مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 303 تموز 1996
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

هندسة الفضاء في سورة القمر ـــ عبد الفتاح قلعه جي

(اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر(- القمر- آية 1 و 2‏

[درج النقاد على تناول النص الأدبي بالدراسة التي تظهر جوانبه الإبداعية والجمالية والدلالية، ودرج المفسرون على تناول النص القرآني بالتفسير والتأويل، وعلى الرغم من أننا لا نغفل دراسات قيمة تناولت الصورة الفنية في القرآن فإننا نعتقد أن النص القرآني في حاجة إلى قراءة معاصرة وموازية لمحور التفسير تظهر قيمه الإبداعية والجمالية المتجددة، وهي ضرورية لاستكمال المعنى والخروج بالدلالة من دائرة القصر إلى دائرة العصر].‏

اختص القمر من دون التوابع والكواكب بالحديث عنه والاستشهاد المتعدد به، فهو أقرب ما في الفضاء إلى الأرض، ومع الشمس، الأكثر إدهاشاً وجمالاً وأسراً من حيث بروزهما المضيء للعين المجردة. وفي مجال الذكر جاء القمر في القرآن في مواضع متباينة، فهو معبود قديم "لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن" وقد عبد القمر كغيره من الأجرام مثل الشمس والنجوم والكواكب لدى العرب وفي ديانات ما بين النهرين، وعرف القمر باسم سن وشهر وخص لعبادته يوم الاثنين، وهو مخلوق يسْجد لله "ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات والأرض، والشمس والقمر"، وهو آية من آيات الله وبها يقسم "كلا والقمر" وهو نور، واختص المنبع بكلمة ضياء "هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً" وهو مسخر بأمر الله لفائدة الإنسان وحساب الزمن "والشمس والقمر حسبانا" وهو مع الشمس يجري إلى أجل مسمى ثم ينتهي عمره الكوني، وهو عرضة للخسوف والانشقاق والانفلات من أسر الأرض والخروج عن قرانه خلال الأحداث الكونية المروعة حين انفراط الكون "وجمع الشمس والقمر، يقول الإنسان يومئذ أين المفر؟، والانفلات ممكن ويرى بعض العلماء أن بلوتو كان قمراً لنبتون.‏

وانشقاق القمر، كائناً أو يكون، أمر ممكن، مثاله قمران للمريخ هما فيبوس ودايموس كانا قمراً واحداً ثم انشق كما يرجح العلماء فهما يسبحان متجاورين. والأحداث الكونية الكبرى تعني للمتفكر المؤمن أموراً غير أحداث طارئة مجردة عن الإشارة الوجودية، إنها تعني أيضاً إيذاناً أو إنذاراً بحدوث في إطار رؤية تفكرية شاملة تربط الأنساق الطبيعية والكونية بالنسق الإلهي، إنها إذن آيات في نظرية الكون الإسلامية، تصعيد جملة هذه المعلومات إلى مصدرها الإلهي، وتلك هي النظرة العلمية الإيمانية التي لا تفصل الإنسان عن الكون، حيث كل ما في الكون يحمل روحاً على درجات متفاوتة "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" ويقرأ قرآنه وهو نظامه، وهذه نظرة تختلف جوهرياً عن النظرة العلمية المحضة التي تدرس الأحداث الكونية مقطوعة عن دلالاتها وعن محدثها.‏

***‏

الأحداث الكونية الكبرى في القرآن، ما حدث منها وما سيحدث كانشقاق القمر، وانشقاق السماء "فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان" وتكور الشمس وموتها، وتفجر البحار، وانزياح الجبال، هي مؤشرات على اقتراب الساعة، أو إيذان مباشر بالقيامة، وهي تذكرة لمن حاد عن الطريق إلى الله وإلى الإنسان، وإذا كان المنكرون القدماء يردون هذه الآيات إلى قوة السحر "وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر" فإن المنكرين المعاصرين يقتصرون على رصد الظاهرة وتقديم تفسيرات لها لا تخرج عن معطيات الطبيعة، وإذا كان الإيمان لا ينكر التفسير العلمي للأحداث فإنه أيضاً لا يعزلها عن دلالتها لأنه يربطها بالإرادة الإلهية، فهو بالنسبة للمؤمن رسائل إلهية ونذر وآيات تعمق صلة الإنسان بربه، وصلته بنفسه، وصلته بالإنسان "إنما يخشى الله من عباده العلماء" والعالم الحيط المتفكر من يؤمن أن الكون قائم على نظام كلي إلهي غير مجرد عن الغاية، هو قرآن الوجود، وكل كائن أو ذرة أو جرم يقرأ قرآنه "إنا كل شيء خلقناه بقدر" إن نظرة متفحصة في اتساع الكون حيث دلت آخر ما اكتشفته المراصد الحديثة على وجود حوالي ألف وخمسمئة مجرة جديدة يستغرق ضوء بعضها للوصول إلى الأرض عشرة مليارات سنة ضوئية، وإلى حاجة هذا الكون الهائل الاتساع إلى نظام عاقل لا يمكن أن تلده صدفة، إن مثل هذه النظرة، ومثلها في خلق الإنسان والكائنات الحية، تعطي الدلالة الأكثر بعداً وغنى لقوله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر( والإنسان مدعو إلى التفكير العلمي الإيماني والبعد عن الخرافة في تفسير الظواهر، وهذا ما نسميه بالتفكر، وقد عبر القرآن عن هذه النظرة بالبحث في الكيف "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت" أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها".‏

وترد الأحداث الطبيعية في القرآن كالزلازل والبراكين والصيحة والرياح والسموم وفساد الماء والطعام.. وغيرها، عقاباً للطاغين في الأرض ممن ألحوا في الإنكار والضلال وكذّبوا الرسل أو ظلموا الإنسان وحاصروه بالشر والبغي والخوف والتجويع.‏

***‏

نحن إذن في مسرح الوجود تجاه فضائين تتحرك فيهما الشخصيات: فضاء كوني، وفضاء طبيعي (أرضي)، وثمة فضاء داخلي مستفاد ومحيط بالشخصيات هو الفضاء النفسي.‏

يمتد الفضاء الكوني من الوجود الكوني الأول- الدنيا- إلى الوجود الكوني الثاني- الآخرة- "يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات"، والشخصيات في هذا الفضاء هم المجرمون الذين ينتقلون عبره بفضاءات معادلة ومحيطة بالحالة.‏

هم في الوجود الأول/ مكذبون منكرون مستكبرون متبعون أهواءهم فيما تغني النذر عنهم بالرغم من الأحداث الكونية العيانية أو المخبر عنها.‏

وهم في الوجود الثاني: أذلاء خائفون منبوذون خاسرون خشّع البصر مهطعون إلى الداعي، ويستمر المشهد في فضاء كثيف قاتم، ها هم يسحبون في النار على وجوههم، والزبانية يصيحون بهم ذوقوا مسَّ سقر، وما ينالونه من عذاب هو عقاب على أعمال أتوها فسطرت فما تضيع كبيرة ولا صغيرة. وتغيب في أوائل السورة شخصيات المتقين لتظهر في نهايتها، في الوجود الثاني، وبشكل مفاجئ وسط فضاء من الرضى والسلام والجمال، طبيعة مشرقة من جنات وأنهار، وسعادة روحية تأتي من تكريم مليك مقتدر على الثواب والعقاب "إن المتقين في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر" هكذا ينبلج ليل مشاهد العذاب المظلمة في النهاية عن صبح من النعيم المقيم.‏

***‏

في دراسة هندسة الفضاء في سورة القمر يشكل تراتب وتداخل الأزمنة جانباً هاماً. الزمن الحاضر هو دائماً نقطة الانطلاق، لأن المعني بالخطاب الإلهي هو الإنسان الحاضر دائماً، ومن هذه النقطة يتوالى التوزيع الهارموني المتداخل للأزمة:‏

-زمن مستقبل قريب "اقتربت الساعة"‏

-زمن مستقبل بعيد هو زمن قيامة الأموات "يوم يدع الداع إلى شيء نكر خشعاً أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر" وهذا الزمن ممتزج دائماً براهنية الانطلاق، الحاضر الدائم الحضور، "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر" وهو ليس حاضر القرن السابع الميلادي وإنما كل حاضر.‏

-زمن مستقبل أبعد هو زمن الحساب والثواب والعقاب "يوم يسحبون إلى النار" وقد تقدم زمن العقاب على زمن الحساب" وكل شيء فعلوه في الزبر "وترتيبه الزمني أن يليه، لاستكمال المشهد، ولعلة بلاغية، بينما أخذ تراتبه الطبيعي بالنسبة للجزاء "أن المتقين في جنات ونهر".‏

***‏

عندما نعرض عملاً روائياً أو مسرحياً أمام قارئ أو متفرج غير عادي لا بد من استخدام تقنيات عالية في الإقناع، ونحن في هذه السورة أمام متفرج غير عادي، مكذب، متبع أهواءه، منكر، مجرم، ولهذا تم وضعه ضمن فضاءات تاريخية متعددة هي استرجاع لأزمنة بعيدة في مشاهد متتالية، وكل مشهد يتألف من حديث قديم وزمن ماض "كذبت قبلهم..."، ومن زمن حاضر من جهة الواقع- المتلقي- حيث يتوجه إليه الخطاب الإلهي "فهل من مذكر"، وما بينهما تأكيد لسلامة أدوات التوصيل، ولقرب ووضوح الفكر من الأذهان "ولقد يسرنا القرآن للذكر".‏

والمشهد- الحدث- مركب من: 1-إنكار وتكذيب- 2-عرض الحدث وتصوير الضلال والطغيان- 3-الإدانة والعقوبة. وتكون العقوبة دائماً بأحداث وكوارث طبيعية مدمرة إشارة إلى أن ما فعلوه من كفر وطغيان وإخراب هو ضد الله والإنسان والطبيعة.‏

نحن إذن في معالجة الواقع أمام مشاهد متعاقبة من دراما الحياة، تساق بشكل تصويري وتعليمي ووعظي وإنذاري. ومع هذا النهج تتوالى المشاهد الاسترجاعية:‏

-كذبت قوم نوح فكانت العقوبة بالطوفان.‏

-كذبت قوم عاد فكانت العقوبة بالريح المدمرة.‏

-كذبت قوم ثمود فكانت العقوبة بالصيحة (الزلازل).‏

-كذبت قوم لوط فكانت العقوبة بالحاصب وثورة البركان.‏

وكذبت قوم فرعون فابتلوا بألوان من العقوبات ذكرت في مواضع أخرى من القرآن وأكتفي هنا بالإشارة إليها.‏

وجميع هذه العقوبات أحداث طبيعية كأنها تمثل غضب الطبيعة على من كان ضد الطبيعة وخرج عن النسق الإيماني وعن قرآن الوجود، ومثلما يطلب من الممثل أن يأخذ مكانه الصحيح في فضاء المسرح، فإن هذه المشاهد الكارثية، والفضاءات الكثيفة المظلمة تنبه وتطلب من الإنسان الحاضر المعني بالخطاب أن يجنب نفسه الوقوف في المكان الخاطئ الذي وقفه من سبقه من قوم نوح وعاد وثمود.. فيبتعد عن موقف التكذيب، ويقف في موقف الإيمان.‏

شمل الفضاء المكاني: هذه السورة: مكان الشخصيات التاريخية والحدث المروي، ومكان المتلقي، وهو مبني بحيث يكون المتلقي في مركز الإرادة.‏

نحن إذن أمام دراما وجودية تتعاقب فيها المشاهد سريعة موجزة، تترك لخيال المتلقي استكمال المشهد بالتصور وبثقافته التاريخية، إنها مشاهد حارة صاخبة عنيفة تتعاقب لتقدم لنا الملحمة الأزلية، ملحمة الإيمان والكفر، الهدى والضلال، العدالة والطغيان، الجزاء والعقاب، وهي ملحمة مصيرية مهولة مروعة، ليس غريباً فيها، ولأجل نجاة الإنسان وهدايته أن ينشق القمر.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244