|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الانزياح بين سوينبرن والسياب ـــ حنا عبود الانزياح مصطلح أوجده النقد الأسطوري للدلالة على أن الأسطورة الأصلية تخضع لتعديل يجريه الشاعر أو الأديب حتى يلائم بينها وبين موقفه ونظرته. ولو كانت مجتمعات اليوم كمجتمعات الأمس البعيد لما كان ثمة حاجة إلى إجراء التعديل الذي يزيح الأسطورة عن أساسها وهيكلها الأولي. فنظرة الشاعر في مجتمعاتنا مضطرة أن تضع في حسابها كثيراً من المستجدات كروح العصر وظهور مخترعات حضارية ونشوء علاقات جديدة بين الطبقات الاجتماعية وتغير في الاتجاه السياسي العام، وقيام أنظمة وسقوط أنظمة... أشياء وأشياء تجبر الشاعر على استخدام الأسطورة الأولية استخداماً جديداً، كالمفاهيم الاجتماعية والقيم الأخلاقية والطموحات الفكرية. جاء في إحدى الأساطير أن ديدالوس كان سجيناً مع ابنه ايكاروس. ولا سبيل للهرب من هذا السجن إلا بالتحليق فوق البحر. أي مخرج بري يعني الوقوع في يد الأعداء. فما كان من ديدالوس سوى الإقدام على تحقيق فكرة الطيران فوق البحر، فابتكر جناحين وذيلاً وذلك بغرز ريش النسور في كتلة من الشمع على شكل جناحين وذيل. وقد تحقق له ذلك فركب وابنه الجهازين وطارا فوق البحر. أوصى ابنه ألا يحلق عالياً خشية أن يذوب الشمع وينصهر إذا ما تعرض لأشعة الشمس الحارة. والقارئ يعرف بقية قصة الأسطورة، إذ حلق إيكاروس عالياً فسقط في البحر الذي سمي باسمه منذ ذلك التاريخ. بعد آلاف السنين يظهر أديب في فرنسا هو جول فيرن (1828-1905) وهو رجل لا علاقة له بالعلم. إنه أديب بكل ما في الكلمة من معنى، إذ بدأ حياته القلمية بكتابة المسرحيات والليبرتو (حوارية أوبرالية تعتمد على الديالوغ) ولم يكن أقل من غيره إجادة لفنه الأدبي. كان يتقن التقليد الأدبي للمسرحية والليبرتو. لكنه لم يحقق شهرة في هذين اللونين من الأدب، لا لأنه فاشل، وإنما لأنه اتخذ وجهة أخرى في الأدب اشتهر بها فغطت على شهرته ككاتب مسرحي ومؤلف ليبرتي. قلنا أن فيرن لم يكن عالماً. ولكنه عاش في عصر كله علم في علم. عاش في القرن التاسع عشر، قرن الثورة العلمية. بل إن المفكرين في هذا القرن اتجهوا إلى قوننة العلاقات الاجتماعية والفنية والأدبية. أرادوا تحويل كل شيء إلى علم. جرفته روح العصر فانتقل من كاتب ليبرتو ومسرح إلى كاتب فكشن (رواية الخيال العلمي) وفعل في رواياته ما فعله ديدالوس. لقد صمم جهازاً للطيران تماماً مثلما فعل سلفه. لكنه لم يصمم هذا الجهاز من ريش وشمع، بل من حديد. ولم يجعل الذراعين يتحركان لتحقيق التحليق، بل جعل آلة جبارة تنهض بجسم الطائرة التي صممها. وقد تبين فيما بعد أن التصميمات التي وضعها كانت صحيحة صحة مذهلة وقد اعتمدها علماء الطيران وطوروها وحققوا ما حققوا من معجزات فضائية وصلت إلى "حرب النجوم". لم يفكر في استخدام الريش والشمع كما فكر ديدالوس أو عباس بن فرناس. روح العصر كانت تفرض عليه نمطاً متطوراً قوامه الآلة المحركة والحديد والمفاصل الآلية. ومع ذلك فإننا نزعم أنه لم يخرج من إطار الأسطورة الأولية: الطيران. المعروف أن حلم الطيران، وهو تجسيد لرغبة الإنسان البدائي، هو حلم قديم قدم البشرية. وله دلالة واحدة، وهي الحرية والخلاص من القيود الأرضية. إنه حركة صاعدة، أي ارتفاع الإنسان عن المستوى العادي المألوف من أجل تحقيق المزيد من التحرر والسيطرة على الآخرين. وتأتي المخترعات الفضائية الأخيرة لتؤكد الهدف من هذا الحلم البدائي: حرية الذات والسيطرة على الآخرين. من حيث الفكرة لا فرق بين فيرن وأول حلم بدائي بالطيران. الاثنان يعيشان في قلب الأسطورة الأولى. وهذا الانزياح يتجلى في تعديل الأدوات الديدالوسية القديمة، واستبدالها بأدوات استوجبها العصر وفرضها على ذهنية هذا الكاتب فرضاً. على أن الانزياح لا يقتصر على تغيير الأدوات القديمة بأدوات جديدة وحسب، بل إنه يشمل الفكرة ذاتها، إذ قد يوظف الشاعر هذه الفكرة توظيفاً جديداً، أو قد يضخم فكرة ثانوية ويجعلها تتصدر الأسطورة. إن في فكرة الأسطورة الكثير من الموتيفات الثانوية التي قد يختار منها الشاعر ما يناسب نظرته وما يعالج به الموضوعات التي يطرحها عصره. لقد رفض يوربيدس فكرة التضحية للآلهة بالبشر، رفض أن تكون أثينا قد فرضت التضحية بافيجينيا. لذلك جعل هذه الربة تهبط وتحت إبطيها أضحية حيوانية تضعها مكان افيجينيا التي تحملها بعيداً إلى جزيرة نائية وتجعلها كاهنة معبدها، إلى أن يأتي شقيقها وصديقه ليعيداها إلى موطنها، بعد مغامرات خطيرة كادت تودي بحياتهما. ما قام به يوربيدس سيقوم به الكتاب باستمرار، إذ قد يصر الكاتب على إبراز هذه الناحية من دون غيرها. ولا شك أنه للوصول إلى هدفه مضطر أن يقوم بتوليفة جديدة فيرتب عناصر الأسطورة ترتيباً يساعده في الوصول إلى غرضه. هذه العناصر الجديدة هي التي نسميها العناصر المنزاحة، أي التي لا تنطبق تماماً على مسار العناصر القديمة، بيد أن النواة الأسطورية تظل كما هي. *** فيما يلي سوف نقدم قصيدتين: الأولى لسوينبرن، والثانية لبدر شاكر السياب. وهما قصيدتان تعالجان موضوعاً واحداً وهو العالم السفلي الذي حافظ سوينبرن على بعض المرموزات القديمة فيه. وغرضه من ذلك يتركز في الناحية الجمالية، فهو من أنصار الفن للفن، وهي حركة رديفة للحركة التي سميت «ما قبل رفائيل». إنه يتوخى إبراز النواحي الجمالية التي تناسب نظرته. ولا يعني هذا أنه سطحي لم يغص إلى الأعماق الدلالية، بل إننا نرى النقيض من ذلك فقد غاص بعيداً في عمق الدلالة، لأن في هذا أيضاً خدمة لنزعته الجمالية. أما بدر شاكر السياب فإنه شرقي وله مزاج يميل إلى الاكتئاب، فلا بد أن تتلون هذه الأسطورة بين يديه بهذه الألوان. لا بد أن تتحول بروسربين إلى رفيقة. إنه يدرك أن الاسم الشرقي أوقع في النفس من هذا الاسم الروماني. أما جو المتعة والدعة الساكنة، فيحوله إلى جو من اليأس والقنوط ولا يبقى فيه بارقة أمل تذكر. وإن دل هذا على شيء فإنه يدل على أن لمزاج الشاعر يداً في عملية الانزياح، بل إن له يداً طويلة جداً. ولكن لماذا اختار الشاعران العالم السفلي حسبما قدمه التصور اليوناني ولم يختارا العالم السفلي (الجهنمي) كما صورته الديانتان المسيحية والإسلامية؟ السبب بسيط جداً وهو أن هذا التصور اليوناني يخدم الفكرة التي يريد الشاعران توصيلها إلى القراء. فالتصور المسيحي- الإسلامي- لجهنم يعتمد على عناصر لا تخدم أهداف الشاعرين فوجود الشياطين والأبالسة وسدنة الجحيم المشرفين على التعذيب، والنار المضطربة... كل ذلك يقف حجر عثرة أمام الفكرة التي يريدان التعبير عنها. إن فكرة الشاعرين تتركز على "الموت" أكثر مما تتركز على جهنم، فسوينبرن يصوره هادئاً جميلاً صامتاً في عالم لا تهب فيه سوى أنسام موهومة، والسياب يصوره عندما ينتهي عنده كل شيء. ومثل هذه الفكرة لا تبرز إذا ما اعتمد سوينبرن على الجحيم الصاخب الذي تقدمه المسيحية، ولا تبرز ما اعتمد السياب على جهنم التصور الإسلامي. والجحيم الذي طاف به دانتي هو مكان صاخب يمور بالمعذبين ويضج بالحركة، عدا الليمبوس الذي يشبه الحقول الاليزية. ومثل هكذا مكان لا يساعد في التحكم التقني الفني والسير نحو الهدف المرسوم مسبقاً قبل الدخول في العملية الفنية للقصيدة. إذن "الاختيار" هو من جملة الدواعي التي يلجأ الشاعر لتحقيق فكرته. ولكنه ما إن يختار حتى يضطر إلى استخدام المواد الأولية استخداماً جديداً انه يعيد صياغتها لتخدم هدفه خدمة مباشرة، وإلا يكون قد استعارها من غيره في غير مكانها. من الانزياح ينتج الجديد الذي يتخلق كل يوم بل كل ساعة، ما دامت هناك أقلام تكتب، من دون أن يكون ثمة خرق يسمى "النظام الأدبي"، وهذا النظام يسود عالم الأدب في كل الأقطار من غير أيما اعتبار لعرق أو دين أو جغرافيا، ولا فرق فيه بين جبل وسهل وصحراء وساحل. إنه قانون مفروض بالاختيار والحرية على الجميع. إنه مثل قانون المطر الذي يفرض عليك بصورة عفوية أن تتصرف كما يتصرف غيرك في مواجهة الهطول الغزير، فكما أن الحلم واحد لدى المضطجع في الصحراء أو بيت الإسكيمو، كذلك التقليد الأدبي هو واحد لدى الجميع، وقصيدة الحب واحدة كتبت في قمة الهملايا أو في بطاح البحر الميت، ووداع الأحبة لا يختلف بين سكان الأمازون وسكان المسيسبي. ولا يعني هذا أن وحدة التقليد الأدبي هي واحدة لدى الجميع وأشبه بمكبس تسك العملة بطبعة واحدة. إنها عملة ولكن بتلاوين لا نهاية لها. وتأثير الجبل والسهل والعرق والبيئة والنهر والبحر هي تلاوين مختلفة، لكنها خاضعة دائماً للتقليد الأولي الذي لا يتغير، لا بتغير العصر ولا بتغير الأقلام. إن الذي يتغير هو ما يفرضه انزياح الأسطورة عن أصولها الأساسية قليلاً أو كثيراً من تعديل بعض الأشياء واستبدال أشياء بأشياء أخرى. إن فيرن نحى جانباً الريش والشمع وجاء ببدائل مكانهما، ولكنه لم يخالف التقليد الأدبي قيد أنملة. بهذا المعنى يمكن الحديث عن إنسانية الأدب وعالمية خطابه ورسوخ نظامه وشمولية تقاليده. وسوف يرى القارئ كل ذلك لدى مقارنته بين قصيدتي سوينبرن والسياب من غير أن يمنع ذلك بروز البيئة والعقلية والمزاج والموقف. كل يجري ويلعب ضمن نظام الأدب. قصيدة سوينبرن ترجمناها كاملة. أما السياب فقد وزع نظرته الاسكاتالوجية على ثلاث قصائد تشكل كلاً واحداً وهي: 1-شباك وفيقة وتتألف من مقطعين طويلين. 2-حدائق وفيقة. 3-أم البروم. ونظراً لطول القصائد فإننا نكتفي بالقصيدة الثانية "حدائق وفيقة" فهي تفي بالغرض وتحقق المقصد، إذ يلمس القارئ كيف أن السياب الذي كان مطلعاً اطلاعاً جيداً على الشعر الانكليزي، وعلى شعر الرؤيا منه بشكل خاص، وقد أفلح في خلق الأجواء الشرقية بشحن القصيدة بنغمة اسيانة ملأى بالشجن وقلق الوجود والرهبة من الموت، وقد كان الموت هاجساً فاجعاً بالنسبة للسياب في تلك الفترة الشعرية من حياته. طبعاً لسنا هنا في مجال المقارنة والتقويم الفني وإنما نحن في مجال مراقبة الانزياح الذي يلحق بالأسطورة الأولى وكيف أن الشاعر يخضع لكثير من العوامل التي تفرض هذا الانزياح. فيجري التعديلات التي تتفق ونظرته مستلهماً ظروف مجتمعه ومستجداته وخاضعاً لحالته النفسية، مما يؤهله للقيام بالتعديل المناسب. وعلى هذا نكون باستمرار أمام "جديد" لا حصر له، ما دمنا أمام انزياحات لا حصر لها. إن الجديد يتخلق يومياً، إلا أنه داخل نظام صارم هو النظام الأدبي. كما أنه لا يعني إلغاء شخصية المؤلف (موت المؤلف) ولا إلغاء شخصية النص (التناص) فأنفاس السياب واضحة في هذه القصيدة وضوحها في أكثر قصائده خصوصية، على الرغم من أن الموضوع الذي يجوب في أرجائه هو موضوع اسكاتالوجي. ومهما كان الموضوع اسكاتالوجياً فإنه يظل يحمل نكهة خاصة بكاتبه. حديقة بروسربين سوينبرن هنا، حيث العالم هادئ، هنا، حيث كل الموجعات تبدو مثل شغب رياح ميتة وأمواج هامدة في أحلام الأحلام المريبة شاهدت الحقل الأخضر النامي 5 لقوم يحصدون ويبذرون لموسم الحصاد والتخزين، لعالم نائم من الجداول. *** متعب أنا من الدموع والضحك، ومن الرجال الذين يضحكون ويبكون 10 مما يحتمل وقوعه آجلاً، لرجال بذروا ليحصدوا: مرهق أنا من الأيام والساعات، من البراعم الخارجة من الأزهار العاقرة من الرغائب والأحلام والطاقات، 15 من كل شيء إلا النوم. *** هنا الحياة تهب الموت للجوار، وبعيداً عن العين أو الأذن، تعمل الأمواج الضعيفة والرياح الرطبة، فتندفع السفن المتداعية والأرواح الهزيلة. 20 إنها تسوق طوافة وهناك، لا يعرفون مَنْ ذلك هناك، لكن مثل هذه الرياح لا تهب هنا، فهنا لا ينبت شيء. *** لا مستنقع ينبت ولا أيكة تنمو 25 لا زهرة خلنج أو كرمة، وإنما براعم لا تزهر من الخشخاش، أعناب خضر لبروسربين، أحواض شاحبة لاندفاعات منفجرة، حيث لا ورقة تزهر أو تتورد، 30 من أجل خمرة الموت للموتى. *** شاحبون بلا اسم ولا رقم، في حقول لا تثمر، إنهم ينحنون ويهجعون طيلة الليل حتى يولد الضياء، 35 مثل روح وصلت متأخرة، في الجحيم والسماء بلا رفيق، ضاءلتها غيمة أو ضبابة تخرج من صباح العتمة 40 *** مع أن واحدهم كان أقوى من سبعة، فإنه أيضاً يساكن الموت، فلا توقظه أجنحة الملائكة في السماء، ولا تبكيه الآلام في الجحيم. مع أن واحدهم كان جميلاً جمال الورود، 45 فإن جماله يكمد ويزول، وكذلك حبه سوف يهمد، في الخاتمة الكئيبة. *** شاحبة خلف الرواق والمدخل. متوجة بأوراق هادئة، تقف 50 تلك التي تجمع كل الأشياء الغافية بيدين باردتين خالدتين، شفتاها الواهنتان أعذب من شفتي الحب الذي يخشى تحيّتها، لدى رجال أخلاط يلاقونها 55 من أزمان وبلدان كثيرة. *** تنتظر الواحد بعد الآخر. تنتظر كل البشر الذين يولدون، وتنسى أمها، أمها الأرض. تنسى حياة البذار وحقول القمح. 60 فالربيع والبذار والسنونو اتخذوا أجنحة وتبعوها، حيث أغنية الصيف باطلاً تصدح، وحيث الأزهار غدت مثار احتقار. *** هناك يذهب الحب الذي يذبل.65 الحب القديم بأجنحته المنهكة. وكل السنوات الهالكة تتجرجر إلى هناك، وكل الأشياء الفاجعة، الأحلام الميتة للأيام المهجورة، البراعم العمياء التي عصفت بها الثلوج، 70 الأوراق البرية التي حملتها الريح، والتائهون الهائجون لربيع الخرائب. *** لا نؤكد وجود الألم، والبهجة لم يؤكدها أحد، "اليوم" سوف يموت غداً، 75 فالزمن لا يذعن لإغواء إنسان، والحب ينمو واهناً نكداً بشفاه، لكن بتنهدات نصف نادمة، وبعينين ذاهلتين يبكي بأن لا حب يحتمل. 80 *** من الحب الجارف للعيش، من الأمل والخوف، اللذين تحررنا منهما، نشكر شكراً مقتضباً، مهما كانت الآلهة، بأن لا حياة تستمر إلى الأبد، 85 وأن الموتى لا ينهضون أبداً، وأنه حتى أضعف الأنهار يتعرج إلى أي مكان إلا إلى البحر. *** إذن لن تستيقظ نجمة ولا شمس، والنور لا يعتريه أي تغير، 90 ولا يصطخب صوت لمياه، أي صوت أو تنهيدة، لا الأوراق الشتوية ولا الربيعية، ولا الأيام ولا كل ما هو نهاري. النوم وحده هو الأبدي في ليل أبدي. 95 ** حدائق وفيقة بدر شاكر السياب لوفيقه في ظلام العالم السفلي حقل فيه مما يزرع الموتى حديقه يلتقي في جوها صبح وليل وخيال وحقيقه. تنعس الأنهار فيها وهي تجري. مثقلات بالظلال كسلال من ثمار، كدوال سرحت دون حبال. كل نهر شرفة خضراء في دنيا سحيقه ووفيقه تتمطى في سرير من شعاع القمر زنبقي أخضر، في شحوب دامع، فيه ابتسام مثل أفق من ضياء وظلام وخيال وحقيقه. أي عطر من عطور الثلج وان صعّدته الشفتان فيه افياء الحديقه يا وفيقه؟ والحمام الأسود يا له شلال نور منطفي يا له نهر ثمار مثلها لم يقطفِ يا له نافورة من قبر تموز المدمى تصعد والأزاهير الطوال، الشاحبات، الناعسه في فتور عصرت أفريقيا فيه شذاها ونداها، تعزف النايات في أظلالها السكرى عذارى لا نراها روحت عنها غصون هامسه. ووفيقه لم تزل تثقل جيكور رؤاها آه لو روَّى نخيلات الحديقه من بويب كركرات، لو سقاها منه ماء المد في صبح الخريف، لم تزل ترقب باباً عند أطراف الحديقه ترهف السمع إلى كل حفيف ويحها... ترجو ولا ترجو وتبكيها مناها: لو أتاها... لو أطال المكث في دنياه عاماً بعد عام دون أن يهبط في سلم ثلج وظلام ووفيقه تبعث الأشذاء في أعماقها ذكرى طويله لعشيش بين أوراق الخميله فيه من بيضاته الزرق اتقاد أخضر (أيّ أمواج من الذكرى رفيقه) كلما رف جناح أسمر فوقها والتم صدر لامعات فيه ريشات جميله أشعل الجو الخريفي الحنان واستعاد الضمة الأولى وحواء الزمان. تسأل الأموات من جيكور عن أخبارها، عن رباها الربد، عن أنهارها. آه والموت صموت كالظلام اعرضوا عنها ومروا في سلام وهي كالبرعم تلتف على أسرارها. والحديقه سقسق الليل عليها في اكتئاب مثل نافورة عطر وشراب وخيال وحقيقه بين نهديك ارتعاش يا وفيقه فيه برد الموت باكِ واشرأبت شفتاكِ تهمسان العطر في ليل الحديقة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |