مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 303 تموز 1996
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

النهاية السعيدة للتاريخ ـــ فاضل الربيعي

يتساءل فرنايس فوكوياما1 (مجلة ناشيونال انترست: صيف عام 1989) في مقالة شهيرة سوف تكون عنواناً لكتاب للجدل: هل هي نهاية التاريخ؟، عما إذا كانت المتغيرات الكونية العاصفة التي شهدها الربع الأخير من القرن العشرين، تقرر إلى حد أبعد مما نتصور، شكل التاريخ الذي ستتخذه الأحداث والتطورات التالية في عالم جديد ومضطرب، سمته الرئيسة التنوع المتسارع في التقدم العلمي؟ يصدر هذا السؤال أصلاً، وعلى نحو آخر، عن مفكر أمريكي قدّم قبل فوكوياما تصوّراً للعالم ولخرائط المستقبل، نعني آلفين توفلر2، الأمر الذي يعني أن سؤال فوكوياما ليس أكثر من استطراد لتصور سابق نهض الفكر السياسي والفلسفي الأمريكي (الانجلوسكسوني) على أساسه، في محاولة لفهم اللحظة التاريخية الراهنة للتبدل في طبيعة العصر. ومن أجل فهم أعمق لفكرة فوكوياما المثيرة، لا بد من العودة إلى أصلها وجذرها الحقيقي. لقد سعى توفلر إلى رسم إطار جديد فلسفي وسياسي للتطورات الجارية في العالم، وذلك انطلاقاً من تحقيب جديد للتاريخ، هذا التاريخ الذي يظهر من وجهة نظر توفلر وكأنه سبيكة متماسكة.‏

(من وجهة نظر توفلر شهد التاريخ الإنساني ثلاث موجات كبرى: الموجة الزراعية التي بدأت قبل زهاء عشرة آلاف سنة، ثم موجة التصنيع، وهذه بدأت منذ زهاء 300 عام فقط مع الثورة الصناعية، وهي توشك اليوم على نهايتها في شكلها الكلاسيكي، وأخيراً، الموجة الثالثة التي يدخل العالم الآن في قلبها لتجعل منه عالماً مختلفاً تماماً: إنها موجة ما بعد الصناعة، أي ما بعد التطور الكلاسيكي للتقنيات، بما يشير إلى تقدم تقني جديد وهائل الإمكانات لعالم الناظمة الآلية واكتشاف شيفرة الجينات. والآن لنتأمل في فكرتي الكتابين بوصفهما فكرتان تصدران عن [وعي أمريكي خالص] للعالم وللثقافة والتاريخ والحياة الاجتماعية والروحية للإنسان المعاصر.‏

(1)‏

إننا نشعر، ربما بشكل غامض ومشوش، بأن هناك تبدلاً واسعاً يأخذ طريقه في العالم المعاصر ناسفاً أس "التاريخ القديم" الذي ولد مع الموجة الزراعية ثم مع موجة التصنيع، أي التاريخ الذي تشكل وتكون في إطار التصارع والتطاحن السياسي والفكري القومي والعالمي، وباستخدام تعبير فوكوياما، الألم الذي خاض صراعاته عبر نوبات من العنف الإيديولوجي. ومع ذلك يظل من المشكوك فيه، الاستنتاج المبكر الذي خلص إليه فوكوياما بأطروحته هذه من أن القرن الحالي كان قرن انتصار "الديمراطية" والليبرالية الغربية على سائر الأشكال والتصورات والأفكار التي أنتجها العالم غير الغربي، وبالتالي من المشكوك فيه أن يبدو التاريخ وكأنه أتم دورة كاملة وعاد إلى نقطة البداية، لا إلى نهاية الايديولوجيا أو التلاقي والتماهي بين الرأسمالية والاشتراكية كما كان متوقعاً في وقت ما من الأوقات، وإنما إلى نصرٍ مؤزر لليبرالية الاقتصادية والسياسية.‏

يرى فوكوياما أن جوهر التبدلات الجارية في العالم المعاصر، يذهب إلى أبعد من السياسات العليا في الأنظمة والدول، وأن ملاحظة الانتشار الحاسم لحضارة الغرب الاستهلاكية في مجالات مختلفة مثل أسواق الفلاحين وأجهزة التلفزيون الملون في كل أنحاء الصين، ومن محلات الملابس الجديدة في موسكو وموسيقى الروك في براغ، هي المؤشرات الفعلية لهذا الانتشار. من المهم أن نلاحظ مرامي ومقاصد هذا النمط من فهم انتشار الحضارة الغربية بوصفه جوهر انتصار الليبرالية، وهذه فكرة طالما ألحّ عليها الفكر السياسي الأمريكي منذ سبعينات القرن الحالي. لقد سبق لزبنغيو بريجنسكي (مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق) أن تنبأ في كتاب شهير يحمل عنوان (بين عصرين)3 بالأثر الحاسم لنمط الحياة الغربية كنمط عالمي. بهذا المعنى، فليس ما نشهده مجرد نهاية للحرب الباردة كما يرى فوكوياما، بل هي "نهاية التاريخ"، أيَّ نقطة النهاية في تطور البشرية الايديولوجي. ولكن أين يرى فوكوياما هذه النهاية التي تتوج انتصار الليبرالية الغربية؟ إنها في المقام الأول في مجال الفكر والوعي.‏

على أن فكرة "نهاية التاريخ" التي يستلهمها فوكوياما من ماركس وهيجل، ليست أكثر من اصطلاح لوصف الاتجاه العام للتطور التاريخي في المجتمع الإنساني، فهذا التاريخ لن يبلغ نهايته إلا عبر حل جميع التناقضات من خلال السيطرة التامة للإنسان على بيئته وسيطرته على الطبيعة وتغييرها بواسطة الاستخدام المكثّف للعلم والتكنولوجيا. إن فوكوياما نفسه لا يجد مفراً من اللجوء إلى كفالة فيلسوف روسي مغمور قرأ هيجل قراءة معمقة: إنه كوجيف، الذي رأى قبل فوكوياما بكثير، أن انتصار الثورة الفرنسية كان "نهاية التاريخ"؟! وذلك لأن الثورة الفرنسية وضعت أس الجمهورية المنشودة بالمعنى الأفلاطوني، أي الدولة التي تظهر عند نهاية التاريخ كدولة ليبرالية. وبخلاف ما ذهب إليه ماركس من أن الدولة سوف تختفي عن أنظارنا عند نهاية التاريخ، تصوَّر كوجيف أن هذه الدولة ظهرت مع الثورة الفرنسية، ضارباً عرض الحائط بفكرة ماركس الثمينة القائلة أن الدولة سوف تقوم بالإجهاز على نفسها وتبديد وظيفتها ؟؟ كجهاز مُسلّط على المجتمع. إن الدولة في مفهوم ماركس لم تبدأ إلا كجهاز في خدمة المجتمع ولكنها تحولت إلى جهاز للتحكم فيه.‏

هذه الدولة التي بشّر بها كوجيف معارضا ماركس/ ومتصالحاً مع هيجل، هي "الدولة المتجانسة الجامعة" التي تظهر حين تكون جميع التناقضات السابقة قد حُلّت (وجميع الاحتياجات البشرية قد لُبيت ولا يكون ثمة كفاح أو نزاع على قضايا كبرى، وبالتالي ليس ثمة حاجة إلى جنرالات أو سياسة، ولا يكون قد بقي في الأساس غير النشاط الاقتصادي للبشر). إن هذه الفرضية (تراجع كل النشاط السابق وبقاء النشاط الاقتصادي للإنسان كأساس لكل الوجود البشري في نهاية القرن الحالي) تشكل مصدراً ملهماً من مصادر أطروحة غورباتشوف في البيروسترويكا، الذي بنى مفهومه للعالم على أساس أن جوهر الصراع المقبل ينتقل من حيّز القوة وتوازنها إلى حيّز المصالح وتوازنها، وأن التنافس العالمي المتبدل لن يعود إثر ذلك ذا طبيعة عنفية (عسكرية) بل اقتصادية، وهذه عينها الفكرة التي شكلت جوهر فكرة آلفين توفلر عن الأثر الحاسم للتطور التقني في العالم وفي التاريخ. وفي الواقع فإن هذه النزعة الاقتصادية للعالم لا تخلو من الابتذال، ولعلها صورت في سياق ماركسية جابهها الغرب نفسه بضراوة رافضاً كل تصورها عن الأثر الحاسم للاقتصاد في الحياة البشرية. إن الغرب المنتصر على الشيوعية، يعود عبر فوكوياما وتوفلر إلى استخدام فرضية ماركسية سبق له أن وصفها بالابتذال مندداً بنزعتها الاقتصادية، لأن المشكلات الإنسانية ستظل أكثر تعقيداً وتشابكاً من هذا الجوهر الاقتصادي المحض.‏

يستدرك فوكوياما في سياق فهمه لكوجيف، متسائلاً، ترى كيف وجد كوجيف نفسه مفعماً بالجسارة ليؤكد أن التاريخ قد انتهى؟ ولذا سوف يقول فوكوياما إن علينا قبل كل شيء أن نفهم معنى المثالية الهيجلية، التي تقوم من بين ما تقوم عليه، على أساس أن التناقضات الجارية في نطاق التاريخ، إنما هي وقبل كل شيء، كامنة في مجال الوعي البشري بينما تقوم الماركسية المناوئة لهيجل جذرياً على أساس ثان مختلف كلية، يقول من بين ما يقول، أن التناقضات كامنة لا في وعي البشر لأوضاعهم التاريخية بل في الأوضاع نفسها. بهذا المعنى يأخذ فوكوياما من هيجل مباشرة دون وسطاء ماركسيين أو كنيزيّين (نسبة إلى كينز) تأويلاً ملائماً لأطروحته عن الأفكار كقوة مستقلة لا كبناء فوقي ينجم عن أرضيات اقتصادية، ولكي يطبق هذه الأطروحة في حقل واقعي ومنظور، فإنه سيرى في اضمحلال الدولة الكبرى عملاً ناجماً لا عن إفراطها في التوسع الاقتصادي بل عن عوامل كامنة في الوعي، وذلك أن تبديد الأموال في الإنتاج الكبير وفي الاستهلاك، مسألة تعود إلى مجال وعي المجتمع بذاته. ومن الواضح أن هذه الفكرة المفرطة في مثاليتها، المشوشة إلى حد بعيد، تلقى تفسيراً أفضل عند آلفين توفلر في [خرائط المستقبل]4 الذي يقيس فيه ما يسمى بـ"الرجفات الأولى لزلزال اقتصادي" ذي طابع عالمي بما هي مؤشرات ناجمة عن توسع من نوع مختلف ومتسارع في مجال التقنيات، وأن هذا التوسع من شأنه أن يدفع إلى التلاشي بكل ما يتصل بالإنتاج المكثف، أي الشركات الكبرى والدول الكبرى كذلك.‏

إن كل ما يجري أمام أنظارنا اليوم، من وجهة نظر توفلر، لا يمكن مقارنته إلا بزوبعة تكتسح كل شيء والإشارات الصادرة عن هذه الزوبعة هي إشارات عميقة التأثير.‏

لا بد هنا من القول إن فكرة توفلر عن التحقيب الجديد للتاريخ، على أساس الموجات الثلاث، الزراعية والصناعية وأخيراً ما بعد الصناعة لا تمثل نقداً للتحقيب الماركسي المعروف على أساس المراحل الخمس (بدائي، عبودي... الخ) بل إعادة إنتاج لها، وهذه المرة طبقاً لإعادة ترتيب ينسجم مع نزعة تقنوية ينتشي بها الغرب وفكره في نهاية القرن.‏

(2)‏

يلاحظ فوكوياما أن العيوب القديمة والعميقة للاقتصاديات الاشتراكية (السابقة) كامنة في الأساس، في انتصار فكرة على فكرة أخرى، وبكلام ثان: انتصار الكسل الكاثوليكي على روح المغامرة والتجديد البروتستانتي. على هذا النحو يُدخل فوكوياما عوامل التراث الثقافي والروحي والعقائد الدينية في العالم الرأسمالي، كعوامل دفع وتنشيط لليبرالية، فيما هي في العالم الاشتراكي (السابق) عوامل كبح وإعاقة كاثوليكية المصدر. إن فهم العمليات الكامنة في التاريخ يتطلب معرفة الكيفية التي يتشكل فيها العالم المادي بواسطة الوعي وانطلاقاً منه، فإدراك الإنسان للعالم المادي يتشكل كنتيجة وخلاصة لوعيه التاريخي بالعالم، وهذا الأخير يعيد تشكله ويلعب في ميدان التأثير العكسي دوراً مماثلاً لما يسميه توفلر بـ"التغذية الاسترجاعية" القائمة على قاعدة العلاقة بين التقدم التقني والقيم الاجتماعية، وبالتالي فإن الليبرالية الغربية يمكن توقعها عند نهاية التاريخ بتعزز الوفرة والاقتصاد الحر والحديث.‏

إن الدولة الجامعة، المتجانسة، التي هي نهاية التاريخ، هي في الآن ذاته دولة الديمقراطية الليبرالية في الحقل السياسي. الفكرة الآنفة، فكرة إطلاقية يكمن عيبها الجوهري في افتراضها أن الليبرالية الغربية هي الحل الوحيد الممكن للمجتمع البشري، وبذا يتحول إلى (دين) وعقيدة جامدة، سبق للغرب أن نقد ما يماثلها في ماركسية ماركس، حين اعتبر أن الشيوعية هي بمعنىً ما من المعاني نهاية التاريخ مع زوال الدولة في شكلها الكلاسيكي وقيام المجتمع الإنساني بحل مشكلاته في نطاق تكافلي شديد المثالية. ومع ذلك ثمة فكرة أو فرضية أخرى أقل تشوشاً وأقل إطلاقية سنجدها عند توفلر، الذي سيرى أن الإنتاج المكثف كسمة من سمات الليبرالية الغربية في حقلها الاقتصادي، هو في سبيله اليوم إلى الزوال (السيارات، الصلب، الكاوتشوك النسيج) وأن الهيكل العظمي للاقتصاديات الصناعية التقليدية يحتضر ليحل محلها وبصورة موازية نمو متفجر في قطاع الالكترونيات والمعلوماتية والناظمات الآلية والملاحة الفضائية وعلم المورثات، الأمر الذي سيضع مستقبل هذه الليبرالية فوق كف عفريت، إذ بزوال انتصارها الاقتصادي ستكون مضطرة إلى تبديل نظرياتها تبديلاً كلياً وشاملاً. إن فوكوياما المسكون بهاجس انتصار الليبرالية الغربية على التحديات الثقافية التاريخية المتعاقبة (الفاشية، الشيوعية، وأخيراً الإسلام) لا يستطيع انطلاقاً من فرضيته عن نهاية التاريخ اللاليبرالي، إلا أن يرى ومن دون أدنى حرج، أن التناقضات الكبرى في الغرب يمكن أن تسوى فقط على يد دولة قوية، معارضاً بذلك فكرة ماركس القائلة إن المجتمع الليبرالي يحوي تناقضات لا يمكن تسويتها في إطاره، بل إن فوكوياما يبني كل الأساس المتين لفرضيته فوق ملاحظة عابرة لكوجيف عن أن النزعة إلى المساواة بين البشر في أمريكا الحديثة قد حققت الأساس للمجتمع اللاطبقي الذي أراده ماركس. أما فقر السود في أمريكا، وأشكال الجريمة المنظمة، ومظاهر اللامساواة العديدة، فإنها مجرد مسألة تتصل بتراث العبودية والعنصرية، الذي استمر لفترة طويلة بعد إلغاء العبودية رسمياً. يمكن لناقد هذه المقالة المكتوبة فيما بعد بشكل موسع ككتاب يحمل عنواناً مثيراً: نهاية التاريخ؟ أن يحصر تحليل فرضيات فوكوياما بعد تجريدها من بلاغاتها الفلسفية، وحتى من إطارها السياسي الآني، في النقطة التالية: هل ثمة منافس إيديولوجي لليبرالية بعد تلاشي الفاشية ثم الشيوعية عن المسرح الفكري العالمي؟ إذ على غرار سؤال فوكوياما، تتكرر في الفكر الغربي الحديث أسئلة تنطلق من لغة ظافرة مترعة بأحاسيس النصر في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي أين منها الانتصار على الفاشية! ومع ذلك هناك منافسان محتملان يمكنهما أن يفسدا هذه النهاية السعيدة للتاريخ: الدين والقومية.‏

(3)‏

يلاحظ فوكوياما أن السلفية الدينية المزدهرة خلال السنوات الأخيرة في كل من البيئات المسيحية واليهودية والإسلامية، يرتبط بنبذ المجتمع الاستهلاكي لقيم الخواء الروحي، وبنفور هذا المجتمع من مظاهر الفساد في القيم الاجتماعية الذي ميّز الليبرالية نفسها. بيد أن هذه الظاهرة تثبت مع ذلك في الواقع مسألة كون المجتمع الليبرالي الاستهلاكي هو مصدر عدم الارتياح هذا مثلما يثبت صلة الليبرالية بالخواء الروحي، وبذا يرد فوكوياما الظاهرة برمتها إلى سبب افتراضي آخر هو أن الليبرالية من الناحية التاريخية تمثل إنشاء سياسياً واجتماعياً برز بفضل ضعف المجتمعات القائمة على الدين؛ ولم يلاحظ أن هذه المجتمعات إنما تجرد في الواقع العملي من شروطها الروحية بفعل قوة ضغط الشروط التي تقترحها الليبرالية لإعادة تأسيس العالم. يبدو الإسلام في نطاق هذه الفكرة عن نهاية التاريخ بوصفه الطرف الوحيد في ظاهرة التحدي الثقافي السلفي لليبرالية، لأنه يتطلع إلى فرض موديل ثيوقراطي، بينما يُشيح فوكوياما بوجهه عن الموديل الثيوقراطي القائم منذ زهاء خمسين عاماً في قلب الشرق الأوسط، نعني (الدولة العبرية) ولا يرى فيه تحدياً للثقافة الليبرالية. أما القومية فإنها لا تزال تلعب بقوة في الميدان السياسي العالمي دورها كخطر داهم بوجه هذه الليبرالية، ولذا يتعين مواجهة أسئلتها المطروحة انطلاقاً من هذا الإحساس بالذعر.‏

***‏

نحن اليوم حيال عنف جديد يواجه العالم، لا يصدر في الواقع عن الدين أو القومية، وإنما عن تحد من نوع مختلف، إنه عنف جديد وغير مألوف من الناظمات الآلية والأقمار الصناعية، وحيث تحتضر بعض مظاهر العصر الصناعي وتزدهر فوق أنقاضها أو بجوارها صناعات الموجة الثالثة. هذه التي سوف تجلب نوعاً من الحل للمعضلات القومية والدينية والإثنية يقوم على أساس توزع جديد للسلطة في العالم، تنخرط فيه الطبقات والأجناس والعروق في قلب عملية تاريخية، أساسها الشراكة الفعلية. فأي مكان سيترك لعالم القومية ما دام لا يرى فيها إلا تحدياً لليبرالية الغربية؟‏

طبقاً لوجهة نظر آلفين توفلر، وبالضد من فوكوياما، فإن تفوق العنصر الأبيض مبتكر الليبرالية على أجزاء فسيحة من الكرة الأرضية، هو ظاهرة تاريخية حديثة العهد 300-400 سنة فقط، وأنه الآن على عتبة انحداره، وسيصف أحفادنا في غضون ألف عام، هذه القرون القليلة الأخيرة على أنها كانت قروناً بيضاء أو فاصلاً أبيض في حياة البشرية، بعدما عاشت من قبل فاصلاً أسود في عصور العبودية. وفي إطار توزيع عرقي جديد للسلطة في العالم كما سيقول توفلر، يمكن للمرء أن يلاحظ بعض السمات الهامة، منها الصعود المدهش لقوة العرب المالية والسياسية خلال سنوات السبعينات والثمانينات من هذا القرن، ولكن هذا الصعود يمكن نسْبُه من الآن فصاعداً إلى الماضي مع تدهور هذه القوة وانحطاطها، ومع ذلك يجوز الافتراض في سياق هذا الأمل التاريخي بتوزيع جديد للسلطة لأن قوة العرب ستعود إلى الظهور مجدداً في مسرح التاريخ. سوف يشكلون جزءاً من السلطة في العالم بإضافة كل من اليابان وتايوان وهونغ كونغ وسنغافورة وكوريا الجنوبية. وبملاحظة معدلات النمو التي تزخر بها آسيا جنوب غرب المحيط الهندي، يمكن رؤية شعوب أخرى وهي تتقاسم السلطة مع الأمريكيين والروس والأوربيين، بما يضع نهاية حقيقية للفاصل الأبيض في التاريخ لتحل محله حزمة ألوان عرقية. إن تكاثر الناظمات الآلية في آسيا، والاستخدام المكثف في الصين للآلات المعالجة للنصوص، ومع استمرار الأقمار الصناعية بضخ فيض من المعطيات عن مناطق المحيط الهادئ التي كانت معزولة في السابق يتعاظم الشعور بالشراكة. وإذا ما فهمنا فكرة توفلر جدياً فإن ثمة معنىً تنطوي عليه هذه الواقعة: إذ يؤلف حملة الشهادات في الهند وسنغافورة، برامج مخصصة لناظمات آلية في مانهاتن أو مينيابولس مزاحمين الأميركيين والأوربيين، بل إن لدينا فرصاً كبيرة أيضاً كما يقول توفلر لرؤية مد قوي من النفوذ المالي والثقافي آتٍ من الشرق الأوسط ليدوي في الغرب.‏

***‏

إن المعطى التاريخي الجديد للنفوذ والسلطة في العالم، سوف يقدم وضعية جديدة تماماً تقوم على قاعدة نبذ سياسة ابتعاد الشعوب من الشراكة في صياغة حضارة الموجة الثالثة، أي في إرساء قاعدة جديدة يحل فيها الفاصل الملون محل الفاصل الأبيض. في سياق هذه الفكرة يعتقد توفلر بخلاف فوكوياما، ومن دون أي إحساس بالنشوة لانتصار الليبرالية ونهاية التاريخ، أن على الأمريكيين والروس أن يتعوّدوا خلال السنوات العشرين أو الثلاثين القادمة على التقسيم الجديد للسلطة في العالم، وبالطريقة ذاتها التي أجبرت فيها بريطانيا وفرنسا على الإذعان لضياع امبراطوريتها، وذلك بإحداث صدمة نفسية وثقافية (واستطراداً اقتصادية) من أجل تمكين العالم من تقبل هذه الشراكة. بكلام ثان، نبذ العنجهية الثقافية التي تضاعف منها بعض المصالح الخاصة التي لا تزال تعمل في عقول الأمريكيين. بيد أن لفوكوياما نظرة مغايرة بما هو ممثل حقيقي لهذه العنجهية الثقافية في الغرب، فالقسم الأعظم من العالم الثالث لا يزال يتخبط في "أوصال التاريخ" وأنه لا بد أن يكون ساحة صراعات ضخمة خلال سنوات قليلة. وحتى مع تلاشي الشيوعية فإن العالم لن يكون موحداً هذا إذا كانت الايديولوجيا هي التي تعيق بالفعل وحدة العالم لا المصالح الكامنة تحت جلدها.‏

(4)‏

باستخدام تعبير آلفين توفلر، فإن العالم برمته يملك اليوم إحساساً حقيقياً مدعماً بالوقائع، بأن إعصاراً من التغيرات التي لا رابط بينها، آتٍ ومن دون إبطاء، لن تكون فيه نهاية التاريخ هي بداية انتصار الليبرالية الغربية، بل إن هذه سوف تمضي إلى حتفها مع صناعات العالم المتحرر من طفولته الصناعية والمندفع إلى ما وراء الصناعة. ستكون الليبرالية مثل الشيوعية مجرد ذكرى من الماضي.‏

1 مفكر ياباني الأصل، أمريكي الجنسية، رئيس دائرة التخطيط السياسي في الخارجية الأمريكية.‏

2 آلفين توفلر، مفكر أمريكي، انظر: خرائط المستقبل، ترجمة أسعد صقر/ دمشق 1987.‏

3 بريجنسكي، بين عصرين، بيروت 1970.‏

4 مصدر سابق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244