|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
محتوى الشكل في رواية "الديناصور الأخير" ـــ دراسة: د. شكري الماضي 1-تمهيد: تبرز الرواية من خلال شكلها. الذي يتميز –وربما يمتاز –بمرونته وانسيابيته. لكن تنوع الشكل الروائي وتجدده الدائم وقدرته على "الانفتاح" تؤثر بها عوامل عديدة لعل أهمها، تمرد الشكل الروائي المستمر على ذاته استجابة لظروف البيئة المحلية، وطواعيته وقدرته على استلهام أدوات وتقنيات فنية متنوعة من الشعر والدراما والسينما والتراث القصصي الشفاهي، وتمثله السريع لمنجزات العلوم الإنسانية والطبيعة (النظرية النسبية والشخصية الرمادية على سبيل المثال)، وتفاعله مع تطورات الفكر الأدبي المحلي والعالمي وأحسب أنّ كل ذلك يتكون من خلال التفاعل الدائم مع تنوع تصورات الفعل البشري وتصويره (1). فالشكل الروائي في جوهره صورة لغوية مكتوبة للفعل البشري. هذه الصورة تتشكل من خلال عوامل عديد ة وعناصر متنوعة وعلاقات متجددة باستمرار. هذه العناصر والعلاقات لا تتجاور فيما بينها بل تتفاعل وتتداخل لتولد بنية روائية. وهي بتفاعلها الذاتي والموضوعي والداخلي والخارجي تشكل مكونات الشكل الروائي. إنها بتعبير آخر عناصر تكوينية متحركة، تتحكم بولادتها وتشكلها وتفاعلها وحركتها حركة أخرى هي الرؤية الفنية. وقد شهد مسار الرؤية الفنية الروائية العربية تجارب تجديدية عديدة متنوعة في فترة زمنية قصيرة نسبياً. وأحسب أنَّ هذه التجارب التجديدية قد لقيت ترحيباً عاماً من قبل النقاد العرب (مع التعدد والتباين النسبي في المواقف منها) أكثر مما لقيته تجربة الشعر العربي الجديد. وأعتقد أنّ ذلك يعود (من ضمن عوامل عديدة) إلى غياب المحافظين عن ميدان الممارسة الروائية إبداعاً ونقداً (2). فالشعر فن العرب الأمثل قروناً عديدة. والرواية فن حديث بلا جدال. والمحافظون خاضوا معركتهم ضد فن الرواية في مرحلة النشأة لكنهم أدركوا بعد فترة بأنهم خاسرون في هذا الميدان لعدم وجود الرواية –النموذج في التراث العربي (3) ويمكن القول –إضافة إلى ما تقدم –أنّ من أهم العوامل المساعدة على التجديد، في مسار الرؤية الفنية الروائية العربية، المؤثرات الأجنبية. ومسألة المؤثرات الأجنبية من المسائل الهامة جداً، كونها تفرض الحديث عن الحداثة في الأدب، كما قد تثير كثيراً من الإشكاليات على الصعيدين الأدبي والنقدي، ومن نافلة القول التأكيد بأن لها أبعاداً متعددة على المستويات كافة. ومع ذلك فإن الظاهرة المدروسة هنا تفرض الحديث على هذه المسألة بشكل موجز عبر خطوط عامة جداً. فالحديث عن المؤثرات الأجنبية يعني الحديث عن ظاهرة التأثير والتأثر. وهي ظاهرة تفرضها شروط عديدة أهمها الاحتكاك الحضاري والدخول في بوتقة القرن العشرين والاتصال بمنجزاته. ومن نافلة القول التأكيد أيضاً بأن ظاهرة التأثير والتأثر غير إرادية، بمعنى أننا لا نستطيع رفضها أو منعها بجدار كتيم وإلا أصبحنا خارج العصر الذي نعيش فيه. ومع ذلك فإن طرفي المعادلة –مدى التأثير ومدى التأثر –يخضعان لوضع الأمة الحضاري، أهي أمة فاعلة بشكل مطلق؟ أم يجب أنّ تمر عبر مصفاة محددة تقاس بها لتتلاءم مع البيئة المحلية؟ إنّ الناس كثيراً ما يتقبلونها إذا شعروا أنها تلبي حاجات أساسية أو تسهم في تلبية حاجات أساسية مستجدة. وإذا كان تقبل الماديات أسرع وأيسر فإن تقبل أفكار أو التأثر بالأفكار "الأجنبية" كثيراً ما يخضع لعملية طويلة من الأخذ والرد والمراجعة في محاولة لأقلمتها مع ظروف البيئة الجديدة، فالبيئة المستقبلة تحتاج إلى وقت لقولها أولاً والتفاعل معها ثانياً ومن ثم استلهامها أي تمثلها بحيث تصبح أخيراً جزءاً لا يتجزأ من بنائها الفكري أو نظامها المعرفي. وعلى الصعيد الأدبي فإن المشكلة أكثر تعقيداً، ونظراً لما يتميز به الأدب من خصوصية واستقلالية نسبية كثيرة. لهذا فإن الحديث عن الأدب في مجالي التأثير والتأثر موضوع متشعب وشائك بلا شك ومع ذلك فمن الضروري تمييز ثلاثة مستويات في هذا المجال بحيث يمكن أنّ تعد بشكل أو بآخر –وبشكل قابل للحوار والمناقشة والتعديل بمثابة معايير موضوعية لمسألة المؤثرات الأجنبية ومدى أساسها في تجديد بنية المسار الروائي العربي: أولاً المحاكاة: وفيه يتم التأثر بالآداب الأجنبية بما يشبه الآلي (التمصير –التعريب الخ.) ثانياً التفاعل: وفيم يتم اقتباس التقنيات الفنية وتوظيفها والاستفادة منها بحيث يختفي النقل المباشر والمحاكاة الآلية إلى حد كبير، ويمكن تسميته بالتضمين إذ تظل هذه الأدوات والتقنيات دالة على الاقتباس. وهذا المستوى يتوسط مرحلتي المحاكاة والاستلهام. ثالثاً الاستلهام: في هذا المستوى يتم تمثل التقنيات والأدوات، أي توظيفها بدرجة عالية من الإتقان والوعي بحيث تندغم هذه التقنيات في نسيج العمل الإبداعي وبحيث يأتي توظيفها ضرورة حتمية تفرضها الرؤية الفنية المعاصرة لأزمة من أزماتنا الجوهرية المحلية. ولا شك أنّ هذا الترتيب (المحاكاة –التفاعل –الاستلهام) يعكس قيمة وموقفاً من مسألة المؤثرات، كما قد يعكس مراحل تأثر الأدب العربي الحديث والمعاصر بالآداب الأجنبية. ومن الإنصاف القول بأن مرحلة التأثر الآلي في بداية القرن العشرين قد أسهمت في مسار الرواية العربية بشكل إيجابي (خلف جمهور من القرء، إلانة اللغة للتعبير عن نوع أدبي جديد، لفت الأنظار إلى حساسية أدبية جديدة..الخ) وبالمقابل لا بد من القول بأننا اليوم –أي في نهاية القرن العشرين –أكثر ما نحتاج إلا استلهام التقنيات الأجنبية لأن هذا الاستلهام –التمثل يضيف جديداً إلى بنية الرواية العربية وهو ما يعني تجسيد الحداثة المنشودة بشكل حقيقي أي تجسيد ما يمكن أنّ يسمى الحضور الإبداعي لا الحضور الإتباعي. 2-محاولة تجديدية: لعل هذه المقدمة العامة جداً ضرورية لولوج تجربة روائية جديدة كل الجدة في مسار الرواية العربية، هي التجربة التي صاغها الأديب "فاضل العزاوي "تحت عنوان عام" الديناصور الأخير". وهي جديدة إلى حد يمكن اعتبارها قمة ما وصل إليه التجريب في ذلك المسار. فهي تتمرد على كل المعايير الجمالية الروائية المعروفة. وربما تطمح إلى تحطيم المعايير النقدية المتداولة. وهي تحاول أنّ تجسد تجربة اللامعقول وتنهل من تيار روائي حديث جداً هو تيار الرواية الشيئية الذي يطلق عليه أحياناً تيار اللارواية ANTI -NOVEL.. وهي رواية تضطر المرء إلى قراءتها مرات عديدة. ولأعترف بأن تعاطفي كان يزداد في كل قراءة مع هذا الكاتب المتمرس. لكن تعاطفي مع هذه التجربة ومع كاتبها لن يمنعني من استخلاص مكونات هذا الشكل الروائي الجديد، وتسليط بعض الأضواء لفهمه في سياق فن الرواية العربية أو سياق علاقة النص –بالقارئ، فكما يتردد هذه الأيام لا يكتمل النص إلا بقراءته، كما لن يمنعني هذا التعاطف من إدراج هذه المحاولة التجديدية ضمن المستويات التي أشرت إليها قبل قليل: المحاكاة –التفاعل –الاستلهام وبالتالي محاولة الإجابة عن مدى إسهامها في تجديد بنية الرواية العربية. وبداية لا بد من الاعتراف –كذلك –بصعوبة نقد أي نص روائي يتصف بالجدة لأنه يفرض معايير جديدة وربما مفاهيم أدبية ونقدية جديدة. وفي حالة "الديناصور الأخير" تتضاعف تلك الصعوبات إذ تحاول هذه الرواية التمرد العنيف على التقاليد الجمالية الروائية المعروفة. لذا فالمعايير النقدية المعروفة قد لا تصلح للتعامل مع هذا الشكل الجديد لأنها لا تتواءم مع منطقه الخاص. وأحسب أنّ الموضوعية تفرض الخضوع الجزئي لمنطق هذا الشكل الروائي للتعامل معه من داخل منطقه لا من خارجه. فهنا لا يحسن البحث عن التسلسل والترابط والسببية في بناء الحدث أو انسيابيته كما لا يحسن الحديث عن الشخصيات وأبعادها وبيئتها وبنائها أو تماسكها وتفككها ولا حتى عن تماسكها المفكّك بفنية أو تفككها المنسجم كما لا يحسن الحديث عن تطور صورة البطل وتفاعله مع الأحداث والزمان والمكان أو حتى عن الجماليات السّردية المعروفة واللغة التصويرية ومهمة الحوار.. الخ لأننا إزاء شكل جديد كلّ الجدة يتمرد على كل هذه الطرق والأساليب والمناهج الفنية وما تعكسه من قيمٍ بالطبع. لأنه يحاول من خلال هذا التمرد العنيف تجسيد قيم أخرى. إنّ لم أقل بأن التمرد الفني هنا بحد ذاته قيمة أساسية من القيم التي يحاول تجسيدها هذا النص. 3-العنوان ما أنّ نقرأ عنوان الرواية (5) حتى يجبهنا بإشكالية تتبدى في العنوان الفرعي: "قصيدة –رواية" وهو يذكر بنحو من الأنحاء بمصطلح إشكالي آخر هو قصيدة النثر. وبالفعل فإن رواية العزاوي تتحرك بين النثر ولقطات من الشعر المكثف وتوظف أحياناً في بعض المشاهد (وهي ليست مشاهد بالمعنى المألوف) تقنيات من المسرح المعاصر. لكن العنوان الفرعي (قصيدة –رواية) يوحي بمحاولة التمرد على الحدود الواضحة أو شبه الواضحة المتعارف عليها في التفريق بين الأنواع الأدبية (6). وهناك عنوان فرعي آخر "كتاب جديد لمخلوقات فاضل العزاوي الجميلة" قد يثير إشكالية أخرى، لأنه يذكر برواية العزاوي" مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة، التي صدرت عام 1969 ولقيت اهتماماً من النقاد أبان صدورها والملاحظ أنّ هذا العنوان الفرعي يصاغ بطريقتين، فالغلاف الخارجي يحمل عبارة "كتاب جديد لمخلوقات فاضل العزاوي الجميلة" بينما يحمل الغلاف الداخلي عبارة أخرى "كتابة جديدة لمخلوقات فاضل العزاوي الجميلة" وبين العبارتين فرق واضح. إذ توحي الأولى بأن هذه الرواية جديدة. بينما توحي العبارة الثانية بأن هذه الرواية إنّ هي إلا مجرد كتابة جديدة للرواية الصادرة عام 1969. وهذا يعني أنّ الكاتب قد أضاف أو حذف أو حور أو عدل وهو ما له دلالته الهامة في ولوج عالمه الروائي وفي البحث عن تطور رؤيته الفنية وعن العوامل التي دفعته إلى ذلك. والأرجح بل الأكيد أنّ "الديناصور الأخير" كتابة جديدة للرواية القديمة. فالسارد (س صاحب الجهاز السري الذي يقوم بتدمير العالم من خلال اختراعه هوهو. كما أنّ الكاتب نفسه يؤكد لنا بالمقدمة المعنوية إيضاح مشترك من المؤلف وبطله س الذي يلقب بالديناصور وبأسماء عديدة أخرى" بأنه قد مر بتجربة مضنية حين همَّ بنشر النص الأول عام 1969 وأن الرقابة قد حذفت أشياء كثيرة منه. ويعترف بعد ذلك صراحة بأن المؤلف وديناصوره "قد قاما بإجراء تغييرات عديدة وأحياناً أساسية في بنية هذه القصيدة –الرواية، وهي تغييرات وجدها المؤلف وديناصوره على حد سواء ضرورية" ص9، ويذكر بأن النص الأول "ظل طيلة ستة أشهر ينتقل من رقيب إلى رقيب دون أنّ يغامر أحد بالموافقة على نشره. وكان كل رقيب يضع خطوطاً حمراء تحت جمل، مقاطع طويلة، وأحياناً فصول بأكملها" ويشير المؤلف بأنه رضخ لأوامر الرقيب "وبدأنا نحذف ونحذف حتى كادت تظهر عظام الديناصور" وعندها أقر بأنها "ستكون أول رواية تقرأ بالشفرة" وهذه العبارات تدل على عدم رضى المؤلف عن النص الأول بعد نشره. كما قد تعكس شيئاً من معاناة الأديب العربي. والكاتب يؤكد بأنه لا يريد في النص الثاني: "استعادة ما فقده الديناصور فحسب وإنما تكثيفه وتعميقه أكثر". ولعله يفعل ذلك لسببين: الأول: نمو خبرة الكاتب بعد عقد كامل. الثاني: موقف النقاد من النص الأول. وبالنسبة للسبب الأولى فإن الكاتب يعترف بذلك إذ يقرر في المقدمة أيضاً "إنها الرحلة ذاتها مع الديناصور، ولكن بعد عشر سنواتٍ من الرحلة الأول، حيث ازداد المؤلف خبرة بالديناصور الذي كان جديداً عليه بعض الشيء" ويضيف "أما (س) بكل هذه الرواية فسواء أكان يلعب دور المخترع الشرير أو القائد الثوري، الشرطي أو السجين، القديس أو الشيطان فإنه يقذف نفسه دائماً في هذه الحرب القائمة ويعي تحولاته لحظة بعد أخرى، وهو يعرف أنه مأسور بالأضداد، تشكل وحدته إنه إذ ينهدم يولد ذلك الجديد الذي يضيء الليل، الليل الإنساني" ص 11 وما بعدها. أما السبب الثاني أي موقف النقاد من النص الأول فإن الكاتب لا يعترف به صراح. لكن السبب الثاني يشير إلى الدور الهام للنقد في تشكيل الأعمال الأدبية وتغييرها وتحويرها. ويبدو أنّ تجربة المؤلف مع النقاد –من خلال النص الأول –كانت مريرة. فهو يسخر منهم في المقدمة سخرية لاذعة ويذكر عنهم قصصاً طريفة. مضحكة حتى أنّ هذه القصص قد "أثارت الديناصور إلى حد أنه كاد يختنق بضحكته وقد تغير سلوكه بعد ذلك تماماً إزاء النقاد، حيث كان يرفع قبعته وينحني محيياً إياهم بابتسامة ماكرة كلما التقى بواحد من هذه الفصيلة العجيبة من الناس على قارعة الطريق. والأغرب من ذلك أنه راح هو الآخر يسرد قصصاً طريفة عنهم "ص8 وفي موضع آخر لا يخفي انزعاجه وأسفه" ويأسف الديناصور أنّ بعض النقاد لم يدركوا هذه الحقيقة، متهمين المؤلف بالغامرة الشكلية أو التجريبية وربما كانوا على حق في شكواهم هذه فهم يؤمنون بالثبات: ثبات العالم، ثبات الفن، وإن الثورة –هذا ما تحدثوا عن الثورة! تعني أنّ ترتدي الثوب ذاته ولكن بالمقلوب... ص12 فاستعادة ما فقده النص الأول مع محاولة التكثيف والتعميق تأتي بدافع الخبرة –كما صرح –وبدافع النقد وإن لم يصرح. يتضح ذلك إضافة إلى ما تقدم –من تباين عنواني النص الأول والنص الجديد. إذ يوحي عنوان النص الأول "مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة" بتعاطف تام مع "أبطال" الرواية. بينما يوحي العنوان الثاني" الديناصور الأخير "بالكشف أو التعرية. ولا يستدل على ذلك من العناوين فحسب بل من خاتمة النص الجديد التي تبدو مقحمة على السياق الروائي برمته وهو ما سنقف به بعد قليل. غير أنّ التغيير والتعديل والإضافة لا يعني إننا إزاء رؤية جديدة مغايرة لرؤية النص الأول بل يمكن القول مع الكاتب "إنها الرحلة ذاتها مع الديناصور ولكن بعد عشر سنوات من الرحلة الأولى" ص11. 4-الشكل الخارجي =التفكك =العبث: تتألف الرواية أو القصيدة –الرواية (على حد تعبير الكاتب) من عشرين نشيداً لكل عنوانه. وهذه الأناشيد مبعثرة متناثرة مفككة. بل إنّ المشهد الواحد غير مترابط. فكل شخوصه وأحداثه وتقنياته. وهي ليست شخوصاً عادية على أية حال. كما إنّ الأحداث ليست مألوفة في الأغلب الأعم وغير مرتبة بالمرة. فهناك قفزات مستمرة فمن سرد إلى شعر إلى حوار غامض ومن ماض إلى حاضر إلى ماض ثم ضمائر متعددة في الجمل المتجاورة ثم إلى تكنيك مسرحي يشترك فيه الكورس والسارد والمؤلف في انتقالات لا تخضع إلى المنطق المعتاد. ثم هناك الأحلام والكوابيس ولقطات من المونتاج السينمائي. وتبدو هذه القفزات أو الانتقالات غير متمحورة. فالموضوع غائب والشخصيات مجرد أسماء أو رموز أو حروف. فالشكل يتصف باللاترابط والتبعثر والتشتت وكأن الكاتب يتمرد على كل سببية ليضفي على عالمه منطق التفكك أو منطق العبث. وإذا اعتبرنا هذه الأناشيد مشاهد، فإنها بتجاورها (إذ يمكن التقديم والتأخير حتى الحذف دون أن يتأثر بناء الرواية) تكاد تشكل مناخاً روائياً. ولعل ما يضفي عليها هذه الصفة أنها تشترك فيما بينها في قتامتها وكآبتها أولاً وفي كون راويها واحداً. مع أنّ هذا الراوي يأخذ صوراً متعددة وأسماء متنوعة فهو الديناصور أو (س) والشبح والمؤلف.. الخ وأحياناً يتم التناوب فيما بين هؤلاء الرواة فيستخدم ضمير الغائب في جملة للحديث عن الديناصور مثلاً ثم سرعان ما يتسلم دفة السرد الديناصور أو (س) أو الشبح دون إحساس القارئ بأن هناك فواصل محددة أو مسببة. وإذا وقفنا عند النشيد الثاني وعنوانه "وراء نجمة الصباح" كمثال نبين من خلاله الطريقة التي ضيعت بها أناشيد الرواية فستجد في هذا النشيد أنّ السّارد يبدأ بالحديث عن الظلمة وظل المرآة والمرأة الجميلة مصنع الأحلام، كما يستخدم الفعل المضارع بكثرة ثم حوار مع المهرج الصغير عن الخديعة والغش يلي ذلك عنوان صغير "قصيدة سينمائية عن حلم" ونقرأ تحت هذا العنوان: "لقطة عامة: الكاميرا تتحرك على بحر متموج يدخل عصفور في الصورة. تظهر كتابة فوق الأمواج التي تصلنا ضجتها (الغواصة) لقطة قريبة: بحر ليلي. الديناصور يدخل إلى غواصته لقطة نصف قريبة: الغواصة تحت الماء لقطة عامة: ليل. بحر. غواصة صوت امرأة: حقاً نحن نحتاج إلى غواصات كثيرة حيث تنتظرنا آلاف البلدان والجزر لنسافر إليها حيث يمكن أن نكتشف قارات جديدة حيث يمكن أن نخوض حروباً نكسبها. وأخرى نخسرها. وأيضاً حيث يمكن أنّ نهبط إلى آخر ماض للإنسان.... الخ" ص 23 وبعد هذه "اللقطات" ننتقل إلى السّارد مرة أخرى حيث يروي لنا عن عثوره على ذئب صغير تحت سريره. ويخاطب القارئ أكثر من مرة. ثم نجد عنواناً صغيراً آخر "المجوس والمعلم" وتحته ستة أسطر ثم عناوين أخرى متعددة هي: النهر والريح، السجن الجديد، القتل والحقيقة، أنا وسباستيان، ثم يروي السارد عن نفسه وأمراضه واهتماماته، ثم حوار بين السارد وشخصية أخرى غير معروفة ثم انتقال للسرد مرة أخرى وحوار وسرد وأحداث متناثرة في أماكن متباعدة غامضة وأزمان متنوعة وأسماء مثل فيوليت و(س) وذات الساق.. الخ. وإذا كان تلخيص الرواية المألوفة يشوهها فإن تلخيص هذه الرواية غير ممكن. بسبب القفزات المتنوعة والانتقالات غير المسببة داخل المشهد الواحد. بل أنّ العناوين الفرعية داخل المشهد تبدو مكثفة ومبتورة وأسماؤها متعددة. وكذا المشاهد أو الأناشيد تبدو متناثرة مبعثرة مشتتة لا يوحّد بينها –كما قلت سابقاً – سوى مناخها الذي يعكس القتامة واليأس والكآبة. وحتى لو أمكن تلخيص هذه الرواية فإنه سيفقدها قيمة رئيسية تهدف إلى تجسيدها من خلال هذا اللا ترابط والتفكك تتمثل في العبث. وهي قيمة تبدو مترابطة مع القيمة السابقة –التمرد –التي نلمح بذورها في عنوان الرواية الفرعي (قصيدة –رواية) وفي الرفض العنيف للمعايير الجمالية الروائية المعروفة. وعلى أية حال فإن المناخ الروائي الذي يجسده هذا الشكل يتصف بالسوداوية والخديعة وخيبة الأمل والإحباط والقلق والتوتر واللاجدوى واللامنطق والعبث والسأم والوحدة والغربة والاغتراب، إلى آخر ما هناك من كلمات تضاف لتدل على هذه المعاني. وبالطبع فإن هذه المعاني توحي بدلالة هذا الشكل كما قد تعكس رؤية خاصة للحياة. وإذا حاولنا استنباط بعض عناصر هذه الرؤية من خلال التركيز على علاقة الأزمان الثلاثة فسنجد مثلاَ أنّ الأحداث الماضية المتناثرة والمبعثرة عبر الأناشيد لا تعكس سوى الموت والضحايا البريئة والقتل المجاني. أما الحاضر فيتصف بالخديعة والزيف والإحساس بالفراغ والسأم والتعسف والعنف والموت البطيء، فكثيراً ما يحس السّارد بأنه جثة تتحرك بين جثث الآخرين، وهناك مشهد بعنوان "يوميات جثة". أما المستقبل فيبدو أكثر رعباً وخطراً من الماضي والحاضر ففيه الموت الحقيقي لا المجازي. فالعالم "موحش" والتاريخ ليس له معنى "فالأيام تعاش لكي يكون هناك تاريخ يمكن التحدث عنه" والإنسان –كما يدل الشكل الروائي –وحيد خائب مقهور مقموع دائماً. ومنذ الأزل وهو يعيش في كون معاد. إنه "مهجور في العالم" (8) على حد تعبير سارتر. فالزمن دائرة مغلقة والإنسان يدور فيها بلا نهاية، وهو في دورانه لا يجد الكآبة واليأس والموت والعبث الذي لا يستطيع الفكاك منه –على ما يبدو –إلا بتدمير العالم.!! 5-ملامح السّارد: وإذا كان العالم على هذه الدرجة من القتامة والغموض واليأس والعبث فلا بد من تدميره، وهذا ما فعله السّارد. وهو يخوض معركته وحيداً ضد العالم "رجل واحد ضد العالم. هل يمكن ذلك" ص12. ولكن ما هي أزمته بالتحديد؟ ما ملامحه؟ ماذا يريد؟ ما مواقفه؟ هل له منهج حياتي محدد؟ بم حلم؟ وكيف يفكر؟ هذه الأسئلة ربما بدت إشكالية من وجهة نظر الراوي –المؤلف لأننا فعلاً إزاء سارد إشكالي. فهو قلق متوتر حائر غامض أفعاله لا تخضع لمنطق ومواقفه غير معللة. وهو نفسه تائه ضائع شريد لا يعرف ما يُريد. وهو منذ البداية يعترف لنا صراحة "فأنا لا أعرف الكثير عن مواقفي، فبعد كل شيء وربما قبله أيضاً كنت إنساناً قلقاً يصعب تحديد ما يريد" ص18 بل يعترف بما هو أكثر من ذلك بأمراضه وعقد النقص المتغلغلة في نفسه "فأنا أنسى صورة الآخر، أنسى صورة الأشياء بسبب من اهتماماتي اليومية بأمراضي الخاصة وغالباً ما اعترف لنفسي بنقائصي التي تسمن مع العصور. لقد فقدت حاسة المتفرج منذ زمن. إنني أرى العالم داخل نفسي ولا أملك سوى الأسئلة، وإذ أكون وحيداً تعتريني أوهام جديدة، سرية بعض الشيء، تمنحني بعض السلوى" ص27. وهو يعيش دون أي منهج فكري أو حياتي فهو "لم يكن يحب أو يكره. رجل ضد المشاريع" ص39 وحين يستخدم ضمير المتكلم "فأنا رجل بدون أمل أو أهداف". ص 103. لذا تبدو شخصية السارد شخصية تجريدية هشة وغير متمرسة بوقائع الحياة العامة القائمة على التنوع والتعدد. فهي لا تقف على أرض بل تدور في فلك تجريدي بعيد عن أي واقع. وما أنّ تدنو من الواقع حتى تصطدم به وتعلن رفضها له إلى حد التدمير. فحين يتعرض لخديعة من قواد وعده بإحضار امرأة جميلة فذهب ولم يعد نراه يعلن "أنّ الخديعة تركز الوجود لفرط شدتها" ص16 لكن هذه الحادثة –خديعةٍ القواد!! –ليست بسيطة من وجهة نظره إذ تفجر لديه خيبة شديدة وحزناً دفيناً ويأساً مخزوناً يحتاج للتعبير عنه إلى الانتقال من النثر إلى شكل أكثر كثافة وإيحاء واستيعاباً، الشعر:" "وإذا تعبت من الانتظار قررت أنا الآخر أنّ أسدل ليل اليأس على فتاة الوهم وأعود إلى الشقة: وحيداً يعود الجندي بعد الهزيمة تاركاً حذاءه في الرمل وحيدة تعود الأم إلى البيت تاركة قبلتها على جبين طفلها الذي سيأخذونه للشنق عند الفجر وحيدة هي الشجرة تقلعها الريح وحيد هو الجسد ووحيد هو عبور الليل إلى النهار الخ" ص16 17 وهذه الحادثة نفسها ينبغي ألا توحي بأن السارد يعاني من كبت جنسي مثلاً، لأننا نراه بعد قليل وهو يرفض أنّ ينام مع فتاة دخلت غرفته وطلبت منه أنّ ينام معها. وهو لا يحس مثلاً أنه بدوره يمارس الخديعة حين يطلب من قواد إحضار امرأة. إنّ السّارد يؤكد براءته في أكثر من موضع. فهو يعتقل ويعذب ويهان ويهدد بالموت وهو بريء. وهو يسترسل في الحديث عن التعذيب الوحشي وعلاقة الإنسان بالجسد محاولاً صياغة الأفكار الوجودية حول الوعي الجسماني، وعلاقة الأنا بالجسم، والتجسيد وما إلى ذلك وهو ما سأقف به بعد قليل. لكن تصرفات السّارد تبدو عبثية. وكثيراً ما يحاول تأكيد استهتاره بالمبادئ الأخلاقية: "تقدم خطوات في الشارع الموحل. وكان يرى الدم في كل مكان. تقدم خطوة أخرى. حدق في طفل جميل. ضربة واحدة ويموت. تقدم خطوة أخرى وقال بازدراء" سيان عندي أنّ أقتل أو أنّ أقتل سيكون هناك جثمان على أية حال" 41 وما بعدها. لكن اتخاذ السّارد أسماء متعددة: الديناصور، الشبح، س، المؤلف قد يهدف إلى الإيماء بأنه يحمل أوزار كل العصور. وإنما يهدف الكاتب من وراء ذلك إلى القول مع أبي الفلسفة الوجودية كير كيجور بأن الإنسان "مركب من الزمان والأزل، ووقوع توتر قاتل أمر لا يمكن تجنبه" (9) 6-علاقة السّارد –بالآخر: لكن الخديعة التي تركز الوجود، والبراءة المسحوقة في هذا العالم لا تكفيان لتحديد أزمته ورؤيته العدمية. بل يضاف إليهما علاقته بالآخر. هذه العلاقة التي تأخذ حيزاً كبيراً في السرد. وهنا لا بد من التأكيد أنّ رؤية السّارد العدمية للحياة لا تأتي نتاجاً لتلك التجارب بل أنّ هذه التجارب تأتي لتؤكدها وتجسدها كذلك. ويبدو أنّ علاقة السّارد بالآخر هي سرّ أزمته الحقيقية. ففي النشيد الأوّل يخبرنا السّارد بأنه "مرتبط بالحياة مثل رجل يسير إلى المشنقة" ص 14 فالآخر هو العدو والخصم. والصراع بين الأنا والآخر صراع نفسي. فالآخر يجثم فوق صدره ويخنقه لذا لا بد من التحرر منه بتدميره." وكان كل ما بيني وبين العالم هو الرغبة في قتلي ص 101. وفكر في نفسه "كنت أقصد أنني لست مثلهم، وربما كنت ضدهم. وفي الحقيقة كان يريد أنّ يتحرر من الآخرين" ص 53. وهو يرى أنّ أية علاقة مع الآخر تعني العبودية "لقد كان آدم حراً هو الآخر. فعندما قذف به من الفردوس إلى الأرض بسبب ضعفه تجاه المرأة سقط في الجزيرة العربية أما حواء فقد سقطت في الهند. ورغم أنهما كانا حرين تماماً، كل في مملكته، إلا أنهما كانا حرين تماماً، كل في مملكته، إلا أنهما جاهداً من أجل أنّ يلتقيا مرة أخرى. لقد كانا يسعيان إلى عبوديتهما المشتركة، لكم كانا غبيين يا إلهي!" ص 50 إنّ هذه الفقرة الرمزية تجسد رؤية السّارد للإنسان الذي تهيمن عليه العبودية منذ بدء البشرية بسبب وجود الآخر. كما توحي بإحساسه بالاغتراب الكلي –الكوني. لهذا يبحث السّارد عن طريق للخلاص من هذه العبودية –العلاقة بالآخر. فيجدها في الحرية الفردية المطلقة. ولا شك أنّ كل ذلك يوضح المنهل الفكري للكاتب المتمثل في الفلسفة الوجودية. فسارتر يرى أنّ "الجحيم هو الآخر" وأن "خطيئتي الأصلية هي وجود الآخر" (10) ولكن إذا كان سارتر يمثل اتجاهاً وجودياً يرى "بأن جميع المحاولات التي تبذل للوصول إلى وجود أصيل مع الآخرين هي محاولات محكوم عليها بالفشل" (11) فإن السّارد استطاع أنّ يخوض معركته وحيداً ضد العالم وأن ينتصر!! فقد أفلح أخيراً في اختراع جهاز مميت يحيل كل ما هو حي إلى حجارة. وهو لا يشعر بالبهجة إلا حين ينجح في موت الآخرين: "إنهم يموتون، يموتون نهائياً. قال س الذي يقف أمام جهاز سري في سرداب بيته. -:سيكون العالم غداً أكثر بهجة –مدينة بدون ناس بدون ضجة ومشاريع ومضاجعات" ص45 هنا تتحقق رؤيته العدمية فيصبح وحيداً حراً "ها أنذا حرٌّ أخيراً، دون شرطة أو جلادين، دون أصدقاء، دون زوجة دون أي شيء" ص 50 بل يخبرنا أنه تحرر حتى من الحب "إنني حر بعد كل شيء حر حتى من الحب" ص 67 ولكنه سرعان ما يحس بالفراغ والرعب (انظر في الرواية ص 54 إنّ الكاتب يستند إلى الفلسفة الوجودية ولكنه يأخذ منها ما يريد ويترك مالا يريد فيصبح استقاؤه على طريقة "ويل للمصلين"! فالوجودية تهتم بالصراع بين الأنا والآخر وبالحرية الفردية لكن سارتر نفسه يرى أنّ للحرية طابعاً ينطوي على مفارقة فليس هناك حرية إلا "في موقف" وليس هناك موقف إلا من خلال حرية، فالإنسان –فيما يرى سارتر – "محكوم عليه بأن يكون حراً "باعتباره كذلك" فإنه يحمل على كاهله عبء العالم بأسره "أي أنه مسؤول عن العالم بالمعنى العادي لهذه الكلمة" (12) إنّ الرواية تهتم بعرض الأفكار الوجودية لدرجة أنّ المرء يشعر بأن الكاتب يتوسل بالأحداث والتقنيات الفنية لصياغة هذه الأفكار بطريقة أدبية. ومع حرصه على أنّ ينتمي عمله إلى الفن الروائي أكثر من انتمائه إلى الفلسفة فإن انشغاله بالأفكار الوجودية بدا واضحاً، وليس أدل على ذلك سوى عرضنا لفكرة الوعي الجسماني التي اهتمت بها الفلسفة الوجودية والرواية. 7-علاقة السّارد –بالأنا: كما اهتمت الرواية بالعلاقة بين الأنا –والآخر بشكل ملحوظ فإنها اهتمت بعلاقة الأنا –والأنا بشكل واضح كذلك. السارد يدرك أنّ الحرية المطلقة التي يسعى للوصول إليها لا تتحقق من خلال التحرر من الآخرين فحسب بل لا بد من التحرر من نفسه أيضاً. وإذا كان السرد الروائي قد عبر عن العلاقة الأولى من خلال علاقة السّارد –بالمدينة أو العالم الذي يتم تدميره، فإنه يعبر عن العلاقة الثانية (الأنا –بالأنا) من خلال العلاقة بين السّارد –وجسمه. ويبدو أنّ التحرر الأصيل المطلق يفرض وجود صلة بين العلاقتين. فالفلسفة الوجودية ترى أنّ هناك علاقة متداخلة بين الجسم (الوجود في العالم) والوعي والحرية. بل ترى أنّ الوعي هو دائماً وعي جسماني. وسارتر يرى أنّ "الصراع بين الأنا والآخر يهدف إلى إيقاع الإنسان في جسمه كأنه شرك لا مهرب منه" (13) لذلك كأن رأيه أنّ "الجحيم هو الآخر" فالعلاقة بين حرية الأنا وحرية الآخر تتضمن مجموعة من المحاولات يلجأ إليها الأنا أو الآخر للانتصار على حرية الآخر. ولعل أهم محاولة يتضح فيها معنى التجسد هي محاولة امتلاك الجسد عن طريق الرغبة الجنسية فالرغبة عند سارتر تعني "أنّ يحاول الأنا أنّ يجعل من جسد الآخر شركاً لحريته –حرية الآخر –بحيث تذوب هذه الحرية وتلتصق بجسده كله وبعبارة أخرى هي السعي لإحداث التجسد لذات أخرى" (14) إنّ هذه المعاني والأفكار التي تدور حول التجسد –أو الحب الاستحواذي تحضر في ذهن القارئ حين يقرأ في الرواية: "دخلت صديقتي غرفتي وطلبت مني أنْ أسمح لها بالنوم معي. ليس من اللائق طرد امرأة. قلت لها إنها قد تصاب بالزكام. وكانت تعرف أنني حر بعد كل شيء، حر حتى من الحب. وهكذا جلست تقرأ، أما أنا فقد فكرت في اختراع قصيدة جديدة (ربما كانت هكذا:) الجثة تأكل نفسها وفقاً لقانون تخترعه.. الخ" ص 67 فمثل هذه الحادثة لا ينفع معها إلقاء أضواء المعقول واللا معقول أو أية أضواء أخلاقية لأنها ببساطة محاولة لتطبيق أفكار سارتر الآنفة الذكر. فالسارد يتخذ هذا الموقف لأنه يعي بأن ممارسة الرغبة تقود إلى التجسد –افتقاد الحرية الفردية. لهذا يؤكد بأنه حر بعد كل شيء حر حتى من الحب. فهو يدرك بأن الحب استحواذي ولا بد من رفضه للمحافظة على حرية الأنا. وهو هنا لا يسعى للتحرر من الآخر بل من نفسه أيضاً. لذا نراه يقرر" وشعر أنه لم يتحرر من الناس فقط، وإنما من نفسه أيضاً. وكان مبتهجاً حتى البكاء" ص 54. فالوصول إلى الحرية الحقيقية –الوجود الأصيل –تفرض امتلاك الجسد والنأي به عن الآخر "ولكنه لم يكن ليملك سوى هذا الجسد المهول. الجسد الذي سيكون ملكه لمرة واحدة فقط" ص 40. وإذا كانت تجربة الرغبة تتيح للأنا أنّ يمضي إلى الخارج حيث الالتقاء المحيط بالآخر أو بجسم الآخر، فإن تجربة الألم تحبس الأنا في جسمه "ففي معاناة الألم ينكمش الموجود على ذاته ويترك العالم لينشغل بوجوده الجسماني فقط" (15) وحول هذا المعنى نقرأ في الرواية "كان الأمر يخص جسده وحده وبشكل ما لم يكن منتمياً إلى جسده الخاص. وكان قد اكتشف عن حق إنه أثناء التعذيب الجسدي يصل المرء درجة اليأس حتى من جلده. وفي لحظة قد يشعر أنّ كل صلة بينه وبين جسده قد انتهت. عند ذاك تصبح مهمة الجلاد شاقة جداً" ص 41. ففي تجربة الألم يتم إبدال الجسم بالعالم "لكن ذلك لا يتم بشكل خالص وبسيط فالعالم لا يحتجب ويحل مكانه الجسم دون أنّ يتغير شيء جوهري في وجود الأنا هو إمكان التجاوز. فقبل احتجاب العالم من حيث هو قطب للانتباه يمكن للأنا أنّ يتجاوز ذاته بصفة مستمرة وحين يصبح جسمي موضوع اهتمامي وقلقي فإن إمكانية التجاوز ممتنعة بحيث يسقط الوجود على ذاته" (16) ونقرأ في الرواية" ثم سقطت غائباً عن جسدي. أغلقت عيني. شعرت أنّ مسافة شاسعة تفصل بيني وبين جدار الغرفة التي أنا فيها. الجدار بعيد جداً. إنه البحر. المسافة في جسدي. أصابع رجلي تبعد عني عشرات الأميال. ربما تسعة أميال فقط. ليست كل أجزاء جسمي ملكي. لست مسؤولاً عن تصرفات جسدي. عالمي هو الرأس فقط. وحتى رأسي ليس ملكي الخاص. ثمة رجل آخر يشاركني السكن فيه" ص 66. واضح أنّ الأنا هنا وجودية تدرك علاقة الجسم بالوعي وبالآخر وبالعالم الخارجي وهي تسعى إلى التحرر من الذات وتبحث بدأب عن الماهية والمطلق. 8-الإطار الزماني –المكاني: لكن استمرار الألم بلا أمل أو نهاية يجعل طريق الخلاص مسدوداً. أي يجعل إمكانية الانتقال من لحظة إلى أخرى أو من الحاضر إلى المستقبل مستحيلة. وهذا يعني مراوحة عبر الزمان. فالأزمان الثلاثة تفقد أي تمايز، وهو ما يجعل دائرة الزمن مغلقة مكررة مما يولد إحساساً بالسأم والعبث واللاجدوى. وقد بينت قبل قليل بأن العلاقة بين الأزمان الثلاثة تحيلنا إلى هذه الدائرة المغلقة. ويصبح استخدام فعل الماضي إلى جوار الفعل المضارع لا يولد حركة بمقدار ما يأتي لتأكيد التشابه. لهذا كله يفقد الزمن في الرواية أهم خصائصه –التتابع. ولا يعود هناك فرق في الحديث عن الماضي أو الحاضر أو عن "حاضر الماضي" أو "الماضي المستعاد" إذ يتحجر الزمن ويصبح عندئذ حاجزاً لا يمكن التفاعل معه أو التغلب عليه. وحتى لو نجح السّارد في ذلك فإنه لن ينتقل إلى زمنٍ جديد. لأن تتابع الزمن يؤدي إلى المستقبل –الموت "كان الزمن المستقبل على الأقل شيئاً خطيراً بالنسبة له، الموت في المستقبل" ص 101 فالماضي والحاضر والمستقبل كتلة واحدة لا حياة فيها. والتاريخ جثة هامدة. والزمن مفقود، والسارد كثيراً ما يعبر عن فقدان الزمن "وكانت ساعة البريد المركزي قد توقفت، وفقدت المدينة زمنها. منذ البداية والزمن غير موجود" ص 85 لهذا ينتقل السّارد من استخدام الفعل الماضي في جملة إلى استخدام الفعل المضارع في الجملة التي تليها، وتتنوع الضمائر من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم إلى ضمير المخاطب مع أنّ السّارد واحد وإن اتخذ أسماء متعددة. والقارئ لا يحس من خلال ذلك كله بالتغير فالمواقف ذاتها والشهور لا يتبدل. والكاتب يكثر من استخدام الألفاظ التي تدل على الزمن ولا سيما في عناوين الأناشيد، كما يكثر من استخدام لازمات زمنية (17) لكننا في الحقيقة نتحرك خارج الأزمان الثلاثة مادام القاسم المشترك هو الموت "والناس في الماضي والمستقبل مادام الحاضر مسكوناً بالموت" ص 84 لكن تحجر الزمن وتحويله إلى جثة لا يتم من أجل إبراز المكان وخصائصه كما يفعل روائيون آخرون. أي لا يوظف الزمن هنا في خدمة توأمه المكان. فنحن إزاء موقف لا تاريخي. والإنسان ليس كائناً تاريخياً يتفاعل مع المكان والزمان والبيئة والمؤثرات الأخرى وعلى الرغم من ذكر بغداد مرات متعددة (18) ودجلة وكركوك وبعض الشوارع والمحال المعروفة فإن القارئ يحس بأن الرواية تدور في جو أثيري إنّ لم أقل في تلافيف الدماغ. فكأن المشاهد بمقاطعها وأحداثها وشخوصها وتهويماتها تصاغ وفقاً لحركة الذهن التي لا تعرف الثبات والاستقرار بل تعرف التنقل والقفز والتشعب والتناثر اللامنطقي. وهو ما يذكر بمفهوم البيركامي للعبث "انعدام التوافق أو الانسجام بين حاجة الذهن إلى الترابط المنطقي وبين انعدام المنطق في تركيب العالم، الأمر الذي يكابده الذهن ويعانيه" (19) 9-النسيج اللغوي: يبدو أنّ كتاب هذا النوع من الروايات يهدفون إلى التأثير المباشر في القراء كبديل لفقدان المنطق والترابط. وهذه المهمة تتطلب لغة كثيفة ذات قدرات إيحائية متنوعة. ولا شكك بأن لغة الرواية قد تحملت العبء الأكبر لتحقيق تلك المهمة. وهي لغة تتصف بالتوتر والكثافة الشعرية والإيقاع السريع وهي مليئة بالصور والرموز والتوازيات والتهويمات أيضاً. فمثل هذا النوع من الروايات التي تسعى إلى عدم الترابط وفقدان المنطق وتداخل الأفعال والشخصيات والأزمنة، لا تستطيع أنّ تحتفظ باهتمام القارئ وجذبه على متابعتها إلا من خلال الطاقة الإيحائية للغة والإكثار من الصور والإيقاع السريع. ويلاحظ أنّ الكاتب يستخدم أسلوبين لإحداث إيقاع سريع: يتمثل الأول في استخدام الجمل القصيرة اللاهثة وإن تكن الصورة هنا عبثية: "كان غاضباً لأنهم شنقوه. لم يكن معروفاً تماماً. جسد لدن يتدلى، يتدلى بحرية. الريح تمس شعره. والحزن يملأ وجهه الملائكي. حدق في فتاة تسير في الشارع. ابتسمت. اقترب منها. مدّ يده اليسرى إلى وجهها. عانقته. ابتسم. صفعته........" ص 33 ويتمثل الثاني في استخدام الصور المتضافرة حيث يستخدم الكلمة الأخيرة في الجملة الأولى في بداية الجملة التالية: "الأشجار تضيء في الصباحات العذبة ويملأ عطرها السماء. السماء منسولة بالغيوم. الغيوم قادمة من الجبهة. الجبهة مليئة بالأعداء. الأعداء ليسوا إخوة. الإخوة أعداء في جبهات السلام. السلام ليس كلمة تقال في الحرب. الحرب في داخلي....." ص74 ويلاحظ هنا أنّ الصّور على تضافرها لا تدفع ببعضها البعض لتولد حركة إلى الأمام انسجاماً مع تحجر الزمن. كما يلحظ المرء انعدام استخدام أدوات الربط اللغوية انسجاماً مع التفكك. ولا شك أنّ العبث والتمرد كقيمتين أساسيتين تسعى الرواية إلى تجسيدهما تنعكسان على النسيج اللغوي للرواية فنلحظ –إضافة إلى ما تقدم –تمرداً على الصياغة المألوفة للجملة باستخدام عبارات غامضة غير مألوفة: "قواد نظيف يقف بصمت وأدب" "وكنت أسقط في الشعر" "وكان غاضباً لأنهم شنقوه" "أحس بأنه مريض. مريض حتى الحرية" "فجأة سقط في نفسه" "ورأى عصفوراً قبيحاً يحلق من غصن إلى آخر" (20). ويصل التمرد قمته حين تميل لغة الرواية نحو تهويمات سريالية غير مفهومة وغير مستساغة كذلك. ولعل أسطع مثال على ذلك، المقطع الذي أنقله كما جاء في الرواية تحت عنوان فرعي: "مرثية عقل مضطرب –اختلاط الشبح بالديناصور:" بدون سبق للإصرار إزاء الثلوج ختم كل أفعاله أخيراً: الموت تلو الآخر. أولئك فيزياوي ونقفل هذا التاريخ البائس يؤلف الجسد في :السرطانات في الدهاليز الزجاجية. عن الثورة بالتهريج الصّادم... الخ" ص 64 و65 ومما أسهم في إنقاذ البناء الروائي وارتقى به الإيحاءات الثرة والرموز المتنوعة وقد وظف الكاتب أحياناً في سبيل إحداث توازيات جميلة: "وفي مدينة بغداد، حيث يستقر الموتى هادئين، صامتين، رأى س الذي يلقب بالديناصور أحياناً، غاليلو جاثياً أمام محكمة التفتيش ذات الوجه الأبوي السماوي يدلي باعترافاته عن الأحزاب التي عمل داخل صفوفها –أنا غاليلو، وفي السبعين من عمري، سجين جاث على ركبتي، وبحضور فخامتك وأمامي الكتاب المقدس الذي ألمسه الآن بيدي أعلن أني لا أشايع وأحتقر من يقول بأن الأرض تدور. ضحك الديناصور: "إنهم هكذا دائماً" ص 63 10-خاتمة الرواية: التجربة التي يجسدها هذا الشكل الروائي الجديد تتصف بالغموض والعبث واللامنطق تعبيراً عن غموض الحياة وعبثيتها ولا معقوليتها. وهي تشدد على الحرية الفردية المطلقة مستندة إلى مفاهيم الفلسفة الوجودية كما تقدم. ولا شك أنّ الكاتب حرّ فيما يختار من مفاهيم وتقنيات. وهو حرّ في المنابع الفكرية والفنية التي ينهل منها. ولكن يبقى سؤال لا بد من طرحه وهو أين يقف الكاتب هل يتعاطف مع هذه التجربة أم يصوغها بهدف تعريتها.؟ هذا السؤال قد يرفضه البعض كما يعتبره بعض آخر من إشكاليات النقد المعاصر الذي بدأ ينحو في الآونة الأخيرة إلى إغفال أثر للكاتب وموقعه وثقافته وحتى رؤيته!!. لكن هذا السؤال يبدو ضرورياً لأنه نتاج قراءة داخلية للرواية أولاً وبسبب الخاتمة ثانياً.. فبعد السياق الروائي كله يفاجأ القارئ في الصفحة الأخيرة من الرواية بسارد جديد ينحدر من السّارد المهيمن على سياق الرواية. بل ويناقضه في ملامحه وتصوراته، فالسارد الجديد يقف على أرض بشرية وينضم للفقراء ويؤمن بتواصل الأزمنة كما يؤمن بالتاريخ وضحاياه بل يريد أنّ يصنع تاريخاً جديداً. إذ تنتهي الرواية بهذه الأسطر: "لم يفكر الشبح في شيء لأنه لم يكن موجوداً هذه المرة. كان قد انحدر منه رجل جديد انضم إلى الزاحفين الفقراء، لا يعرف شيئاً عن معادلة (20 –m) والأكثر من ذلك أنه لم يعد يذكر شيئاً عن الديناصور سوى أنه كان تاريخاً. كان يريد أنّ يصنع تاريخاً جديداً، ولكي يصنع ذلك كان عليه أنّ يكون هناك، مع كل ضحايا التاريخ، والثوار وفقراء الأرض وبينهم أيضاً. ورأى أنه يرى لأول مرة في حياته الأزمنة تتصل مع بعضها الآخر. وعندما ذهب ليلقي نظرة أخيرة على شبحه، كان الشبح قد اختفى تماماً كما لو أنه لم يكن موجوداً، كان مجرد وهم اختلقه مؤلف هذه الرواية بشكل اعتباطي لتسلية القراء. صباح الخير، سيداتي.. سادتي، أم ترى ينبغي أنّ أقول مساء الخير "ص 108 إنّ هذه الخاتمة التي تلخص الملامح العامة لتصورات السّارد الجديد ومواقف لا تأتي نتيجة طبيعية للسياق الروائي. لذلك قلت سابقاً أنّ خاتمة الرواية مقحمة. فمن حق القارئ هنا أنّ يتسائل من أين جاءت هذه التغيرات الجذرية؟ وكيف؟ ولماذا؟ وأحسب أنّ الكاتب بهذه الخاتمة المفتعلة يريد أنّ يوحي بأنه يهدف إلى تعرية (الشبح) أو إلى تصوير العبث كمرحلة للبناء. لكن السياق الروائي برمته يؤكد عكس ذلك. وأظن أنّ هذه الخاتمة المقحمة قد جاءت بتأثير النقد الذي وجه النص الأول الصادر عام 1969، وإذا صح هذا فإن القضية تؤكد خطورة النقد وأهميته وأثره في مسار الأعمال الأدبية وتشكيلها كما تقدم. 11-كلمة أخيرة: الطريقة التي استخدمها في معالجة هذه الرواية فرضتها طبيعة النص المدروس. وقد حاولت –قدر الإمكان –أنّ أجعل هذه المنهجية مرنة بحيث تراعي منطق النص لا منطوقه. وأحسب أنّ النقد –في التحليل الأخير –وصف وتفسير وحكم في آنّ واحد. لذا يمكن القول أنّ من مهام النقد أنّ يبين مدى تلاحم المضمون والشكل، وأن يوضح العلاقة بين النص والقارئ من خلال الانطباع الذي يولده النص في القارئ خلال القراءة وبعدها. وضمن هذه المستويات يتضح من الصفحات السابقة أنّ هناك درجة كبيرة من تلاحم المضمون والشكل. فالشكل الروائي يفتقد إلى الترابط المنطقي لتأكيد عبثية الحياة. فالحياة تبدو في الرواية قوانين أو أية روابط ولعل الانصاف يقتضي القول بأنه إذا كان الكاتب يهدف إلى تغييب الواقع وإبعادنا عنه فقد حقق قدراً كبيراً من النجاح. فالصياغة الشعرية والنشر الموحي والصور المكدسة ولحظات التأمل الموضوعي تبعدنا عن الواقع وأحداثه فنعيش في ظلال اللغة الشعرية. والرواية لا تدعونا للحياة من خلال العبث والمآسي المتصلة بل تطمح إلى تدمير العالم. ولا شك أنّ رؤية الرواية تتصف بالتطرف والمغالاة والمبالغة. فالعالم الذي يتصف بالعبث لا يتم تدميره من أجل خلق عالم جديد بل من أجل نيل الحرية الفردية المطلقة. وهذا التدمير لا يأتي نتيجة طبيعية لصراع مرير أو تناقضات حادة. لذلك بدا خارجياً سطحياً غير مقنع حتى على المستوى الرمزي. لأن الحياة التي يعيشها السّارد لا تشبه أية حياة بشرية أخرى. فهو يفتقر إلى أية صفة إنسانية معروفة. وهو قاس شرير يدمر العالم دون أي إحساس بالذنب بل لا يشعر بالبهجة إلا عند رؤية الجثث ويقع الدم والأنصاب. فهو مصاب بجفاف إنساني شديد. كما بدا أنّ ما يحرك في حالات الابتهاج والألم تصورات ومفاهيم سابقة ليست مستمدة من تجارب الحياة. والشخصيات الأخرى في الرواية مجرد أسماء ورموز وبالتالي فإن القارئ لا يعرفها ولا يتعرف عليها لهذا لا يحس بأية صلة بينه وبين أية شخصية أخرى. فالرواية تبدو خليطاً مفككاً من الإيحاءات والصور الفلسفية –إنّ صح التعبير –والكاتب بدا منشغلاً بلغة الفلسفة أكثر من انشغاله بلغة الفن. لذلك يمكن القول بأن الرواية وإن نجت من ثنائية المضمون والشكل فإنها قد عانت من ثنائية أخرى هي ثنائية المستوى الفلسفي والمستوى الفني الروائي. ولا بد من التأكيد هنا بأنه لا اعتراض على العبث كموضوع ولكن الاعتراض قد ينصب على الطريقة التي صيغ فيها وقدم بها. ولعلها المسؤولة عن صعوبة تذوق هذه الرواية التي بدت رواية متعبة صادقة للقارئ فهو لا يتابعها إلا إذا كان مهتماً بالمادة الفنية وهو اهتمام يأتي من خارج الرواية، فهي تقوم بعملية قسر لوجدان القارئ على معايشة تجارب غير مفهومة وغير أساسية، وهي لا تكتفي بذلك إذ كأنها تطالبه بتقبل تفسير فلسفي للحياة قد لا يتقبله إذا ما صيغ بلغة عادية غير أدبية. وقد يعترض المؤلف وأنصاره على مثل هذا الكلام بقولهم أنّ الرواية لا تهدف إلا إلى إثارة القراء فحسب وأنها لا تطمح في أنّ تحظى بتأييد لأفكارها. وعند هذا الحد فإن هذا لا يعني أنها فشلت بل حققت هدفها المتمثل في كونها فرصة للحوار، حول النص –مع القارئ. لكن المشكلة تبقى في أنّ القارئ قد لا يعذر ومن حقه أنْ يعترض هو الآخر قائلاً بأنه إذا كان صحيحاً أنّ البيئة العربية على درجة كبيرة من الفوضى والارتباك والتأزم فإن الصحيح أيضاً أنّ التمرد المطلق قد يؤدي إلى تثبيت الواقع لا إلى تغييره. وعلى الصعيد الأدبي فإن التمرد المطلق على المعايير الجمالية المحلية قد يدفع المرء دفعاً إلى محاكاة أشكال أدبية أخرى ظهرت في سياق أدبي واجتماعي مغاير. وهو أمر قد لا يسهم في تحديث بنية روائية تخطت مرحلة الطفولة. فالكاتب ينهل من تيار الرواية الشيئية –أو تيار اللارواية –وهو تيار روائي ظهر كحلقة من حلقات تطور الرواية الفرنسية. والرواية الشيئية في جوهرها انعكاس لتشيؤ الإنسان وتوثيق السلعة (21) فالتقدم العلمي والتكنولوجي الهائل حول الإنسان إلى رقم. ومن هنا فإن محاكاة هذه الأعمال الروائية ونقلها إلى بلاد تشكو من فقدان التصنيع (لا التكنولوجيا) تتضمن مخاطر فنية وفكرية. ولعله من المفيد أنّ نذكر بأن تيار الرواية الشيئية يعد امتداداً فنياً للفلسفة الوجودية، وقد بينت سابقاً تأثر الكاتب بالفلاسفة الوجوديين من أمثال كير كيجور وسارتر وكامي وأندريه بريتون. والكاتب يعترف صراحة في النص الأول بأنه مدين لأندريه بريتون "بأكثر من عاطفة وأوسع من درب" (22) أما تأثره بسارتر وكامي فيبدو مبتوراً. فالتمرد الوجودي يسهى –في التحليل الأخير –إلى إبراز ما هو بشري، وهو بهذا يعمل على تأكيد الوجود البشري لا تدميره. أما الوجود الفردي المطلق فهو أمر غير ممكن ويصعب أنّ نصفه بالوجود البشري. وحتى حين تدعو الوجودية إلى الانسحاب من المجتمع فإنها ترى أنّ ذلك يمثل الخطوة الأولى في سبيل التحرر الذي يتيح للفرد تكوين علاقة حقيقية أصيلة مع الآخرين (23) وليس مهماً هنا أنْ نناقش إمكانية نجاح الفرد أو فشله في ذلك. وحتى سارتر فإنه يرى _إضافة إلى ما تقدم –أنّ وجود الآخر دليل وجود الأنا. وهو حين يتحدث عن "استقلال الاختيار" فإنه يرى أنّ الحرية والمسؤولية وجهان لعملة واحدة. (24) أما ألبير كامي الذي ينعت عادة بفيلسوف العبث والذي يبدو تأثر الكاتب به واضحاً –ولا سيما في رواية الغريب –فإنه يشير ويؤكد بأن "العبث ما هو إلا علاقة، علاقة انعدام التوافق بين الفرد من ناحية، وبين العالم من ناحية أخرى. فليس العبث شيئاً قائماً بذاته. بل هو تقابل شيئين آخرين غير العبث نفسه.. هما الوجود من ناحية والعقل الفردي من ناحية أخرى. ويترتب على القول بأن العبث ما هو إلا علاقة بين العقل الذي يعيش التجربة ويكابدها، باعتبارها شطراً من الشطرين اللذين تقوم عليهما العلاقة، يترتب على ذلك أنه لا يمكن تصوير العبث على أنه شيء كلي مطلق" (25) وعلى أية حال فإن رواية العزاوي تجسد لوناً من الاحتجاج والتمرد العنيف على وضع الإنسان المتردي، كما تحمل بين أعطافها نزوعاً نحو التجديد، ولهذين السببين كان اهتمامي بها. رغم أنّ ذلك النزوع يسقط أسير رؤية عدمية. وقد بينت في أكثر من موضوع بأن الكاتب قد حاول أنّ يحور ويعدل من النص الأول في محاولة للاقتراب من حركة الواقع الذي يرفضه بعنف. وهذه علاقة مضيئة في مساره الفني. وقد دل مساره الفني [مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة –القلعة الخامسة (16) –الديناصور] أنه يمتلك قدرات وملكات فنية كبيرة نأمل أنّ يوظفها لتجسيد رؤى مرئية وهو ما سيكون له أثره الإيجابي في تجديد بنية الرواية العربية. الهوامش: (1)-انظر تفصيل ذلك في "نجيب محفوظ؛ الرؤية والأداة": /عبد المحسن بدر القاهرة، دار الثقافة للطباعة، ج1 1978 ص 22 وما بعدها. (2)-وقفت عند هذه الظاهرة بتفصيل في دراسة مستقلة. (3)-أنوه بأنني لست ممن يؤمنون بفكرة "استيراد" فن الرواية من الغرب ولست ممن يتباهون بالذات من خلال تأكيد وجود أنواع أدبية حديثة في تراثنا الأدبي ولا يعني هذا للحظة إنكار أثر الغرب أو أثر التراث في مسار الأدب العربي الحديث برمته. (4)-قد يتوهم أنصار الشكل الخالص أنّ العبارة الأخيرة مضمونية خالصة. (5)-الديناصور الأخير؛ قصيدة –رواية: فاضل العزاوي، بيروت، دار ابن خلدون ط1 أبريل 1980 (108) صفحات من القطع الصغير. (6)-معروف أنّ الكلاسيكية تدعو إلى صفاء النوع الأدبي ولهذا من الممكن ربط التمرد على الحدود الواضحة والدعوة إلى تمازج الأنواع الأدبية بدعوات المساواة والديمقراطية. وهذا حكم يحتاج إلى تفصيل. (7)-يذكر الغلاف بأنها الطبعة الأولى لكن ذلك قد يكون بفعل الناشر لتحقيق هدف تجاري. (8)-الموت في الفكر الغربي: جاك شورون، ت كامل يوسف حسين، سلسلة عالم المعرفة، الكويت عدد 76 أبريل 1984 ص 267. (9)-المرجع نفسه: ص 237 وما بعدها. (10)-الوجودية: جون ماكوري، ت د. إمام عبد الفتاح إمام، سلسلة عالم المعرفة، الكويت عدد 58 أكتوبر 1982 ص 164، وانظر كذلك في "فكرة الجسم في الفلسفة الوجودية" د. حبيب الشاروني القاهرة ط2 1984 ص 133. (11)-الوجودية: ص 179. (12)-الموت في الفكر الغربي: ص 266. (13)-فكرة الجسم في الفلسفة الوجودية: ص 133. (14)-المرجع نفسه: ص 170. (15)-المرجع نفسه: ص 168. (16)-المرجع نفسه: ص 168 أيضاً. (17)-انظر في الرواية: ص 56، 78، 80. انظر في الرواية: ص 29، 37، 55، 63، 66، 67. (19)-البيركامي؛ وأدب التمرد: جون كروكشانك، ت جلال العشري، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1986 ص 78. (20)-انظر في الرواية: ص 14 /23/ 35/ 40/ 61. (21)-الرواية الجديدة والواقع: لوسيان جولدمان، ت بدر الدين عرودكي، المعرفة الدمشقية عدد 167 ص 70 وما بعدها. (22)-مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة: رواية فاضل العزاوي، بغداد، دار الكلمة ط1 1969 ص 50. (23)-الوجودية: مرجع سابق انظر صفحات 176، 177، 179. (24)-الموت في الفكر العربي: مرجع سابق انظر ص 266، 268. (25)-ألبيركامي؛ وأدب التمرد: مرجع سابق ص 61. (26)-القلعة الخامسة: رواية فاضل العزاوي، دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب 1972. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |