|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
"لماذا تركت الحصان وحيداً" ـــ قراءة: زهير غانم [1] في حمى الشعر ومناخاته المحمومة، وأجوائه المتغاوية. يهيم الكلام شوارد ونأمات وسهوماً وشظايا، وقابلية للانفجار والانتشار، فيما تظل اللغة حبيسة القلب معسولة، مغسولة بالرغائب والخطايا، وتتحفز للمثول في محاريب الجمال، على شكل ضراعات وتوسلات، وصلوات، واستغاثات، وتأخذ فتنتها وزينتها من الطبيعة والمرايا، ولا يسع الشاعر سوى الوقوع في حبائلها، وتحاشي مصائدها، وعبور جسورها والتوغل في غاباتها، والغوص عميقاً في آبارها، والسياحة في متونها وهوامشها، وافتراع دررها ولآلئها، والاستقواء على رفضها، والرقص في عصيانها، كل هذه الرياضيات الروحية، لا تتسع سوى لشاعر يرى رؤيا، ويحلم، ويتذكر، ويفلت مخيلته في الزمان، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. أو أنه يتساكن الضوء، ويغتلم بالعشق والصبابة، فيما يذهب به الحنين كل مذهب، حين تنبتّ جذوره عن الأماكن والكائنات، ويسقط في غربة قسرية عدمية، لا يوازن حياته من القصف والانكسار سوى الشعر، والروح التي تحتوي كل شيء بخفة الكائن الذي يحلم بالطيران، فيحلق في جوائيات حلمه وأسفاره، ويزور ما يشاء أن يزوره ولو وهماً، أليس دون كيشوت حياً في كل منا، فكيف بالشاعر الذي يأسره عطر الأرض والجسد واللغة، الجغرافيا والتاريخ، وهو يهيم في ذلك كله، ويستغرق حتى لينسى أنه هائم مستغرق، ولا يصحو من أحلام يقظته سوى في منامه، وفي المنام تعاوده الذكريات، فيقضي العمر متأرجحاً في تباريحها، واصلاً من انقطع منها، باحثاً عن نفسه وصورته الحية في حيثياتها وتفاصيلها، غائباً عن حضوره، حاضراً في غيابها مستوحشاً مستوحداً متوحداًً. لا ينسى ولا يتذكر، سوى حيرته وهداه على قطارات الزمان التي تنهب سهول حياته وتطويها، ولا يسعه البقاء ولا يسعه الرحيل، فيقع في بين بين، وربما بين هلاكين إذا لم تكن هلاكات كثيرة، وكأنه في يُتمِه وفرادته، إذا أصابته سهام تكسرت النصال على النصال، وحين يضيء الكلام على الجرح، ويهيم الشعر على العشق، يأخذ الشاعر أنفاسه إلى عزاء قد يكون ممكناً، وقد يكون مستحيلاً، ولا غرابة في ذلك، إنه يتعاقد والغربات، والمنافي. وتستحوذ عليه، فيما يتسرب منها صوب مراتع طفولته وصباه، ووقائع حياته، وهجراته القسرية، ورؤياه، أحلامه وطموحاته، تاريخه ووعائه الروحي والثقافي. آلهته، وجنه وملائكته، وطنه وجنته وجحيمه، غيابه المتغائب، وحضور المتحاضر، ومخاطر النأي والبعاد، واللهفة التي يستكنها الجسد، وتنغلق عليها الروح. وكل المشاعر والأحساسيس الأنسية، والوحشية، والبرية، والهواجس الشيطانية، ونشيد العشق والغبار، ونشيج الدم في الليل والنهار.. إنها استقلابات الشاعر حين يكون، أو لا يكون كما يرغب أن يكون، وهو يستكمل كينونته المنقوصة بالحلم والشعر واللغة، ويؤثث جسده ببنيته العتيقة، كما يعمر روحه بالمكان الذي احتواه من رحم أمه، إلى المنزل، والطريق، الحقل والشجيرات والأزهار والفراشات والأطيار، السماء والنجوم، الأهل والأقرباء، والأعداء، الأنبياء، والقادة الأغبياء، المدائن، وعلامات الأزمنة، التواريخ وميراث الأديان، والحوادث، وكل ما يقع في السمع والبصر، واللمس والشم، والذوق، والاستيهام والرغبة والتواصل، والهجران، والشهوة، وقرابة النار، وغرابة الثلج والغبار، واحتمال الموت والشرار، والليل والنهار، الآيات والرقى والتعاويذ، والسلالات والشعوب المغلوبة على أمرها، والالتباس الذي يعانيه، ممن استلبه حياته، ويشاركه إياها، فتختلط عليه الأمور، ويحاول غربلة قمح روحه بالشعر، كي نطرد زؤان الأعداء عن حقل جسده، لكن هيهات هيهات.. لذلك تُرك الحصان وحيداً، تخلى الجميع عنه، فغدا شاعراً صارخاً في البرية، ووحده ضد روما، ومع ذلك له من روحه التعبيرية الأصداء التي تخترق الروح الجمعي، وهو يستعير كل المرايا والأقنعة ليصل إلى هذه الروح، ويريها ما هي مقبلة عليه من كارثة، وشبهات كوارث تترى وتتوالى. وكأنه ينفخ في الصور للقيامة، وكأنه النذير، وزرقاء اليمامة في استبصاراته وكشوفاته، وكأنه العاشق الوحيد في ليالي الأرق والسهر والقلق والعذاب، وهو يحتمل هذا الجوع إلى الفردوس فيما يعاني من جحيم وحرائق، لإطاقة، ولا قبل لأحد بها. [2] ومحمود درويش في مجموعته الجديدة "لماذا تركت الحصان وحيداً" هو الشاعر الذي يختلج ويتهدج بالمآسي والمراثي جميعها على صعيد فردي وجماعي، وهو من هو في هذه المتاهة الشعرية، وكأن لا أحد يستطيع ملامسة جراح الروح كما يستطيعها، وكأن لا أحد يرفو ويرمم انشقاقات الجسد مثله، كأن لا أحد يحب ويصرخ ويصمت ويغني كما يفعل، كأن لا أحد يستحم باللغة الشعرية، وهذا الاستحمام البخاري الهفيف اللطيف، كأن لا كيمياء لأحد كي يشكل هذه المشاهد الشعرية الجمالية، التي تعزف الإنسان على وتر العشق كما يفعل هذا الشاعر القادم من عصر البرابرة الجدد، والذاهب إلى الجمر والرماد، كعنقاء كلما احترق تجدد وانبعث من أنقاضه، وهو الحلولي في الأشياء والكائنات، يستطيع مواقتتها، ومواقعتها وخلقها كما كانت، كما يمكن أن تكون، كما يستحيل أن تكون سوى في شعره. بدمه يكتب القصيدة، وبنور عينيه. وضياء قلبه وهي حبيبته التي تظل تراوده وتغويه، لكنها تتمتع، فيستخدم أسلحته اللغوية والشعورية والجمالية، لتشكيلها، أو تشكيل شبيه وسمي لها، ويفلح دائماً بمقاربتها ومقابستها، والوقوع على دفوفها ووترياتها، وطبولها، وصنوجها، والوقوف على أسرارها، واحتمال غيرتها، وغيابها وحضورها ومراوغاتها، لكنه لا يني يتمكن ويستمكن، ويرتبط بعلائق وعرى يصعب فصمها، وفي الشعر خاصة، يكون ملتئماً ملتغماً بكينونته ووجوده ولغته، وحلمه، ومخيلته، وجمالياته النافرة الجاذبة الآسرة، وكل العطور التي تخطر على باله، يعبئ بها قوارير القصيدة، حتى أنه يملح جسدها، وينفخ في روحها الهواء والضياء والنار، حتى تأتي مولهة، مدلهة، معشوقة، ذات جمال ودلال، خالية من الشوائب والأخلاط والأمزجة. سوى أمزجته، ونبيذه، والشمبانيا، والثمل اللذيذ المشتهى الذي يعبئها به.. هي القدرة على الجنوح والجموح والجنون، ذلك ما يعمل الشاعر سعيه فيه، ولا يكف عن ذلك حتى لو كان دونه الموت، فهو في فروسيته يمتلك شرف النزال الشعري، ويعرف الطقوس والاحتفالات اللائقة بذلك. حتى أنه يصر ويلح عليها. ولا تخلو قصيدته من روائح ومرئيات ومرايا هذه الاحتفالات وتلك الطقوس، وكأنه وعاء أثريات وأحافير ومستحاثات تفيض في ذاته، فيستدرجها ويمارس فيها البحران عبر العالم، رابطاً بين النجمة والحجر، بين الزهر والنحل والفراش. بين الحب واللوعة والحنين، وبين الحلم والواقع والكابوس، ناشداً سلالته التي قدمت به إلى العالم، ومفصحاً عن أعدائه الذين مارسوا قتل شعبه وتهجيره وتشريده، والذين استولوا على المكان، ويحاولون الاستيلاء على الزمان، لكن الشاعر في حرارته ومرارته، يترسم خطى روحه في الماضي والحاضر. لسيتنهض زمانه ومكانه وكائناته أيضاً. بكل الإرث الديني والتاريخي، يتحرك الشاعر حركته الفنية العنيفة، ليصهر ذلك الإرث في روحه عن طريق الشاعرية الخلاقة التي يمتلك، والتي دربها حتى تستوعب اللاشعري، وتلغمه بالشعري، وهو من النادرين الذين نجحوا في ذلك أيما نجاح، لكأنه وهو الذي يقيم على تربة عشرة آلاف سنة من الحضارة، مشحون بعوالمها المادية والثقافية. تساعفه في ذلك ذات مستعرة، وذاكرة حمئة، فلا يهمل من مثلثه شيئاً. من مصر إلى أورشليم، ودمشق وبغداد. وفارس وروما، إلى الكنعانيين، وغجر الهند، إلى الجزيرة العربية، والنبي والقرآن وامرئ القيس، وقيصر، إلى أثينا، أسخيلوس، وهيلين طروادة، إلى حلب المتنبي وسيف الدولة وأبي فراس الحمداني، وإلى أريحا والجليل ولبنان قانا والجنوب، إلى الأندلس، كل هذا الفضاء، هو فضاء القصيدة التي يكتبها الشاعر، وتطغى ذاتيته المحتربة في سديمها لتجيء شاعرية وجمالية وفنية، وطاوية في خلاياها اللغوية الشعر والنثر على حد سواء... ورغم هزيمته الواقعية، وإحباط الحلمي. وفقدان وطنه، فإنه يثير مسألة القصيدة واللغة، والمعلقات، والقرآن والإنجيل والتوراة، لكأنه يستوطن لغته الشعرية. ويتعزى عن ذلك بها، لكأنه يستنهض عشقه وحبه، وجَدّهُ، وأعمامه، وجدته. ووالدته وأباه، وأبناء قومه، وهو يشف في رموزه وأساطيره ودلالاته وإيحاءاته، لأن حيثيات حياته معلومة على السطح، والحدوثات والوقائع التي مر بها كأنها مرايا تعكس له ذلك الوهم الذي جعله مستنده طويلاً، حتى تأكد من القطيعة بين الثقافي والسياسي، فيما كان التواصل قائماً بين الثقافي الإبداعي والثوري سابقاً، وربما هذا ما يقض مضجعهُ، حتى مارس هذا الاسترجاع الروحي، لبناء جغرافية فلسطين من لا وعيه، إلى وعيه الحالك الحاد النوراني الشفاف. كذلك لبناء سلالته، أهله، وجذوره، وقرابات روحه، وبذلك استعاض عن فجيعته الحاضرة، باستلهام الماضي. استعاض عن جحيمه الحاضر، باستقدام فردوس طفولته المفقود، وهو الذي يمارس الرحيل كما أو ليس، أو يرغم عليه، يعود بالخيال كأصدق ما يكون الخيال إلى ينابيعه الأولى، إلى أمه التي يهديها مجموعته، لجده وجدته ووالده الراحلين، وإلى حورية أمه الباقية الحية الآن، وهو كأنما يؤسس نفسه وجسده وروحه من جديد، على صعيد حلمي، واجتماعي وعشقي وروحي وشعري. وحتى على صعيد المواقف واللغات التي يتكامل، أو يتناقص بها... هو الشاعر الذي يترسم صيرورته كما كانت، وكما يمكن أن تكون، لأنه دائماً يفتتح فضاءات جديدة لشعره، ودائماً له إبداعاته وأساليبه القشيبة الرهيبة الرافلة بالغنى والوفرة والثراء، إنه في أقنوم الخصوبة الإبداعية يتدفق، ويتدفق، ويتدافع بغزارة وسيولة، ومائية شعرية، حتى ربما تصدّرَ المشهد الشعري العربي برمته، كما هو عليه الآن، وكما يمكن أن يكون. ليس لشاعر كمحمود درويش أن يقف على حافة الهاوية، وأن يستظل كنفها، ويبقى على شفير الكارثة دون محاولة احتوائها وتجاوزها والاستقواء عليها، وهو الذي يحوّم ويحلّق في سماوات الشعر كالنسر ويرى إلى كل شيء بعينه، كما أنه يرغب الموت مثله في أجواز الفضاء، لذلك يجيء شعره لهيباً مستعراً حاشداً بالحرائق الذاتية، الجسدية والروحية، وهو دائماً يضرب في الممكن والمستحيل، ويستعصم باللغة التي تعصمه، حين تتوالف معه. وتصير طوع بنانه، وكأنه ابنها وزوجها وعشيقها، وهي كذلك، وحتى أنه يمارس معها البغاء المقدس في محاريبها الشعرية، ثم يلجأ مرات إلى زواج المحارم فيها حتى يحافظ على سلالتها وميراثها، ودمها، وثرواتها، وكنوزها، وتواريخها، وروحانيتها وأساطيرها وخرافاتها، ولا مرئياتها. إنه مقدام، غير هياب، ولا وجل في اقتحام أسرار الشعر، حين يصل في تنجيمه عبر مطاوي روحه إلى المناطق الغامضة، الأشد حلكة فيضيئها، كما يقتحم المحرم، الطابور والطوطم معاً، ويخلق بصوته الخاص نشيده ونشيجه الخاصين، وكأن سيماءه، وصورة جسده وروحه ووشمه يتوهجان، ويطلعان في شعره سنابل وأزاهير وأشجاراً، شموساً وأقماراً، كواكب ونجوماً ومجرات، رمالاً وحصى، ومياهاً ودياناً وسهولاً وجبالاً، وهو في ذلك يمزج الصحراء، القحط، والخزين الروحي، بالزراعة، الماء والخصب، وهو في ثورة العناصر عبر قصيدته، يناقضها ويضاربها ويشتجر ويحترب معها، كما أنه يتجاذبها ويتنابذها، ثم يزاوجها، ويستكين في حماها، في حين تشكل مشهدياته الشعرية والجمالية، وتعتنق الفتنة والافتتان بما هي عليه، وبما يحولها الشاعر ويتحول بها في حركيته المشهودة، بين الأرض والسماء، والقيعان، والفضاء. ذلك عزيف الشاعر، وهو شبق في الشعرية، مشبوق باللغة، مغتلم بشؤون جسده وروحه، يحاول أن يهدئ روعه ورعبه من الموت، فيعود إلى أمه، أو يتماجن ويتجوى وجداً وصبابات وعشقاً وشوقاً في حبه الذي لا يهدأ على حال، ولا يقر له بال، فيما الشاعر يميل دائماً للبدايات، والبزوغ، والشروق، والضياءات والأنوار الشعرية الساطعة، حيث الصور التي تتخاطف وتبرق وترعد، وتتبركن وتتزلزل، وحيث الدهشة والغرابة، والحكائية الكثيفة الدالة المبرمة، وحيث الأسطورة والمرموزات، والمرسلات والدوال، والتداعي، وانفلات اللاوعي، وحيث الشعور الجمعي الذي يحرثه الشاعر عامودياً، يصل إلى أعمق أعماقه، ويعيده لماعاً معدنياً ثميناً مصقولاً كالذهب العتيق، رغم طغيان فضة النسيان عليه، وهو في الشعر يحاور نفسه ويساورها، ويساررها أقصى أسرارها، ويتفاصح ويتفاضح بها، لأنه إنما يستبطن ذاته بامتياز، يتراقص في رحابته وضيقه، ولا يرى غضاضة، في تأريخ نفسه بدقة آسرة لأنه عندما يفعل ذلك فكأنما يؤرخ دمه ومعطياته ومجرياته، وشؤونه وشجونه، ويؤرخ مع شعبه الذي يتعرض للذبح والاستباحة...!! قلة هم من يمارسون البحران في الشعر، ومحمود درويش من هذه القلة بامتياز، إنه لم يعد في كمِّ الشعر، بل صار في نوعه، وهو في الجوهري منه باستمرار، رغم اختراقه المستمر للأعراض، لقد غدا الشعر كينونته المشتعلة التي لا تخبو أبداً. وهو وإن كان يداري حرائق أيامه ولياليه وعشقه، إلا أنه يكابر ويكابد، ويعلو على الجراح والآلام، لذلك يستحضر طفولة، غير التي كانت، حتى لو كانت الحيثيات القديمة معتمدة في واقعيتها، إلا أنه ينقلها إلى مدار الحلم، كما ينقل كل شيء يلمسه شعره إنه يعتنق الشعر السراب واللغة السراب، ويعتنق حرية التعبير التي لولاها، لما كانت القصيدة على ما هي عليه، جوانية مدغومة، ذاهبة من المرئي القليل إلى اللامرئي الكثير، ومن الفيزيقا إلى الميتافيزيقا، كما يستنهض حلميتها من الجاذبية والتراب إلى الهواء والسراب. وليست نعمة ولا نقمة تلك اللغة التي تستحوذ على تعبيريته. لغة فراسة أكول، يتعاجز فيها التعبير أحياناً، فنستشم صمتها وتجليها من الفراغ والبياض، ويدرك الشاعر ذلك، حين يتداركه، بالشطح واللمعات البارقة، وحين يحتمل حزنه وعريه، سواكنه وحركاته، أصواته وصموتاته، أفعاله اللازمة والمتعدية، الناقصة والتامة، وأحرفه المشبهة بالفعل. ثم استكناه الضمائر في حالة توحد وارتجاع، تشقق وانصداع، وولوجه في الصفات والأحوال، والمنصوبات، والمضافات والمجرورات، وتعويله على الأدوات، كأنما الرغبة في اللغة لديه، هي الرغبة في الشعر، وما يتفتق عنه الضمير من أشياء واضحة غامضة، لكنها موضوعة في رأس قائمة الشاعر، حين يبدأ قصيدته، وكأنها لا تبدأ ولا تنتهي، وهو يتوسل القصيدة الطويلة، والقصيرة، والمقاطع، وأحياناً الأسطر الشعرية، ويبني مجموعته على وحدات أو عناوين تندرج تحتها قصائد، وهو يسوق القافية في الإيقاع، يلمح بها لحلم القصيدة خوف الجفاف وعدم التروية، والتكلس والتشقق، لذلك لا يفتعل في قوافيه ولا يتقصدها كما هي عليه، وقد تأتي القافية مباشرة، وقد يطول المقطع حتى تتكرر. إلا أن الشاعر الذي يتموسق، ويصل الهارموني. يتضح كيف تتفشى الموسيقى في قصيدته وفي روحه على حد سواء. إلا أن الشاعر لا يغفل ولا يتغافل عن الرقرقة والتموج والعذوبة في شعره، رغم اللجلجة والصهيل والصليل، والأجراس، والإيقاعات المحكمة المتفاوتة، وهو إذ يتوزع على سلمه الموسيقي هكذا كأنما ليصدق في التعبير عن هذه المناخات المحمومة الضارية، المضطرمة، المصطرخة الصاخبة، الضاجة بالغناء الفردي والأوبرالي، والكورال، والغناء الهذياني، المهووس المشوش، لكن غمائم الصفاء هي التي تشمل هذا العزيف الملائكي أو الشيطاني الابتهالي، أو الجنائزي أو العشقي الذي يتمادى ويتهادى ويتعالى في الشعر، وفي عواصم القصيدة والأقطار.. وكما للعين، كذلك للحلم والخيال أياد طولى في تكوين شعر محمود درويش، وفي احتمالات قصائده، فالحلم الذي يطيب الذاكرة المتحولة، والخيال الذي يغامر بابتكار الصور والجماليات، والوسائل والأساليب، حتى تجيء القصيدة مزدهرة مزدانة، مزينة بألف لوين ولوين، محكومة بعضويتها وتعضيها وانشدادها وتكاثفها وتهطالها وتوترها، وما ئيتها وناريتها، وكأنها تحاول الخروج من الهيولى إلى الفعل، والنماء في وجود يصعب النماء فيه، مع ذلك تمتلك طاقتها الحية الجمالية على ذلك، وتمتلك عماداتها، ومناولاتها، نذورها، وأضاحيها، وإيمانها، خطاياها ونعمياتها، كما تمتلك خلاصها أيضاً... هي في قرائن الخصوبة والتروية، وفي دورة الأفلاك، ومن القلب إلى القلب، دون وسائط، ودون مسافات وفيها الأماكن تستجر الأماكن، والأزمان تعتمر الأزمان، والكائنات تختلج وتتوهج بالكائنات، فيها الشاعر وقريته، سميه وشبيهه، وفيها نقيضه، وعدوه، كما أنه يترسم خطا حبيبته التي تغتسل أقدامها بالضوء، ومياه الشعر والنثر، وثورة الكلام على الظلام والكلام معاً. ولأن المجموعة تحتاج أكثر من مقالة، كان لا بد لنا من إيراد القرائن العامة، أكثر من البحث في الخاص سواء على صعيد المعنى والمبنى، لكن الشاعر الغني بالتفاصيل الدالة، لديه الأسئلة التي تبرق في شعره، عن آدم وحواء، عن قابيل وهابيل، عن يعقوب ويوسف وإخوته، عن هاجر وسارة، إبراهيم وإسماعيل، وكلها بحاجة ربما إلى تعيين دلالاتها وإيحاءاتها ومرموزاتها داخل القصيدة. حتى نرى قيمة الإسقاط التراثي التاريخي والديني، فالسومريون، والبابليون، والكنعانيون، والعرب والمسلمون، والفراعنة واليونان، والفرس والآشوريون والهنود، والحثيون، يجتمعون في شعره ليشكلوا مناخاً متمايزاً، ليس من أجل التاريخ والجغرافيا، بل كأنما يؤثث الروح بهم، وروح مؤثثة هكذا كم ستكون شاعرة، وكم سيفكر الذي يتناول المجموعة، ماذا يجمع، وماذا يفرق، وماذا يفوّت على نفسه، وربما على القارئ الذي يقدم له المجموعة بمقال تعريفي أكثر منه في النقد ونقد الشعر على وجه الخصوص. محمود درويش شاعر حتى جوهر الشعر، وعاشق حتى جوهر العشق، ومثقف متفان في الإبداع، ولا يمكن حتى لناقد مهم أن يحيط بما أوتي من إبداع شعريٍّ، يبلغ حد الرؤيا والاستبصار والكشف، فيما الشاعر مسكون بالأرواح الشاعرة جميعها مسكون بقلقه، الوجودي، ومعاناته الوطنية والإنسانية، وهو يتفصدها من دمه، دفعة واحدة، أو على دفعات، حسبه أنه يهذي بالشعر، يهلوس ويشطح به، حتى يحتل وادي عبقر، أو جبل البرناس، أو يصل إلى شبهات الملاك في الواقع والمرايا.. *كيف تركت الحصان وحيداً "شعر" *محمود درويش –1994. *رياض الريس للكتب والنشر، *علاف الفنان ضياء العزاوي 174 ص. قطع وسط. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |