مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 303 تموز 1996
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

حكايات صغيرة كالبحر ـــ بديع صقور

-1-‏

نحرتُ ناقة الريح‏

أوقدتُ نار العشيات في‏

مضارب الرمل‏

طالت النار رأس النخيل‏

تجمعَ صحبي الطيبون‏

البحرُ‏

زغبُ القطا‏

والحطيئة..‏

أطعمتهم ما يطعم الأهل‏

وسقيتهم خمرَ المعلقات‏

وحدثتهم عن فحولة من مروا‏

على نساء غرناطةَ‏

فأزور صحبي‏

وفروا تباعاً..‏

فرَّ الحطيئة‏

طار القطا‏

لملم البحر عباءته‏

عدوتُ خلف صحبي‏

عدوتُ‏

عدوتُ‏

ولكن صوت البسوسِ‏

يسبقُ خطوتي‏

بحثتُ عن صوتهم‏

بين ألوان الرمال‏

"وكان صحبي قد مضوا"‏

أضعْتُ صوتَ المسرةِ‏

زغبَ القطا‏

والحطيئة‏

وخاتم البحر..‏

عدوتُ‏

عدوتُ‏

ولكن صحبي قد قضوا‏

تحتَ فيء البوارج‏

أسلموا الروحَ لرايةِ‏

الذل‏

وما عاد من أحد.‏

-2-‏

لم أخبئ صوتيَ عنكم‏

هم أودعوه رَدْهةَ الخوف‏

أضرموا موتهم في حقول الجسد..‏

ضيعتُ برَّ الجلنار‏

لم تعد زرقاء اليمامة مذ سافرت‏

ركبتْ قطار الزمان البعيد‏

سافرتْ‏

صوب أهلها‏

وكانتْ أنبأتني أن البحر ضاقَ‏

وأن الجلنار أيبسته‏

رياحُ التعب،‏

وأنَ الأرضَ عودُ ثقابِ،‏

وأن الغربة وطنٌ‏

للحَزانى والميتين.‏

-3-‏

أضعْتُ وردةَ الرؤيا‏

ونوقي لم تعد‏

تاهت بنا سفن المطر‏

لم يورقِ البحرُ‏

ترهل وجهُ خيمتنا‏

لم يعد للروح متكأٌ‏

ضاعَ بعضي‏

وبعضي لم يعد.‏

-4-‏

بوتقةٌ‏

وحصانٌ‏

ورأسُ امرئ القيس‏

غريبان يظللنا المطر‏

هامة الوقتِ تلهو بها السابله‏

تعدو الهوادج في قفار خُطاه‏

غريبان، ولا سيفَ‏

ولا؟‏

رايتنا غبارٌ‏

وسيفنا هواء‏

غريبان تحت ظلالِ المقاصلِ‏

لا شيء يظلُّ قامتنا‏

"وكل غريب للغريب نسيب".‏

-5-‏

وضعَ يدهُ فوق زهرة القلب‏

تطاول لهاثُ الوردةِ‏

مرر أصابعهُ فوق سرة الغابة‏

فتوهج ثغرها‏

واشتعلت شفتاها‏

بالكرز‏

يتذكر أن عيون الغابة‏

كانت شاردةً‏

ولكن يبللها بنارِ صدره‏

المشتعل.‏

-6-‏

يودُ أن يحملَ لها قرنفلةً‏

من حديقة البحر‏

يودُ أن يتماهى مع النسيم‏

ليرفو مِزَق الحليبِ النافرِ‏

من يُنبوع صدرها‏

يودُ أن يرتشف‏

ماء الينبوع كله.‏

-7-‏

استحمت برذاذهِ‏

فأمطر جيدها بالقبل‏

توهجت كشمعةٍ‏

وأسبلت عنابَ شفتيها‏

كلل براعمَ صدرها بندى لهفتهِ‏

تويجاً.. تويجاً..‏

نهضتْ بريةً من عناب‏

فأغمض وريقاتِ روحه‏

غفا فوق سمرة اللؤلؤة.‏

-8-‏

خلسةً يتعانق العشاق‏

تحت موجةٍ من الحنين..‏

خلسةً‏

يرمي مفاتنهُ الصدفُ‏

من نافذة الصخور‏

وخلسةً‏

تبتسم النوافذ.‏

-9-‏

تسللتْ يده من خلف‏

سياج النهد‏

خدشتْ أشواك‏

السياج يده‏

نزفت وردةُ نهدها‏

ضوءاً عطراً‏

حطت عصفورةُ قلبها‏

فوق أغصان صدره‏

وأنشدا معاً‏

أغنية صغيرة كالبحر.‏

-10-‏

وقفَ تحتَ نوافذ عطرها‏

وأخرج مناديل عينيه‏

غنى حنينه المسافر‏

نهضتْ من سريرها..‏

فتحت نافذة العذوبة‏

وطارتْ..‏

لوح لها،‏

ولكن الشراع يبتعد..‏

طوق الحزنُ بإسوارة الرحيل‏

طوى مناديل عينيه‏

وراح‏

يعدو في الظلام.‏

-11-‏

مساءً ودعَ عطرها‏

أطلقَ أصابع وحشته‏

في الفراغ‏

توسدَ فيء دفئها المبتعد..‏

كسرَ نايهُ الصغير‏

رمى صوتهُ لمياهِ النهر‏

ثم بدأ يعد النجوم‏

وحين تعبَ‏

راح يرسمها على هدب‏

نجمة صغيرة..‏

توسل للنجمةِ أن تعيدَ‏

له الدفء‏

ليسترجعَ من النهر صوته‏

ويرمم بوحَ نايه الذي كسر.‏

-12-‏

قريباً من ضفة العين‏

فوق شرفة الجبين‏

وقف عصفورُ الصباح‏

ولكن يرتجفْ‏

مددت له بريق الروح‏

أشعلت مصباح قلبي‏

غافلني عصفور الصباح‏

فتح نافذة المدى‏

امتطى صهوة الفراشة‏

وطارا معاً‏

وراء حقول الزرقة البهية.‏

-13-‏

قراصنةٌ يعتمرون قبعاتِ‏

الحمام‏

على قوارب الموجِ‏

يجلبون لنا مِزَق العمر‏

وبقية الأسمال‏

على قوارب الموج‏

يحملون لنا صدأ الأصابع‏

يجلبون طوافاتٍ وغُزاةً‏

أجنحة للسقوط في‏

حظائر الموت‏

مشاعل من رصاص‏

ستضيء خلجان صدورنا الوادعة.‏

-14-‏

ارتعشتْ الحمامة‏

حين صار النسرُ غراباً‏

وهبَ ريشهُ للصياد كي‏

يموِّهَ غضبهْ..‏

لم تصدقْ الحمامةُ‏

هوتْ وردةً بلونِ الفجر،‏

ارتعشت عندما‏

كان النسر يقدمُ آخر‏

ريشةٍ من جناحيه‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244