|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الأمير عبد القادر الإنسان.... ـــ د.عبد الله الركيبي حين يذكر الأمير عبد القادر الجزائري في أية مناسبة تتوارد على الذهن صورة الأمير البطل، وفروسيته التي اشتهر بها وبطولته التي أجمع عليها العالم، وتتمثله خواطرنا فارساً مغواراً كافح الاحتلال الفرنسي أكثر من سبعة عشر عاماً دون أن يكلّ أو تفتر عزيمته، وتتجلى أمامنا مهمته فتى ثم شاباً ثم رجلاً، كأروع ما تكون عزائم الرجال، وتتجسد فيه معاني الكفاح المسلّح والثورة التي لا تلين ضد الغزاة الأجانب. أقول حين يرد ذكره، ترتسم أمام أعيننا وفي مخيلتنا تلك التحديات التي جابهته وهو في أوج شبابه وريعان فتوته، فأمثاله في سن الخامسة والعشرين ينصرفون إلى اللهو والمرح بينما يفاجأ هذا الفتى الجزائري العربي المسلم بأن عليه أن يقود ثورة شعبية عارمة ضد أعداء بلاده الذين جاؤوا من وراء البحر كي يطامنوا من كبريائه وأنفته وعزته ويسيطروا على أرضه ويسلبوه حريته وسيادته ويحطموا دولته التي كانت تسيطر على البحر الأبيض المتوسط فلا تمر سفينة من سفن الأجانب إلا بإذن من الجزائريين طوال قرون قبل الاحتلال الفرنسي. ولا شك أن الثورة التي قادها الأمير كانت البداية للثورات التي جاءت بعدها سواء في الجزائر ذاتها أم في العالمين العربي والإسلامي. نقول هذا لا عن تحيز أو غرور أو تفاخر أجوف ولكن تسجيلاً للحقيقة التاريخية التي بات يعرفها الخاص والعام. فالثورات التي قامت في الجزائر بعده إنما كانت تنطلق من مرجعيته ومواقفه وتراثه الثوري الذي ترسخ في نفوس الجزائريين وتوارثوه أباً عن جدّ حتى قامت ثورة نوفمبر 1954 المجيدة التي كانت قمة الثورات العربية في العصر الحديث. على أن النضال القومي أو العقدي الذي قاده الأبطال العرب والمسلمون كان يستمد نسغه من نضال الأمير عبد القادر لأنه أصبح رمزاً لهذا النضال في وقت كانت الأمة العربية والإسلامية تعيش تخلفاً واضحاً وخمولاً ما بعده خمول! ولعل قيادة الأمير للنضال الوطني في الجزائر ومواقفه الإنسانية هي التي جعلت العالم كله يهتم به وبسيرته فتكتب عنه وعن نضاله عشرات الكتب وبلغات متعددة ويصبح من مشاهير العالم في التاريخ الحديث ويعامل كما يعامل الملوك ورؤساء الدول رغم أنه لم ينتصر في حربه ضد أعداء بلاده وإن انتصرت أفكاره التي حركت الجزائريين على مرّ الأزمان. وما زالت تحرك فيهم جذوة الوطنية والاعتزاز بالكرامة والتشبث بالشخصية العربية الإسلامية التي غرسها فيهم الأمير، كما تدفعهم إلى الدفاع عن حريتهم وسيادة وطنهم وتلك خصلة عرفوا بها حتى اليوم. وهناك جانب آخر للأمير ترك أثره في الثقافة العربية الإسلامية ونعني به الجانب الخاص بالإنتاج الفكري والأدبي والثقافي- شعراً ونثراً، فديوانه يعبر عن فروسيته وعن مشاعره الذاتية والوطنية والإنسانية ويعد البداية الحقيقية للأدب الجزائري الحديث لما يحمل من تجارب ناضجة وعواطف خاصة ومشاعر تتصل بحياته ومعاناته الذاتية، ففيه ما يجسد نظرته للحياة والكون والطبيعة كما أنه يمثل ارتباطه بوطنه وأمته وعقيدته. أما نثره فهو- في تصوري- البداية الحقيقية أيضاً لتحرر النثر العربي من البهرجة اللفظية والاسجاع والبلاغة التقليدية، ففي رسائله وخطبه ومؤلفاته النثرية ما يشير إلى هذا السبق إذ كان الأسلوب العربي قبله يتسم بالتكلف والمبالغة فجاء الأمير وحرره من ذلك وحرر اللغة من الخطابة والتعمل والاعتساف وأعادها بذلك إلى عصورها الذهبية القديمة، وبهذا يكون قد سبق الشيخ محمد عبده الذي اعتبره البعض البداية الصحيحة لأسلوب النثر المرسل في حين أن الأمير هو المؤسس له كما تعبر عنه كل كتاباته سواء في التصوف أم فيما عرض له من قضايا تتصل بالدين أو الاجتماع. فضلاً عن الجانبين الهامين السابقين فهناك جانب ثالث لا يقل أهمية عنهما في حياة الأمير سواء في حياته داخل الجزائر أم في سوريا الشقيقة، وهو جانب يعبر عن شمول العظمة في حياته، ونقصد به الجانب الإنساني قبل أي اعتبار آخر، فهو يدرك أن دفاعه عن حرية بلاده تقتضي منه أن يحترم حرية الآخرين حتى ولو كانوا أعداء وطنه الغاصبين له المضطهدين لأبنائه. وإذا كانت شخصية البطل قد طغت في كتابات من كتبوا عنه أو شخصية العالم والأديب إذ عني المؤرخون والدارسون والأدباء بهاتين الناحيتين فإن الجانب الآخر وهو هام جداً لم يلق العناية الكافية التي يستحقها وإن أشار إليها غير واحد حين ألفوا عنه الكتب وعن حياته ومقاومته وتراثه الثقافي. ولكن حتى اليوم ما زال "الجانب الإنساني" يحتاج إلى تحليل وتوثيق وتعمق حتى نعرف المزيد عن هذه الشخصية الغنية بكل ما تعنيه الكلمة من ثراء وغنى، فهو متعدد المواهب والجوانب ونادراً ما يجمع القادة والرؤساء بين مواهب كثيرة مثلما نجد لدى الأمير عبد القادر. قلت، إن هذا الجانب لم يتوسع فيه من أرخوا للأمير أو كتبوا عنه اللهم إلا لمحات قليلة وإشارات لبعض المواقف التي تقوم شاهدة على عظمة هذا الرجل الذي دخل التاريخ من بابه الواسع. والواقع أننا نجد بعض ما كتب عن عظمة الأمير وسمو أخلاقه وإنسانيته المتميزة لدى: "شارل هنري تشرشل" في كتابه "حياة الأمير عبد القادر" الذي ترجمه عن الانجليزية الصديق الدكتور أبو القاسم سعد الله، وقد سبق أن ترجمه إلى الفرنسية السيد "ميشيل هابار" وعرّبه عنها السيد "جبرائيل بيطار". كما نجد لمحات أخرى من كتاب حفيدته الأميرة بديعة "الأمير عبد القادر الجزائري"، وكذلك فيما ورد في سيرته الذاتية وهذا كله لا يمثل الكثير بالقياس إلى حياة زخرت بالمواقف الإنسانية النادرة التي لا نجدها إلا عند الأبطال البارزين في التاريخ الإسلامي أو الإنساني مثل صلاح الدين الأيوبي أو لدى الخلفاء الراشدين في نظرتهم للآخر وإيمانهم بالتسامح الإنساني والرفق بالأعداء واحترام إنسانية الإنسان. ومن هنا فكرت في أن أسهم بجهد متواضع أحاول فيه أن أضيف قليلاً إلى هذه السيرة الحافلة بالنبل والأخلاق خاصة بعد أن عثرت على كتاب يتعرض فيه صاحبه وهو ضابط فرنسي وقع أسيراً أيام ثورة الأمير، وقد عثرت على الكتاب عام 1980 في إحدى المكتبات بلندن التي قضيت فيها آنذاك عامين من أجل البحث والدراسة، والكتاب قديم طبع سنة 1845 وطبعاً فإن ما كتبه هذا الأسير ينم عن نظرة بقدر ما فيها من عداء، للأمير وللجزائريين إلا أن فيها قدراً كبيراً من الاحترام والتقدير لهذا القائد النبيل. وقد قادني هذا الكتاب إلى أن أعود إلى المراجع التي ذكرتها آنفاً حتى أرسم صورة قريبة لهذا الرجل الذي شغل الناس ولا يزال وسيبقى رمزاً لمعاني السمو والرفعة والخلود فالكتاب الذي أِرت إليه هو: "أسير الأمير" وهو عنوان جزء من كتاب ضخم The Pneron of Efhim باللغة الانجليزية يضم ثلاثة أجزاء عنوانه الرئيسي "الفرنسيون في الجزائر"...، وقد انصب اهتمامي على هذا الجزء بالذات لأنه يتناول شخصية الأمير عبد القادر وأخلاقه الإنسانية العالية التي تجلت في معاملته لأسراه أثناء مرحلة المقاومة التي قادها ضد المحتل، هذا الجانب الذي لم ينل حظه من عناية الدارسين، كما ذكرت، رغم كثرة ما كتب عنه إذ أنهم عنوا ببطولته وأدبه ومؤلفاته الدينية وحسن تدبيره لشؤون الدولة التي أعاد تنظيمها وأقام مؤسساتها المعروفة. إن هذا "الأسير الفرنسي"- وهو هنا ضابط في جيش الاحتلال- يروي هنا مذكراته التي سجلها بعد أن سقط في أيدي جنود المقاومة، وهو لا يذكر اسمه ويكتفي بأن يقول أنه بدأ قصته يوم 11 أغسطس (آب) 1836 حين وقع عليه الاختيار كأحد أفراد فرقته في ذلك التاريخ ليتجهوا إلى "فرندة". … FRENSH IN ALCERIA- LADY DUFF GORDGN- LONDON. JCHN MURRY ALBEMARLE STREET- 1845 في غرب الجزائر، وحين بدأت الفرقة زحفها فاجأها جنود من جيش الأمير وكانت معركة فاصلة وجد نفسه بعدها مقيداً أو جريحاً مع ثلة من رفاقه. وبعد أن تشاور "الفرسان العرب"- كما يسميهم- في أمرهم ظهر فارس آخر وقاد الأسرى الآخرين وحين قرروا أن يقتلوه هو لأنه جريح طلب منهم أن يتركوه ويقتادوه معهم إلى الأمير. بعد ذلك اتجه الجميع إلى "ارزيو" بعد ساعتين من المشي على الأقدام، ويقول أن الإعياء كان بادياً عليه لأن جرحه يؤلمه وفجأة لاحت له "خيمة الأمير" بزخرفتها المتميزة ووجاهتها، وبعد استراحة قصيرة جاء الأمير في حراسة عشرين فارساً، وحين مثل أمامه أشار إليه بالجلوس وهو يطمئنه ويزيل عن نفسه المخاوف بل يؤمنه على نفسه فاغتنم هو الفرصة ليطلب ماء وهنا أخذوه إلى خيمة أخرى وأعطوه طعاماً وماء فأكل وارتوى. حين يصل إلى هذا الحد من روايته يسهب في وصف الأمير عن قرب، يصف أخلاقه الكريمة قائلاً بأنه يتصرف كإنسان مع الآخرين وأن حسن معاملته للأسرى شيء فريد في حد ذاته حتى أن أي أسير يستطيع لقاءه والتحدث معه، وحين يصف خيمته يقول عنها في ص 101 من الكتاب: إنها مفتوحة طوال النهار لمن يقصدها، ويعلّق قائلاً: بأن توقعاته كلها المسبقة عن الأمير كانت خاطئة "فقد دأب أعداؤه على نعته بنعوت كاذبة من قسوة وتعطش للدماء وغير ذلك، وهو وإن كان لا يذكر هؤلاء الأعداء الذين يتهمون الأمير بذلك فإننا نعرف من هم، ومَنْ من غير الفرنسيين الذين جاءوا ليحتلوا بلاده وأعلن الأمير عليهم الجهاد دفاعاً عن وطنه وأرضه. ولا بأس هنا من أذكر بالنص وصفه للأمير حين كان يتأمله وهو جالس أمامه، يقول في ص 101 وص 102: "عبد القادر في الثامنة والعشرين من عمره، نحيل، وجهه طويل، عيناه واسعتان وادعتان معبرتان، أما فمه فهو صغير حسّاس، لحيته خفيفة ولكنها سوداء وشواربه قصيرة تضفي عليه وداعة محبة، أما يداه فجميلتان للغاية..." وهذا الوصف إن دلّ على شيء فإنما يدل على أنه استطاع أن يقترب منه كثيراً ويبدو ذلك أيضاً في وصفه بعد ذلك للباس الأمير حيث يقول: إنه كان بسيطاً لا نقش فيه ولا تطريز ولكنه أيضاً يوحي لمن ينظر إليه بعظمة الشخصية مع تواضعها." وبعد كثير من الإسهاب في ذكر حياة الأمير وتعليمه وطفولته، يذكر أنه بمجرد أن عقد هدنة مع الفرنسيين أخذ يحرض العشائر العربية على الثورة ضد الاحتلال فنمّى في الشعب شعور العداء تجاه الغزاة كما أوقد فيهم المشاعر الدينية الرافضة للسيطرة الأجنبية. وهو يعزو سيطرة الأمير على السكان إلى ذكائه المتوقد وشجاعته النادرة مما أهله لأن يفرض سلطانه ونفوذه على الناس، وهو يفيض في القول فيما شاهده ولمسه بنفسه من مظاهر الاحترام والتقدير والطاعة التي يبديها له مستشاروه وقواده وكاتبه الخاص وكل من يجلسون بين يديه. ويذكر واقعة له مع هذا البطل العربي الهمام فقد سأله يوماً: "هل تريد شيئاً؟؟" وأجابه الأسير: "نعم، لقد بليت ثيابي" فأعطى أوامره وبمقتضاها حصل على عمامة وقميص وإزار وزوجاً من النعال... في فصل آخر من الكاتب يقول: إن هناك ضابطين فرنسيين هربا من جيش العدو إلى الأمير مطالبين الانضمام إليه، وكذلك فعل اثنان من الجنود الإيطاليين (من جزيرة سردينيا) مما يدل على أن معاملة الأمير لأعدائه والرحمة التي كان يتصف بها وكذلك صيت أخلاقه الكريمة الذي ذاع جعل جند أعدائه يفرّون إليه. وثمة قصة أخرى يرويها توضح لنا أخلاق الأمير عبد القادر في أنصع صورها فقد طلب منه الأسير أن يسمح له بكتابة رسالتين إلى بعض المسؤولين في جيش فرنسا كي يطلب فيهما المفاوضة لمقايضته بآخرين من الأسرى العرب. ويقول: "في الثامنة صباحاً اقتادوني إلى خيمته حيث ناولني الأمير "قلمه الخاص" المصنوع من القصب وقطعة من الورق ومحبرته الخاصة المصنوعة من النحاس وجلست على صندوق الأمانات الخاص به وراء الطاولة وكتبت ما أردت وسلمتها إليه فوعدني بإرسالها في اليوم التالي "وفرق بين معاملة الأمير لأسراه- كما تبين لنا من قبل- وبين ما نعرفه عن الفرنسيين حين كانوا يأسرون الجزائريين مثلما حدث أثناء ثورة نوفمبر المجيدة، والأحياء منهم يعرفون ما تعرضوا له من تعذيب وتنكيل وحشي، بينما عرف عن الأمير في كل مكان حلّ به تسامحه مع أعدائه بل إنه كان يحمي من يختلف معهم في الدين كما فعل سنة 1860 مع المسيحيين هنا في دمشق مما جعله محل احترام من الجميع فما بالك بجنوده وأنصاره، وقد سجل هذا الأسير مظاهر الولاء والطاعة التي يبديها الجنود والضباط والمواطنون وجماهير الشعب للأمير عبد القادر، ورأى بعينيه كيف تأتيه الوفود من كل حدب وصوب وهم يحملون المال والغذاء لجيوشه، ولاحظ كيف يأكلون جميعاً بلا طبقية أو امتياز بل أن "الأسير" يعطى له ما يأكلونه تماماً من لحم وكسكس وفواكه وغيرها، وحين كان يطلب القهوة كانت تأتيه فوراً وفي أحيان كثيرة مع لفافات تبغ من عند الأمير. بعض اللفتات النبيلة للأمير التي يذكرها هذا الأسير والتي تدل على كرم أخلاق الأمير وتدينه الحقيقي أنه في السنة التي سجل فيها مذكراته أي 1836 جيء إليه بمجموعة من اليهود (وكان عددهم تسعة 9) بعد أن فرّوا من "مستغانم" حين احتلها الفرنسيون لاجئين إلى "معسكر" حيث تولى أمرهم جنود الأمير وحين سمع بهم أرسلهم إلى "عاصمة حكمه" ولم يتعرضوا لأي ضغط أو تضييق بل كرّموا واحترمت ديانتهم لأنه كان يوقّر أهل الكتاب، ويسوق المؤلف على لسان أحدهم قوله: "عبد القادر عظيم، قوي وتقي، لقد أعادنا إلى "معسكر" مع نسائنا وأطفالنا وممتلكاتنا وضمن لنا الحماية". ومن المواقف الإنسانية أيضاً التي تبين نفسية الأمير وأخلاقه ومروءته لذات الفرد أن هذا "الأسير" طلب منه السماح له ومن معه من الأسرى بأن يسبحوا في "واد منده"- وهو نهر صغير بالجزائر- كي يزيلوا عن أجسامهم ما علق بها من تراب وغبار فأذن لهم وأرسل معهم حارساً واحداً لحمايتهم ويعلق قائلاً: "إنني لا أستطيع وصف المتعة التي شعرت بها في جسدي وأطرافي وأنا أغوص في الماء البارد...". ونادراً ما يقع هذا في تاريخ الأسر، فمن الصعب أن يتنازل قائد ويتحدث مع أسراه بهذه البساطة ويسمح لهم بالسباحة في النهر ولا يخشى هروبهم ولا سيما وأن معهم حارساً واحداً يمكن أن يعتدوا عليه ويفروا، ومع هذا فقد نظر الأمير إلى الجانب الإنساني قبل كل شيء وما أكثر مواقفه هذه تجاه أعدائه وأعداء وطنه... وبعد أن يذكر هذا الأسير تفاصيل كثيرة عن إقامته بين جنود الأمير وكيف كان يتصرف مع جنوده، وكيف هي حياته الخاصة والعامة؟ يختم كتابه بفصل عن انتهاء أسره بعد أن وافق الضباط الفرنسيون على تبادل الأسرى ويروي كيف التقى بالمساجين الجزائريين في "مرسيليا" وأراد أن يرد لهم بعض ما قدمه له الأمير أثناء أسره فدعاهم إلى وليمة ثم غادرهم إلى بلاده وهم في شوق إلى وطنهم وأسرهم. هذه شهادة من أسير فرنسي يعترف فيها بعظمة الأمير، وهناك شهادات كثيرة لا شك أنها ما زالت تحتاج إلى من يكشف عنها. وفي ذلك ما سجله "شارل هنري تشرشل" الضابط الانجليزي الذي التقى الأمير عن قرب هنا، في الشام واستمع إليه وأخذ عنه وهو في كتابه يقول في الفصل السادس عشر: "إن العناية الكريمة والعاطفة الرحيمة التي أبداها عبد القادر نحو الأسرى ليس لها مثال في تاريخ الحروب فكبار الضباط المسيحيين (وهنا يقصد الأوروبيين عليهم أن يجلسوا عند قدميه وأن يتمسحوا بهما لانحطاطهم في المعاملة". ويستطرد قائلاً: "والواقع أنه كلما كان عبد القادر حاضراً كان الفرنسيون الواقعون في قبضته يعاملون كضيوف لا كأسرى حرب، فقد كان كثيراً ما يرسل إليهم سرّياً كميات من النقود تختلف قيمتها من خمسة إلى عشرين دولاراً من جيبه الخاص وكان يوصي بهم أن يكسوا ويطعموا جيداً، بل لقد ذهب عبد القادر إلى أبعد من ذلك فمكنهم من تلبية حاجاتهم الروحية..". وهذه العبارة الأخيرة قد تبدو غامضة تعني أنه وافق على أن يرسل "أسقف الجزائر" آنذاك- بناء على طلبه قسيساً إلى معسكر الأمير فيولى مهمة تثقيف الأسرى والصلاة لهم ويكون وسيطاً بينهم وبين عائلاتهم... إن هذا المسلك الإنساني النبيل ما كان ليسلكه قائد حرب إلا الأمير عبد القادر وأمثاله من القادة الذين عرفهم تاريخنا الإسلامي الزاهر. ويروي "تشرشل" قصصاً كثيرة عن الأسرى منها أنه أُحضر أمامه ذات يوم سجينان فرنسيان فقالا له: "أيها السلطان، إننا نرغب أن نصبح مسلمين وأننا مستعدان أن نعتنق دينك". ترى ماذا كان جوابه؟؟ لقد أجابهما بالحرف الواحد: "إذا كنتما تفعلان ذلك طيب خاطر فأهلاً وسهلاً بكما، ولكن إذا كنتما تفعلان ذلك شعوراً منكما بالخطر أثناء الحالة التي أنتما عليها فإنكما مخطئان، فلو ظللتما مسيحيين- كما أنتما الآن- فلن يحدث لكما أي إزعاج ولن تمس شعرة من رأسيكما، فكرا فيما سيحدث لكما لو عدتما إلى أهليكما بعد أن تخليتما عن دينكما...". ويقول "تشرشل" أيضاً إن الأمير كان "شديد الإباء من رؤية السجينات، ذلك أن التفكير في أن تصبح المرأة ضحية للحرب كان في حدّ ذاته مصدر قلق دائم له" وذات يوم أحضر له بعض فرسانه أربع فتيات "كغنيمة هامة" فأشاح بوجهه اشمئزازاً وقال في سخرية: "إن الأسود تهاجم الحيوانات القوية أما أبناء آوى فتسقط على الضعيفة منها." وصادف مرة أن كان هو وأتباعه في ضائقة، وكان من الصعب الحصول على الغذاء، وأثناء ذلك حدثته نفسه عن الأربع والتسعين (94) سجيناً فرنسياً الذين كانوا في معسكره أسرى لديه، فأطلق سراحهم جميعاً دون فدية أو مقابل بل إنه أمر بمرافقتهم إلى المراكز الأمامية حيث تم تسليمهم إلى رفاقهم وهم في دهشة من هذا التصرف النبيل إن هناك عدداً لا يحصى من المواقف النبيلة والأعمال الباهرة التي تشهد على سمو همته وكرم أخلاقه إلى حدّ أنه قال فيه أحد كبار الضباط الفرنسيين: "لقد كان علينا أن نخفي هذه الأشياء بقدر ما نستطيع عن جنودنا لأنهم لو اطلعوا عليها لما كان في استطاعتنا أبداً أن نجعلهم يحاربون عبد القادر بنفس الاندفاع والحماسة." وقد توّج الأمير مواقفه هذه بأن جعلها مبدأ عاماً يطبق ولا يخالف، وسياسة يتوخاها كل من هُمْ تحت إمرته بأن دعا إلى مجلس عظيم ضم كل خلفائه وقواده وشيوخ القبائل وبعد الاجتماع أصدر "مرسوماً وطنياً" نسخت منه مئات النسخ ووزعت على مختلف المدن والقرى والمراكز. يقول هذا المرسوم: "لقد تقرر أن كل عربي يُحْضر جندياً فرنسياً آمناً سالماً فإنه سينال جائزة قيمتها ثمانية دولارات على الرجل وعشرة على المرأة، وكل عربي في حوزته فرنسي أو مسيحي فإنه سيعتبر مسؤولاً عن حسن معاملته وهو من الآن مأمور أن يقود سجينه دون تأخير إما لى أقرب خليفة أو إلى السلطان نفسه وإن لم يفعل فإنه يواجه أقسى أنواع العقوبات أما إذا فعل فإنه ينال الجائزة الموعودة". هذه هي أخلاق الأمير القائد الإنسان الذي لا يدور بخلده أن يعاقب أعداءه من الأسرى أو ينتقم منهم مهما نكل أعداؤه بمواطنيه أو بجنوده. وتلك شيم الأبطال النبلاء. وإذا كان الأمير يرفق بالأعداء، فإنه أيضاً يسهر على أمن المواطنين وعلى راحتهم ويهتم بأمرهم، فإلى جانب عنايته بالناحية العسكرية فإن عنايته بالشعب كانت تحتل مكانة بارزة في فكره وحياته فهو يمزج الفكر العسكري الاستراتيجي وبين المحافظة على أرواح المواطنين ويعد نفسه مسؤولاً عما يحدث لهم من جراء هذه الحرب التي استمرت سنوات وسنوات. ومن هذا ما ساقته حفيدته الأميرة بديعة في كتابها: "الأمير عبد القادر الجزائري" فتحدثت عن حنكته ووضوح الرؤية لديه رغم حداثة سنه في بدء كفاحه ضد الغزاة. فوجّه عنايته إلى الدفاع عن المدن المفتوحة- بلغة العسكريين- حتى يحافظ على أرواح المدنيين. فهو يعرف أن مدن الجزائر ستصبح ساحات لمعارك دامية وخرائب تحتضن جثث الأطفال والشيوخ، وأن النساء الجزائريات سيصبحن عرضة للقتل والسبي. لذلك عمد إلى بناء القلاع والحصون إلى جانب كل مدينة. فجعل البلاد سلسلة من القلاع تحمي المدن وسكانها. فمثلاً بنى حول "تلمسان" حصون (داكمت وسيدو وبوغار) وإلى جانب "معسكر" بنى حصن سعيدة. كما بنى حصناً جنوب الجزائر العاصمة. وجنوب مليانة بنى حصناً، وبنى حصن "بسكرة" جنوبي فسنطينة وغيرها [وتستطرد حفيدته قائلة: إن هذه الاستراتيجية التي وضعها غطت جوانب عسكرية عديدة- هجومية ودفاعية- وأمنت حماية للمدن وصوامع الحبوب ومواقع المياه ومناجم المعادن. وكان والي كل مدينة ويسمى "خليفة" آنذاك يمدّ حاميات هذه الحصون بالمؤن والسلاح.] كما أن نظام تسيير هذه الحاميات كان يلزم الضباط بأن يعيشوا داخل هذه الحصون مع جنودهم يشاطرونهم معيشتهم، وكان القانون العسكري أيضاً يأمر بدقة اختيار هؤلاء الضباط وخضوعهم لفحص دقيق قبل تسليمهم مهماتهم، وكان من بين المواصفات التي تنطبق عليهم أن يكون الضابط شجاعاً صحيح البنية ينحدر من أسرة معروفة وأصيلة، لا سوابق له وأن يكون متديناً متخلقاً بالأخلاق المحمدية. ولعل تأسيسه لمدينة متنقلة هي "الزمالة" تؤكد الجانب العسكري والإنساني معاً في شخصيته. فقد ورد ذكرها كثيراً في سيرة الأمير، ويتحدث عنها بشيء من الإسهاب "شارل تشرشل" في كتابه وكذا الأميرة "بديعة" فما هي هذه الظاهرة الفريدة في دنيا الحروب؟؟ الواقع أنه بعد فترة- أي بضع سنوات- من استمرار حرب المقاومة بين الأمير والفرنسيين، بدأت الحصون والقلاع التي حمت المدن والتي تحدثنا عنها منذ قليل تصبح غير صالحة، ولا سيما بعد سقوط حصن "بوغار" الذي كان يحوي ثكنة عسكرية ومستشفى ومعامل للدباغة ومخازن لحفظ مادة الكبريت ومعدن الرصاص الخاص بالبارود وصنع القذائف، لأن السلاح الفرنسي القوي آنذاك استطاع أن يدمر هذا الحصن وغيره، وشعر الأمير بأن الحاجة أصبحت ماسة لنظام آخر، فأنشأ "الزمالة" عام 1842 كي يحمي السكان من وحشية العدو، وعلى حد قول "تشرشل": فقد قرر أن يبعد عن مسرح الحرب كل أولئك الذين لا يمكن التخلي عنهم والذين لا يستطيع عند الحاجة أن ينقذهم". إنها المدينة المتنقلة الأولى من نوعها في التاريخ، بحيث تحولت الحصون والمساكن الحجرية إلى كتلة من الخيام تضم أكثر من (20 ألف نسمة) على ما ذكره "تشرشل" و200.000 على ما ذكرته الأميرة بديعة. وتتألف من ثلاثة أقسام: الأول لعائلته وذويه، والثاني للضباط وأسرهم والثالث لعائلات الجنود ومضارب خاصة لمعامل السلاح ومجالس القضاء والمساجد والمشافي وحتى المدارس وغيرها. كانت هذه المدينة العجيبة تتبع تحركات الأمير أينما ذهب وكانت تشاهد من بعد وخاصة في الليل حين كانت تتلألأ وتشع بالأنوار وكأنها بلد كبير غاص بالسكان، حتى أصبحت مركزاً شديد الخطورة على الغزاة، بالإضافة إلى كونها مركزاً دينياً وعلمياً فكأنها كانت معلماً حضارياً متألقاً إذ كان يؤمها طلاب العلم من المدن التي تمر بها كلما واتت الظروف، كما كانت مركزاً لانطلاق العمليات الحربية إذ كان الأمير ينقض منها كالصاعقة على الفرنسيين ويأخذهم على حين غرة ثم ينسحب سريعاً قبل أن يفيق العدو. وحين كان الجنود الفرنسيون يهاجمونها إذا علموا بموقعها لا يجدون سوى الرمال ولا يسمعون سوى صفير الرياح حتى أن هذه المدينة أذهلت كبار القادة الفرنسيين وأرقت مضاجعهم في الوقت الذي كان مشهدها- أي الزمالة- يحرك أفئدة المجاهدين ويشعل مشاعر الحماس والنخوة في أفئدتهم فتنطلق صيحة "الله أكبر" تلعلع في الفضاء. تلك ملامح بارزة من حياة الأمير الإنسان. نكتشف من خلالها روعة البطولة ونبل الأخلاق وسمو الروح فتزداد نفوسنا امتلاء بها وبعظمتها وتترسخ معاني الحرية والعدالة في نفوس الأجيال الجديدة فيعتزون بوطنهم وبتاريخه وبحضارته وأبطاله على مرّ الأيام. وإذا كنا نحتفل بذكرى وفاته التي مرّ عليها قرن وثلاث عشرة سنة، فإننا نفعل ذلك إحياء لمآثر رجل وقف مع الحق فخلّده التاريخ فبات رمزاً من رموزنا الوطنية التي نفتخر بها مع الزمن. *** بمناسبة مرور قرن وثلاثة عشر عاماً على وفاة الأمير عبد القادر الجزائري، ألقى سعادة السفير الجزائري بدمشق الدكتور عبد الله ركيبي، محاضرة في المركز الثقافي العربي بدمشق، وحضرها عدد غفير من أعضاء الجالية الجزائرية، بدمشق، وضيوف آخرون من بعنوان: "الأمير عبد القادر الإنسان..." وقد خَصَّ بها "الموقف الأدبي"... |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |