا.‏

يرمي الاقتصاد الأدبي إلى السيطرة على المادة لا السيطرة بالمادة، فهو يخاطب الروح الإنسانية لترتفع عن الصراع المادي، بغية الخلاص من الجرائم التي جرها الاقتصاد السياسي. إنه يدعو إلى ملكية القناعة مقابل ملكية الجشاعة التي يدعو إليها الاقتصاد السياسي، إنه يدرك أن الاضطراب في المجتمع مرده إلى الناحية المادية، ويرى أن هذا الاضطراب الشنيع لا ينتهي إلا إذا قامت الأخلاق الأدبية مقام الأخلاق المادية. قد يتحدث عن الملائكة والعالم العلوي ويصف الشياطين والعالم السفلي وقد يستخدم الجن والعفاريت لكنه في المحصلة يرمي إلى إقامة علاقات روحية توجه وترشد العلاقات المادية وترشدها. ومن دون هذا التوجيه لا يمكن الخلاص من ربقة الاقتصاد السياسي القائم على الاستغلال وإذلال الكرامة الإنسانية. وقد عرفت البشرية عصوراً ساد فيها هذا الاقتصاد فعرفت السلام والقناعة وفرح العمل، لا الحرب والجشع وحمى التنافس.‏

كل مجتمع يتطور فيه الاقتصاد، ويزداد عدد المستهلكين، يميل إلى التوازن ويتخلص من معظم العقابيل التي يخلقها الاقتصاد ذو السطوة والسيطرة على السوق الاستهلاكية، ويتوقف هذا على نسبة الاستهلاك الأدبي. وقد لوحظ أن البلاد التي يحقق فيها الاستهلاك الأدبي نسبة عشرين بالمئة تميل إلى التوازن. وفي بلادنا لا تتجاوز نسبة الاستهلاك الأدبي نسبة 0.045 بالمئة، فنحن مقصرون جداً في هذا المضمار. وقد لوحظ أيضاً أن الأحياء التي يزداد فيها الاستهلاك الأدبي تخلو من وطأة العلاقات الاجتماعية الشائهة. ولا علاقة لهذه الأحياء بالمستوى المادي، إذ ليس من الضروري أن تكون من الأحياء الغنية، وإن كانت الأحياء المتوسطة هي الأغلب. وعندما يمر المستهلكون الأدبيون بالأحياء الغنية يقولون جهارة أنها أحياء الجرائم والمفاسد الصامتة، فهي المسؤولة عن انهيار العلاقات الاجتماعية في كل طبقات المجتمع.‏

في رأي الاقتصاد الأدبي أن السلعة المادية تبدأ بالروح قبل أن تخرجها اليد والآلة إلى السوق وهي تحمل صفات هذه الروح معها فإن كانت روحاً طيبة فإنها سلعة مفيدة وطيبة، وإن كانت روحاً خبيثة فإنها سلعة ضارة ومفسدة. الروح هي التي تحمّل السلعة رسالتها: تنزل إلى السوق لسد حاجة وتعود بربح الكفاية، أم تنزل لتستغل الحاجة من أجل سرقة ما في الجيوب أو منافسة ما في الأسواق أو تدمير خصوم أو فرض سلطة أو استغلال ندرة أو إنشاء مملكة الثروة؟‏

وهذه الروح لا تنشأ إلا من الأخلاق الأدبية، أي من الاستهلاك الأدبي الواسع والعميق. انظر إلى أحياء المدينة: إنها تخضع لاقتصاد سياسي واحد ودستور واحد وأنظمة واحدة، ولكنها تختلف باختلاف الاستهلاك الأدبي، فالأحياء التي يدخلها الكتاب –أقصد طبعاً الكتاب الأدبي لا أي كتاب –هي الأرقى والأهدأ، هي الأرقى أخلاقياً والأهدأ اجتماعياً والأوثق علاقات. وعندما تدخل الروح الأدبية في عملية الإنتاج المادي فإنها تغير من هدف هذا الإنتاج بالقضاء على جرثومة الاقتصاد السياسي، وهي الشهوة الذئبية النهمة التي لا تعرف قناعة ولا تشعر بشبع، أو كما يقول أنجلز "نزع روح الاستغلال من السلعة". إن السلعة المادية لا تعرف الانحياز ولا تعي هدفها. إنها حيادية ولكننا نحن الذين نحملها الرسالة ونطلقها لتكون حملاً أو ذئباً، لتكون لنا أو علينا، لتكون معمرة أو مدمرة. وكل محاولة خارج هذا الإطار لا معنى لها ولن تؤدي إلى نتيجة مرغوبة. وهذا هو منطلق دعوتنا إلى ضرورة توطيد ما سميناه "علم الاقتصاد الأدبي" الذي يؤدي إلى غايات إنسانية كبرى والذي يحول السلعة إلى معادلة إنسانية.‏

بعد أن بينا أهمية العلم الذي ندعو إليه في توجيه الإنتاج المادي ننتقل إلى مناقشة أهم عناصره، وهي عناصر متآزرة، نفصل بينها من باب التبسيط:‏

الفلز الأدبي:‏

يتكون الفلز الأدبي من عناصر كثيرة لا حدود لها، من أبسط المخلوقات وحتى الجن والعفاريت والعوالم الكونية، بل والعوالم الأخرى، ولكن ضمن عملية المثلجة (الارتقاء فنياً إلى الميثولوجيا حيث صورة المجتمع المنشود). الفلز الأدبي هو أعظم احتياطي إنتاجي في العالم، وهو الاحتياطي الذي لا ينضب ولكن قبل ذلك دعنا نبحث عن المنجم الذي منه نستخرج هذا الفلز ونهيئه.‏

المنجم الذي منه نستخرج هذا الفلز هو "الخيال الأدبي". وحتى تكون السلعة المادية ذات رسالة روحية أدبية، ولابد من أن تخضع للخيال الأدبي. نعم للخيال الأدبي الذي يتعامل مع الجنيات والحوريات وأماليد غابة لم ترها عين وألحان سيرينات لم تسمع بها أذن... ومع ذلك فإنه واقعي كل الواقعية لأن هدفه خلق مجتمع حقيقي ذي معادلة إنسانية تحفظ التوازن وتنتزع الشهوة الذئبية من الإنتاج المادي. فما هذا الخيال الأدبي؟‏

الخيال الأدبي ليس العوالم الأخروية ولا الكائنات الوهمية ولا أشباح الغابة... هذه وسائل يستخدمها الأدب استخداماً. الخيال الأدبي هو صورة المجتمع كما يجب أن يكون، لا بأخلاقه المعنوية وحسب، بل أيضاً بطريقة إنتاجه المادي. وحتى يكون حديثنا سهلاً سوف نجعل المجتمع مجتمعين: المجتمع الوهمي والمجتمع الواقعي، فالأول هو المجتمع الذي نعيش فيه والثاني هو المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه، الأول وهمي لأنه يتغير باستمرار، والثاني واقعي لأنه ثابت والنضال من أجله هو أرقى مهمة إنسانية، الأول لا يثبت على شيء: ترى مؤسسات ضخمة ومنظمات قوية ولكنها في حقيقتها وهم في وهم لأنها –كما يقول دانتي- سوف تزول، وتقوم مؤسسات ومنظمات بديلة، لكنها هي الأخرى سوف تزول، فنحن نتعامل مع الوهم وندعوه واقعاً، وهذه خطيئة من أشد الأخطاء الإنسانية. أما المجتمع الأدبي فإنه المجتمع الواقعي لأنه سوف يثبت لأن علاقاته سليمة. وهكذا فإننا نتعامل مع العابر ونسميه واقعاً، ونتعامل مع الثابت ونسميه خيالاً، وهي مغالطة تخالف أبسط مبادئ المنطق.‏

بعد أن بينا أن الخيال الأدبي هو الواقع، وأن الواقع الاقتصادي هو الوهم، ننظر في هذا الخيال لنعرف طريقة إنتاجه. فهو أضخم مكنة إنتاج عرفتها البشرية، تنتج سلعاً ذات هدف إنساني لا يتغير مدى الدهور، وهي ملتزمة بالمجتمع الواقعي المنشود.‏

إن الهدف هو الذي يحدد نوعية الإنتاج. وبما أن هدف الخيال الأدبي هو خلق مجتمع الفرح فإنه ولاشك يقدم صورة لمجتمع صحي سليم ليس فيه بغضاء ولا صراع ولا قتال ولا استغلال... وهذه المواصفات ناجمة من أهداف الإنتاج الأدبي الذي يعمل على تطويع الإنتاج المادي لأهدافه.‏

لاشك أنه مضطر إلى التعامل مع المجتمع الوهمي القائم والآيل إلى الانهيار، فهو يستخدم بعض مظاهر هذا المجتمع الوهمي وإن كانت عابرة، لكن استخدامه لعناصر هذا المجتمع يرقى بها إلى النمذجة حتى تصير صالحة للفن الأدبي وتخدم هدفه، أي أنه يمثلجها (يجعلها أسطورية بمعنى أنه ينتزعها من عالمه ويخضعها لمقتضيات الفن الأدبي وهي مقتضيات أسطورية).‏

والأسطورة هي بالضبط المجتمع الواقعي الذي يجب أن يحل محل المجتمع الوهمي العابر الذي نعيش فيه. والأسطورة هي الحلم الإنساني، والحلم هو الواقع الذي نريده، فهو ليس فردياً بل رغبة جمعية. ولهذا كانت الأحلام واحدة لدى جميع البشر، وبالتالي فالأسطورة واحدة لدى جميع البشر. ووظائف الأسطورة كثيرة يهمنا منها التفسير والتحذير والتدبير، وهذه الوظائف متآزرة فيما بينها، فعندما نقع على أسطورة تفسر لنا نشأة الكون نلاحظ أن هذا التفسير يشتمل على التحذير والتدبير، فتفسير النشأة مثلاً يطلعنا على ضرورة الحذر من الكائنات المتوحشة التي تفسد توازن الكون والمجتمع، وتعلمنا كيف ندبر الأمور لنخلق الانسجام في كوننا ومجتمعنا. ففي الأسطورة التفسيرية نلاحظ أن الكون المنظم الذي نراه اليوم قد نشأ من الكاوس، أي العماء الفوضوي، بعد حرب ضروس ضد المخلوقات الشريرة التي لا تعيش إلا بالفوضى والتي تقف في وجه كل تنظيم.‏

وفي الأسطورة التحذيرية نلاحظ أن النجاح لا يكون إلا بالتغلب على الوحوش المريعة، سواء كانت من الطيطان القدماء أو من أرباب الاحتكارات المحدثين، فتركز هذه الأسطورة همها في التحذير من هذه الوحوش، أي الظواهر المعيقة أمام إقامة التوازن والانسجام في الكون والحياة.‏

وفي الأسطورة التدبيرية نلاحظ تأكيداً على العناصر الجميلة التي تقدم باعتبارها مثلاً جمالية عن طريقها يمكن إشاعة الإحساس بالجمال، وهذه أهم خطوة في التربية الجمالية التي إن توطدت هيَّأت الجو للانتصار على الاقتصاد السياسي ومفاسده. لو نظرنا في كل الأساطير لوجدنا أنها كلها تدور في هذه الأطر التي أشرنا إليها، وهناك أطر أخرى ليس هنا المكان المناسب حتى للإشارة إليها. إن الأسطورة بحاجة إلى مؤلفات خاصة لأنها أعظم فلز أدبي يمكن أن نعتمد عليه في بناء الأسس التي عليها يجب أن تقوم الحياة والعلاقات البشرية. إن الأسطورة هي الهداية للانتقال من العالم الوهمي الذي نعيشه إلى العالم الواقعي الذي ننشده ومن دونها لا يمكن أن نحقق هذه النقلة النوعية.‏

لماذا يرتبط الاقتصاد الأدبي بالأسطورة دائماً؟‏

لسبب بسيط جداً وهو أنه يسعى إلى تقديم الصورة الأمثل بتفسيراتها وتحذيراها وتدبيراتها ومن دون مثلجة ما يجري بين البشر لا يمكن تقديم هذه الصورة، فالمثلجة هي الارتفاع بالأحداث والشخصيات البشرية إلى مستوى الأسطورة، حيث تتم عملية النمذجة، سواء كانت هذه النمذجة إيجابية أو سلبية. وهذه أهم عملية في عمليات الاقتصاد الأدبي، لأنها العملية الواقية من الانجراف وراء انحرافات البشر، فالفلز البشري لا يكتسب جدارته إلا بالمثلجة، فيتحول إلى فلز أسطوري، إذ قد يخدعنا الفلز البشري بأن الثروة –مثلاً- أساس المجتمع، أما الخيال الأدبي فلا يخطئ، إذ كل أساطيره ترى في الثروة مفسدة. وما يقال عن الثروة عن بقية عناصر الاقتصاد السياسي.‏

باختصار نقول أن من المستحيل أن نبني مجتمعاً واقعياً بالاعتماد على فلز الاقتصاد السياسي.‏

إن ما قام به ماركس وانجلز ولينين هو الاعتماد على هذا الفلز معتقدين أنه يحمل في أحشائه جرثومة دماره من جهة، وأن فشله يؤدي إلى قيام طريقة جديدة سليمة لإنتاجه، لكن الذي حصل هو أن قذارة هذا الفلز ظلت مختبئة في النفس البشرية، وبعد زعمهم أنهم قضوا عليه قضاءً مبرماً خرج من مخبئه وانتشر من جديد، فهو كالسرطان إن بقيت منه خلية صغيرة عاد بطريقة جديدة إلى الإنتاج.‏

إن كل ما أرادته الماركسية تحقق في الاتحاد السوفياتي من تغيير طرائق الإنتاج وتوزيع الثروة وغير ذلك من عناصر الاقتصاد السياسي الأخرى. لكن شيئاً واحداً لم يتحقق وهو النفس البشرية. كانت نفساً خالية من الأدب، والنفس بلا أدب لا يمكن إلا أن تعيد طرائق الإنتاج التي تخدم الاقتصاد السياسي. ليس هذا وحسب، بل نجد أيضاً أنهم كافحوا الاقتصاد الأدبي فزعموا أن هذا أدب قديم وأن ذاك أدب لا يتلاءم مع الطرائق الجديدة في الحياة. منعوا إنتاج دوستويفسكي... دستويفسكي الذي رأى أن الجريمة لا تجتث بالعقاب بل بتطهير الروح، بالتسامح والتضحية. وصموده بالرجعية فانهاروا وظل شامخاً. لقد كان الاقتصاد السوفياتي معادياً للاقتصاد الأدبي فعلى يديه تحول الأدب الفني إلى أدب سياسي دعائي، أي إلى خادم للاقتصاد السياسي، وكانت النتيجة أن زعماء الاشتراكية تحولوا اليوم إلى أغنى أغنياء العالم. إن كل معالجة بوسائل الاقتصاد السياسي سوف تؤدي إلى هذه النتيجة الوخيمة، بل إن هذه النتيجة تتحول إلى عقبة جديدة أمام التحرر الإنساني فقد تراجع الاتحاد السوفياتي مئات السنين خلفاً، على الرغم من الركام الهائل الذي يملكه من الأسلحة. إن لم نعتمد على الفلز الأدبي، وإن لم نرب صغارنا على الأسطورة، فإن من العبث العثور على حل يعيد التوازن إلى الحياة والطبيعة ويحقق الانسجام في العلاقات.‏

كل الأساطير هي من إنتاج الخيال الأدبي، ومعنى ذلك أنها كلها تصب في هدف واحد وهو إقامة المجتمع الواقعي والإجهاز على المجتمع الوهمي الذي نعيشه، فهي كلها فلز صالح لإعادة الصياغة وفق المتغيرات المستجدة في كل العصور، من غير تمييز بين ميثولوجيا وأخرى، من هندية وفارسية وسومرية وإغريقية ومكسيكية، ولكن قد تستخدم عناصر أكثر من عناصر أخرى، فالأدب الحديث مثلاً يتجه إلى الأخذ بالميثولوجيا السكندنافية فيما يتعلق بالدمار الكوني والنهايات البشرية، بيد أنه لم يفقد الصلة –فيما عدا ذلك- بالميثولوجيات الأخرى على تنوعها، لأنها جميعاً لا تختلف إلا بالأدوات التعبيرية، فهي موضوعة لإقامة مجتمع واقعي مستقر، بعيد عما يجري في مجتمعنا الوهمي العابر، مجتمع الاقتصاد السياسي، بل إن بعض الأساطير تكاد تكون واحدة كالطوفان والنار والعالم السفلي والعالم العلوي ونشأة الحياة وخلق الإنسان، وغير ذلك مما لا يتسع المقام للتعريج عليه.‏

الواقع الاجتماعي:‏

الأدب الحديث يشن حملة شعواء على الواقع الاجتماعي. إنه يدينه ويرفضه ويفككه بتحليل نقدي لا يرحم، ولا يفتأ يهاجم كل مظاهره ويبين أنه مجتمع وهمي عابر. ونحن نميز بين الأدب القديم والأدب الحديث بشمولية الإدانة فقط وليس بشيء آخر، فاستراتيجية الأدب لم ولن تتغير في يوم من الأيام.‏

لماذا هذه الإدانة الشاملة في الأدب الحديث للواقع الإنساني؟‏

لأن الاقتصاد السياسي أحرز في هذا العصر انتصارات صاعقة، فقد مد يده إلى كل شيء وحوله إلى سلعة تباع وتشرى، فوصل إلى كل ما هو لصيق بالأدب كالموسيقى والرياضة والرسم، بل امتد حتى إلى بعض أطراف الأدب.‏

كان الأدب القديم يرى بعض الإيجابيات في مجتمعه الوهمي العابر فيستخدمها بإدخالها في حيز الأسطورة ويجعلها خالدة كالكائنات الأسطورية سواء بسواء. أما الأدب الحديث فيبدو أنه نفض يده من هذا الفلز ولم يعد يجد فيه إلا فلزاً يصوغ منه النموذج السلبي وحسب.‏

إن كلمة مجتمع هي كلمة معقدة وغامضة، على عكس ما تبدو لنا أول الأمر، فالمجتمع فرد وأسرة وارتباطات وفئات وطبقات واستغلال واستثمار. ولكن عندما نقول ونسمع هذه الكلمة نفهم منه الطابع العام للحياة في زمن معين. فكل مجتمع بهذا المعنى هو طابع عام ولكنه وهمي لأنه عابر وسوف يتغير مهما كان محافظاً. إن الثورة الصناعية عصفت بما كان يعتبر إنكليزياً صميمياً. بل إن امتداد إنكلترا إلى المستعمرات غيّر الكثير مما هو إنكليزي أصيل.‏

يشكل المجتمع بالنسبة للأدب فلزاً متغيراً، وهذا الفلز يضفي على الأدب الجدة والطرافة باستمرار. وعندما نقول عن أدب أنه جديد فإننا لا نقصد سوى أنه تعامل مع المفرزات الجديدة للمجتمع وعاف المفرزات القديمة المنقرضة والآيلة إلى الانقراض. إن الأدب في هذه الأيام لا يستطيع أن يحدثنا عن أسرة ريفية في بيت صغير مع بقرة وخروفين وعدة نعجات. يبدو الأمر غريباً وغير مقبول ولكنه يحدثنا عن أسرة جديدة تهيمن كالطاغوت، أو أسرة تتحمل عناء هذا الطاغوت، عن ملوك الاحتكارات، وعصابات القتل الصامت.‏

فلز الواقع الاجتماعي يمد الأدب بكل ما هو متغير، فروايات ديفو لاقت إقبالاً لأنها رصدت هذه المتغيرات، ولولا نمو الاقتصاد السياسي ونشوء طبقة جديدة وبروز دور المرأة لما أطلعنا على مغامرات روبنسون كروزو ولا على الحياة الصاخبة لمول فلاندرز.‏

قد تطول أحياناً فترة العلاقات الاجتماعية الناجمة عن طريقة الإنتاج فيظن بعض الأدباء أنها علاقات أبدية، ويعمدون إلى معاملتها كأنها القاعدة الأساسية لصياغة العلاقات. إن مثل هذا الإنتاج الأدبي يصاب بالركود والكساد ثم الإغفال والنسيان، حالما تتغير العلاقات الاجتماعية، فشرط الإنتاج الأدبي الحقيقي هو حذف الزمن عن طريق المثلجة، أي جعل الميثولوجيا مقياساً ورائزاً مبدئياً فالروائي عندما يتعامل مع الواقع العابر عليه أن يمثلجه فيكون استخدامه لعناصر هذا الواقع استخداماً واعياً، بحيث يعرف القارئ أنه أمام مجتمع وهمي لابد أن يتغير في يوم من الأيام، لسبب بسيط هو أنه لا يتطابق مع الميثة الأولية التي أنتجها الخيال الأدبي، والتي أودع فيها تصوره لمجتمع بعلاقات سليمة وبترشيد اقتصادي بعيد عن الشهوات الذئبية.‏

معظم المفكرين رصدوا العلاقة بين الأدب والمجتمع كالمنظر الماركسي بليخانوف وعالم الجمال شارل لالو والناقد الأدبي دافيد ديتشز وكثير من أمثالهم، وقد انتهوا إلى نتائج متقاربة نوعاً ما وإن كانت اتجاهاتهم مختلفة. ومما أجمعوا عليه أن الأدب يتأثر بالمجتمع ومنه يستمد كثيراً من الفلز الأولي، بعضهم ركز على الطبقات، وبعضهم ركز على التغيرات الشمولية، وبعضهم ركز على المؤسسات والأنظمة الأيديولوجية... والمعروف أن رصد مثل هذه الشبكة ليس بالأمر السهل، وإسهامات هؤلاء المفكرين تعد جهداً كبيراً في هذا المجال.‏

وحتى لا نقع في تلك الشبكة المربكة نقسم الفلز الاجتماعي إلى قسمين: قسم سريع العبور وقسم بطيء العبور، فالقسم الأول هو المؤسسات والنظم والعلاقات المرتبطة بالاقتصاد السياسي كالثروة والمصنع والسلعة والسوق، والقسم الثاني هو تلك الأيديولوجيات التي تطوى كثيراً من المؤسسات الاقتصادية وتبقى صامدة في وجه الزمن مدة أطول كالدين مثلاً، فكيف يتعامل الخيال الأدبي مع هذا الفلز؟‏

فيما يتعلق بالفلز السريع العبور، فإن الخيال الأدبي يتخذه مثالاً على تردي الاقتصاد السياسي وتخلف البشر، فالثروة مدانة لأنها مفسدة، والقانون الذي يحكم الثروة في النتيجة الحاسمة ليس الاقتصاد السياسي، بل دولاب الحظ، كما يقول دانتي، ولو أنَّ الثروة دائمة لكانت الأسر الغنية القديمة ما تزال تمتلكها حتى هذه الأيام، وليس غريباً أن يستولي لص واحد على ثروة مؤسسة بكاملها فيؤدي بها إلى الدمار، وليس نادراً أن تؤدي وفاة رب أسرة إلى طمر أسرار الثروة معه وقد درجت العادة اليوم أن اللصوص يهربون أموالهم إلى الدول الأجنبية فيودعونها بأرقام سرية فتموت بموتهم... أشياء وأشياء كثيرة لا تقتصر على الثروة وحدها بل تشمل كل عناصر الاقتصاد السياسي، وقد بلغ الأمر ببعض الأدباء أن يتخلوا عما ورثوه من ثروة، لأنها لا تنسجم مع طبيعتهم كتولستوي مثلاً.‏

موقف الأدب من الفلز السريع واضح، وهو اتخاذ، نموذجاً لتشويه العلاقات الاجتماعية. كل الأدباء ساروا في هذا الاتجاه، بيد أن أونوريه دي بلزاك يعتبر أغزرهم إنتاجاً ودأبهم على تقصي آثار هذا الفلز الذي يفرزه الاقتصاد السياسي. وإذا كان دانتي قد كتب رائعته "الكوميديا الإلهية" في ثلاثة أجزاء، وجعل همه الدخول إلى قلعة العقائد الدينية، فإن بلزاك كتب الكوميديا الإنسانية وجعلها في مئة وتسعين جزءاً أو زهاء هذا الرقم، وكما طاف دانتي ممالك الآخرة طاف بلزاك ممالك الدنيا، فلم يبق ظاهرة لفتت نظره إلا خاض فيها، من الحب والزواج حتى الحروب وانهيار الدول، من حياة الطفل الصغير إلى حياة العاهل الكبير، وقد ساعده في ذلك النمو في وسائل الإنتاج وما أحدثه من تغير في العلاقات الاجتماعية، فقد كانت هذه العلاقات الجديدة ثورة كاملة، كأنما أوروبا تودع عالمها القديم. إن سانشو بانزا، تابع دون كيشوت كان "ميالاً" إلى الثروة والسلطة، ومع ذلك كان محباً لمعلمه وسيده ويحترم مثله وقيمه. في الملهاة الإنسانية جعل بلزاك أبطاله من السانشوبانزات، وقد تحولت ميولهم إلى حقيقة، يهيمنون على كل شيء، على كل مقاليد الأمور تقريباً، ولكن لم يعد في قلبهم ذرة من الاحترام للمثل والقيم، فقد تلاشت أبسط المشاعر الإنسانية في أعقاب الثورة الصناعية الأولى وهيمنة الاقتصاد السياسي على كل فروع الإنتاج المادي.‏

أما تعامل الأدب مع الفلز البطيء، وعلى الأخص الدين، فإنه مختلف، إذ في هذه الحالة يخضع الدين لتجربة الأنماط الأولية التي تشكلت عبر أجيال وأجيال، فما كان منه متفقاً مع هذه الأنماط دخل الأدب وصار رمزاً من الرموز، وما خضع منه للاقتصاد السياسي اتُخذ نمطاً سلبياً. فقبل المسيحية مرت المجتمعات الأوربية بأديان وأديان، لم يبق منها إلا الشذرات التي اختارها الأدب لدلالتها النمطية. أين الفيثاغورية والغنوصية والباخية والديمترية والميثرية والاورفية والاوزيريسية وغيرها من الأديان؟... كلها تلاشت وتراجعت ولم يبق منها إلا ما صوّره الأدب، أي لم يبق منها إلا ما كان فلزاً أدبياً، لأن الأدب يُسقط من الدين ما لا يتفق والتطور الروحي للإنسان كنزعة التعصب والانغلاق والكراهية التي يكنّها دين للأديان الأخرى، فالأديان تخضع للنظرة الأدبية كغيرها من الظواهر الاجتماعية. إنها فلز عابر وإن كانت حركته بطيئة تستمر أحياناً مئات الأجيال، وكل أديب ينتج أدبه تحت مظلة الدين يسقط هو ويُنسى أدبه، فنحن اليوم لا نذكر الأدب الذي انضوى كلياً تحت راية المسيحية بينما نذكر الأدب الذي امتص من المسيحية رحيقها وترك قشورها اليابسة التي استخدمها الاقتصاد السياسي. وربما كانت مسرحية موليير "طرطوف"، في القرن السابع عشر مثالاً واضحاً لموقف الأدب من الدين. إن طرطوف –بطل المسرحية- يمثل نموذجاً سلبياً لرجل الدين فهو ابن الاقتصاد السياسي الذي أدخل إلى المجتمعات أخلاقاً جديدة من نفاق ومنافسة وجشع وتهافت على الثروة. فالدين المسيحي لم يصمد أمام الاقتصاد السياسي الجارف، إذ خضع لقوانينه وانجرف في تياره والقيم الإنسانية -وهي متقاربة في كل الأديان- استخدمت كأي مادة من مواد الاقتصاد السياسي، والوجه الإنساني للدين هو الذي نجده في الأدب وليس في الكتب الدينية وما أكثرها في العصور الوسطى. إن الوجه الإنساني لديمتر وباحس وأنينا وأبولو والمسيح يتجلى في الأدب. إن الجانب الذي يقره الأدب هو الجانب الإنساني، والجانب الذي يرفضه هو الجانب الذي سوف يزول مهما طال الزمن. إن الأدب يرفض موقف موسى عندما صرع مصرياً تنازع مع يهودي من دون أن يقف على سبب النزاع. بينما يقدر موقف ابن الخطاب تقديراً عالياً عندما عاقب ابن قائد كبير لأنه ساط مصرياً سبقه في الحلبة. إن دين صلاح الدين الأيوبي لم يحل دون تقدير الأدب لمواقفه التي تناقلها الغرب والتي تدل على إنسانية التعامل مع الأغراب.‏

لقد كان السياسي أسوأ ما عرفته البشرية، فهو الذي أطلق الشهوة الذئبية التي تدوس كل القيم الإنسانية. وقد أشار بلزاك إلى ذلك بجهبذبة في المقدمة التي كتبها لكوميدياه. يقول: فزوجة تاجر هي جديرة بأن تكون زوجة أمير، وغالباً ما تكون زوجة أمير أقل من زوجة فنان، فللحالة الاجتماعية مفاجآتها التي تسمح بها الطبيعة، إذ أن الطبيعة مضاف إليها المجتمع، فوصف الأنواع الاجتماعية هو على الأقل ضعف وصف الأنواع الحيوانية... فلدى الحيوانات لا يوجد إلا القليل من المآسي، فبعضها يهاجم بعضها الآخر، وهذا كل شيء، أما البشر فبعضهم يهاجم أيضاً بعضهم الآخر، لكن الاختلاف في درجة الذكاء هو ما يجعل المعركة أكثر تعقيداً (مدخل إلى قراءة بلزاك ص165 ترجمة ميشيل خوري وزارة الثقافة، دمشق 1993).‏

ولا أدري لماذا قال المجتمع ولم يقل الاقتصاد السياسي، ولو فعل لكان أكثر تحديداً لأن دخول الاقتصاد السياسي بهذه القوة وسيطرته على المجتمع هو الذي يجعل الدنيء بماله يستحوذ على أرقى النساء ثقافة وأدباً، مما يدخل الاضطراب والتشويش في المجتمع. إنه يفكك الأسرة، الخلية الأساسية لكل مجتمع. لقد صار المال هو الذي يقرر الفضائل والرذائل، وهو الذي يقلب الفضيلة إلى رذيلة، ويجعل من الرذيلة صنماً للعبادة.‏

هذه هي النقطة التي أردنا إبرازها، أما سواها فقد عالجه كثير من المفكرين والنقاد في كتبهم.‏

الأنماط الأولية:‏

هل الاقتصاد الأدبي خاضع –كما هو شائع خطأ- للخيال الفردي؟ ... هنا سوف نعود إلى مثال ورد في الفقرة السابقة، وهو مثال يتجلى في موقفين: موقف موسى الذي انحاز لابن دينه وصرع المصري من غير تحقق، وموقف ابن الخطاب الذي انتصر للمصري بعد التحقق من دعواه، وهو ليس ابن جنسه ولا ابن دينه، فعاقب ابن جنسه وابن دينه وابن فاتح مصر أيضاً. ونعود إلى هذا المثال لأننا ذكرناه فقط، وإلا فما أكثر الأمثلة. لنفرض أن أدبياً محترماً جن في لحظة وانساق وراء خياله الفردي، بدلاً من خياله الأدبي –ومثل هذا التحول لا يتحقق إلا إذا أصيب الأديب في مخه، أو إذا شرب من خمرة باخوس ما يتجاوز حدود المتعة وعالم الوجد الأدبي –وراح يهذي ويقدم لموسى صورة زاهية، كأن يجعله بطلاً من أبطال اليهود ورئيساً دينياً حقيقياً ينتصر لجنسه ودينه، ويرى في قتل المصري عملاً رائعاً، ومأثرة بطولية، أو يرى في عمل ابن الخطاب عملاً مرفوضاً، لأنه لم ينتصر لابن جنسه وابن دينه على ذلك الغريب الذي لا يمت بصلة إليه. ماذا نقول في هذا الأديب؟‏

سنقول أنه مجنون ابن مجنون، أو على الأقل نقول أنه لا علاقة له بالأدب ولا بالخيال وسوف ننظر في مثال آخر، وهو مثال إيجابي هذه المرة وهو رواية توماس مان "يوسف وإخوته". إن توماس مان يهودي بغض النظر عن إيمانه، ويوسف يهودي أيضاً، لكن توماس مان لم يقدم لنا يوسف زعيماً دينياً متعصباً، بل قدمه في ملحمته الطويلة بطلاً إنسانياً ذاق العذاب ولم يتخل عن موقفه الإنساني، فقد رمي في الجب من قبل إخوته، ثم دخل مصر وخدمها بكل إخلاص مثلما خدم إخوته عندما تعرف عليهم.‏

الخيال الأدبي ليس متسيّباً ولا يقع أسير النزوات الفردية أو الخيالات الذاتية مهما كانت راقية وكل انسياق وراء الذاتية يجعل الأدب نافلاً، أو وثيقة من الوثائق التي قد تفيد الفلسفة أو علم النفس أو علم الاجتماع... لكنها لا يمكن أن تدخل حيز الأدب.‏

الخيال الأدبي له أطر وتقاليد وقوانين لا يستطيع الخروج عليها، فهو يسير وفق الأنماط الأولية ولا يستطيع مخالفتها. والأنماط الأولية هي اللوحة التي ترسم المجتمع الواقعي أو المجتمع الأدبي الذي يسعى إليه كل أديب. والأنماط الأولية هي الأساطير الأساسية التي وضعتها البشرية من أجل خلاصها، وهي التي تقدم لنا ما سبق أن ذكرناه، أي التفسير والتحذير والتدبير.‏

سبق وأشرنا إلى أننا أمام نوعين من الفلز: الفلز الأسطوري الذي يتألف من الكائنات الهيولية والخيالية والفلز الواقعي الذي يتألف من الواقع الإنساني الذي هو أشبه بالرمال المتحركة ويتغير باستمرار. ومن هذين الفلزين تتشكل الأنماط الأولية التي هي العمود الفقري للاقتصاد الأدبي الذي يرمي إلى توجيه النشاط المادي للإنسان، بحيث تنشأ علاقات صحية وسليمة، وخطوة خطوة يمكن –إذا اتعظ البشر واهتدوا بالاقتصاد الأدبي- أن يقوم المجتمع الواقعي بدلاً من المجتمع الوهمي، والذي يقبع الاقتصاد السياسي خلف وهميته ويعمل باستمرار على تدميره.‏

قلنا إن الكائنات الميثولوجية تشكل طرفاً والكائنات الإنسانية ضمن واقعها من جبال وبحار وكهوف وغابات تشكل الطرف الآخر. ومن تفاعل هذين الطرفين تتكون الأنماط الأولية التي قد نعتقد خطأً أنها أنماط خيرة وأنها أشبه بالمواعظ الدينية التي ترشد الإنسان إلى الطريق القويم. ونصحح هذا الاعتقاد المغلوط فنقول أن الأنماط الأولية ليست خيرة وليست شريرة وإنما فيها الخير والشر ولكن بطريقة فنية. فالأم كنمط أولي لا تكون دائماً الأم المُضحيّة ولا الأم الحنون، فقد عرفنا أنماطاً أولية ظهرت فيها الأم المتوحشة والأم المفترسة، وإذا كان الأب قد ظهر في بعض الأنماط قاتلاً لأبيه أو لأبنائه، مثل زيوس مثلاً، فإنه ظهر في أنماط أخرى بطلاً مضحياً في سبيل البشرية، فالرب أودن السكندنافي لم يقترف جريمة لا بحق أبيه ولا بحق أبنائه، بل وهب نفسه لإسعاد البشرية، وقد قام بمغامرة خطيرة فقد على أثرها إحدى عينيه، وهي المغامرة التي قام بها لإحضار خمرة الميد ومنحها للبشر التعساء من أجل إسعادهم. ولهذه الخمرة ميثة دالة فيما يتعلق بالأنماط الأولية:‏

رأى أودن أن البشرية تغرق في جهالة مطبقة وحزن دفين. وهذه حالة لا تصلح لاستمرار البشرية فلابد من توفير الرونات والميد لها حتى تستمر. الرونات هي ألواح المعرفة والميد هي خمرة الشعر. المعرفة تهدي الإنسان في شؤونه المادية والخمرة تبعث فيه البهجة وتجعله شاعراً، أي كريماً سموحاً يتغاضى عن خطايا الآخرين ولا يعرف قلبه غلاً ولا حقداً ولا ضغينة. وقد سعى أودن وتعذب من أجل ذلك، فعلق على شجرة ريح صخرية تسع ليال وطعن بحربة. وبالمعرفة اهتدت البشرية، لكنها ظلت تتعذب فالمعرفة تعني إقامة الحق، وبالحق لا تسعد البشرية، لابد لها من المسامحة والرحمة وتجاوز الأخطاء والإساءات، فغامر أودن مرة أخرى وسرق من عند العمالقة خمرة الميد التي تجعل من يشربها شاعراً يحسن لمن أساء إليه ويتجاهل حقه ويمنح المغفرة للخطاة... وبهذه الطريقة تستمر البشرية وترتقي الحياة. ولكن –للأسف- لم يشرب كل الناس من خمرة الميد، ولذلك فإن شاربيها من المنتجين الأدبيين هم القلة في البشرية، إنهم الذين شربوا من خمرة الميد فعرفوا فنّ صناعة الفرح والتعزية. وعندما يذوق الناس جميعا من هذه الخمرة يصلون إلى المغفرة التي جعلها لنا دستويفسكي قانون الوجود البشري، وبذلك تشيع السعادة التي يجدها المرء في المسامحة لا في الانتقام وفي العطاء لا في الأخذ، وليس كما يفعل الاقتصاد السياسي الذي يرى أن السعادة تزداد بمقدار ما تزداد الثروة... فهو يجعل الحياة الإنسانية –كما يرى بلزاك- أدنى من حياة البهيمة.‏

هذه الميثة عن أودن أولية نجدها في كل الميثولوجيات، وبالأخص الإغريقية وسوف نعرج عليها نوجز تاريخ الاقتصاد الأدبي في بحث لاحق، ولكن بإخراج إغريقي مختلف، وهي ميثة بروميثوس ووصيته لابنه ديوكاليون ببناء فلك يقيه من طوفان الآلهة، حتى إذا علا الموج وطغى رسا الفلك على قمة البرناس ومن هذه القمة يتعلم ديو كاليون الفن والأدب من ربات الفنون والآداب في ذلك الجبل، وبذلك ينقل إلى البشرية وسيلة الخلاص الحقيقية.‏

هذا النمط الأولي للأب المضحي الذي يمثله أودن يقابله الأب القاتل، من أمثال كرونوس أو زيوس. فكل نمط أولي يقدم لنا جانباً من الاقتصاد الأدبي، ونحن ملزمون بالسير عليه. إن الأب غوريو الذي قدمه لنا بلزاك لا يختلف عن النمط الأولي لأودن الذي قدمته الميثة السابقة. والنمط الأولي للأب القاتل الذي قدمه لنا سوفوكليس في صورة لايوس، الذي خشي أن يغتصب العرش ابنه أوديب فأمر بقتله، لا يختلف عن ميثة كرونوس الذي كان يبتلع كل ولد ذكر حتى يُطلّ رب الأرباب في جبل الأولمب وعندما يكتب أديب متأخر، ولو في هذه الأيام عن الأب يجد نفسه ضمن الأنماط الأولية التي قدمها الاقتصاد الأدبي في آثار عظيمة ما تزال تفعل فعلها.‏

هذه الأنماط الأولية ليست مقتصرة على الشخصيات الميثولوجية والإنسانية، فمن الممكن استخدام مظاهر الطبيعة كفلز أدبي فتتحول إلى رموز مثلما تحول كرونوس أو زيوس أو أودن، وهي رموز متعددة الدلالة ولا تقتصر على دلالة واحدة أو دلالتين. فالنار أو الشمس، قد تبدو في نمط أولي مانحة للحياة، وقد تبدو في نمط أولي آخر محرقة، وقد تظهر في نمط مسببة للمنغصات وفي آخر واهبة للبهجة. فكما نجد الأم المدنسة تقابل الأم المقدسة، كذلك نجد النار المدنسة تقابل النار المقدسة. وقد تقصى غاستون باشلار صورة النار في النفس الإنسانية بدراسة غنية دقيقة وانتهى إلى تعدد الأنماط (النار في التحليل النفسي، ترجمة نهاد خياطة، دار الأندلس، بيروت 1984).‏

ما يقال عن النار يقال عن البحر والجبل والكهف والغدير والنهر والغابة والصليب والهلال، وغيرها كثيرٌ جداً. ومهما تعددت هذه العناصر، فإن الاقتصاد الأدبي يصوغ منها أنماطاً أولية شديدة الأسر لا يمكن تخطيها أو الخروج من تحت مظلتها من دون أن نكون قد خرجنا من الاقتصاد الأدبي نهائياً ودخلنا تحت مظلة... أي مظلة؟... لا أعرف ولكن ليس مظلة الأدب بالتأكيد.‏

خلاصة ما نقوله أن الأديب لا يستطيع أن يفعل ما يعاكس الأنماط الأولية، وحتى لو استطاع إطلاق العنان لخياله الذاتي فإنه سوف يجد نفسه مقيداً بالأنماط الأولية لأنها تشكل نظاماً عالمياً للأدب. ولو فرضنا ما لا يجوز فرضه وهو أن الأديب خالف هذه الأنماط فإن الناتج لن يُصنَّف في سجلات الأدب، إذ إن الإنتاج الأدبي وقتئذ يصبح أشبه ببرج بابل: ألسنة كثيرة ولا أحد يفهم على الآخر. إن وجود نظام عالمي للأدب هو الذي يجعلنا نفهم ما كتبه شاعر من الشعراء قبل آلاف السنين، أما لو خالف هذا النظام فسوف ينسى لأن صلتنا به سوف تنقطع، مثلما انقطعت صلتنا بكثير من الظواهر الاجتماعية القديمة. إن الأنماط الأولية تلغي الزمن وتحذفه ولا تخضع للمتغيرات الاجتماعية إلا بمقدار ما تستفيد من دلالتها على أنها عابرة فقط، أما خلف ذلك فهناك نظام كبيرٌ جداً ومتماسك جداً من الصعب أن نتمرد عليه.‏

الصياغة الفنية والحرية:‏

أول ما يتبادر إلى ذهن القارئ هو إننا إذا كنا خاضعين لهذا النظام الشامل والقوي، فأين الحرية، حرية الإنتاج الأدبي؟ أليس غياب الحرية هو غياب للتجديد؟ وغياب التجديد ألا يعني تكرار الأنماط الأولية بصياغة فنية قديمة لا تجديد فيها؟‏

إن الرد على هذه الأسئلة لا يكون بالحوار النظري ولا بالنقاش، وإنما بالواقع الأدبي العالمي، فأي كاتب، في أي بلد من بلدان هذه الأيام يكتب بأسلوب يختلف كل الاختلاف تقريباً عن أسلوب أسلافه، وأسلوبنا نحن العرب في هذه الأيام يختلف عن أسلوب الجاحظ والهمذاني والقاضي الفاضل، بل إننا نختلف عنهم ونختلف معهم، ففي مجال النقد ليس من الضرروي أن يأخذ برأي الجاحظ في الألفاظ والمعاني... أشياء وأشياء نختلف فيها عنهم ونختلف فيها معهم، ولكن لا يمكن أن توجد قيمة أدبية يمكن أن نختلف فيها معهم، والقيمة الأدبية هي الأخلاق الأدبية، أي اللوحة التي نقدمها من أجل مجتمع واقعي والخلاص من المجتمع الوهمي الذي نحن فيه.‏

على أن هامش الحرية في الإنتاج الأدبي لا يقتصر على الصياغة الفنية فحسب، بل يصل أيضاً إلى الأنماط الأولية، لأننا عندما نخضعها للصياغة الفنية في أيامنا نزيحها قليلاً عما كانت عليه، أو نعدل بعض جوانبها، أو نأخذ جزءاً منها ونتوسع فيه. وهذا ما نأخذه من الفلز الاجتماعي، فمن المستحيل اليوم أن نجعل بطلنا فوق صهوة جواده وبيده الرمح الطويل وهو يجوب شوارعنا. ولكن عندما ننتج هذا البطل لا نستطيع أن نجعله مخالفاً للبطل القديم، فنحن مضطرون أن نجعله شهماً نبيلاً كريماً يمتلك قدرة على التضحية... وربما قدمنا بطلاً سلبياً، وفي هذه الحالة نرى أنفسنا مضطرين إلى إضفاء صفات أخرى عليه تخدم النمط الأولي الذي ننتجه من جديد.‏

لقد أعاد غوركي إنتاج النمط الإيجابي للأم، فاستخدم لغة جديدة من مفرزات عصره واعتمد أسلوباً حديثاً، كما أنه لم يقدم النمط الأولي بكل جوانبه، بل اقتصر على بعضها، فالنمط الأولي في إعادة إنتاجه هو وليس هو في آن معاً.‏

إن جيمس جويس أعاد إنتاج الأوديسة في "يوليسيز" لكن لا نستطيع القول إن يوليسيز هي أوديسة هوميروس، فالاختلافات كثيرة وكبيرة، لكن النمط الأولي على الرغم مما أصابه من انزياح وتعديل وشيء من التشظي يظل واحداً، وهو عودة البطل إلى وطنه. الفرق أن بطل هوميروس استطاع أن يعيد ترتيب بيته، بينما بطل جويس يفصح عن فشله في إعادة ترتيب البيت، ففي هذا العصر صار التيار أقوى من البطل، فالاقتصاد السياسي بات أخطبوطاً قوياً أقوى من بطل فردي.‏

إعادة إنتاج الأنماط الأولية هو هامش الحرية الذي يتحرك فيه الأديب سواء في الأسلوب أو الفلز الاجتماعي أو حتى الأركان الميثولوجية للنمط، إذ تخضع لشيء من الانزياح والتعديل والتشظي لتكون مقبولة من العصر، فهي من جهة زمنية ومن جهة أخرى غير زمنية. إن الأنماط الأولية تكون زمنية من حيث الفلز الاجتماعي وغير زمنية من حيث إنها تسير وفق التقليد الأدبي الذي لم يتغير مدى كل هذه العصور المنصرمة، إنه نظام عالمي كبير ومتماسك وواسع جداً.‏

وهذا ما يجب أن يعيه النقد الأدبي في محاولته خلق مدارس قومية في النظرية الأدبية، فهذا أمر صعب بل مستحيل لأن الأدب نظام عالمي، فأنت لا تستطيع أن تتحدث عن النظرية الأدبية الفرنسية أو الألمانية أو الإنكليزية أو العربية أو الإيطالية أو الأميركية. يمكن أن تتحدث عن مدارس عالمية. إن البنيوية في هذا العصر ليست فرنسية ولا سلافية ولا أميركية ولا سويسرية... إنها اتجاه له أنصاره ومريدوه حتى في العالم العربي، وعلى الأخص في تونس والمغرب. النظرية الأدبية تحمل معالم قومية لكنها لا يمكن أن تكون قومية، إلا إذا اعتبرنا اللغة والأسلوب كدلالتين على القومية. والأدب إنساني لأنه عبارة عن تكرار مستمر للأنماط البشرية الأولية، ولهذا نقرأ آداب الأمم ونستمتع بها ونحس كأنها تنطق بلساننا، بل إننا أحياناً نصرخ بأن الشخصية الفلانية تشبه فلاناً وفلاناً عندنا. في الأدب لا تستطيع أن تقول "النظرية الألمانية في الأدب" كما تقول "النظرية الألمانية في القومية". إن الأمور في الأدب مختلفة كل الاختلاف.‏

إن الأدباء يناضلون من أجل إحلال الاقتصاد الأدبي محل الاقتصاد السياسي في معركة يائسة مثل أبطال الاسغارد بقيادة أودن. ولا يستطيعون التخلف، فذلك أمر ليس بيدهم، لأن الأدب هو المكوّن لنزوعهم. ولكنهم يبررون نضالهم وخوضهم المعركة ضد الاقتصاد السياسي بأنهم يناضلون من أجل مجتمع واقعي، بل إن التاريخ البشري عرف أرقى العصور يوم كان الاقتصاد الأدبي هو المشرف والمدبر للإنتاج المادي. كان الناس قديماً لا يستطيعون العمل إلا بإشراف الاقتصاد الأدبي، فالفلاحة والبذار والتعشيب والحصاد والدراسة ونقل المحصول إلى الإهراء وعصر الزيتون أو تخمير الكرمة... كل ذلك كان يتم بمصاحبة الأغاني والأناشيد والرقصات والموسيقى الخاصة بكل عمل ولكل مناسبة. كان الإنسان يعمل وهو مفعم بالنعمة الروحية والفرح الداخلي، فحتى البناء والصيد والقنص إنما كان يتم ضمن إطار أدبي فني من دبكات ورقصات وأفراح مشتركة. لقد فقد الاقتصاد الأدبي السيطرة في هذه الأيام لصالح الاقتصاد السياسي، فحتى أغاني البحارة لم نعد نسمعها على الرغم من طول ساحلنا.‏

إن إبعاد الاقتصاد الأدبي عن الإنتاج المادي يعني نزع الفرح من العمل. عملنا في هذه الأيام صار بلا رغبة ولا محبة ولا بهجة. صرنا آلات، ومن هنا يحق للمنتج الأدبي أن يفخر بأنه ينتج بفرح لأنه ينتج لكل الناس من أجل خلق عالم نعمل فيه ونتألم ولكن بفرح. إن في مقدور الإنسان أن ينتج أطفالاً، ولكنه لا يستطيع أن يفخر بذلك فكل الحيوانات تفعل فعله، لكنه يرفع رأسه شامخاً إذا أنتج الأدب، والمأثرة كل المأثرة أن يجعل هذا الاقتصاد الأدبي مشرفاً على الإنتاج المادي، فبذلك يكون قد أعاد الفرح إلى العمل، وهو أمرٌ –لو تعلمون- ليس سهلاً ولكنه يظل أعظم إنجاز إنساني في العصر الحديث وأعظم مفخرة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244