مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 291 تموز 1995
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

قراءة في قصيدة "كتاب الأرض" ـــ دراسة: صالح محمود سلمان

بدايةً، أودُّ أن أشيرَ إلى أنَّني لست ناقداً، ولكَّني أرى في نفسي قارئاً متذوّقاً، ولذا فإنَّ ما سأقوله عبارة عن انطباع تشكَّلَ لديَّ من خلال قراءتي للقصيدة، فهو ليس نقداً لها أو دراسة وفق أيَّ منهج من المناهج النقديَّة. بل هو، كما أشرت، انطباع ومحاولة للدّخول إلى حجرات القصيدة بهدف إضاءتها، بما لديّ من وسائل إضاءة، متمنياً أن أكون قد قدّمت شيئاً مفيداً.‏

"كتاب الأرض" قصيدة للشاعر "أحمد يوسف داود"، منشورة ضمن مجموعة شعرية حملت اسم "أربعون الرماد"، صادرة عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق سنة 1989. والقصيدة مكتوبة ما بين عاميّ 1980 و1987، أي ضمن مرحلة شهدت إرهاصات التغيرات الدولية، وبخاصة على الصعيد العربي غزو لبنان وسقوط عاصمة الثقافة العربية "بيروت"، وما خلّفه ذلك كله من نتائج مدمّرة على نفسية الإنسان العربي عموماً، والمثقفين على وجه الخصوص.‏

وشاعرنا مشدود الوتر، مرهف الإحساس، استجابته سريعة، وردّ فعله مبدع.‏

القصيدة مؤلّفة من عدد كبير من المقاطع المتواشجة المترابطة حيث إنَّ كل مقطع يسلِّم الراية للذي يليه، والراية هنا هي: الأحبة/ القضيّة/ الأرض/ الأمة/، وقلب الشاعر معلق على هذه الراية ، فحين توشك على السقوط يتشبث بالحلم الذي بدوره يتحطم، فيلجأ إلى حلم آخر، وهمّه ألا تسقط، حتى تصل إلى آخر القصيدة سالمة، غير أنها موشاة بالدماء والصبايا (اللواتي هنَّ رمز الخصوبة وتجدّد الحياة) والورود والأحلام.‏

إنه هنا، أي الشاعر، يقوم بدوره على الوجه الأكمل، "يكتشف عكر العالم"، ولذا يبحث عن عالم بديل ولو في الحلم،" وهو أضعف الإيمان؟. هذا العالم "الحلمي" هو ما يريده الشاعر أن يكون، أي هو ينبثق من الحلم".‏

وكي لا نستبق "أحداث" القصيدة، سنعمد الآن إلى السير وفق مسيرتها، ملمحين تارة إلى أفكارها، متوقفين تارة أخرى عند بعضها.‏

تبدأ القصيدة بأداة النفي "لم" /لم يكن موعداً للأحبة هذا المساء/ وكأن الشاعر يريد أن ينفي (من موقع الرفض) كلَّ ما هو قائم من زيف وتخريب، مما جعل الوقت غير ملائم، بالنسبة له على الأقل، لقدوم "الأحبّة" فالوقت مطر، وأيّ مطر هذا الذي يجعل قدوم الأحبة في غير موعده؟!، وكذلك الأفق ضيق والنفس أيضاً تعاني من الضيق حيث لا غناء ولا إنشاد، بل النحيب يملأ الجهات التي توزعّتهم، وبالتالي ضيّعتهم جميعاً.‏

لقد فوجئ بهم تماماً، حيث أنه لم يستطع أن يجهّز لهمْ وهم البذور المضيئة، آفاقاً رحبة ينشرون فيها ضياءهم، كذلك لم يجهّز لهم الدروب، والعتمة تملأ الكون والنفس معاً، أمَّا هم، فيلحّون على روحه مصرّين على القدوم، هو يريدهم أن يأتوا، أليسوا الأحبة؟!. ولكنه غير مهيّأ لاستقبالهم، لما هو فيه من ألم وضيق جعلا روحه تقرأ فيهم. "مصحفاً من دماء".‏

في المقطع الثالث، يخاطب قلبه ويأمره بأن يتوقف قليلاً عن وثباته وجموحه، علّه يستعيد أنفاسه، كي يقدر على تجميع أحبّته /عاشقاً عاشقاً من جهات الروى/. ولكن، لم يريدُ أن يجمّعهم؟‏

ألكي يسامرهم، أم لكي يحتفل بهم؟ وهو الذي فوجئ بهم في المقطعين السابقين!.‏

لقد انتبه من حالته، ووضح الطريق أمامه، فلكي /يعيدَ الحكايةَ من صمتها، والنبوَّة من موتها /لا بدَّ من أن يكونوا معه يعضدونه، وهذا يعني أنه يريد أن يعيد الخلق من جديد، الخلق الذي سيكون أفضل، لذا /سلامٌ له/ بل سلامٌ لهذا المساء الذي يشهده، ولكن..‏

في المقطع الرابع، يعلن أنه في خضم من الحزن، ولا بدَّ من الإيغال فيه، منطلقاً من أنَّ هذا الحزن هو الأساس الذي يرتكز عليه للانطلاق إلى هدفه.‏

سوف يوغل فيه إيغال الطيور المهجّرة المشتتة في الاتجاهات كافة باحثة عن مأمن، بل إيغال الروح في النكبات أو حتى في قلب الموت لكي تجد نطفة الحياة. أجل، سيوغل، ومعه قلب المفعم بالحبّ، "ومن الحب ما قتل"، ويظهر أمامه في إيغاله بحر من الأسئلة والتساؤلات؛ ماذا جنيت حتى الآن؟‏

والعمر ينسربُ كالرمل من بين الأصابع، والأمور اختلطت عليه، حتى لكأنه هو السبب في كل ما جرى ويجري، ولكن لا وقت لذلك الآن، فالوقت أوشك أن يتفتق عن معجزةٍ ما، وقد ابتدأت الحكاية وانتهى الأمر.‏

هو ذا يجمِّع تفاصيل حكايات الأحبة المرّة، ويعرضها على شاشة الذاكرة والحلم، فيظهر نجم حسنهم ويبدّد الظلمة، "والنجم علامة خلاص ونجاة هنا"، تحركهم النار القدسية باتجاه الاحتراق اللذيذ، غير أنَّ مطراً ما، يمحوهم من صفحات الزمن، فيعاند المطرَ، ويعيد إعلانهم بل تكوينهم من نار وماء، إنه موغل الآن في خلقه الجديد، وفي إعادة تكوين الحكايات /الحياة من البداية، ليس كما كانت، بل كما يجب أن تكون، وسيجيء، لا بدَّ، هذا الذي ينتظره، فها هو يسمع صوت إيقاع قدومه، ولكن /من أين ينبثق الآن هذا النداء؟ /هذا ما يجب أن يعرفه.‏

المقطع الخامس: هي احتمالات نار الخلق والتكوين، ضمن حالة احتمالات الحكاية ذاتها، التي هم /الأحبة محورها.‏

"يسرد" الشاعر ما الذي حدث لهم:‏

/مطر يغسل الوقتَ منهم‏

وضاق الكلام بهم‏

مات عنهم‏

وأبواب تلك البيوت التي عرفتهم تموتُ‏

تموت مقاعد عدَّت غناءَ أصابعهم‏

وتموت كؤوس رموا نشوة الخلق فيها‏

وذاقت أساطيرهم‏

كل أسطورةٍ وطنٌ يستحمّ بشمس مبكرةٍ‏

ملءَ أحزانهم"‏

كلّ شيءٍ تكسَّر عنهم، إنه الموتُ المحدقُ بهم وبآثارهم، وطالما الوقت، وقت الشاعر، حزين فهو مظلم، موتٌ وظلام، وفي هذا الجو الجنائزي، يجمِّع الشاعر بجهد وإصرار حطام هذه الأشياء جميعها، ليعيد صهرها من جديد بنار الخلق المتوقدة أبداً، ولو حجبتها غلالات الحزن أحياناً، ويعلن بدء تكوين جديد. إنها المجازفة لا شك. يجازف ويكوِّن غمراً، فوق الغمر ترفّ روح من خلقه هو "وهنا تدخل الأسطورة رمزاً له مدلوله، حيث يتبنى الشاعر المعايير الشخصية الأسطورية، بل يتوحد بها في أهدافها التي يرغب في تحقيقها، وهي هنا الخلق الجديد".‏

ويطلق كلمته: أيها الكون الجديد كن، ولكن، لا شيء، قبض الريح، فالصراخ لا يجدي فتيلاً. إنه يجرِّب حلمه وحيداً، وهنا تكمن المأساة، فكل شيء تخلى عنه في هذه اللحظة الحاسمة، إنه وحيد وحيد، بل مفجوع تماماً، لأنه ما حسبه غمراً لم يكن إلاَّ دماءً مسفوحة.‏

المقطع السادس: يطرح السؤال التالي، بعد كل ما جرى: ما العمل؟!‏

هل نرودُ مدائن لم نأتها بعدُ؟‏

أم نتسلى بأعمارنا صبوةً صبوةً‏

وحريقاً حريقاً؟.‏

ويقررُ: كل ما نراه من محاولات للخروج من هذه المتاهات الحلزونية، وكل هذه الطرق التي نسلكها، والوسائل التي نعتمدها، لا تعدو كونها مهالك محتمة، إنها خبطٍ عشواءٍ. دون دليل أو منهج، وهنا يتوهج الاندماج بين العام والخاص توهجاً رائعاً، وذلك الكشفُ عن حقيقة الواقع الذي نشهد، والعمر الذي نمضيه،،. والشاعر هنا، يضع يده على الجرح كما يقال، قائلاً: هنا يكمن الداء، ولا بدَّ من القضاء عليه، ولكن كيف؟‏

بالمجازفة، بلى ومن جديد، هذا ما يقوله المقطع السابع، المجازفة من بوابة الحلم والرؤى الواضحة، التي يتجلى فيها تراث الأحبة من أفكار كالمدائن التي بنيت بهم لبنة لبنة، هو ذا يطلق في أفقها أقماره لتستوي مدناً ناجزة في أحسن تقويم، فيقفز كأرخميدس: وجدتها وجدتها، وتمتلئ روحه غبطة وحبوراً ليصل إلى حدود قوله: سلام لك أيتها المدن، وتمتد يده ببذار الحياة إليها، غير أن "الريح" رمز الخراب والدمار (القمع والتسلط والظلم) تمانعٍ، فيصّر على المضيّ في محاولته /مجازفته، غناءً ولغة جديدة، لغةً /فعلاً بديلاً عما هو قائم من مهالك، ولكنه يُسقط في يده، حيث يرى كل شيء يتبرأ من جماله، لأن جماله يجلب عليه المصائب، فها هي نرجسة تتبرأ من حسنها وفتنتها، والبلابل تلقي بألوانها الزاهية، والأشجار تتخلص من خضرتها وهي ترتعد، والغزلان من أسمائها الحسنى، وفي المقابل، هناك الآلاف ممن يدّعون ما ليس فيهم، فها هو يبصُر:‏

ظلَّ مرقعةٍ يرتدي بشراً‏

شمعةً فصِّلت قمراً،‏

لا بد إذن أنه يوم القيامة، فها هما الملكان /المحققان يستجوبان الشاعر:‏

-تلك نارُكَ؟‏

=ناري .... بلى...‏

النار مملكة من صهيل على صهوة الروح‏

إنه غير مستعد للتبرُّؤ منها، من أفكاره ورؤاه، وهو متلبس تماماً غير آبهٍ بشيء، إنه "بروميثيوس" هذا العصر، وليكن ما يكون.‏

ومرِّة أخرى يفاجأ بالزمن الجنازي، الصرخات والفجائع تملأ الكون، فيكتشف أنه ما زال في حلم، لأن "الريح" ما تزال أقوى، وما زال الأفق ضيقاً. ويقرر: لم يحن الوقت بعد:‏

"فما زال وقتي بعيدا‏

وما زال قلبي وحيدا‏

والجهات التي ضيّعتنا تسيلُ‏

بصمت على مغرب من بكاء"‏

المقطع الثامن: إنه السندباد إذن، لكنه سندباد جديدٍ، يعرف ما يريد، وما يريده ليس سهلاً أبداً. يعبر المدن واحدة فواحدة باحثاً عن ضالته التي يعرفها تماماً، ولكن دون جدوى، حتى الآن على الأقل، فالذي يطلبه، يظن أنه يكمن في مدينة جديدة /حلم جديد، لذا لا بد من رحلة أخرى.‏

ويدخل مدينة العشق، وكيف لا؟! فهو يمتلك مستلزماتها كلها، فماً للقبل والغناء، صدراً دافئاً وحنوناً، يداً تفرش الدروب وروداً ورياحين، وشبابيك توزع القبل والمواعيد، وأعياداً وأعراساً، وأمسيات يحنو فيها القمر على العشاق، فتزهر المواعيد، وتتألق الأسرار، يداً تتابع نثر خلقها قُبلاً وعاشقاتٍ، سلاماً وشباباً دائماً، مطلقة في الأرض الماء /سر الحياة/ فتنتشي، لتشكل الطيور كرنفالاتها، وترقص الشمس في عرشها، بينما يرفرف الفرح بأجنحة من عطور.‏

وضمن هذا التصاعد الحلمي الرائع، تتفتح النشوة في النفس وتجعلنا نحس بشيء من الراحة إزاء الخلاص من الكابوس الذي وضعنا فيه من قبل.‏

وفجأةً.. ومرة أخرى، ينكسر الحلم:‏

"زرعٌ على حجر‏

والحصاد الهواء"‏

فهل كل هذا وهم بهم؟! وهل يتعب المغني؟! لنرَ...‏

المقطع التاسع: لم يعد هناك غمر حقيقي بعد الذي حصل، بل زبد، "والزبد يذهب جفاءً"، ورائحة الحزن تملأ المكان، بل تشكل غمراً آخر مزيفاً، إنها الريح مرة أخرى. تشكل غمراً من قبائل هالكة في جهلها وتخلفها وإذعانها، ومن عصافير للذبح وليست للغناء. كل شيء في هذا الغمر متكسرٍ كالخزف، مزيف، فلا أسطورة الخلق في تألقها، لقد انطفأت فغدت وهماً، والتباكي يملأ الأفق، بينما الادعاءات الكاذبة تفوح من أولئك المزيفين المتباكين على "الأحبّة" حيث يعدّدون مراثيهم وذكريات هواهم ومقاعدهم ومشاهدهم وآمالهم وآلامهم، فيلتهب الشاعر، وتتملكه النار الجامحة، ليطلق صرخة من جديد بصورة أقوى وأشد مرارة وأسى:‏

"سدىً صرخة الخلق في ذلك الموت‏

زرعٌ على حجر‏

والحصاد الهواء"‏

إنه العقوق والجحودُ معاً، بل وقتل الأحبة من جديد، فهل يصمت الشاعر أو يرضخ ويستسلم؟.. بالطبع لا. هو ذا يعيدُ الكرة من جديد، فيحاول تفسير واستيضاح عاطفته، المتأججة، والتي قد تكون سبباً فيما هو فيه، كما يحاول تفسير حكايات الأحبة إنه يدخل في ملكوت العقل حاملاً عاطفته، ينشد "كأورفيوس" فتشاركه نشيده القبرات حتى يصل صدى إنشاده الحزين إلى الملكوت الأعلى حيث القدرة الكونية الخالقة تتجلى عياناً له، وهي:‏

"تنثال في ظلمة الصوت لؤلؤةً من بكاء"‏

فأية مرارة هذه التي تؤدي إلى ذلك؟!.‏

في المقطع العاشر، يكتشف أنَّ مدينة العشق كغيرها من المدن الأولى التي مر بها، بل كوَّنها، فما الذي حدث إذن؟ فتعال يا أيها العشق العظيم، وأنت أيضاً أيها القلب الحزين، تعال، كي نتذكر، فعلى ما يبدو لم يبق لنا سوى الذكريات، فالواقع العياني انحدر حتى غدا ليس لنا، تعالا ندخل ملكوت الذكريات، حيث الصبايا المزركشات عرائس شهية، والفرح الذي يقذف الحياة في أوردة المدن فتنتعش وتحرّك. حيث ضحكات الورود على جنبات الشوارع والأرصفة التي مشينا عليها حتى صارت تعرف وقع خطواتنا، أجل، لنتذكر خارجين من ظلمات الواقع الحاضر المرّ، فهناك على تلك النافذة، ما زال صدى السمر معرشاً في الهواء. أما الطفولة فكنز من المناغاة، تكرج مبتهجة تحت أشعة الشمس الوديعة، بينما الحساسين تتقافز فوق الأغصان الوارفة، والعشق ينبض في كل نغمة من أصواتها، والنسائم الطرية تتشاقى مداعبة الجدائل على أنغام المواويل التي تبوح "بصلاة العشق تحمل نسغ الخليقة".‏

إنه عُرس الطبيعة /الأرض الأمّ قبل أن تلوثها يدُ الريح/ الخراب، وتتوقف الذاكرة عند حدود الواقع لينطفئ، كل شيء فجأة ودون أدنى صرخة أو صهيل روح، ليزداد في المقابل، أوار الحريق في نفس الشاعر وروحه، حتى بات يرى الزمن كله حرائق متوالية.‏

المقطع الحادي عشر: يعود الشاعر في هذا المقطع، وبعد العناء المرّ الذي كابده، ليتوقف مفكراً متسائلاً:‏

"كيف أحل الحكاية من صمتها‏

وأقيم النبوَّة من موتها؟!"‏

إنه يريد أن يعيد الخلق من جديد مرة أخرى، إذن ليلم الأحبّة عاشقاً عاشقاً من جهات الردى، /هو الإصرار على الاحتفاظ بهم أحياء ينبضون كما كانوا، بل أكثر قدرة على الحياة، كيلا تبقى وحيداً، فهو من دونهم لا حول له ولا قوة/ وهو الصامت السائل الشاهد الغافل، المحاصر بالدم والمراثي والأشباح، حيث يكتشف أنه طليق لكن بعشرة ملايين قيد، وكل قيد جسد آدمي، إنه التوحد بالآخرين ومعايشة همومهم، هو أسير الهم الجماعي الإنساني، لا يرتضي أن ينبتَّ عن أمه الأرض، بل نراه ورغم كل شيء أشدّ تمسكاً بها، وحين يحول تفسير هذا الوضع تقف الأسوارُ في وجهه، مرة أخرى، ولكن في هذه المرة على شكل تصالح مهيمن، ضحايا ومجرمين، وعربدة تبدو وكأنها نفير صادق، لا ينضج منه سوى الكلام المنمق المخاتل، الذي يُصمي كنصال صدئة حادة، فيعلن من جديد:‏

"كل هذي المباذل‏

هذي المهازل‏

هذي المسالك‏

هذي الممالك‏

هذي المهالك‏

ليست طريقاً"‏

المقطع الثاني عشر: هنا يصل الشاعر إلى الذروة، ذروة الكشف والألم والإصرار أيضاً، وبالتالي تصل القصيدة إلى "عقدتها الدرامية" إن جاز التعبير.‏

لقد سرقوا الأحبة منه، أدعوهم وأنكروه، بل رجموه بكل ما في الزوايا من خبايا، فأفاق ليبصر ويرى، ورؤيته هنا تزيد من أوار روحه واضطرامها، ومن تصاعد القصيدة كذلك، رأى الطيور المشتتة "الأحرار المطاردين"، والروح تعاني المحنة والصلبان المتناسلة، والأشجار تزرع ويُعنى بها، لا لكي تثمر أو تزين الطبيعة، بل لتكون توابيت. لأن الموت أصبح شيئاً عادياً، أو كأنه يخطط له، وهنا يصرخ الشاعر في الملكين /المحققين مقرراً ذنبه، وهو أنه رأى، وأنه "متورط" في الحب حتى الاحتراق، فهو ما زال طفلاً بريئاً غير مشوه الرؤية والرؤيا غير مدجن، وقلبه موطن طفلة واعدة (ثورة)، غير أنها وبحكم الواقع القائم منذورة لسوق النخاسة، وما أكثر النخاسين!. هذه الطفلة هي أيضاً الأرض /الأم التي تشهد زوال كل شيء، وتشهد أيضاً كيف أن الأحبة/ أبناءها موضع اعتزاز في الكتب، ومناجم يلصّ منها السرقة المحترفون، وهذه الأم /الأرض هي المباركة الحزينة. فكيف لا يشهد الشاعر لأحزانها وهو الوفي البار؟! وكيف لا تصبح النار عنده أمثولة وطريقاً؟! وهو بروميثيوس؟!‏

المقطع الثالث عشر:‏

"لا بد من ساحل بعد هذا العبابِ‏

ولا بد من موئلٍ بعد هذا اليباب"‏

إنها الحتمية التاريخية المرتبطة بالفعل الإنساني الذي لا يكل ولا يخون، حيث قيامة الروح وقد رأت.‏

تترك الحكاية صمتها، وتقوم النبوة من موتها، أما العاشقون فيخرجون من قلب أمهم الأرض تظِلهم القبّرات واليمام، فالطين /الإنسان حي خالد رغم كل ما حاق وما يحيق به:‏

"حيٌّ إلى أبد الله كالله"‏

ولذا فسوف يتدفق نهراً صاخباً من الحياة، لتهل المدن فرحة منشدة، ويملأ الورد المبتهج المواعيد الواعدة، وتعمّ الأعياد ليرقص الناس وتتفتح الأعراس نشوة وخصباً إنها الأرض /أمنا تعد بالكثير، حتى أنها لتبدو أسطورة من ضياء، توزع الموسيقا والغناء كالهواء، وتنتهي القصيدة بهذا السطر:‏

"ثم يأتي الغناء".‏

ختاماً نرى أن هذه القصيدة /الملحمة تحكي قصة الإنسان في صراعه الأبدي، ربما منذ بدء وجوده، ضد القهر والموت، وتقول بأنه يبقى متشبثاً بالحياة، رغم الانكسارات الهائلة المتتالية التي يتعرض لها في مسيرته، ورغم العوائق التي توضع أمامه وفي طريقه، سار فيها الشاعر بخُطاً وئيدة ثابتة، متصاعدة شيئاًً فشيئاً حتى بلوغ تلك النافذة المضيئة في حلكة هذا الزمن: "ثمَّ يأتي الغناء"‏

بلى، لقد بنى الشاعر ملحمته بأيد وأدوات ماهرة، معطياً إياها بعداً أسطورياً، وكأنها بحدّ ذاتها أسطورة خلق كاملة، غير أنها واقعية، وهنا سرُّ عظمتها، يتكئ فيها على الحلم تارة وعلى الفعل تارة وعليهما معاً تارة أخرى، وفي النهاية ينتصر الإنسان أي تنتصر الحياة.‏

هذا ما قرأه الشاعر أحمد يوسف داود في كتاب أمّه الأرض، وهذا ما قرأناه في ملحمته "كتاب الأرض".‏

الشيخ بدر‏

1994‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244