مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 303 تموز 1996
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

حمص السادسة مساء ـــ حسان الجودي

للمطرِ الراشحِ من سقف الغيمِ نشيجٌ‏

للسيارات تنفُّسها الأسودُ‏

للساحاتِ بقايا العرباتِ‏

المكتظةِ بالوحلِ‏

وثمَّة عائلةٌ تنتظرُ (الباصَ) المتأخرَ‏

هل أرّقكَ الصمتُ الشتويُّ‏

وأنتَ ربيبُ الوحدةِ؟‏

كلاّ… لكنّي أتهجى لغة الذات الأخرى.‏

***‏

سوقُ النحَّاسينَ فضاء مُغْلق‏

كان المعْدِنُ قبْلَ الظهرِ نقياً‏

تتلامحُ فيه عيونُ الأجدادِ‏

وكان شقياً‏

يطفو فوق مياه القلب ويغرقْ‏

والآن وفي أبهاءِ الليلِ‏

تلاشتْ رائحةُ الباعةِ‏

والسوقُ على رَعشاتِ المعدنِ ما زال‏

مُعلّقْ‏

الزّخرفُ فوق الأوعيةِ الصفراءِ‏

يلاصقُ شريانَ الروحِ‏

ويشربُ حتى يسكر‏

يركضُ في سوق الفيصلِ*‏

يثقبُ سقفَ السوقِ‏

ويكسرُ نافذةَ المطلقْ‏

سوقُ النحاسين هواء أزرقْ‏

لا يحتاج إلى روحِ الشِّعْر ليُخْلَقْ.‏

***‏

شارعٌ في بابِ تدمر*‏

أسس الحزنَ بشرياني‏

وسمّاني انكسارا‏

كنتُ في داخل أشيائي مُسجّى‏

وعلى روحي بقايا غيمة سوداءَ‏

جاءتْ من ممرِّ الشجر الغربيِّ نحو‏

الشرقِ‏

حين التجأتْ نحوي تضاريسُ الحجاره:‏

القبابُ السودُ… والجدرانُ… أسرابُ‏

الحمامِ المنزليِّ‏

الطينُ.. والناسُ.. الهواءُ الحامضُ..‏

الملْحُ الذي عشّش في العُمْرِ..‏

وأشلاءُ الحضاره…‏

شارعٌ في باب تدمرْ‏

أيقظ النارَ بأعماقي فأطلقتُ صهيلي‏

يعبر الحاراتِ نحو الغربِ‏

فارتدَّ مع الريح غبارا.‏

***‏

قربَ سوقِ الهالِ*‏

أوقفتُ جِمالي‏

واضحاً كنتُ كشمسٍ في حمادٍ‏

وقديماً سالَ زيتُ الدهرِ من خاصرتي‏

سرتُ في خارج صحرائي‏

ففوجئتُ بها‏

تشتري فاكهةَ الماءِ بمالي.‏

قربَ سوقِ الهالِ‏

أطلقتُ جِمالي‏

وأنا أطعمها الرملَ‏

لميعاد اشتعالي.‏

***‏

مقهى الروضةِ* دخانٌ أصفرْ:‏

أبخرةُ الأشياءِ‏

وأبخرةُ النهرِ المتعفنِ بين ضلوعِ الناسِ.‏

سألتُ النادلَ عن قطٍّ‏

كنتُ أراه الصيفَ الماضي‏

فارتفع المقهى نحو الأعلى‏

ورأيتُ القطّ يخرّش أعمدةَ الإسمنتِ‏

ومخلبه يتكسرْ‏

أعطيتُ القطّ مخالبَ روحي‏

فارتجّ المقهى من سخرية الأحجار.‏

***‏

الكنائسُ مظلمةٌ‏

والنواقيسُ حُبْلى بأنّاتها‏

المساجدُ ساهمةٌ‏

والتراتيلُ تختصرُ الحزنَ‏

كانتْ عيونُ (الإله) تظلل سطحَ المدينةِ‏

والصاعدونَ إلى السطحِ لم يستبينوا‏

التجلي.‏

انقسمتُ…‏

تسلّل نصفٌ إلى مذبحٍ فارغٍ‏

وتسلّق نصفٌ إلى مذبحٍ فارغٍ‏

وتسلّق نصفٌ سلالمَ مئذنةٍ‏

انقسمتُ ورحتُ أصلّي‏

تجمّعتُ…‏

كانتْ دماءُ (الإله) تلوّن ثوبَ صلاتي‏

وكان- يهوذا- كعادته لا يفارق ظلي.‏

**‏

مغْلقٌ بالتحياتِ‏

والضحكاتِ البليدةِ سوقُ المدينةِ‏

في كلِّ ناصيةٍ بائعٌ‏

استحمَّ بشهوته‏

وأتى يُطْعمُ اللحْمَ نسرَ أمانيهِ‏

كانتْ عصافير روحي على عشب كفّي‏

تسيّجني بالنقاءِ‏

وكانتْ مخالبها‏

تعقل الناقة الجسديةَ بالخبثِ‏

عند الحوانيتِ ثم تعود إليها‏

*‏

لن أصعدُ السورَ‏

غطّي مفاتنكِ الحجريّةَ‏

يا قلعةً دون سيّدها‏

تستريح العناكبُ فوق منافذها‏

وتمدُّ لزوجَتها للمقابرِ‏

يا قلعةً دونَ حارسها‏

ارحميني من الموتِ ثانيةً‏

في سريري الرؤى‏

قد يُغنّي الغبارُ‏

على راحتيكِ أساطيرَهُ‏

والحجارةُ ترسم أمجادَها‏

قد تضيءُ السيوفُ‏

ويندفع المنجنيقُ‏

وتتخذ النارُ هيأتها‏

وأراكِ على سدرةِ المجدِ‏

تحتلبينَ الندى من غيوم الأمان‏

غير أنّ اغترابي يكرّر فيَّ اغترابَ‏

الزمانْ.‏

***‏

تعبرُ العاصيْ* زجاجاتُ العرَقْ‏

الندى الليليُّ لا يجرؤُ‏

أنْ يتخذَ الماءَ سريراً‏

والبساتينُ عصاراتُ قلَقْ‏

كانتِ (الكاردينيا)* تفتح كفّيها رويداً‏

وعلى ساقيةِ الليلِ الشتائيّ نواعيرُ‏

الشبَقْ‏

الندامى ثلةٌ تعتصر الناسَ نهاراً‏

والأحاديثُ خِراف‏

تعبر العالمَ من بابِ الأنانيَّةِ‏

أخبرْتُ دَمي عنْ عطشي الناريِّ‏

فاختارَ مواعيدَ الغَرَقْ‏

ورماني في فمِ العاصيْ رماداً‏

كان ديك الجن* قربي‏

يشربُ الخَمْرَ‏

سألتُ النهرَ عنه… فاختنقْ.‏

***‏

بائعُ الحلوياتِ أفعى تريد التهامي‏

كان متكئاً فوقَ ساقيةِ السَّمْنِ‏

يملأ دلواً ويفرغ دلواً‏

وحين دخلتُ‏

رمى حول جسمي شِباكَ السّلامِ‏

وأجلسني بين أعمدةِ السُّكرِ‏

المتصلّبِ في راحتيهِ‏

سألتُ الشوارعَ إذْ شاقني ملحها‏

عن دخولي إلى بائعٍ‏

مزقتهُ المدينةُ بالسرطان الحضاريِّ…‏

فالتصقُ النحْلُ فوقَ يديْ‏

والرماحُ تدلّتْ أمامي.‏

***‏

إشارات:‏

-سوق الفيصل- سوق النحاسين- سوق الهال- هي أسماء لأسواق في المدينة.‏

-باب تدمر: حي من أحياء المدينة القديمة التي كان لها عدد من الأبواب.‏

-مقهى الروضة: أشهر مقهى شعبي قديم في وسط المدينة.‏

-العاصي: نهر يخترق المدينة جاعلاً من الأماكن التي يلمسها علامات خضراء وله ما له في الذاكرة الشعبية والشعرية من حضور غامر وآسر.‏

-الكاردينيا: من المقاصف المحيطة بالعاصي.‏

-ديك الجن: في الأصل هو لقب الشاعر المعروف.‏

-عبد السلام بن رغبان: وهو اسم لمقصف جميل مطل على نهر العاصي الذي ارتبط بديك الجن.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244