مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 303 تموز 1996
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

العاشق رواية: /مرغريت دورا/ ـــ بدور عبد الكريم

[مرغريت دورا: كاتبة فرنسية مشهورة توفيت قبل أشهر عن عدد كبير من الروايات والسيناريوات مثل سيناريو فيلم "هيروشيما يا حبيبتي" الذي نال عدة جوائز وتأتي هذه الدراسة لروايتها المعروفة "العاشق" والمترجمة إلى العربية مشاركة متواضعة في إحياء ذكرى تلك الكاتبة الفرنسية الكبيرة.]‏

أحجية /البيضة والكتكوت/ هل هي محض تسلية أو جدل نافل؟‏

إذا اتفقنا على تجاوز هذا الاعتبار ألا تشي بأنها غواية معرفية، لها نبض السر، وأفق السؤال، فلا البدء بدء محض، ولا النهاية نهائية، يتسع الشرك، وتهرب الإجابة، كلما أوغلنا في البحث عن طرفيها.‏

لرواية العاشق منطق شبيه. لغز معرفي ما زال غير بعيد عن وحش طيبة، وقد تفجر على يدي أوديب، لكنه ما زال حياً، ربما أكلته الشمس، صار غيماً، صار مطراً، صار ماء، صار نبت الأرض، صار طاعوناً وخوفاً وفساداً وجنوناً وقنابل ذرية، وانفطرت طيبة في كل المدن.‏

يقول نيتشه: ليست حكمة العصور وحدها هي ما يسري فينا، بل إن جنون هذه العصور ليسري فينا بالمثل، ما أخطر أن تكون وريثاً، وإنسان هذا القرن وريث الحياة والأسطورة والسؤال، هو أيضاً وريث الاغتراب والجنون والدمار. "بسرعة عظيمة مضت أيام حياتي حتى تجاوزتني وفات الأوان. في الثامنة عشرة كان الأوان قد فات أيضاً... لقد شخت في سن الثامنة عشرة" سنعرف هذا الوجه المدمر على امتداد الرواية، سنراه في الوجوه الأخرى، كما سنراها فيه، دون أن نعرف إن كان له اسم أم لا. فليس في الرواية بطل تراجيدي كفاوست أو الملك لير أو هاملت ولا طافح بالحياة والحضور الإنساني العملاق كزوربا، حتى أن شخوصها بلا أسماء، يتحركون من خلال مواقعهم، لكنهم يشكلون وحدة متكاملة ووجوهاً متعددة لشخصية إنسانية تقف بصلابة مذهلة في مواجهة الشك الديكارتي نفياً له من موقعه، فهي تختزن قدرة على الوجود بمقدار نفيه كانفجار نووي حضوره الأقوى لحظة الانفجار والدمار وقدرة هائلة على وعي هذا الغياب لحظة الحضور، وهذا الحضور لحظة الغياب "قصة حياتي غير موجودة، وذلك كله غير موجود ليس ثمة محور أبداً، لا طريق، لا حظ، هناك أماكن شاسعة تدفعنا إلى الاعتقاد بوجود إنسان وهذا ليس صحيحاً، لا أحد هناك" وحتى نستطيع ملامسة هذه الحياة الهاربة وغير الموجودة وحتى نستطيع ولوج تلك /الأماكن الشاسعة/ مع ذاك الإنسان غير الموجود سنقسم الشخصيات اعتبارياً مع أن قسمتنا هذه فيها كثير من التعسف- إلى مجموعتين 1-ما نستطيع تسميته الشخصيات الفعالة، أو نقاط التماس الساخنة- بين الأنا والعالم 2/ شخصيات الخلفية إذا استعرنا أحد مصطلحات الفنون التشكيلية.‏

1/المجموعة الأولى:‏

الأم، الأخ البكر، الأخ الأصغر، العاشق /صيني شولين/ والراوية، التي هي حيناً الابنة، وحيناً الأخت، وحيناً العاشقة، فهذه التحديدات مجرد قواقع لشخصية واحدة، كما أنها هي نفسها قد تتماهى في واحدة من الشخصيات الأخرى، أو تحتويها أو تتجاوز معها، أو تتحد بها أو توازيها، بحيث نستطيع القول إن هذه الشخصية هي أي من الشخصيات الأخرى وسواها في الوقت ذاته.‏

فالعلاقة مع الأم مثلاً قد تأخذ شكل التماهي/ عبرت الغرفة صورة المرأة ذات الجوارب المرقعة وبدت أخيراً كأنها الطفلة ذاتها/ أو قد تأخذ شكل تجاور ضمن حالة أعم من التماهي المركب، فهي الطفلة الميتة التي تحملها الأم المجنونة معها من ألفي كيلومتر، تقدمها لمتسولة الشارع المجنونة، كما لنفسها- الأم- وقد تماهت فيها، عطاء لاغياً فاقد الجدوى، فهو عطاء عديم الحياة/ لقد نامت دائماً في ظل أشجار التفاح الكافورية... وكانت أمي هناك دائماً، قريبة منها تهتم بقدمها التي قرضها الدود وتكوم عليها الذباب، وإلى جانبها بنت القصة الصغيرة، تحملها معها من ألفي كيلومتر، إنها لا تريد منها شيئاً، بل إنها تعطيها، هيا، خذي لا أطفال أبداً، لا طفل، كلهم أموات... وهذه التي ترقد تحت أشجار التفاح الكافورية، لما تمت بعد، إنها هي التي ستعيش مدة أطول، سوف تموت في داخل البيت/...‏

أو ربما تأخذ شكل احتواء يندغم في مفاصل الحياة والألفة، كما يندغم في الموت كأنه ألق الصوت (أستطيع أن أكون فاتنة، رغم أنني كنت مسكونة بصوت أخي، أما الصوت فله شريكة واحدة، هي أمي).‏

علاقة المجاورة في المكان والزمان الموضوعيين تتولد وحدة خاصة بها، مفصلة على مقاسها (إذا جاز التعبير) (في تلك اللحظة كانت قد بلغت الثامنة والثلاثين للتو، وعشر سنوات عمر الطفلة آنذاك، وهي الآن في السادسة عشرة تتذكر الماضي... السيدة على شرفتها... المفرق ذاته يفصل السيدة والفتاة ذات القبعة المسطحة الرقيقة عن الناس الآخرين في المركز... الاثنتان كلتاهما معزولتان، وحيدتان، ملكتان فقدتا السمعة).‏

إنها في موقع الأخت لكلا الأخوين، البكر والصغير، لكنها اثنتان أيضاً بالنسبة لهما فعلاقتهما بالأخ البكر علاقة توازي، تماهي مضاد، هي الموازي النقيض للشخصية، أو هي الشخصية ونفيها. (إن عنف أخي البكر هذا، البارد، المهين، يرافق كل ما يحدث لنا كانت حركته الأولى هي المقتل وحذف الحياة. والاحتقار والطرد وإيلام الآخرين... إن الشخص الوحيد الذي يخافه الأخ البكر والذي يضطرب أمامه إنما هو أنا) (أننا متشابهان إلى حد مثير، خصوصاً في الوجه).‏

أما بالنسبة للأخ الأصغر فعلاقة التماهي تأخذ شكل اتحاد (ومنذ اللحظة التي ادركت فيها تلك المعرفة السهلة جداً، أي معرفة أن جسد أخي الأصغر أصبح جسدي أيضاً كان علي أن أموت، ولقد مت فعلاً، لقد ضمني أخي الأصغر إليه، سحبني إليه وأنا ميتة).‏

أما في ما يتعلق بـ"عشيق شولين" فستأتي على ذلك لاحقاً.‏

هذه هي الشخصيات المحورية وكلها بلا أسماء، ننسى أنها بلا أسماء، وعندما يرد الاسم فجأة في مكان ما من الرواية، متعباً ومكدوداً، نكاد لا نحس به، يمر بكامل تعينه لكنه مفرغ من العظم واللحم والدم، كالظل يمر معلناً هويته، ولكنه يبقى محايداً، كأننا لم نعد بحاجة إليه، يصبح شبيهاً باسم يقرؤه محقق بعد اكتشاف خيوط الجريمة قد يعين أو يشير إلى ما قد عرف، لكنه لا يضيف شيئاً.‏

يطغى الحدث والحركة، يتعينان في الشخصية فتكتسب تحديداً وتشكيلاً، يعلن عن وجه سافر الإيحاء مستتر الملامح، هو بالتأكيد ليس لفاوست أو زوربا، لكن بينه وبينهما صلة قربى، نوعاً من الوجه الآخر.‏

في المقابل تتمتع شخصيات العاشق بالرغم من امتلاكها بلا اسم بقدرة هائلة على الانسحاب ليس من أسمائها فحسب بل حتى من أجسادها، كأنما هي سرابية كونها كما هي بالضبط في عدم كونها كما هي، والتقاطها بدقة، في عدم التقاطها، ماري كلود كاربا نتيز، بعد وصف دقيق نتابع فيه حياتها وأوصافها، تنسحب منا (كانت أثوابها تشترك كلها في شيء لا أعرفه، شيء يفلت مني، ويجعل تلك الثياب وكأنها ليست لها تماماً بل كأنها سترت بها من قبل جسداً آخر مشابهاً لها، إنها ثياب محايدة دقيقة، فاتحة جداً، بيضاء، مثل الصيف في قلب الشتاء).‏

بيتي فيرنانديز (لم يبلغ أي شيء كما لها، ولن يبلغ أي شيء في المستقبل كما لها لا الظروف، ولا العصر والبرد، ولا المجاعة، ولا انتصار ألمانيا، ولا فضح الجريمة فضحاً كافياً، إنها تقطع الشارع فوق تاريخ هذه الأشياء، مهما كانت رهيبة... آل فيرنانديز متعاونون مع العدو).‏

ككل شيء في الرواية، قوة الحضور في قوة الغياب، أو هي هذا الغياب (تلك القصة المشتركة، التي تدور حول الخراب والموت، قصة هذه الأسرة... والتي تفلت أيضاً من إدراكي، والتي هي غير مقبولة لدي، مختفية في أعماق جسدي، وعمياء كالوليد في يومه الأول).‏

طيلة عام ونصف من الحياة المشتركة مع "عشيق شولين" طيلة عام ونصف من ممارسة الحب، لم يكن هذا الحب موجوداً، والآن ها هو ذا حاضر بكل قوته بعد غيابه، لقد أصبح شبيهاً بخلود الأخ الأصغر عبر الموت (إنها لم تكن واثقة من حبها له، فهي لم تر ذلك الحب، لأنه ضاع بين طيات التاريخ، كما يضيع الماء في الرمل، وها هي ذي الآن تعثر عليه في هذه اللحظة من الموسيقى، الموسيقى التي تقذف عبر أمواج البحر... وهذا شبيه بخلود الأخ الأصغر عبر الموت).‏

يخيم هذا المناخ على الرواية، يصبح هواءها وماءها، يصبح جسدها الخفي (المفزع في الأمر... كان يكمن في جلوسها هناك في المكان ذاته الذي كانت تجلس فيه، عندما حدث التبادل بينها وبين ذلك الشخص الذي حل محلها، ويكمن أيضاً في أنني الوحيدة التي أعرف أن أحداً آخر لم يكن هناك في مكانها، بل بالضبط كنت أعرف أن هذا التقمص الذي لم يكن قابلاً للتعويض من أي إنسان آخر، كان قد اختفى... لقد أصبحت مجنونة وأنا في كامل عقلي).‏

وتتولد إمكانية السؤال عن العقل من قاع اللاعقل نفسه... وإمكانية السؤال عن الجنون، تتولد مع اكتمال الإدراك، كما تتوفر من جديد إمكانية إدراك ماهية الوجود من خلال هذيان يجمع في صورة- وهم- مواز للحقيقة- أو لا واقع مواز للواقع بين وجود هذا الواقع ولا وجوده.‏

صفقة فاوست، مسألة واضحة، معلنة، لطرفيها على الأقل، تحقق نوعاً من عمالة نوعاً من مشروعية بين هذين الطرفين المتعاقدين، يوافق فيها كل منهما على بنود عقده مع الآخر، الصفقة هنا مقلوبة ومستترة، فالنهاية لا تتلو البدء، بل توازيه، وقد تسبقه، كأنما هي حصيلة لصفقة لم تقبل، كما أنها لم ترفض، فهي أصلاً، كأنما كانت موضوعة دائماً في حيز التنفيذ الإجرائي، في الزمن، لكن خارج التوقيت، بين يدي أطرافها، لكن وقد غدا فاوست شاهد النطق بالحكم عليه، وتعضى الشيطان في كل شيء حتى استتر، إنها الصفقة الخفية والحضور المغيب، وإنسان هذا الزمن (لقد كانت هذه الشيخوخة القاسية، ولقد رأيتها وهي تستولي على ملامحي الواحد تلو الآخر، وتغير العلاقة التي كانت قائمة بينها... وبدلاً من أن يصيبني الفزع، رأيت هذه الشيخوخة في وجهي تكتمل، بالاهتمام نفسه الذي يمكن أن أبديه من استغراقي في المطالعة مثلاً). لا قرارات، شخصيات "العاشق" تحايث قراراتها، لا تتخذها بحيث تكاد تصبح أدوات تنفيذ لقرارات ليست لها تماماً، حتى حينما تقررها "أذكر دروس المحاسبة التي كان أخي الصغير يخضع لها، والمدرسة الدولية للغات، حيث كانت أمي في كل السنوات وفي كل المستويات تطالبنا بتفادي ما يفوتنا دائماً، يجب تفادي ما فات، هذا ما كانت تقوله أمي، استمر هذا الوضع ثلاثة أيام، لا أربعة، أبداً، أبداً، أبداً، فلقد طرحت هذه المدرسة جانباً، عندما غيرنا مركز إقامتنا وعدنا فبدأنا من جديد، ظلت أمي عشر سنوات دون أن تفعل شيئاً).‏

يحس لوكاش بوجود سخرية دائمة وأحياناً مرة في حقيقة أن الكاتب يعرف أن بحث شخصياته عن المضي، عن القيم في مجتمعها بحث باطل في مجتمع يعيش بدونها، فالفنان العظيم يعرف كم أن العالم تقليدي، يعرف نواقص الهداية الأخيرة أن وجدت.‏

إن النموذج الأمثل لهذا النوع من الشخصيات نموذج مجنون من نوع ما، إذ عليه أن يبحث عن قيم ذات معنى دون أن يعرف على الدوام عم يبحث، وماذا سيجد، وغالباً لن يجد شيئاً، إن الزمان بتدخله المستمر بين الإنسان وعالمه يسهم في هذه العملية عملية التفسخ المستمر، إنه بحث عن القيم في عالم متفسخ، يكمن التعارض فيه بين مجتمع تقليدي وبطل يستمر في البحث عما لا يمكن أن يوجد.(1)‏

فعالية الأم، وهي محور الأسرة الأساسي، كأنها مستعارة أو تخص الغير، خاضعة للمصادفة، أو النزوة، ومرتبطة بأتفه الظروف وأبعدها عن الأهمية والجدوى، تشتري أو تبيع أو تقنط أو تنام أو لا شيء، سواء ما تقوم به من عمل لا يعنيها، وما يعنيها لا أحد يعرفه "كان ذلك يحدث كل يوم.. كان هذا القنوط يظهر في لحظة معينة من كل يوم ثم تتبعه استحالة التقدم أو النوم أو لا شيء أحياناً، أو على العكس من ذلك، شراء البيوت أحياناً أخرى أو التنقل من بيت إلى بيت، أو ذلك المزاج، أو هذا الإرهاق، أو تشعر بأنها ملكة، أو لا شيء... أو النوم- أو الموت".‏

اغتراب في عالم خارجي كأنما قد غاب عنه الإله، واستغلال للباطن، إنه صنف الوجود الوحيد المتاح للبطل المستلب، في هذا الاستلاب يصبح كل شيء، ككل شيء، كل الأمور تتعادل، فكل الخيارات مؤلمة، عندما تفقد الشخصية وحدتها، يقول هيجل:‏

(إن لغة التمزق هي اللغة التامة والروح الصادقة لكل ما هو موجود في عالم المدينة) (سوف أكون هناك دائماً، حيث يصيبني الندم على كل ما أفعله وكل ما أتركه، وكل ما آخذه، الحسن مثل السيئ... من الآن فصاعداً لا ينبغي أن يعلموا شيئاً مما يحدث لها إن أخذت منهم إن جرحت إن فسدت فلا ينبغي أن يعلموا... وقد بكت لذلك الوضع في الليموزين السوداء"‏

كأن ما يحدث يحدث خارج الأحداث مع أنه في خضمها، يحدث فعلاً، لكنه سري وهارب، كما لو كان في حلم حقيقي حتى الحد الأقصى وهمي وعصي على الالتقاط. "لقد حدث شيء عندما بلغ عمري ثماني عشرة سنة، شيء جعل هذا الوجه على ما هو عليه لا بد أن ذلك حدث ليلاً".‏

هل حدث ذلك في الثامنة عشرة؟ أم في الخامسة عشرة لدى الخروج من شقة الغرب؟ أم أنه كان قد حدث قبل ذلك بكثير؟ هل حدث في ساديك أم سايغون، أم بنوم بنه؟ هانوي أم باريس أم كلكتا؟ أم أنه حدث على ظهر سفينة العودة إلى فرنسا؟‏

ليس لدينا حكاية يمكن أن نجمعها من منافي الحركة لأننا نكون قد حكمنا عليها بالإعدام، ولو حررناها من سطوة الحبكة، فقد حكمنا عليها بالهزال والموت جوعاً، جدلية الثنائية في العاشق ليست تقنية محكمة، وإن كان هذا جزءاً منها، إنها تتعدى ذلك لتشير إلى فكر شمولي، يرى الوجود في حركيته وجدليته.‏

عبر التوحد بما حوله، حاول الإنسان منذ البدء أن يحل إشكالية الثنائية ذات- موضوع، ولعله كان أقرب إلى مركز السر، حدسياً ووجدانياً، أكثر منه منهجياً، ثم كان عليه أن يواجه اغترابه المتزايد حدة في العمل كما في المجتمع والنسق المعرفي، ويواجه تعدديات ما أفرزه هذا الاغتراب من تناقض وتجزيء في عالمه وفي نفسه، حتى كادت أجزاؤه تعلن نفسها مقاطعات مستقلة، تضع الحواجز والحدود وتطالب بالتمثيل الدبلوماسي أو تقطع العلاقات وربما تعلن الحرب.‏

لقد تعاظم هذا الإرث الاغترابي التعددي، وتعمَّق بحيث صاغ نماذجه العقلية وتصوراته لنفسه وللكون على هذا الأساس، مما أعطاه مع الزمن وهم تطابق هذا التصور مع الواقع ومع بنية الفكر يرى هيجل أن الإنسان في هذا العالم الممتد من نهاية العصور الوسطى إلى فجر الثورة الفرنسية يغترب في عمله، كما أن الشعور يفقد تدريجياً مطابقته لذاته الأصيلة، "إن ما له وجود ها هنا ليس إلا قيمة الوجود الموضوعي فقط، أما الشعور الصادق بالذات، فهو في العالم الآخر ومن ثم فإن لحظة فردية، تتلقى جوهرها وواقعها من قبل كائن آخر، وبمقدار ما تتواجد هذه اللحظة بالفعل، بمقدار ما يكون جوهرها شيئاً آخر غير واقعها.‏

هذا الاغتراب حتى الضلال، حتى الموت، هذه الفجوة تصبح اليقين الوحيد المتعضي في الوجود، في المكان والزمان، والعلاقات، وإذ تسقط العلاقة الأسرية، كنموذج ذي اغتراب مركب في هذه الفجوة، فإنها تصدر نتاجها الاغترابي، وتصبح مركزاً مكثفاً لهذه العلة الكامنة في صميم هذا الشكل الإنساني... (تلك القصة المشتركة التي تدور حول الخراب والموت... قصة هذه الأسرة... إنها المكان الذي تبدأ فيه عتبة الصمت، وما يجري فيها إنما هو الصمت المطبق، هو هذا العمل البطيء في سبيل حياتي كلها، لا أزال موجودة هناك، أمام هذين الولدين اللذين أصابهما المس، على نفسي المسافة من السر، لم أكتب أبداً وأنا معتقدة أنني أفعل ذلك، لم أحب أبداً، وأنا مؤمنة أنني أحببت، لم أفعل شيئاً أبداً، سوى الانتظار أمام باب مغلق).‏

لم يكن "هبنقة" مجرد أحمق إذ كان يتعرف على نفسه بقلادة يلبسها ولم تكن فجيعته الإنسانية وقد انعقدت على شكل حيرة ذاتية، مجرد طرفة وسخرية للعقل من اللاعقل أو المنطق من اللامنطق لم تكن حمقاً بقدر ما كانت تراجيديا ساخرة، أو كوميديا سوداء، إذ يفقد وجود الأنا صلابته الداخلية، يستلب فيتحول إلى خواء، يستجدي اليقين، وفي هذه المسافة بين الذات والموضوع حيث يحتمي الاغتراب في بؤرة علاقة مختلة أو مشوهة أو مكسورة، وتتوضع حالات التدجين أو العصيان أو الاستسلام أو الجنون أو الاستلاب، سواء الصريح أو المقنع بكافة أشكال العقل والتواؤم والتوازن الموهوم، ويصبح قول باسكال "الناس مجانين بالضرورة أما كونهم غير مجانين فصورة أخرى من صور الجنون".‏

ويصبح هذا القول وقد قلب المعادلة، حقيقياً، بقدر ما هو معبر عن الفاجعة.‏

وكما هو الحال في جنون (معتوه) يدور، حيث الجنون ليس كثافة العلة الباثولوجية وإطباق المرض العقلي المحكم وإنما ذاك النوع الآخر من الجنون المسمى بالسلب الخالص، والذي يتحول إلى مرآة بالغة الشفافية للمجتمع والعصر، حيث الجنون الفردي هو وليد الجنون العام، وذلك إلى الدرجة الجنونية التي تنزع إلى تملك الجنون نفسه، "ففي حادثة امتلاك لقبعة مثلاً، يحل اللامنطقي محل المنطقي، واللاطبيعي محل الطبيعي، التنافر مكان الانسجام، وخلل المقاييس مكان تناسبها، لينشأ من كل هذا اللون من الخصوصية الجديدة التي يؤدي لا تناسقها إلى تناسق آخر، له مقايسه ونسبه المختلفة، لكن هذا الاختلال هو الذي يعطيه تميزه ونكهته وجماله، شذوذه هو انسجامه الجديد، طفلة بحذاء مذهب وقبعة رجل، وتصبح الطفولة شيئاً آخر سواها "ليست الأحذية هي التي تخلق الغرابة والشذوذ في هيئة الصغيرة.. إذ أن ما كان يحدث في ذلك اليوم، هو أن الصغيرة كانت تضع على رأسها قبعة رجل.. الغموض الحاسم في الصورة يكمن في هذه القبعة.. وقد جربت هذا اللباد لكي أضحك هكذا، ونظرت إلى نفسي في مرآة البائع، فرأيت تحت قبعة الرجل، نحولاً قبيحاً في الشكل العام، تشوهاً للطفولة، لقد أصبحت شيئاً آخر، لقد كفت عن أن تصبح منحة قاسية حتمية تقدمها الطبيعة، بل أصبحت على النقيض من ذلك، اختياراً ملزماً للطبيعة ذاتها، اختياراً للروح، وفجأة أردتها، وفجأة رأيتني وكأنني مخلوق آخر، وكأنني أخرى ينظر إليها الناس من الخارج، موضوعة تحت تصرف الناس جميعاً، موضوعة تحت تصرف الأنظار كلها، موضوعة في التداول بين المدن والدروب والرغبة، أخذت القبعة، ولم أنفصل عنها قط، إنني أملكها، هذه القبعة التي جعلتني مملوكة لها".‏

لقد أصبح اختيار القبعة، أو هذا الاغتراب وقد تجسد حدثاً وموقفاً وبنية، سلباً معادلاً وموازياً للإيجاب، أو بديلاً له، يقول بالرفض والهدم لكل ما هو سائد ومقبول، أصبح جدلية السلب والإيجاب، ليس فقط بالمعنى البراغماتي أو حتى الثوري، ليس فقط لأنه يسعى في سبيل الإيجابي، بل لأنه يحتوي الإيجابي في ذاته لحظة الهدم، بالمقابل، يصبح الإيجاب سلباً لحظة اكتماله، ألا تعني لحظة الإنجاز التام، انتهاء يدخل فوراً حيز السلب؟‏

ليست الثنائية في راوية "العاشق" ثنائية انقسامية بمقدار ما ليست أشكالاً ساكنة لمسألة واحدة، كل شيء يفضي إلى كل شيء، كل شيء سبب ونتيجة بآن واحد، الوهم والواقع، العقل والجنون، الاحتمال واليقين، النفي والإثبات، والأنا والآخر.‏

جدلية الثنائية في العاشق، موقف شمولي من الوجود والإنسان، إنها نبض الرواية، هي الحكاية بمقدار ما هي الحبكة، هي روح العمل وفلسفته بمقدار ما هي أحداثه وحركته.‏

ليس للوجود شكل واحد، إنه يمتلك كل التشكيلات ويختزن في بنيته مختلف تجليات جدليته مع الآخر "خمس عشرة سنة ونصف السنة، عبور النهر، ... خلال هذه الرحلة انفصلت الصورة، وانتزعت من الشكل العام".‏

إنها تلك الصورة التي سوف تتغلغل في مفاصل الرواية بأكملها، تولد في حواريتها مع الأحداث نمو كل التنويعات، والتي سوف تشكل ألفها ومأساتها (إنني لأفكر في أغلب الأحيان في هذه الصورة التي ما أزال أراها وحدي، والتي لم أتحدث عنها قط، إن هذه الصورة موجودة أبداً هناك في الصمت ذاته، وهي مذهلة...‏

إنها الصورة التي أعرف فيها نفسي، والتي تخلب لبي) هذه الصورة التي انتزعت من الشكل العام بينما هي في صميمه، (كان يمكن أن توجد، وكان يمكن لصورة فوتوغرافية أن تلتقط كما تلتقط صورة أخرى، في مكان آخر، وفي ظروف مختلفة، لكنها لم تكن كذلك)، كل الأحداث كل شيء موجود قبل تحققه، ليس بالمعنى الغيبي، لكنه موجود بمعنى ما في البنية التي أنتجته في جدلية الزمان والمكان، في آنية اللحظة، كما في امتدادها، في تشابك نظام الاحتمالات بين الحتمية والمراوغة، بين العصيان والمرونة على حد سواء "واقع الأمر، أن تلك الصورة كانت تهيأ، لكننا كنا نجهل كل شيء حتى وجودها، الله وحده هو الذي كان يعلم ذلك، ولهذا أستطيع القول أن تلك الصورة لم تكن موجودة، وإنها لا يمكن أن تكون على شكل آخر، إنها كانت مطروحة في زوايا الغيب، كانت متسمية، ولم تكن منتزعة أو مجتثة من الشكل العام الإجمالي".‏

على قارب العبور والصورة ليست صورة خمس عشرة سنة، تضع على رأسها قبعة رجل، وفي قدميها زوج من الأحذية المذهبة المزيفة، مخضَّبة وعلى شفتيها أحمر شفاه، تتحرك الصورة، تغادر موقعها، تصبح لوليتا، في مواجهة "صيني شولين".‏

في (لوليتا) نابكوف (2)، ندخل عالم همبرت، نعرفه فيها، نراه في لوليتا، تصبح لوليتا موضوعة تصبح مرآة متعددة السطوح له، يكتشف فيها نفسه، تصبح همبرت أكثر مما هي لوليتا.‏

لوليتا "العاشق" نسيج من اللحم والدم، نسيج حياة (كان في داخلي مكان للرغبة في الخامسة عشرة، كان لي وجه يشي بالرغبة في المتعة الجسدية، مع أنني لم أكن قد عرفت هذه المتعة) لوليتا "العاشق" ليست "صيني شولين" ليست موضوعة كما أنه ليس مجرد موضوعها، "كنت أراقب ما يفعل بي، وكأنه يستخدمني، ولم أكن لأفكر أبداً، أن إنساناً يستطيع أن يفعل بي ذلك، بهذه الطريقة ذاتها، إنه يذهب إلى ما هو أبعد من توسلاتي متَّبعاً إلحاح جسدي وعلى هذا النحو كنت قد أصبحت طفلته، وأصبح هو أيضاً شيئاً آخر عندي، عذباً وحميماً وما لا يمكن التعبير عنه"، وكما تعمل آلية الحلم أو الأسطورة في ظهور صورة مركبة لشخص ما تتداخل حدود الوهم والواقع، لتمنح الوجود غزارة وغنى، لقد خرج "صيني شولين" من ذاك الجسد الضعيف الناحل، ودخل في جسد آخر "وهنا يمر عبر الغرفة طيف رجل آخر، إلا أنني لم أتمكن من التعرف عليه، إذ لم يكن قد برز منه شيء أمام عيني، طيف صياد شاب.. نعم كنت أعرفه، فقد كان في بعض الأحيان ماثلاً في المتعة الجسدية، وقد قلت ذلك له، لعشيق شولين حدثته عن حرارته، وعن رقته التي لا توصف، وعن شجاعته في الغابة وعند مصبات الأنهار المليئة بالفهود السود، كان كل شيء يمضي وفق مشيئته، ويدفعه إلى الاستيلاء علي".‏

صيني شولين، لم يكن مجرد موضوع لوليتا والعاشق، هو جزء من موضوعها، ربما لأنه جزء من الوجود، لكن الوجود ليس موضوعها فحسب، الوجود هو الآخر، وهو يدخل في نسيج اللحم والدم "اسأله إن كان من الطبيعي أن يصبح الإنسان حزيناً، كما هي حالنا، فيقول: إن سبب ذلك هو أننا مارسنا الحب في النهار، وأقول له، إنه مخطئ، إنني كنت في حزن أتوقعه، هو لا ينجم إلا عني، إنني كنت حزينة دائماً، وأنا أرى هذا الحزن جلياً في الصور الفوتوغرافية التي أخذت لي حين كنت صغيرة وأن هذا الحزن اليوم... كأنه حزن عشت معه دائماً، أستطيع أن أمنحه اسمي تقريباً، فهو يشبهني تمام الشبه.. أقول إنني لا أعتبر ما أنا عليه من شقاء مسألة شخصية.."‏

نسيج اللحم والدم هذا، نسيج الحياة، ليس ذاتياً فقط، وليس موضوعاً فقط، إنه إذا استعرنا لغة الرياضيات، حاصل جداء، متضمن لعناصره، لكنه ليس أياً منها، إنه حاصل جدلية، يصبح فيها الطرفان، الأنا والوجود، كلٌّ منهما ذاتاً وموضوعاً بالنسبة للآخر في آن واحد، الثنائية حاضرة دوماً، حبلى باللحظة، وبالتشكيل الإنساني.‏

صيني شولين، هو هيلين لاغوئيل، صديقة المنزل الداخلي، أو هو الهند الصينية بين الحربين أو هو الأخ الأصغر، أو الأرض المحروقة، أو الفضيحة، أو اللاشيء.‏

صيني شولين هو العاشق حتى الجنون، وهو العاجز عن الحب، هو صيني شولين المقيم في ساويك، كما هو الحاكم المساعد المقيم في "سافانا خيث" والذي قتل نفسه في زمن كان قد مضى من أجل أمها، كما هو من أجلها وقد تماهت فيها.‏

كانت لعنة قد حلت بطيبة، فحل الموت. والآن يحل الموت، فتحل اللعنة بكل شيء، هي جدلية اللعنة والموت، وهي ليست بعقيم، إنها قادرة على التولد بشكل مرعب، وهو ليس لتوالد الحياة، إنه نوع من النمو السرطاني الهائل، لا ينجب إلا موتاً ودماراً "كل واحدة منهما أدينت بالضِّعة، واتهمت بسبب طبيعة هذا الجسد الذي تتمتع به، فاستسلمتا كلتاهما إلى عار المتعة الجسدية حتى الموت... هذا الموت الغامض للعاشقين بلا حب، هذه هي المسالة، وهي نابعة من مزاج خاص بالموت، وهذا ينطلق منهن، من غرفهن، هذا الموت البالغ القوة الذي انتشر بفعل قوته في المدينة كلها، وفي مراكز الإحراج، ومراكز القصبات، وحفلات الاستقبال وحفلات الرقص الهادئة في دوائر الحكومة).‏

هذا الموت وقد تشظى في مدارات الحياة والإرادة والجمال واللذة، تغلغلاً مستمراً أكثر فأكثر في الموت، جرياناً عصياً على الالتقاط، مفصلة للفعل المجدي، قراراً مستلباً ومحوراً للجنون والدمار.‏

يصبح الجسد فخاً، مسقطاً كونياً، يوهم بأنه اختياري، من أجل التواصل والقيم الجميلة، الحب والحرية والجمال، في الوقت الذي هو فيه ليس إلا فجوة لاختيار القرار المسبق الآتي من الخارج "قد أكون مخدوعة، لعلي اعتقدت أني جميلة، مثل النساء الجميلات... اللواتي تطاردهن النظرات، لأن الناس فعلاً كانوا ينظرون إلي كثيراً، أما أنا فإنني أعرف أن الموضوع ليس موضوع جمال فقط بل هو موضوع آخر مثلاً... مثلاً روح، وما أريد أن أبدو فيه، سوف أبدو فيه جميلة أيضاً، إذا كان هذا هو ما يراد مني أن أكونه... كل ما يراد مني أستطيع أن أكونه... وعلى هذا الأساس وبكامل وعي، أستطيع أن أكون فاتنة، رغم أني مسكونة بموت أخي، أما الموت فله شريكة واحدة هي أمي في هذه الجدلية أيضاً، ينبت الخوف، ويصير الحب شيئاً آخر سواه، يهرب في نفق اللذة المظلم يغلق خلف باب النفق وباب العين، تصير الظلمة أرحم من النور، في غرفة الغرب صيني شولين تفكر لوليتا بهذه الصورة، يتزاوج الخوف بالجنسين (الشبيه) شبيه الحب، فيولد الموت "أفكر بخاطر يخطر لي فجأة، لا بد أنه يأتي إلى هنا في أغلب الأحيان، إنه رجل، ولا بد أنه يمارس الحب كثيراً، إنه رجل يخاف، ولا بد أنه يمارس الحب كثيراً لكي يناضل ضد الخوف، أقول له إنني أحب الفكرة التي تدور في رأسي.. إنها فكرة مبهمة، ننظر بعضنا إلى بعض، يفهم ما جئت على ذكره تواً النظرة تصبح متغيرة، فجأة، زائفة، تضمر الموت".‏

عشيق شولين، لن يقتل نفسه، بالطريقة ذاتها التي يقوم بها الحاكم المساعد في "سافانا خيت" سيفعل ذلك بطريقة مختلفة، عندما يتزوج، وسيتصل بها في وقت لا نعرفه. تماماً، بعد أن تصبح في باريس، ربما في منتصف العمر، وربما قبل أو بعد ذلك، ليقول لها إن الأمور كما كانت في الماضي وإنه كان يحبها كثيراً، ولن يستطيع أبداً أن يكف عن حبها، وسيظل على حبها حتى الموت، كان قد تزوج، وكانت قد رحلت منذ الثامنة عشرة وهي لا تعرف كم مضى من الوقت بعد هذه الرحلة حين رضخ لأمر الأب، وأنجز ذلك الزواج، من تلك الفتاة التي اختارتها الأسرتان، ولا بد أن وقتاً طويلاً مضى عليه دون أن يتمكن من التفاهم معها، ثم (جاء اليوم الذي أصبح فيه هذا الأمر ممكناً، اليوم الذي أصبحت فيه رغبة الصغيرة البيضاء، كما هي عليه بالضبط، غير مستقرة إلى درجة كان يمكن معها أن يجد صورته كاملة فيها، كما هي الحال في حمى عظيمة، وأن تتغلغل المرأة الأخرى فيها، في هذه الرغبة) حتى يوجد عن طريق الكذب وإرث الاسم، إنه الحقيقة- الكذب وتلك الأحداث التي تسردها طافحة بالتحقق، حية حتى لنكاد نسمع شهيقها وزفيرها، إنما هي محض احتمال، هي يقين الاحتمال، فهي (الصبية البيضاء) لم تكن قد عرفت شيئاً من تلك الأحداث أبداً).‏

قوة حضور الماضي في "البحث عن الزمن المفقود" يقينه المتعضي في أدق التفاصيل، يخلق بديل الحاضر، معادلة الوهمي، أما قوة رسوخ الماضي هنا، نكهته وطغيان ألقه، فيأتي من الشك فيه، من حلول الاحتمال محل اليقين، من تأكيد الاحتمال الذي يتحول إلى يقين أكثر شمولية، أكثر غنى، وبالتالي أكثر دقة، إذ يدخل في حيز النسبية واحتمال تعدد الوجوه لمسألة واحدة فليس هناك مسألة وحيدة البعد في الحياة، والواقع يغدو ضحلاً إذا لم يحز هذه الشمولية ليس هناك حالة على وجه واحد محدد ودقيق وواضح ونهائي من الواقع، (في ذلك اليوم لا بد أنني كنت أضع في قدمي ذلك الزوج الشهير من الأحذية ذات الكعب العالي والخيوط المذهبة... لا أرى أي شيء آخر كان يمكن أن ألبسه في ذلك اليوم، إذن، كنت ألبس ذلك الزوج من الأحذية).‏

هذا ما يبدو جلياً أيضاً في حادثة حضور القبعة من الماضي (كيف وصلت إلي؟ لقد نسيت ذلك، وأن لا أذكر من أعطانيها، أظن أن أمي هي التي اشترتها لي، بناء على طلبي، كيف أفسر هذا الشراء؟ إليكم ما أظن أنه حدث) إن الغموض هنا، الذي يفسح المجال واسعاً لنظام الاحتمالات والغنى النسبي يتعدى كونه مرادفاً لصدع يتم في قلب الوجود المستتب، ليصبح علامة على ولوج بذور الالتباس والخلاف في عالم التجانس والوفاق، بل لعله يدفع بهذا الاتجاه الذي ولده "ديدرو" على لسان المعتوه في "ابن أخ رامو" إلى مداه الأقصى، فيصبح نوعاً من منهج بديل، يقول بغير المنطق الأرسطي، والمفهوم الإقليدي، للزمان والمكان والحركة والوجود، في هذا المنهج يتسع المجال لبروز تلك المنطقة العازلة بين العقل ونقيضه اللاعقل، كمنطقة محرمة، لا يمكننا أن نجازف بالانخراط فيها، من غير أن نشكك في عقلانية النظام كله.‏

إن هذا المنهج يبدأ مع بدء الرواية، ويستمر متعضياً فيها حتى النهاية، النهاية مجازياً، إذ ليست هناك نهاية للرواية، وهي بمعنى ما تلطم القارئ الذي اعتاد التعامل مع بداية ونهاية سواء في مجالات الحياة المختلفة، أو في المجال الإبداعي، وهنا أرى أن ألمح إلماحة سريعة إلى ما يمكن أن يسمى- وجهة نظر- في هذه المسألة، لا تدعي كشفاً أو اكتشافاً وإنما تطمح لأن تشير إلى نوع من منظور كما يسمى في الفن التشكيلي يتضمن زاوية رؤية لا غير، بهذا المعنى أرى أن لا بداية ونهاية بالمعنى الدقيق للكلمة في ميادين الحياة المختلفة، واللحظة بقدر ما تملك آنيتها، وبالتالي بدءها وانتهاءها، تمتد في الماضي والمستقبل، وما ينتهي في الواقع كما نراه، ينتهي مجازياً، حتى حينما ترتبط المسألة بالموت، وهو ما يعتبر أكثر أشكال النهاية إيغالاً في النهائية، موت الإنسان ليس نهاية، وأنا لا أتحدث هنا عن الموقف الديني- والفلسفات الروحية من هذه المسألة، لا أعني التقمص، ولا العود الأبدي، إنه يستمر في مجمل الحياة، وحتى في كثير من الحيوات الفردية بشكل أو بآخر إلا إذا نجحنا في فصل حياة عن كامل الحيوات الأخرى، إن رواية العاشق تقتنص وحشها الجمالي من هنا، من البعد المفتوح وغير المرئي للرواية من اللابدء واللانهاية، تحدث الصدمة هنا، فقد مرت النهاية بالتواطؤ مع الحياة وتحقق المعادلة الصعبة في جدلية الحياة والعودة والإبداع.‏

كان كريستوفر كودويل قد رأى تولد الإبداع عبر جدلية الحياة والموت، من جانب آخر يرى إيرفينغ بوخن أن الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها الروائي أن يخرج حياً من العناق مع الموت هي أن يقلب عدوه إلى حليف، أن يستخلص وعداً قبل الفجر- كما فعل يعقوب في صراعه مع الملاك- والوعد هو أن يقلب عملية القطيعة التي لا يستطيع منع وقوعها إلى عملية انعطاف نحو الخارج، تصبح المسألة شبيهة بمسألة الخلود، كما ستطرحها مرغريت دورا من خلال موت الأخ الأصغر، ليست خلوداً بالضبط لكنها الحياة، هي البداية في الميلاد أم هي قبل ذلك بكثير، مختفية في آنية اللحظة المتعضية ببنية الحياة السابقة عليها، بكامل اتساع نظام الاحتمالات وتشابكه وجبروته، ليست جميع الدلائل في البدء، وربما لن تكون، هناك الحياة، لا بدؤها ولا نهايتها، ويصبح الإبداع موازياً للواقع غير قادر على إلغائه، لكنه يملك قوة الحوار معه (أرى جيداً أن كل شيء كان موجوداً هناك، لم تكن اللعبة قد بدأت، أرى ذلك في العيون، كل شيء كان في العيون، أريد أن أكتب لقد سبق أن قلت ذلك لأمي، إن ما أريده هو هذا، الكتابة).‏

حتى ذلك الحين لم يكن الأخ الأصغر قد مات، ومن العبث التقاط الزمان أو المكان المنطقيين في الرواية؟ إن لها منطقاً زمانياً ومكانياً خاصاً بها. نحن الآن في حوالي عام 1930 في سايفون؟ بينما الأخ الأصغر سيمون عام 1942 إبان الاحتلال الياباني لفيتنام بينما هي في باريس، سيمون بسبب التهاب الرئة، أو بسبب الحرب، أو بسبب قتل الأخ البكر له، لا فرق، فكلها أسباب واحدة للموت كان الأخ البكر كتلة من الدمار، قاتلاً وقتيلاً، خائفاً ومخيفاً (إنه وحيد بعد موت أمي، ليس له أصدقاء، وعندما يموت يصبح ذلك اليوم كئيباً... كان الموت أسبق من نهاية قمته، بل إنه كان ميتاً قبل ذلك بكثير، كان ميتاً في حياته، ولقد فات وقت موته منذ مدة طويلة، منذ موت الأخ الأصغر) وإذ يموت الأخ الأصغر يموت كل شيء، حتى الخلود (كان أخي الصغير خالداً، ولم نكن قد رأيناه، كان الخلود قد اختبأ في جسم أخي الصغير، ومات الخلود معه، وعلى هذا المنوال كان العالم يمضي محروماً من هذا الجسم الضعيف ومن هذه الزيارة، لقد خدعنا تماماً، وسيطر الضلال على الكون بأجمعه، إنها لفضيحة).‏

لم يكن الأخ الأصغر خارقاً في أي شيء، ومع ذلك كان خالداً، لماذا هذا الحب الذي "يدفعني إلى طلب الموت بسبب موته" (إننا كنا ولدين ضاحكين حتى انقطاع النفس حتى الحياة).‏

"يجب أن أحذر الناس... إن الخلود فان، وأنه قد يموت... وأنه لا يدل على نفسه بهذا الشكل أو ذاك أبداً وإنه الخداع المطلق، وإنه غير موجود بصورة مفصلة، بل بصورة مبدئية فقط) ليس الخلود كما هو متعارف عليه، هو المقصود، ترق حدود الكلمة، حتى لتكاد تختفي، تصبح أفقاً لحلم إنساني دائم التشكل، لم يصبح ناجزاً، وبالتالي ما زال حياً لأنه بالضبط مشروع لإنجاز "إن الحياة في أثناء عيشنا لها، هي خالدة... وإن الخلود ليس مسألة وقت وإنه ليس مسألة خلود، بل إنه مسألة أخرى مختلفة تمام الاختلاف، وما تزال مجهولة، وإن من الخطأ الزعم أن الخلود ليست له بداية ولا نهاية، أكثر من الزعم أنه يبدأ وينتهي مع حياة الروح، منذ اللحظة التي يسهم فيها بهذه الروح وبمجرى الأمور، انظروا إلى الرمال الميتة في الصحارى، وإلى أجسام الأطفال الميتة، إن الخلود لا يمر من هنا، بل إنه يتوقف ويستدير".‏

إن القدرة على تأمل الذات هي من نصيب الإنسان وحده كما يقول هيجل، ولهذا كان امتياز الجنون وقفاً على الإنسان دون غيره. لقد وضع هيجل الجنون داخل الفكر، ووضع نيتشه الفكر داخل الجنون، وهو في كلتا الحالتين بمعناه الواسع ميدان رحب للأدب الرفيع.‏

هل تذكرون سر لغز وحش طيبة؟ الإنسان ينفتح الزمن على مداه، نصير هناك أو يثبت السر معنا كأن سوفوكليس قد وضعنا أمام سر اللغز وبنى عمله عليه، الإنسان في عظمته وانهياره.‏

في "العاشق" خسر فاوست الصفقة قبل نهايتها، وربما قبل بدايتها، (إنها لا تعرف تمام المعرفة إن كان ذلك قد حدث في تلك الرحلة، أو في رحلة أخرى، كان هناك بعض الرجال يلعبون الورق... وبين أولئك المقامرين، كان رجل شاب، وفي لحظة من اللحظات، وضع ذلك الرجل أوراقه على الطاولة، دون أن ينبس بكلمة واحدة، ثم خرج من المقصف... وقذف بنفسه إلى البحر.. عند كتابة هذه الصفحات كانت لا ترى السفينة، بل ترى مكاناً آخر، مكاناً سمعت فيه من يسرد هذه الحكاية، كان ذلك المكان هو "مسديك" وكان الشاب هو ابن حاكم ساديك، ما وجد شيء في قمرته، ظل العمر غارقاً في الذاكرة، مفزعاً، وهو عمرها ذاته، السابعة عشرة". خلال الرحلة ذاتها، تنطلق موسيقى فالس لشوبان، كانت تعرفها بصورة سرية وحميمة، في تلك الليلة، موسيقى شوبان، (والفتاة كانت منتصبة وكأنها تريد أن تذهب بدورها لكي تقتل نفسها...)‏

وبعد ذلك أجهشت بالبكاء، لأنها فكرت برجل "شولين" ذاك أحست بصورة فجائية، أنها لم تكن واثقة من حبها له، فهي لم تر ذلك الحب لأنه ضاع في طيات التاريخ كما يضيع الماء في الرمل وها هي ذي الآن تعثر عليه في هذه اللحظة من الموسيقى... وهذا شبيه بخلود الأصغر عبر الموت كما ستراه في ما بعد".‏

يخترق النصل الحاد للماضي جسد الحاضر، يصبح بديله ومعادله، فتنسحب كثافة الحياة من الواقع، يصبح ظلاً خاوياً، يتعضى الوهم، يصبح حسياً، يصبح أكثر وثوقاً وأشد عمقاً، يدخل حيز الإبداع الإنساني "ما أزال في هذه الأسرة، وهناك أسكن، مستبعدة أي مكان آخر، وفي جفافه وفي قسوته الرهيبة، وفي جحوده، أعيش أكثر اطمئناناً ووثوقاً بنفسي.. هناك، كان المكان الذي حجزني فيما بعد، عندما أصبح الحاضر خلف ظهري، في منأى عن كل مكان آخر، والساعات التي أمضيتها في غرفة العزب في شولين أبرزت ذلك المكان وملأته بنور منعش جديد، كان مكاناً نتناً يلاصق الموت، مكان عنف وألم، وبأس وقلة شرف، ثم كان هناك مكان "شولين" بالمقابل، في الجانب الآخر من النهر يكفي أن نعبر النهر".‏

***‏

هامش‏

(1)-ومع ذلك فثمة أمل نهائي يتجلى في وجود الأمل ذاته، أمل في ما يدفع الفرد إلى مواصلة بحثه، أمل في الوعد بأن العقل البشري قد يغدو في نهاية الأمر واعياً لعلاقته بالقيم المجردة مهما كانت هذه العلاقة غير محددة، إن تفاؤل لوكاش يؤكد إلى أقصى حد شدة الصدام بين الإنسان المؤمن بمصير أسمى، بإمكانية أرفع، وبين المجتمع الذي لا يرتفع إلى مستوى إيمانه، ولا يرتفع حتماً ونهائياً بروحه إلى مستوى ذاته).‏

(2)-يرى نابكوف أن المادة الخام للتجربة ليست الواقع بل هي عملياً أبعد ما تكون عن الواقع وكلما ازداد تعقيد النمط ازداد واقعية أي كلما ازداد اتساعاً وشمولاً ازداد واقعية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244