مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 291 تموز 1995
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

جيرار جينيت منظر الأدب.. والفن ـــ متابعات: د.وائل بركات

عام 1971 حيّا رولان بارت في مقال مهم وقصير إسهام رومان جاكبسون في مجال الأدب من خلال علم اللسانيات. وقد سيطر هذا الاتجاه على أدب سنوات السبعينات وتحديداً مجال النقد الأدبي والدراسات الأدبية وخاصة فن الرواية والسرد. وأفاد هذا التيار الذي يُعنى بما سُمّي بالشعرية أو دراسة كيفية صياغة النص الأدبي من أبحاث أعلامه مثل رولان بارت ورومان جاكبسون وأندريه مارتينيه وتزيفان تودوروف وجيرار جينيت وغيرهم.‏

ولعل جينيت يعدّ من أبرز دعاة هذا الاتجاه في السنوات الأخيرة.‏

لم يكن السؤال الذي طرحه جاكبسون "ما هو الأدب؟" الأفق الذي تسعى للوصول إليه هذه الأبحاث التي انصب اهتمامها على فن السرد، بل أرادت الإجابة عن سؤال آخر أكثر تحديداً وهو "ما هي الأدبية؟" أو بصيغة أخرى: ما الذي يصنع من نص ما نصاً أدبياً؟ وبوضوح أكبر: ما هي الشروط والأسس التي ينبغي على نص معين أن يمتلكها أو يحققها حتى يصنف بين النصوص الأدبية؟‏

لو أردنا اليوم تحديد إسهام جيرار جينيت في الدراسات الأدبية، فلن يكفي القول بأنها متمثلة في أعماله المتعددة والمعمّقة حول مفهوم الشعرية، بل تتعدى ذلك إلى التطوير المستمر والمتجدد لمفهومها ووجوهها وأشكالها وحتى مبادئها. ففي كتابه "الخيال والأسلوب"، الذي نشره عام 1991، يرتقي جينيت بتساؤلاته التي يطرحها عن مفهوم اللغة ووظيفتها، ويتبدى ذلك من خلال التمييز الذي يراه بين القص الخيالي والقصّ الواقعي فيستند عليه ليتمكن فيما بعد من إيجاد تصور لخصائص الأدب الناتج عن كل منهما.‏

يؤدي تمييزه هذا للانطلاق إلى أفق آخر هو الأسلوب، فيعطي تعريفاً جديداً له ويقدم تصورات وتفسيرات متطورة عن سابقاتها، وهي لم تستخدم بعد من قبل الباحثين في مجال الأسلوبية بسبب حداثتها من جهة، ولكون هدفه الذي أوصله إليها مختلف عن أهدافهم من جهة أخرى، فهو لا يحلل النص ولا يدرس شروط إنتاجه بل يبحث، من منظور الفيلسوف الفنان، عن رؤية مغايرة توصل إلى تقديم نظام انطولوجي للعمل الفني.‏

يطمح جينيت إلى تحقيق مشروع كبير يتطلب تحقيقه أمداً طويلاً، وما كتابه السابق "الخيال والأسلوب" سوى بداية ترسم خطواته الأولى، ويأتي كتابه الجديد ذو العنوان "العمل الفني"، الذي ربما كان مشابهاً ومناقضاً في آن معاً لكتاب بيير دوبارديو الأخير "معايير الفن"، ليوسع فيه أفكاره، ويطورها، ويرتقي بها ليصل، كما يرى هو نفسه، إلى المرتبة "الأسمى".‏

إنه يُدخل موضوع "الأدبية" في إطار أوسع وأكثر شمولاً ويقترح تسميته بـ "الفنية".‏

السؤال الذي يطرحه هنا هو: متى يكون الفن؟‏

هناك إجابتان يعرضهما جينيت في رده على هذا السؤال: الأولى ميتافيزيقية ومطلقة ترتكز على مقولة "الفن يتبع الروح". الثانية ثقافية ونسبية تعتمد فكرة أن الفن موجود في نظرة المتأمل".‏

لن نتعجل في تصنيف جيرار جينيت إلى جانب الثقافة في الصراع، الذي ربما يكون وهمياً ومصطنعاً، لكنه، رغم ذلك، سائد في الساحة الفكرية والأدبية منذ وقت ليس بالقصير، بين "فن" و"ثقافة"، ويتمحور هذا الصراع حول علاقة كل منهما بالعالم والحياة، وحول سؤال جوهري مفاده:‏

من يقدَم الحقيقة عن علاقة الإنسان بالعالم، هل هو الفن الذي يُعَدّ "الاستثناء" أم هي الثقافة التي تمثل "القاعدة"؟‏

سيكون الفن إلى جانب الجمال والذاتية، بينما ستعني الثقافة الأخلاق والجماعية. لكن جينيت لا يكترث كثيراً بهذه الإشكالية رغم تطرقه إليها فله فلسفة خاصة تجاه الفن لا تستند على صلة الفن بالعالم، وإنما على صلة الأفعال اللغوية فيما بينها وعلى النظام الرمزي الذي تشكله. يقول جينيت:‏

"العمل الفني صنعة (أو إنتاج إنساني) ذات وظيفة جمالية". ويرتكز مفهومه للعمل الفني أولاً على إدراك طريقة صنعه، وثانياً على مدى تأثيره داخل عالم الفن وفي أعرافه. لكن قبل الوصول إلى وصف العمل الفني وتحديده (أي كيف يعمل الفن وكيف يتم فهمه)، وهذا هو المجال الخالص لعلم الجمال، لا بدّ من البدء بتمييز أشكال الفن المختلفة ووصفها دون ترتبها وفق طبقات، بعكس ما نجده في المفهوم الكلاسيكي للفنون الجميلة والأدب.‏

ولتدعيم وجهة نظره يورد جينيت أمثلته من الموسيقى مثلما يوردها من الأدب والرسم والنحت ومدونات البالية.‏

يبحث جينيت في كتابه هذا، هو بالمناسبة مقدمة لجزء ثان وأراده أن يكون بمثابة مقدمات انتولوجية بنيوية للأثر الجمالي، عن إثبات وجود نوعين من المواد في الفن هما: المثولية (أي حالة كائن ماثل في كائن آخر) وتتمثل في دراسة المواد نفسها وأشكال التعبير عنها أو ظهورها، ثم السمو بمفهومه المثالي لا الروحاني الذي يعني على سبيل المثال الكتاب بالنسبة للقراءة سواء أكانت ذهنية أم شفوية.‏

إن العمل الفني بالنسبة إليه "فعل قائم" لا يمكنه أن يحقق جدواه إلا إذا كان له وجود مادي وفكري معاً.‏

نعود الآن إلى التذكير بأعمال هذا الناقد والباحث الأدبي الفرنسي الكبير، فهو يمثل في أعماله وبصورة واضحة تيار التحليل البنيوي ونظرية الأجناس الأدبية، ويبرز ذلك من خلال ثلاثيته المعروفة "وجوه /1/" 1966،" وجوه /2/" 1969،" وجوه /3/ 1972، ويركز دراساته على اللغة ويقدمها على المضمون دون أن يهمل أهميته. يتطرق في ثلاثيته السابقة إلى مشكلات النقد الحديث وارتباطها بمفهومات الحداثة الأدبية الأوربية، ويقوم بدراسات تطبيقية على أعمال روائية وقصصية لكتاب مشهورين مثل بروست وكافكا وفولكنر وغيرهم متبعاً في ذلك المنهج البنيوي والتحليل النفسي والاجتماعي ومعتمداً على مفهوم الأسلوب ومعطيات اللغة، ويركز جيداً على تحليل الزمن الروائي الذي يهتم بالموازنة بين زمني السرد والواقع، بين ترتيب زمن الأحداث وتسلسلها الزمني التاريخي.‏

من أعمال الأخرى المهمة "مدخل إلى معمارية النص" 1979 و"بدايات" 1987‏

***‏

كافكا من جديد‏

إعادة طباعة نصوصه الأصلية‏

تسعى إحدى دور النشر الألمانية إلى إعادة نشر أعمال بعض الأدباء المهمين في الأدب الألماني الحديث فبدأت بهولديرلان كليست وانتقلت إلى الكاتب التشيكي فرانز كافكا الذي كان يستخدم الألمانية في أدبه. هدف الدار من هذا العمل، كما يقول صاحبها، هو "إعادة نشر النص كما هو في الحقيقة دون تشويه أو تحريف أو تغيير في معناه لأسباب في معظمها سياسية.‏

وقد تمكنت الدار من إنجاز إعادة الجزء الأول من النسخة النقدية الجديدة لكافكا وهو فصل من "المحاكمة". الجديد فيها أن كل صفحة مطبوعة يقابلها الصفحة المماثلة من المخطوط المكتوب بيد المؤلف وذلك لتسهيل عملية القراءة والتأكيد على طباعة النص بحرفيته دون زيادة أو نقصان.‏

يصرّح صاحب الدار الناشرة أن عدوه الأساسي هو الناشر فيشر الذي تحتكر مؤسسته منذ سبعين عاماً حق نشر أعمال كافكا باللغة الألمانية وطباعتها وإعادة طباعتها. وسبب هذه العداوة، كما يرى أحد المتخصصين، هو أن فيشر حرّف نص كافكا فحذف علامات ترقيم وغيّر أحرفاً وحتى عنوانات.‏

بل أكثر من ذلك قام فيشر، حينما أعاد طباعة "نسخة نقدية" لأعمال كافكا قبل حوالي اثنتي عشر عاماً، بحذف مقاطع بكاملها ولم يحترم النص في كثير من جزئياته.‏

ترغب إدارة دار النشر تقديم نسخة كاملة لمؤلفات كافكا، ومن المعروف أن المخطوطات الأصلية لـ "المحاكمة" و"رسائل إلى ميلينا" موجودة في الأرشيفات الأدبية القومية لمدينة شتوتغارت، وكانت الحكومة الألمانية قد دفعت مبلغاً كبيراً لاسترداد مخطوط "المحاكمة" الذي كان يباع في مزاد علني بلندن.‏

ترى الدار أن "المحاكمة" ستكون جاهزة للنشر مع نهاية عام 1995 وسيتبعها "رسائل إلى ميلينا" وتأمل لاحقاً الحصول على مخطوطات أخرى ما تزال حبيسة في خزائن أوكسفورد يمسك بها بقوة واحد من الأساتذة القدماء المتخصصين بكافكا.‏

بقي أن نذكر أن كافكا ولد في براغ عام 1883 وتوفي بالقرب من فيينا عام 1924، تحدث في أدبه عن الأوضاع المأساوية للإنسان وعن أجواء القهر والاضطهاد التي يتعرض لها، وهذا هو الجو الذي يسود أعماله لدرجة أن تحليل أعماله يكشف عن "نظرية في المآسي" يعرضها كافكا بصدق ومهارة.‏

وتتوافق أعماله مع حياته الشخصية في كثير من المفاصل بحيث، كما يقول البير كامو، "تنفتح على كل الاحتمالات، لكنها لا تؤكد شيئاً".‏

إنه ينظر إلى الوجود وكأنه معركة، لكنها خاسرة مقدماً، وهذا ما يجسده في "وصف معركة" (1909) وفي قوله: "إننا مثل مسافرين في قطار تعرض لحادث في نفق طويل".‏

من أعماله الأخرى قصة "القضية" (1912) ورواية "المفقود (التي ستظهر عام 1927 ورواية "القصر" التي ستظهر عام 1926.‏

***‏

رولان بارت البنيوي‏

صدر مؤخراً في باريس الجزء الثاني من الأعمال الكاملة لرولان بارت من جمع وتقديم أريك مارتي، منشورات سوّي يقع في 1757 صفحة، وكان الجزء الأول قد صدر عام 1993.‏

يجمع الجزء الثاني أعمال بارت ومقالاته التي كتبها في الفترة ما بين 1966 –1973 وهي حقبة ازدهار البنيوية التي يختمها بكتابه المشهور "لذة النص" حيث يؤكد فيه انتقاله من الرغبة بالحديث عن الدور العلمي إلى البحث في جماليات النص ومتعته. يتضمن هذا الجزء الأعمال التالية: مقدمه التحليل البنيوي للقصص، نظام الموضة، س /زد، ساد وفورييه ولو يولا، دراسات نقدية جديدة، ثم إمبراطورية العلامات. تتمحور كل هذه المؤلفات حول التفكير البنيوي وتقدم نموذجاً للكتابة "الممتعة" التي سادت تلك الفترة.‏

الجديد في هذا الجزء هو دراسته المعنونة "تنويعات على الكتابة" 1973 التي يطرح فيها تساؤلاً موجهاً إلى الكتابة من منظور تاريخي نموذجي وتقني.‏

والمعروف أن رولان بارت ناقد ومنظر أدبي فرنسي من الطراز الأول، ولد عام 1915 وتوفي 1980، وهو من أعمدة النقد المعاصر، خرج في آرائه ونظرياته النقدية على النمط التقليدي للنقد الأدبي، واهتم بعلم الدلالة بصورة خاصة واستندت أبحاثه على الماركسية والوجودية ومذهب التحليل النفسي، وكذلك على البنيوية التي هجرها في فترة لاحقة، وقد أفاد كثيراً من أعمال فرديناند دوسوسور وأفكاره النظرية الجديدة.‏

شُغل بارت بالمعنى وعدّه قضية أساسية، وتناول اللغة ودلالاتها، والنقد الجديد، والرواية الجديدة، والبنيوية، وعلم العلاقات (السيميائية) يمكن أن توزع أعماله على ثلاث مراحل:‏

1-مرحلة البحث الاجتماعي وتتمثل في كتابه "أساطير" 1957.‏

2-مرحلة البنيوية والسيميائية، أي قراءة الأثر الأدبي وربط سماته بالنظام السياسي والاجتماعي وتعابير الحياة اليومية، ونجد ذلك في "س /زد" و"لذة النص" وغيرها.‏

3-مرحلة النقد الشعري حيث يزاوج فيها بين معايير النقد الصارم وشفافية اللغة الشعرية، ونرى ذلك في أعمال مثل "رولان بارت بقلم رولان بارت" 1975 و"مقاطع من خطاب عاشق" 1977.‏

أهم أعماله الأخرى التي لم تذكر هنا هي:‏

-"الدرجة صفر في الكتابة" 1953‏

-ميشليه بقلمه 1954‏

-راسين 1963‏

-عناصر من علم العلامات 1965‏

-نقد وحقيقة 1966‏

-الغرفة المضيئة 1980‏

من أقواله في اللغة والنقد المعاصر:‏

-اللغة بتشعباتها وتعقيداتها وكيميائيتها واختباراتها رهان النقد البنيوي وحصان معركته ومفتاح حداثته المبدعة. وطبعاً فرديناند دوسوسور معلمي الأكبر في هذا المجال.‏

-اللغة نظام يشبه لعبة الشطرنج. هنا القيمة المتبادلة لقطع الشطرنج محصورة بوظيفتها على الرقعة. وفي اللغة أيضاً كل عبارة لا ترتدي قيمتها الخالصة إلا في معارضتها لسائر العبارات.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244