|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
محمد عمران من ظلال الجليد إلى ربيع البنفسج ـــ دراسة: خالد محيي الدين البرادعي الحديث عن محمد عمران جزء من الحديث عن حركة التحول الشعرية العربية التي تناولت الشعر في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين. قد لا يكون محمد عمران واحداً من الرواد الذين انتزعوا القيود الصارمة والتقليدية السائدة عن القصيدة العربية مع الرواد الثلاثة أولاً. نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي. لكنه –بالتأكيد –من الجيل الأول الذي عاصر الحركة وأسهم في ترسيخها إلى جانب الطائفة الثانية أو التالية من الشعراء المجددين مثل صلاح عبد الصبور وخليل حاوي وأدونيس وأحمد عبد المعطي حجازي وفايز خضور. ففي أوائل عقد الخمسينات قرأنا لمحمد عمران قصائد ومقطعات كلاسيكية البناء كانت تنشر في صحف دمشق آنذاك. تدل على التمرد والرغبة في التجاوز (*) وسرعان ما تحول إلى كتابة الشعر الذي خلع الوصايات التقليدية عن كاهله وانطلق في واحات التجريب والتجديد. وعرفناه كشاعر مجدد بدءاً من ديوانه: أغان على جدار جليدي المنشور في أواخر الستينات. والذي رسم فيه خطوط بصمته الشعرية لغة وإيقاعاً وصوراً وبناءً ورؤيا. حتى لنستطيع الجزم بأنه أبصر نفسه فيه كمرآة سوف تجلى وتتسع في الأفق والعمق على امتداد تجربته الطويلة. وتطالعنا في هذا الديوان –الأول –منجزات شعرية قادرة على تثبيت أقدامها في واحة الشعر والصمود أمام النقد. ففي مطولة: شاهين المنسوجة في خمس لوحات تطلُّعٌ ملحمي وبناء متماسك ووصول مشروع إلى الرؤيا الشعرية. وأمام التوهج الشعري الذي نحسه في مطولة شاهين يغيب الشخص الملهم الذي لا نعرف إن كان حقيقة أو خيالاً وتنطفئ معالمه كإنسان، ليظل بين يدينا الأثر والإيحاء والتصور والنزوع الإنساني كحالة فريدة. ونتذكر قولة "لالو" عن الفنون وكيف أنها "كائنات فريدة غايتها في وجودها" (1) وشاهين الذي يرسمه الشاعر في مفتتح المطولة هو أغنية سمراء. وهو حكاية أرض ووطن وعالم. وهو رمح طالع من وجع الأرض. وهو بطولة فردية وجماعية. وهو مجد يصنعه أبطال غير مزيفين. لكن أيدي الطغاة تغتالهم لغيبوا عن وجه التاريخ. هكذا يضعنا صاحب شاهين في إشكالية وجودية من البدء لنطل على عالم عجائبي من نافذة الرؤيا. ثم نسير مع شاهين على بساط موشى بالصور الملونة المثقلة بالكثافة حتى نهاية الرحلة بدون أن نفقد ارتباطنا بالأرض بالواقع حتى لا نتيه في تجاويف الخيال. فمع شاهين الواقع أو المتخيل نتلمس أحلام إنساننا المنكسرة. ونتعرف على إحباطات الإنسان العربي المعاصر، كما نتحسس الكثير من مواجعنا وهمومنا في هذا الرمز الكبير الذي يجسدها. وبقدر ما نشم رائحة الخيبة والانخذال تتلون أمامنا الأحلام التي ترجمها الشاعر على لسان شاهين. ولأن شخصية شاهين تكوين عربي لا يتخلى عن العشق وعن تشهي الأنثى والأنوثة والاستغراق في المرأة كطرف مقابل. من خلالها تتكامل عناصر رجولته. فالبطل بطل في تمرده وبطل في رفضه وبطل في أحلامه. وهو بطل كذلك في تملك عناصر العشق التي تستهوي الأنثى وتجذبها إليه. (2) ومحمد عمران وقف على شروط الرؤية الشعرية الحقيقية منذ اللحظة التي خلع بها ملابس القصيدة الكلاسيكية عن قامته ونظر إلى الشعر في العمق واعياً قضية الجمع بين الإلهام وبين وظيفة الوعي الذي يضبط خطوات. الإلهام ويؤطرها حتى لا تتبعثر في الصور غير المنضبطة. لتأتينا مطولة شاهين إنجازاً يجمع بين المحسوس وما فوق المحسوس بدون معاضلة وتراكم مغلق. أو تشتت يندفع إليه بعض شعرائنا لهاثاً وراء الصور النادرة. فالمطولة خالية من أنماط البلاغة القديمة. خلوها من الحشو والهوامش مصاغة بلغة محسوبة مقننة، تعتمد السرد الحكائي الذي يضمن وصول جزئياتها إلى المناخ الأسطوري، ومنسوجة على نول الرؤيا التي ترتفع عن المحسوس الأرضي مقدار توغلها في المتخيل، والمسافة التي احتفظ بها الشاعر بينه وبين بطل مطولته شاهين والتي حافظ عليها على امتداد العمل، كانت بمثابة الحبل السحري الذي جمع الجزئيات في رباط نفسي واحد، وألبسه نكهة المناخ الذي صيغت المطولة على أرضه. في البدء نتعرف على شاهين. وكيف أنه: فارسٌ يطلع من صدر البراري حاملاً جرح النهارِ حاملاً... عيناه قنديلان وحشيانِ، عيناهُ مرايا ترتمي فيها كآباتُ الطريقِ الصُّخور الجرْدُ، والوعرُ، وأقدامُ الغبارِ والدمُ النافرُ من رعبِ العُروقِ واللوحة الأولى بجملتها رسم إبداعي لشاهين: القامة والمعاناة والعذاب والتمرد والرفض والرغبة في امتلاك البطولة لتغيير الواقع. وعلى رغم غرائبية الصور التي أطل منها شاهين ظل الشاعر متمسكاً به كإنسان خاص في المطالع الأولى ليمتلك إحساسنا بالقناعة. وبعد الاطمئنان إلى تعاطفنا مع شاهين يحوله إلى كائن خاص أو كيان خارق يجمع بين الإنسانية والأسطورية التي هي مزيج من النبوية والملائكية في أواخر اللوحة. لنرى شاهين يفرش الشمس ويصادق عذارى الجن ويحول الكون إلى لوحة يرسم عليها ما يشاء. ومع هذه الاختراقات العجائبية يصعد متلقي محمد عمران إلى عالم فوق العالم، وواقع مشتهى فوق هذا العالم، فيه صبية يتحول شعرُها إلى سرب من الطيور، وفيها رماح تلهث في صحارى الوجد والحلم والتغيير، لينقلنا إلى سيغاتا الأنثى التي تحب شاهين: وسيغاتا مؤرقةً مضى عامان لم تغمض لها عينان سيغاتا سؤالٌ: هل أتى شاهين؟ هل ماتا؟ ومع استعراض حالات العشق لدى سيغاتا يطلعنا محمد عمران على الوجه الخرافي لشاهين الذي يتحول في السرد الحكائي إلى جزء من رؤيا: يعطي صبايا الجان خاتمة المرجان. ويطير فوق الغيم. وأنه يزور سيغاتا على جواد النوم. ليتوحد شاهين وسيغاتا في رؤية واحدة تلتمع في تصورات الناس. وتتضخم صورة شاهين نمواً في العمق والوعي يسلم متلقيه إلى اللوحة الثالثة، التي نطلع من خلالها على صورة شاهين الحالمة المتطلعة إلى التغيير والتثوير بعد إلمامه بالبيئة المهزومة والمحطمة الأحلام التي نبع منها شاهين. ويرسم لحبيبته سيغاتا لوحة الزمن المقبل كما يريد أن يراه. لحظة أن: ينزعَ عنها الصمت والظلماءْ ويوقظ الأموات ألمحُها تستيقظ الأعماقْ على هدير طائر الأشواقْ وترتمي في الهدل سيغاتا تسير سيغاتا لتزرع الصحراءْ وفي اللوحة الرابعة –لوحة الماضي –نشاهد شاهين البطل الذي يجسد الحلم ويترجم الرؤيا إلى فعل يتحقق في تغيير الواقع، نشاهد هنا محارباً منتصراً على خدر الغفو ومنتصراً على الموت، شاهين: خنجرٌ مُرْتَوٍ من الحرب سيفٌ مغمَّد في قرابه مسنونُ زادُه بندقيةٌ، زادُه قلبٌ، إذا لوَّحَ الأذى، مجنونُ وبعودة شاهين المنتصر تتحول القرى عن بؤسها. وتنتهي من أساها وتشلع خيمة الحزن، وتشرع للصباح شبابيكها. وسيغاتا ترى كل شيء يتحول إلى الأحلى. الليل والصبح والأغنية. وتتأهب القرى لتفرح بعرس شاهين. وشاهين البطل يغمز حلوة الحلوات، لينهل الهوى في سهرات القرى. وعندما يصل الحدث إلى قمة توتره ونتخيل الحل مقبلاً مع الفرح الذي نلمح تباشيره. يستيقظ الشر –الطغيان السياسي –ليحرم شاهين من جنى بطولته ويحرم القرى من فرحها بكيان سيغاتا التي تتثاءب تتمطى. تستيقظ لترى الخيمة مسبية الباب. ويهدر صوت شاهين من جديد. أعطني بندقيتي أعطني قلباً من الحق، أعطني يا جنونُ ما ارتوى خنجرُ الْقُرى سيفُها الهاجعُ في الغمد ما ارتوى شاهينُ وشاهين يحاضر من جديد بالنار والموت ونهر من الدماء. لينكشف ستار اللوحة الخامسة – الغيبة –التي ترسم خطوط المأساة المتجددة لشاهين. حيث يغيب مجدداً في المعاناة القاتلة. وتغيب الرؤيا مجدداً ونتيه في عذاب شاهين وسيغاتا. ويحاول محمد عمران عامداً أن يزجنا في غبش الرؤيا الغامضة فلا نعرف من هو المستغيث تحت أنين الجرح: رأسك يا شاهين. أو رأس سيغاتا. وفي خجلة الظفر المهزوم. والموت المنكس. يتحول شاهين إلى أغنية على شفاه الصبايا. لكن المطولة لا تقدم دلالاتها وتتحلل من غموض رموزها بهذه البساطة التي قدمناها كقصة أو حكاية. لأنها مطولة شعرية أولاً. محملة بالرموز مغشاة بالصور مثقلة بالكثافة التي يتطلبها الإيجاز واللمح والإيحاء. وحقق الشاعر كل هذه الشروط بنجاح ووعي. وإن عمد إلى إغماض عيون الرؤيا ليحقق معادلة طرحها سبينوزا حول الشعر ذات يوم. ورآه مثل المشهد الذي نراه من وراء الزجاج الملون. *** والقدر المشرق الذي وصل إليه محمد عمران من خلال خلق النموذج الخرافي في شخصية شاهين، يحققه ويصل إليه في توظيف الرموز التراثية الخرافية والأسطورية كما في عودة أُوليس. وشهريار الزمن الأخير. فهو في كلا الحالين عربي متأزم قلق مزود بهمومه وهموم الجماعة التي ينتمي إليها. يرسم أحلامها ويضع أصابعه على مواجعها، فأزمته الوجودية متجسدة في شاهين البطل المغدور تَجَسُّدُها في أو ليس الضائع وفي شهريار المتجدد كرمز للشر الملازم للوجود البشري. ولا نستطيع أن نميز بين وجعه وقلقه وتمزقه. وبين وجع الجماعة وقلقها وتمزقها وخيبات آمالها. وهذا هو الموقع والموقف الرؤيوي للشاعر المعاصر. لأن "الشاعر يتحول إلى نبي للجماعة" كما يرى جان بسيير في نظريته حول تكوُّن الآداب (3) تكون وظيفته الكشف والتزود بهمومها ورفع المصباح أمام قوافلها. وعلى رغم كون أُوليس أسطورة يونانية. فنحن لا نرى المناخ غريباً عنا بعد أن عرَّبه الشاعر وحمله رؤية عربية اللسان والصور. وهو نفس ما فعله السياب من قبل في توظيفه عشرات الرموز اليونانية إلى جانب أساطير العراق القديم (4) فلم نشعر بأي اغتراب أمام أُوليس محمد عمران: أعرني جناحك يا طائر الريحِ هذي كروم المساءْ تُعرِّشُ في الأفق تلقي عناقيدها للطريقْ تعبنا.. تعبنا أنا والطريقْ ولم نر في بنلوب اليونانية أكثر من وعد عربي ينتظر من يحققه. أو حلم ينتظر من يترجمه: وبنلوبُ في قصرها القرمزي انتظارْ على وجهها قبلةُ الشمس، في عينها الليلُ بنلوب عريُ نهارْ وهي في هذا النص قوام أنوثي عربي لوحته الشمس ومنحه الدجى سوداه. وأعطاه بياض النهار لونه. وتوظيف الأساطير اليونانية لدى بعض شعرائنا الجادين يعني تقريباً للأسطورة الغربية لا انسحاقاً في بيئتها. مما يذكرنا باستمرار بإلياذة هوميروس التي عربها الكبير سليمان البستاني فعربها روحاً لا لغةً وحسب. حتى ظننا أن هوميروس شاعر عربي جاهلي. (5) وفي شهريار الجديد تجديد للرمز الشهرياري الذي ألفناه في مصدره الأول ألف ليلة وليلة. وتحميله جملة الأخطاء التاريخية التي يرتكبها السلطان السياسي العربي، وتكون الرؤية أصدق والمطابقة أجمل إذا عرفنا أن محمد عمران نسج هذه القصيدة الدرامية ذات النفس السردي الحكائي بعد هزيمة حزيران. لنطلع على شهريار الذي لم ينتهك حرمات العذارى وحسب. بل انتهك حرمة التاريخ العربي المعاصر. فشهريار الذي تقلّه عربات الرياح إلى قصره. والذي تُصَفُّ من أجله الموائد. ويسامره ناقر الدف. والمفروش السرير بالعري. يعبق قصره بالدم. هو نفسه منتهكٌ بالهزائم: وشهريارْ بيتٌ بلا جدارْ ليلٌ من العهرِ، من الجْنونِ والدّمارْ وشهريارْ قرصنةٌ في عتمة البحارْ وشهريارْ سيد هذي المدنِ الخرساءِِ شهريارْ في سرِّهِ زوبعة من الغُبارْ بمعادلة شعرية شديدة التكثيف والشفافية وسرعة الوصول رسم محمد عمران صورة تاريخية للسياسة العربية المهزومة الموهومة بالبطولة. بدون أن يهبط من أفق الرؤيا. وظل محتفظاً بفنية الأداء حتى نهاية المطولة. ويتحول شهريار بين يديه إلى مجموعة من الاعترافات العارية حتى العظم فنرى هذا البطل الدونكيشوتي على حقيقته خلَفْاً متوَّهجاً بالهزائم: في أضلعي تختنقُ المدينهْ تسَّاقط الشوارعُ الحزينهْ يموت تاريخ من الغبارِ والغباوَهْ في أضلعي مقبرةٌ.. نهرٌ من الضراوهْ والتراث غابة من الرموز الشعرية والدرامية المتوالدة المتجددة. وغابة من المواقف المشرقة. والحالات المرفوضة، والتراث مخزن هائل من الهزائم والانكسارات والإشراقات المفرحة. مما يتيح للشاعر المعاصر أن يعثر على ما يجول بخاطره وما يعتلج في وجدانه من التقابل والتماثل والمقارنة من أجل عملية الإسقاط. وكأني بمحمد عمران قد وقف على هذه البديهة ثم تمثلها بوعي، ليكون وريثاً للتراث كما هو امتداد للموروث الشعري وتقابلُ الحالتين ثقافتهُ المكتسبة من معارف عصره. وأفاد –بنجاح –من المصادر الثلاثة لإغناء شعريته. وترجمة موقفه القلق والمتمرد والرافض في التوكؤ على شرائح التراث وتجديد وجودها بعد انتزاعها من صمت الماضي. وتتجلى هذه الحالة في ديوانه الثاني: الجوع والضيف. عندما ألقى حمولة وجعه ونزف جراحه ومرفوضات عصره على السيرة الشعبية المعروفة بتغريبة بني هلال. لكن الشاعر لم يتتبع السيرة ولم يلجأ إليها ليصوغ أحداثها. لكنه وقف أمام عدد من رموزها ليشحنها بحمولته هو ويمنحها حياة جديدة. في مطولته: مراثي بني هلال نجد أنفسنا أمام قامات من البطولات المحطّمة لكنها بطولات معاصرة تفيدنا إيحاءً ولمحاً بمأساوية الهزائم والردات التي نعاصرها. ونرى الأمير دياب كرمز يتقمص روح الفارس المعاصر الذي أبعده السلطان السياسي عن سوح القتال. وأرسله في مهمة صغيرة لا تتناسب مع فروسيته، وتتحرك المرثية متنامية بوعي ضمن الصياغة الشعرية المحافظة على جمالية بنائها وشفافية صورها تترجم ذات الفارس المُبعد عن ساحة القتال. لكنها ذاتٌ رائية تستطيع تحقيق حضورها في كل العصور لا في عصرها وحسب: لم أُدْعَ للحرب وللطعانِ أرسلني السلطانُ أرعى النوق والشياة أحمي له ظعائن القبيلهْ أبعدني عن ساحة البطلولهْ كان يخاف غضبي ونصري ويفاجئنا دياب بأنه رمز لكل الفرسان المحيَّدين عن معاركهم. ويفرده الشاعر في الأفق لنراه محيداً في عصر معاوية. ومحيَّداً في حصار الكعبة. ومحيداً في كربلاء. ومحيداً في العراق زمن الحجاج. وعندما رحل إلى مصر مورس عليه التحييد والإذلال: "وحينما هبطتُ أرضَ مصر أركبني الحاكمُ بالمقلوب وقال لي: لا تلبس النعلا فصرت أمشي حافياً، نعلي على رأسي." وتلاشى في ضباب الموت صوتُ الفارس المطعونِ لكن الصدى ظلَّ يمشي كنبيٍّ في المدى وهنا لا يحقق محمد عمران نظرية الانزياح اللغوي التي أشار إليها البنيويون وحسب. لكنه حقق نظرية الانزياح التاريخي والتراثي. ليخرج الحدث من موقعه المرويِّ أو المدوَّن ويمنحه موقعاً يتصف بالديمومة. وفي مرثية أبي زيد. ومرثية السلطان حسن. ومرثية الأيتام. ونشيد الأيتام تتمدد مواجع الشاعر بحجم مواجع الأمة ومآسيها المعاصرة. وجملة قصائد الديوان الثاني تتمتع بهذا اللون الدامي من الحزن والدمع والرفض والبحث عن زمن يخلع الهزائم ويكسر وجه الشر حتى الأغنية الأخيرة في الديوان الذي رأيناه نصاً شعرياً متماسكاً موزعاً في عدد من اللوحات والأناشيد. وهو نفس الخط الذي يتعرج ويتلون في ديوانه الثالث: الدخول في شعب بوَّان. لنلمس مواجعنا ونتحسس أحلامنا كما يترجمها في خمس لوحات. وبَوَّان. بفتح الباء وتشديد الواو بقعة في أرض فارس كثيرة الخضرة طيبة التربة عذبة الماء نقية الهواء، لها عند المتنبي حضور جميل في شعره وفي بوَّان يقول بلغة الدهشة والتعجب والرغبة في عدم مفارقته: يقولُ بشعْبِ بَوَّان حصاني -:أعن هذا يُسارُ إلى الطعانِ؟ ولعل محمد عمران أمسك بالرمزين معاً في امتداد لوحات الديوان المتنبي –الرمز الشعري. وبَوَّان –الرمز الجغرافي المحمل بالجمال المشتهى والمعبأ بالأحلام الخضر. لكن محمداً حقق قفزة نوعية في جمالية الصور والأداء. ليتزود بمشروعية الاستمرار. وهنا يتدخل الوعي النقدي ليحاسب الشاعر ويمنعه من الوقوف على الأرض التي نسج فوقها دواوينه السابقة. في البدء يرسم لنا لوحة لتلك البقعة التي يزخرفها بمشتهياته لتمتلك إقناعنا بعد أن حرنت خيله فيها. فناداه وجه من الضوء وعصافير من العشب ليرتمي على ذراع الصحو ويرى: بَوَّان على كفيِّ السماء اعتصرت زرقتها كأساً سقتني. الشمس موَّالٌ على صدري أغنيِّ :آهِ، يا ملعبَ خيلِ الجنِّ، لو سار سليمانٌ لنادى ترجماناً، غير أني قارئٌ كلَّ لغاتِ الصحوِ في عينيكِ لنادى ترجماناً، غير أني قارئٌ كلَّ لغاتِ الصحوِ في عينيكِ أستظهرها حرفاً فحرفا. وفي هذا الدخول الأول إلى جنته المتخيلة –بوَّان –يستجمع باقة من رموز التراث التي اتسمت بالغرابة بعد أن أقنعنا بأن بَوَّان صندوق دنيا تجمع إرم ذات العماد المدينة الأسطورية. وناقة النبي. ويوسف الحسن. وزليخا الشهوة وفتوة النبي موسى. وعجائب بابل. وجملة من الملوك والفاتحين والشعراء: وكانت الأحلامُ في انتظاري. في الدخول الثاني يغيب في عذابه وهمومه واغترابه بلغة رشيقة شفافة حتى لا نعرف إن كان يترجم همومه أم هموم المتنبي الذي دخل إلى شعب بَوَّان قبل محمد عمران بألف سنة. والفارق بين الدخولين هو أن المتنبي دخل بوان بحصانه وسيفه وقامته. وعمران رحل إليه بحسه ووجدانه ولغته. وفي نهاية رحلته الثانية التي شاهد بها عدداً من رموز التراث في شتى حالاتهم يصرخ مفتتاً من شعر المتنبي. أجيءُ إليكَ يا بوّانُ بين الليل والفجرِ أَجيء إليكَ صخراً لا تُحركهُ المدامُ ولا الأغاريدُ وبيني والأحبةِ ألف بيدٍ دونها بيدُ فَمُدَّ يديكَ غُصْ بيديكَ يا بوانُ في قهري (6) ومعروف أساس هذه الصورة في إحدى أوابد المتنبي: أما الأحبةُ فالبيداء دونهمُ فليتَ دونكَ بيدٌ دونها بيدُ ........................................................ أصخرةٌ أنا؟ ما لي لا تحركني هذي المدامُ ولا هذي الأغاريدُ وفي الدخول الثالث يفيد محمد عمران من أسلوب حكاية المعراج –التي أفاد منها عشرات من الأدباء المعاصرين في مقدمتهم أدونيس –ويتحول السرد الحكائي إلى حوار تعبق منه الرشاقة تنقله لغة سداها ولحمتها الشعر. فالدخول في عالم الخرافة تكوين شعري. وقطع المسافات خطفاً بطريقة الصوفيين تكوين شعري. والتحول لاختراق الطبيعة البشرية تكوين شعري. وهذه الحالات الأربع تعاقبت وتوازت. أو تعاكست في نسيج هذه اللوحة. بدون أن تقطع صلتها باللوحتين السابقتين. وكأن التصعيد والتنامي الشعريين يتحققان عبر رحلة الشاعر في شعب بوّان. ليحلق ويشف ويتحرك في أفق الرؤيا على غمائم من الصور المفاجئة، فتصبح يداه قصراً، ولخوفه ذراع، والشمس مشنقة، والنسيان سفينة، والبرق مركبة، والحب سنونو. وهذا الحشد من الصور المدهشة جاء منسوجاً بصيغة السرد التي عرفناها في قصة المعراج. -:حبك يا حبيبتي مدينةٌ زرقاءْ حين دخلتُ بابها غريبا مُزَمَّلاً بالبرد والشتاءْ أدخلني الحراس، كان عرشٌ في القاعة العظمى، رأيتُ الناس ألبسوني وجوههم، وانتصبوا في ضفَتيْ طريقي وصفقوا، ونثروا ورودهم، رأيتُني في العرش. والمدينه تاج على فمي. وأنتِ كتابُ أعراس وأعيادِ أقرأهُ، في كل سطرٍ تبتدي مدينه يولد تاجٌ. كلُّ صفحةٍ سفينهْ مبحرة في غبطةٍ حزينهْ ويتخذ الحوار صورة الحدة والقلق ليتحول شعب بَوَّانَ إلى متاهة تختلط فيها الظلمة بالضوء، والحزن بالفرح. وتتمدد التساؤلات القلقة التي تنتجها حيرة الشاعر وتمزقه وغربته في زحام أحداث عصره. ومع زحام الأسئلة وتشابك المشاهد وكثرة الأضداد، تتسع الرؤيا الشعرية وتزدحم الصور التي تنسينا –في بعض الأحيان –القصد الشعري، والدلالات الفكرية. ونتسمر أمام شعرية الصُّور. وفي الرحلة الرابعة أو الدخول الرابع يتجاوز الشاعر موجودات شعب بوّان لينبش في تراب الرموز اليونانية التي نحس بقلق مواقعها وكأن الشاعر أقحمها أو أقحم بعضها في سياق أثقل الرحلة. ونتبعه إلى الدخول الخامس الذي نراه استيقاظاً من حلم الرحلة. وفراقاً لكابوس مواجع الحياة المعاصرة. لكن محمد عمران صنع ملحمة معاصرة تحمل مشروعها وتنفرد بلغتها وتسمو بشعريتها. وإن كان استخلاص دلالتها وفك رموزها يحتاج إلى عدد من القراءات لا قراءة واحدة. ورغبة محمد في تحقيق ذاته في الشعر الشعر، هو الذي غلف هذه المطولة الجميلة بالغموض اللذيذ الذي قد يراه بعض المثقفين مساحة مغلقة بينها وبين قرائها. حتى ليخطر لنا أن محمد عمران يحقق في خلقه الشعري هذا نظرية هاملتون في الشعر والتأمل التي توحي بأن عمل الشاعر أن يخلق شيئاً وليس عمله التعبير أو التوصيل (7) ولا يقصد هاملتون بوجوب حالة القطيعة بين الشاعر والآخر بقدر ما يدعو إلى التواصل بينهما عن طريق التأمل واحترام الحالة الانفعالية للشاعر. *** في مرفأ الذاكرة الجديدة –الديوان الرابع لمحمد عمران –إلى جانب ضمة من القصائد تطالعنا مطولة تحمل هذا الاسم تتشكل في أربع حركات. وهي نص مدروس منظم متتابع في صورة معمارية واحدة. وإذا جاز لنا استخلاص النتائج من المقدمات نرى أن النص هذا يشكل ملاذاً يلجأ إليه الشاعر ليخلص من جزء من حمولته. وصحب الملاذ أو ميناء الوصول أو منارة المرفأ في هذا النص هو الأنثى أو الأنوثة أو كلاهما معاً. يدخل إلى مرفئه الرابع وهو مزود بكل أسفاره المدونة وكل متاعبه المتراكمة. وكل حمولة ذاكرته المتخمة بالمشاهد. يتجول أمام أنثاه كفارس عربي أصيل يشكل وهو حريص على إرضاء الأنثى التي سجلت حضورها في الشعرية العربية منذ أوائل النصوص الجاهلية التي وصلت إلينا، وظل حريصاً على الإمساك بطرفي الصورة، طرف التشهي الذي ألهم الشاعر العربي خلق جنائن العشق واستخلاص اللغة ذات الجاذبية الخاصة، وطرف المتابعة القلقة لترجمة الذات والجماعة الذي تجذر منذ أغانيه على الجدار الجليدي. أي إننا نترحل معه في سراديب عالمه بدون أن نحس بأي انقطاع أو وقوع في فجوة تفصل بين السابق واللاّحق. لكننا نتلمس ثقل إضافة تنزلت على هذا النص الجديد، هو حضور الأنثى الذي منح النص طعماً خاصاً ولوّنه بحزمة جديدة من الأضواء الساحرة. وإذا كانت مادة الفن هي "الواقع الخارجي فإن تدخل الفنان يحيلها إلى واقع له خصوصيته. فالفنان لا يعكس واقع الأشياء كما هي وإنما يعيد خلقها من جديد". كما يقول أرنست فيشر (8) والمرأة كواقع حسي تتحول إلى خلق جديد في مرفأ الذاكرة. كما رأينا الهموم الوجودية والجزئيات التراثية تتحول إلى خلق جديد في مطولاته السابقة وفي مطولته هذه ذات الحركات الأربع. الشاعر يدعو ويشكو ويستغيث ليصل إلى لحظة الفرح التي يحققها الحب في مرفأ الذاكرة الجديدة. وإذا اعتبرنا هذه المطولة بناء شعرياً متناسق الألوان والخطوط والمنافذ من لمحة البدء إلى قمة الخاتمة فلأنه عرف أسرار الإعمار، الشعري وأتقن الدخول إلى الرؤيا عبر تجربته وامتلاكه اللغة التي أسعفته في إنشاء هذا الإعمار. فهو يرى أن الحبيبة تمتلك القدرة والخلق على منح لذة الخلاص من الاغتراب الذي يعيشه. فهو مغترب في الزمان ومغترب في داخل ذاته كما يرى. فالزمان الذي يرفضه زمان عجوز. وزمان مهترئ. وزمان مقرور.. وزمان عريان نتنٌ ملفع بالعهر. وزمانٌ مصلوب وأصم أعمى.. وهو زمن سريٌّ مجنون. والوطن الذي يعيش في هذا الزمان وطن الخوف والتسكع والحزن والنعاس والهزيمة. ولأن الشاعر كفٌّ ترفع نفسها احتجاجاً على الزمن المرفوض والوطن المهزوم. يلجأ محمد عمران إلى التمسك بالحب الذي تجسده الأنثى ليخلص من غربته وتمزقه وقلقه ورفضه. في البدء يطلب من حبيبته أن تمنحه لغة الصحو لينظم مخزون ذاكرته وتراكمات مشاهده. وفي الحركة الأولى يلح على فعل المنح من الحبيبة لتسمع غناءه. ويسألها أن تشرع عينيها ليصل إلى وطن الحلم. وفي الحركة الثالثة يحاصر الحبيبة بذكرياته استعطافاً ليخلص مع الحبيبة من مأزقه الذي هو مأزقها بالوقت نفسه. وفي الحركة الرابعة يفرد أمام الحبيبة سجادته المزينة بصور الأحلام الجذابة عن زمن مقبل مليء بالخصب والفرح. لكن هل هذا كل شيء عن مرفأ الذاكرة الجديدة؟ إشاراتنا عنها تشبه العلامات التي يضعها المهندس على بناية شاهقة ليرشد السائح إلى تاريخها وأطوالها ومداخلها. لكن الإشارات لا تغني عن الدخول إلى قلب العمارة الأثرية أو الحديثة للتمتع بمشاهدة فن العمارة وفن التنسيق. واستياف عبق الزهرة والورقة. وسماع الموسيقى ورؤية اللوحات وإطالة النظر بالمقرنصات والأقواس. وربما كانت هذه الإشارات تشبه المنظار المقرِّب لنرى البناء كتلة من الألوان والأبعاد لكن هل نستطيع عن طريق وصف للغة الشعرية أن نتمتع بجمال اللغة التي نسجت منها المطولة؟ أو نتحسس جاذبية الإيقاع الذي رسمت به المطولة؟ لا. لأن غناء الشاعر وحده الذي يستطيع ذلك: ولولا الأغاني –سفائِنُ إنقاذنا –لغرقنا ولولا الأغاني، لَجُعْنا.. ومتنا لكنها الأغاني التي عزف الشاعر موسيقاها على قيثارته الخاصة، ولون كلماتها بخصوصية رؤياه التي نقلت اللغة من حال إلى حال، وأوجدت عن طريق تناسق وضعها ونظمها ما أسماه الجرجاني بمعنى المعنى. (10) ولحظة وصوله إلى نهاية الحركة الرابعة أعلن لحبيبته التي أطال أمامها قامة القص والسرد والعرض: أحكي عن الذاكرة الجديدةْ الحب سنديانةٌ شروشها في غبطةِ الموت المحبّ جذعُها الصلاةُ كُلّ غصنٍ حنجرةٌ مضاءةُ العبادَةْ والورقُ، الخضرةُ في الشهادَةْ أحكي عن الذاكرة الجديدةْ: الأرضُ فخذُ امرأةٍ نُحبها الأرضُ سريرُ امرأةٍ ثيابُها، عطورها فاكهةُ الملحِ على غصن إبْطها سيادةُ امتلاكِها ولم يصل إلى هذا التشهي المتخم بالحنين ورغبة الفرار من الزمن المهترئ، إلا بعد أن أفرغ ذاكرته القديمة أمام حبيبته من حمولتها المتعبة ليعلن لها في آخر لمحة من الحركة الرابعة أن الْحبّ لا الملوكَ هو مستقبل البشر. وتأتي الخاتمة أشبه بنشيد شجي أو يشبه أغنية قصيرة عذبة. وما قلناه لا يغني عن قراءة المطولة المغلفة بالغموض الغاصةِ بالرموز التي تتطلب فسحة من التأمل الطويل للوصول إليها، وذلك شأن كل شعر كبير يشارك في بنائه السرد والقص والحوار والمخاطبة المباشرة. والذي مهما ابتعد عن التشاغل اليومية والدعاوة السياسية، يظل شاهداً على عصره كإنجاز فني. *** في الكتاب الخامس: أنا الذي رأيت –وهذه العبارة افتتحت بها ملحمة جلجامش منذ خمسة آلاف سنة كأقدم ملحمة مدونة في تاريخ الآداب الإنسانية –(10) تطالعنا قصيدة بعنوان –بغداد. مدونة على مساحة اثنتين وعشرين صفحة من الديوان هي التي استدعتنا جاذبية وأسراً لأن نتوقف أمامها وقفة تأمل وقراءة. فالقصيدة تمتلك القدرة على تسميتها بأكثر من اسم. فتستطيع أن تسميها قصيدة حكائية. لأن عناصر الحكاية متوافرة فيها. وتستطيع أن تدعوها قصيدة درامية لأن البؤر الدرامية تتفجر أمامك وأنت تقرؤها. وتستطيع أن تسميها قصيدة ملحمية لأن عناصر الشعر الملحمي تتوفر في بنائها. ويمكنك أن تدعوها نصاً شعرياً خرافياً لأن الأحداث غير المعقولة والصور التي تجمع بين بدائية التصور وخيالية الحدوث متوافرة فيها كذلك. وهي مصاغة بلغة محمد عمران التي اكتسبت الكثير من الخصوصية والخصوبة عبر تجربته. كما تخلصت القصيدة من اللغة النفعية التي يرفضها الشعر المعاصر الحديث، على رغم امتلائها بالدلالات والمعاني. وهي إن جاز لنا أن نضع تعبيراً يجمع بين الشعر الصافي والشعر القَصْدي كأفضل ما يكون الجمع. فإنما نصفها بذلك. تلك إشارات إلى فنية البناء. لكنك تسأل بعد قراءة القصيدة: ترى أي بغداد نسج الشاعر مطولته في ظلالها؟ هل هي بغداد التي غزاها هولاكو واستباحها كحاضرة للفكر والفن والحضارة؟ وهل الحاكم الذي أراده محمد عمران ورسمه في تلك الصورة المضحكة المبكية والمليئة بالرعب. هو الخليفة المستعصم الذي بصق التاريخ بعينيه وتحول إلى رمز للذل والجبن والخيانة؟ وهل رسم الشاعر ممارسات الخليفة –كرمز للسلطان السياسي –في تاريخ الخليفة التاريخي الذي اختبأ بعباءة الدين وانتهك حرمات الدنيا والدين معاً؟ أم أن بغداد القصيدة جاءت رمزاً مثقلاً بالإيحاءات، ومشبعاً. بالكثافة. لتضع أنت –المتلقي –اسم أي مدينة عربية بدل بغداد وتلقي تفسيرات النص وتأويلات الصور أمامها؟ وهل أراد الشاعر إعادة رسم التاريخ من وثائقية النصوص إلى جمالية الشعر؟ أم أنه استجمع كامل همومه السياسية والاجتماعية ليفرغها على التاريخ القادر على استيعاب أي حمولة؟ أم ترى كان محمد عمران لا يذهب إلى أي من التأويلات التي أشرنا إليها، ولا يقصد من القصيدة إلاّ القصيدة ذاتها، معزولة عن أي قصد فكري أو سياسي أو إنساني؟ كل ذلك يجوز. وتستطيع أن تعتمد كل الإشارات التي رسمناها. لأن القصيدة نص عجيب يحتمل كل التأويلات التي تخرط على ذهنك. وهي تشبه لوحة الموناليزا التي تقدم إليك النظرة التي تريدها، من أي زاوية تنظر منها: أمسِ، في وقتٍ بلا وقتٍ، تسلّلْتُ إلى هَجْعَتها كانت معي خريطةٌ حُبلَى وشمسٌ، كنتُ وحدي وتسلّقْتُ قوافي فخذها عرّشْتُ في السّرّةِ، في الصدرِ أفاقَتْ، قلتُ: هَيّا أغمضَتْ أجفانها التّعبْى ونامَتْ في كتابْ رأسُها كان على نرجيلةٍ شمطاءَ والليلُ بخورٌ وصلاةْ لم أعد أذكرُ هل كان السريرْ قبةً؟ أم كان تابوتاً عتيقاً؟ لم أعد أذكر هل كان الغطاءْ كفَنَاً؟ أم كان ثوباً من دخانْ استطاع الشاعر أن ينتزع عن اللغة حيادها، وأن يجرد الألفاظ من معانيها الراسخة في الذاكرة العربية، ويزجها في تركيب جديد. ولأننا لا نستطيع أن ننسى المعاني السائدة لكل مفرده على حدة. ولا نستطيع أن نتصور في الذهن أي معنى لأي اسم أو فعل شارك في نسيج هذا النص: الأمس، التسلل. الهجوع. التسلق. الإغماض. البخور. الليل. الصلاة.الغطاء. التعب. الأجفان. الكفن. الدخان... غير المعنى الراسخ في ذاكرتنا عبر استخدام اللغة كنسيج فكري وحضاري لنا. ننظر مشدوهين إلى طريقة توظيف هذه المفردات في نسق جدي. خرق السائد وأزاح المألوف فحول النص إلى لوحة من الغرابة. أي أن الشاعر وظّف اللغة في غير دلالاتها النفعية. فحوّلها إلى صورة جديدة مثقلة بالغرابة بدون أن يلهث وراء لفظة غريبة عن اللغة المستخدمة في حياتنا العادية. لكن غرابة النص الإبداعي الذي قرأناه لم تشتت وعينا حيال القصيدة. ولم تسدل ستاراً كثيفاً بين الشاعر والمتلقي. وظل بينهما الجسر المضاء، والتواصل الفكري، وأي متلقٍّ لهذا النص يعرف أنه بداية لرحلة إبداعية في عالم عجائبي، وقيل لي –للأنا الشعرية في القصيدة –إنها مدينة تبتلع الأيام في رقادها. وتجتر عشب شمسها. وهي مغارة مسكونة بالخوف والرطوبة. وهي مدينة للنعاس. ومتكأ للخليفة. أليست هذه الصور المرعبة إشارات إلى التخلف والقحط والخروج من مسار التاريخ. إذا كان الذي يزحف في عروقها ليس دماً؟ وحاول الشاعر أن يفرغ المدينة الرمز أو الحقيقة بغداد من كافة أشراط الحياة ليطل فيها الخليفة متشحاً بالخمر والنساء، ويرقص فوق بطنها. ليتدخل الصوت الواعي. صوت الشاعر الإنسان الذي يرى. والرؤية هنا رؤيا وكشف ووعي، وليست إبصاراً وحسب. لينادي مولاه الخليفة أن الثغور تتساقط. والخليفة –الرمز السياسي الفرد –المعبأ بالأنانية وعبادة الذات يرى أن بغداد وحدها تكفيه. لكن صوت الرفض يُفهمه أن بغداد تهوي إذا هوت الثغور. وإذا هوت المدينة ضاع التاج. ويجيء عصر اللجوء. ويسترسل الشاعر في وصف الكارثة. وفي رثاء الحضارة. وفي ترسم الأيام السود التي غلفت المدينة وأهلها وخليفتها معاً. ولأنه يعبر عن وجدان الأمة يظل الكفَّ المرفوعة والصوت الغاضب والعنصر الرافض: ليس لي غيرُ صوتٍ ينادي في السيوفِ الصديئةِ تحت غمد بلادي "نبهتهُم مثلَ عوالي الرماحْ إلى الوغى قبل نُمومِ الصباحْ" (11) ........... لكنهم فوارسٌ من خشبْ فوارسُ الهواءِ أي ريح تميلهم مالوا انحنوا وناموا نبهّتُهمْ فناموا ونبههم من غارة يزحف الروم فيها من أمام ومن و راء. وحذرهم من غارة قريبة تأكل الأرض والبشر. بعد أن أضاء الزوايا المظلمة. ورفع الأمكنة المنخفضة في قصة تشبه الممزوج باليقظة. وتجيء قصيدته الطويلة التي حمّلها اسم الكتاب. لتكون الصوت المُكمِّل لقصيدة بغداد، فهي صوت إنذار وتحذير مصاغ بلغة شعرية. بدون تحديد اسم لمكان معين. وفي القصيدة رؤية متشائمة تتشح بالألوان الداكنة ولا غرابة فالشاعر صوت عصره. ووجدان شعبه، وحادي قوافل أمته. تحكمه الشروط التاريخية التي تحكم الجماعة، فيعترف الآن: زمانٌ يابسٌ آتٍ وهذي علامةٌ: تبتلع الصحراءُ البحرَ يموتُ الماءْ تبتلع المدنُ الأشجار يموت الظلّْ يبتلع دخانُ الأرضِ الأقمارَ يموت الضوءْ تبتلع الآلات الإنسان يموت الحبّْ أعترف الآن: زمانٌ مغلقٌ آتٍ وهذي علامةٌ: يقتلُ من يؤاخي عينيه بالشمس وبالهواءْ ومن يرى غير الذي ترى السماءْ ومن يزيحُ سقفه ليهطلَ الفضاءْ وكل القصيدة بصورها الداكنة تشكل رؤية سوداء للمستقبل الذي يراه الشاعر من خلال زجاج الحاضر. لكن القصيدة –على رغم إنتاجها في السنة التي كتبت بها قصيدة بغداد –تظل أدنى فنياً وجمالياً من تلك القصيدة التي نراها علامة مميزة في شعرنا المعاصر. *** وكأي شاعر مسكون بهاجس التجديد يكتب محمد عمران ديوانين كل منهما نص واحد يشبه الملحمة. هما: الملاجة. والملاجة قرية محمد عمران. كما جيكور لبدر شاكر السياب. ولسنا بصدد المقارنة وكيف تعامل كل من الشاعرين مع مسقط رأسه ومخزن ذكرياته وربيع أحلامه. لكن السياب تحدث عن جيكور كواقع مرفوض من خلال حبه وتعاطفه معها. رسم كل ما فيها من أرض وإنسان وجزئيات. وأحبها كجزء من تكوينه ورفض نواقصها وهو يتغزل بالجميل من مواقع الطبيعة فيها. أماً محمد عمران فحولها إلى رمز. لم نعثر على الملاحة –القرية بقدر ما واجهتنا رموز وصور طغى الخيال على واقعها فبعد البداية التعريفية التي شاهدنا من خلالها: قبعة خضراء بريش من أجنحة الشمس، تحتها وجه من الحنطة، ويدان في الأولى خبز وفي الثانية صلاة. ندخل في مغارات الطقس السري، ثم يصطحبنا محمد عمران إلى عوالم السحر والعشق والخرافة تشبه عوالم ألف ليلة وليلة لكنها مرسومة بلغة شعرية مترفة، تسبح على بساط من الصور الجديدة. لكن يستحيل علينا أن نتصور الملاجة في هذه المطولة. والكتاب السابع –قصيدة الطين –المصاغة في سبعة وثمانين مشهداً تطول وتقصر. نشم رائحة أساطير الخلق. ونلمح أطياف كتب السماء التي فصلت بدايات التكوين للأرض ومخلوقاتها. محمد عمران في الكتابين السادس والسابع يخوض تجربة شعرية جديدة. اعتمد فيها الصور. الصورة تتعلق بالصورة كما لو كان وعيه الشعري مستودعاً هائلاً من الصور التي تدفقت كشلال. لكنه حَطّمَ الإيقاع الموسيقي في الكتابين المطولتين. واعتمد الصورة كمرتكز للإيحاء. وتخلى عن التفعيلة كوحدة موسيقية في الشعر، وترك اللغة المتلاحقة الصور تتكفل بتوليد الحس أو الإحساس بالموسيقى لدى المتلقي. لكن هاتين التجربتين جاءتا أقل قيمة من تجاربه السابقة واللاحقة التي تكامل بناؤها بين موسيقى الإيقاع وجاذبية الصّور. ولم يستطع أن يثبت لنا أن الإيقاع الموسيقي قيد يحاصر أطراف الصورة الشعرية والدليل هو النتاج الشاهق الذي قرأناه عبر خمسة دواوين. تتوهج في مقدمتها قصيدة بغداد الكبيرة. ومتتبع شعر محمد عمران لا يستطيع أن يقنع بأن هذه اللوحة أفضل أو أهم شعرية من اللوحات السابقة. ففي إحدى مقاطع الملاجة: وردةٌ من حجارةٍ وأقمار تتنفس الغبارَ والصمت الرئة اليمنى أعشاشٌ للكتب والمخطوطات اليسرى ينابيعُ مقفلة ولا ثقوب للحنجرة هي لغة محمد عمران وصوره وطريقته في الإبداع. لكن لم تقنع بأن التخلي عن الإيقاع الموسيقي الذي يولده نظام التفعيلة، يمثل خطوة إبداعية أسمى. وهل هذا المقطع الذي نقلناه من الملاجة أكثر رشاقة وجاذبية وعلوقاً في القلب من المقطع التالي المنقول من قصيدة بغداد: وهاأنا أجسّ نبضَ نجمةٍ يتيمةٍ أغوص في لزوجة الطريقِ هاأنا عبر رواقِ زمن مكَفّنٍ وهذي بغدادُ في خُوارها أصغيتُ. ليس نوماً هذا الذي يزحف في عروقها ليس دماً لسنا ملزمين للاستسلام لأي تفسير يجيئنا من خارج النص. وهذا المقطع الذي قرأناه وحدة شعرية تامة متخمة بالإبداع. لغة وصوراً وإيقاعاً، ووحدة نفسية. وأسرنا الشاعر في تحريك أواخر الشطرات لنقرأه أو لنسمعه دفعة واحدة. فدخل إلى القلب دفعة واحدة. فهل نصدق أن المقطع السابق الذي كتبه محمد عمران بعيداً عن هذا النغم الشجي وعن هذا التموج الموسيقي الراقص، كان يحمل نفس الكثافة الشعرية وقوة الإيحاء التي حملها المقطع اللاحق؟ تلك مسألة متروكة للمتلقي لا للشاعر ولا للناقد. ولا لأي تفسير أو تبرير أو تأويل من خارج القوة الإبداعية التي ولدها النص نفسه. من جديد تتولد لدينا القناعة التي أتينا على ذكرها في أوائل هذا الكتاب وهي أن الإنسان العربي الذي يفكر وينفعل ويتصور ويعبر من خلال اللسان العربي المبين، لا يصدق أن اللغة الشعرية تستطيع أن تحقق أشراط الشعرية خارج الإيقاع الموسيقي. *** نشيد البنفسج: في فترة لاحقة لظهور الدواوين السبعة التي أشرنا إليها في هذه الدراسة (12) قرأنا لمحمد عمران مجموعته الصغيرة التي أسماها: نشيد البنفسج. وعندها نرى ضرورة التوقف لأنها تمثل خطوة ارتقائية في مسيرة شعره. ففي هذه المجموعة اعتمد الإيقاع الموسيقي العذب الذي ألفناه في أجمل قصائده. بدون أن يتخلى عن تدفق صوره، وهو مخزن لتلك الصورة الشعرية الجديدة المفاجئة في جديتها وحيويتها. لم يعتمد المطولات ولا أعتمد القصيدة القصة أو القصيدة الحكائية، بل ظل ضمن مفهوم القصيدة الغنائية وإن كانت بعض قصائد الديوان تحتفظ بالنفس القصصي أو الحكائي. ففي قصيدة: وقت لسيدة الرضا. يتألق محمد عمران في الحديث عن سيدة هي أمه كما يشير في إهداء القصيدة. وكعادته ينطلق من الواقع إلى الخيال ومن المحسوس إلى ما فوق المحسوس. ليصور لنا هذه السيدة وكأنها أسطورة في الخلق البشري. ولم يتخل لا عن عواطفه نحو السيدة الأم ولا عن مواجعه وتطلعاته كإنسان يعيش في هذا العصر، فالمتلقي لا يتحسس أثراً للحزن. ولا يشم رائحة الشجن من ألم الفراق. ولكنه يقرأ عالماً ملائكياً تشارك هذه السيدة في خلقه. فيرى يداً من الزيت المعتق لسيدة تضمخها الحشائش. كرمزين للقداسة والخصب. وهي كوكب من فضة يسيل ضوؤه على الأشياء. ولذكراها تسيل شمس من العسل على يديه وينهمر الياقوت. ونبصرها غمامة وسنابل وضوءاً ونرى في ابتسامها صلاة، ونسمع من صوتها رنين ذهب السماء كل هذه الصور التي عودنا محمد عمران على جدتها كما عودتنا قصائده على التمتع بحالة المعايشة للنص الخارق، نجدها في هذه القصيدة: لكننا لا نحس بواقعه التنامي الذاتي للقصيدة التي رأيناها واضحة في عدد من مطولاته الشعرية مثل قصيدة شاهين. وقصيدة بغداد إنما تفاجئنا صورها كلحظات شعرية جميلة تسير بصورة أفقية. مما دعانا لاعتبارها قصيدة غنائية جميلة. فكل مقطع من مقاطعها يشكل وحدة شعرية تامة. وربما واقعة التنامي في الشعر لا تتحقق ولا تُحس بوجود القصيدة التي ترتفع بين يديك كالبناء، إلا عندما يلجأ الشاعر إلى أسلوب البناء الحكائي والقصصي والملحمي والدرامي. أو إلى واحدة من هذه الحالات لأن صورة النمو الداخلي للنص الشعري لا يتحقق إلا من خلال إحساسنا بأن الشاعر ينشئ نصاً يتكون كالشجرة الباسقة من جذع واحد: ليدٍ من الزيت المعتّقِ لاشتعال أصابعِ بالخبزِ لامرأة تضمخها الحشائُش تلك عائلة من الريحانِ تأتزرُ القصيدةُ وتتوالى هذه الصورة الجميلة الموحية الصاخبة بالموسيقى التي تضبط الانفعال وهي تتخلق مع الصورة. حتى نصل إلى المقطع الأخير في القصيدة: هو وقتُك المائيّ أرسُمه على جرح القصيدةِ قبةٌ في الخصب، قصرٌ في الأمومةِ ثم عرشُ يدينِ من ذهبٍ وماءْ سميتهُ وقتاً لسيدة.. رسمتُ على الهواءْ أفقاً لذكراها فسالت في يدي شمسٌ من العسلِ الحزينِ وسال ياقوتُ السماءِ ولا يجوز لنا أن نغفل حالة الكثافة. وصفاء الصور الشعرية. وتوظيف كل أدوات الإبداع لتتحول اللغة إلى شعر يرفعك إلى واقع أسمى من الواقع الذي تتحرك فيه وتعيش حوادثه وأحداثه. أما قصيدة: نشيد البنفسج التي اسمي الديوان باسمها. فتشكل أفقاً خاصاً وفلكاً شعرياً متقدماً ليس في الديوان وحسب بل في شعر محمد عمران بكامله. على رغم الارتفاعات التي تمثل النسب العالية في مسيرته. فهذه القصيدة نص شعري توفرت فيه شروط القصيدة التامة في بنائها وحركتها المتصاعدة. واللقطات الحكائية التي تخللتها رفعتها من السير الأفقي إلى الارتقاء المتصاعد كبناء متكامل. في البدء يضعنا الشاعر في حالته النفسية والروحية التي تبحث عن الخلاص والانعتاق من أزمة. ويكتشف أن البنفسج –كرمز للربيع والخصب وجمال اللون والارتباط بالأرض –مفتاحه إلى رؤيا الخلاص من الأزمة. وبدأ من البنفسج يبحث عن الغناء –كرمز للفرح – وتدفقت صور الخصب محملة بالغناء والفرح. وتبدأ الرحلة. لكن أزمة الشاعر أو الإنسان الذي تقمصه الشاعر لا يبصر الأشياء من حوله وفي داخله كما يبصرها الآخرون. بل يراها من خلال العين المصورة العاقلة الواعية التي تضفي عليها نوعاً من التصورات الجميلة لم تكن متوقعة كأي صورة شعرية تمتلك دهشتها وفجاءتها. وتتطور القصيدة في تنامي جزئياتها التي تشكل أحداثها. حتى نهايتها التي رسمها. والحب هو الخيط الروحي الذي يربط جزئيات البحث عن الحل الذي بحث عنه الشاعر أو الإنسان الذي احتمى بالقصيدة. في البداية نسمع التساؤلات التي تنبثق منها خيوط الرؤيا: هو الحبُّ؟ أم ظلّ صيفٍ من اللوز أم هدلتْ في المساءْ على شرفة القلب عائلةٌ من يمامْ؟ ولأن الشاعر أو الإنسان أو أنا القصيدة موجع ومتأزم يتحسس الوجع في كل شيء من حوله حتى في الهواء. قبل أن يأنس لون البنفسج يسيل من وجه غيمة متوجهة إلى بيت الحبيبة كمصباح في الدرب: وجعٌ في الهواء يدفُّ فيخرج نوم الهواءْ ويسيلُ البنفسج من غيمة في الطريق إلى بيتها في ضواحي الشتاءْ مطرٌ لم يمر ببال الغَمامْ مطرٌ طيبٌ القلب كالطيب صافٍ كدمع الحمَامْ وعندما يأنس إلى البنفسج كدليل يشعرنا بدون تصريح أنه في الطريق إلى دار الحبيبة. ولكي تنم الرحلة في صوفي لا تبدو معالمه ولا يركن النظر إلى جزئياته: سأسمّي البنفسجَ بيتاً وأدعو القصيدة من غيبةٍ هذه شرفاتُ البنفسج كل منافي القصيدة مفتوحةٌ كل أوقاتها بانتظار الغناءْ لقد وضعنا في عالم خرافي نشارك في إعماره الرؤيا الشعرية والشطح الصوفي. ليوصلنا إلى الموقع الآخر في رحلة رؤياه: غير أن المغني حزينٌ علقته القصيدة في قوس زينتها، فانحنى تحت شمس الحنينْ ومشت في يديه خطا الداخلينْ هو ذا يحتفي بضيوف القصيدة قال المغنيّ: بدءاً من لحظة القص هذه تتحول القصيدة في مجرى أكثر عمقاً. وتعتمد اصطياد اللمحات الحكائية من العالم الصوفي أو النوراني المتخيل الذي اصطنعه الشاعر كمعادل للعالم المرفوض. ومع حضور صانع الفرح –المغني –تتخلف أمامنا كائنات جديدة تغني النص الشعري بحضورها: سنفتتح المهرجان بقبرةٍ "كانت القبراتُ على سفرٍ" قال: بامرأةٍ قيل: كل النساء غوائبُ قال: فجيئوا بنوم القصيدةِ يا أختُ تفتتحين البنفسجَ كيف تغني القصيدة في كل هذا الغيابْ؟ هذه امرأةٌ من ضبابْ تتلمّسُ باب القصيدة قال المغني: انفتح أيها الوقتُ فانفتح الشوقُ واخضرتِ الكلمات هذا هو الجزء التأسيسي في عالم الرؤيا النوراني. ومع الدخول إلى هذا العالم الذي شارك بشغل جزئياته: الشاعر والمغني والمرأة والبنفسج. تتحرك الأحداث كما تتحرك الأشياء في الأحلام. حتى لحظات اليقظة من التحليق في هذا العالم الخرافي الجميل والعودة إلى واقع الحس. ليطرح الشاعر تساؤله الذي كان تأكيداً وليس تساؤلاً في بداية القصيدة: هو الحب أم وجعٌ في الهواءْ؟ أم يسيلُ البنفسج من غيمةٍ في الطريق إلى بيتها في ضواحي الشتاء؟ ليؤكد محمد عمران مجدداً أن بمقدرة الشعر الكبير أن يصنع عالماً أجمل. ويزرع في القلب والنفس إحساساً أفضل. وبهذا يكون مشاركاً في تغيير العالم. الهوامش: *-لم ينشر عمران قصائده الأولى الموزونة المقفاة في دواوينه اللاحقة. وهذا لا نقره عليه ولا نوافقه على كتمان تلك القصائد لأنها تحمل النشأة الشعرية والخطا الأولى لأعماله اللاحقة. (1)-علم الجمال –هويسمان –ص 166 –ترجمة ظافر الحسن. (2)-درسنا ظاهرة حضور المرأة في الشعر العربي الأول معتمدين على الرؤى الميثولوجية وعلاقة العربي بها في كتابنا: تعددية النمط في الشعر الجاهلي. (3)-انظر الأدب والأنواع الأدبية ترجمة طاهر وطار تقديم محمود الربداوي ص 33. (4)-انظر الدواوين الأولى للسياب. لكنه تحول في القسم الآخر من حياته القصيرة إلى توظيف الرموز والأساطير المحلية. العراقية والعربية. (5)-انظر الإلياذة المعربة للبستاني المنشورة في مجلدين مع دراسة مفارقة للبستاني. (6)-انظر الفصل الثالث عشر من كتاب الشعر والتأمل لهاملتون ترجمة محمد مصطفى بدوي مراجعة سهير القلماوي. انظر نظرية سارتر الشهيرة حول استقلالية الشعر. (7)-ضرورة الفن لأرنست فيشر ص 187. (8)-نظرية النظم التي طرحها الجرجاني في كلا كتابيه الشهيرين: أسرار البلاغة في علم البيان ودلائل الإعجاز في علم المعاني. (9)-ملحمة جلجامش تعرضت لكثير من الترجمات. وطرحت حيالها آراء كثيرة بالطبع. لكن المتخصصين يقولون إن أفضل نص عربي للملحمة هو الذي كتبه طه باقر العراقي. وهو أقرب نص إلى الأصل السومري المدون باللغة البابلية. (10)-وضع الشاعر محمد عمران هذا البيت بين قوسين ولم يشر إلى تاريخيته. وهو من قصيدة للشريف الرضي. (11)-الدواوين التي أسسنا عليها هذه الدراسة هي: 1-أغان على جدار جليدي 2-الجوع والضيف 3-الدخول في شعب بَوَّان 4-مرفأ الذاكرة الجديدة _أنا الذي رأيت 6-الملاجة 7-قصيدة الطين –وصدرت في مجلدين عن دار طلاس بدمشق عام 1989 أما نشيد البنفسج فصدر عن دار الذاكرة بحمص عام 1992. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |