مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 303 تموز 1996
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

قمر السروات ـــ خليل خلايلي

لن أنسى- ما عشت- ليالينا بجبال السروات‏

كان القمر الفضي يعشش في الشرفات‏

يسبح كالزورق نحو الأفق وئيداً ووحيداً‏

يتلألأ كالياقوتة فوق جبين الليل‏

ويرسل نحو الحارات سلالاً من فضة‏

وصحون لجين‏

وسطولاً من ذوب العسجد‏

يدلقها في ساحات الدور‏

وسهاماً يطلقها من قوس كيوبيد‏

وهالات من نور‏

يرشقها في أحشاء الديجور‏

فتحلو في الليل الهمسات‏

تتعالى آهات آهات‏

ما أحلى الليل مع الآهات‏

***‏

لن أنسى ما عشت ليالينا بجبال‏

السروات‏

كانت جارتنا (خيرة) من أحلى الجارات‏

كانت تهتاج إذا ما غضبت كلبوءة‏

لكن كانت لا تخلو من كرم ومروءة‏

***‏

كانت تأتينا كل مساء‏

تتسلل عبر الدهليز‏

تدق الباب برفق‏

فتفتح في الحال الأبواب‏

ونلاقيها بالترحاب.‏

***‏

كانت بسمتها تفضح حبات اللؤلؤ‏

أو ترسم حبات العناب‏

تنثال غمامة عطر أنى سارت‏

فيضوع المسك‏

وتسمق أغصان اللبلاب‏

كانت (خيرة) ابنة شيخ وقرينة شيخ‏

يكبرها جيلاً أو جيلين‏

كانت إن جاءت تضحك صاهلة‏

فتراها "مثقلة الردف"‏

"هضيم الكشح"‏

"بعيدة مهوى القرط"‏

وقامتها هيفاء.‏

***‏

كانت تجلس في صدر الديوان‏

تتناول فنجان القهوة‏

تكرعه‏

تتلمظ‏

تمسح عن شفتيها آثار البن‏

تعدل جلستها‏

وتمر بأطراف الثوب على ساقيها‏

وتركز عصبتها‏

تحكي قصتها‏

تكشف عن بلواها‏

***‏

كانت أحلى من كل بنات الديرة‏

والحق يقال‏

ما زال جمال صباها يشهد‏

والورد على خديها يشهد‏

لكن الحظ التاعس ألقاها بين يدي الغول‏

وأدخلها في اللامعقول‏

***‏

إن أنْسَ فلن أنسى إذ جاءت ذات مساء سهرتْ‏

وسهرتُ‏

ولّى الليل ورحنا نرقب وجه الصبح‏

القادم‏

في ألق العينين وعطر الفودين‏

والكل نيام‏

وأنا أطعمها من سمك البحر الأحمر‏

ألقمها في إثر اللقمة‏

كانت تمضغها وتهمهم:‏

بوركتم يا أهل الشام‏

ما أحلى صحبتكم‏

ما أحلى عشرتكم‏

لم يفهمني أحد إلا أنت‏

لولاك لوافاني الموت‏

وبدت منها لحظة صمت‏

وأجالت نظرات خائفة في أرجاء البيت‏

ورمتني بسؤال مهموس الصوت‏

هل تأخذني للشام معاك؟‏

فالهم يكاد يمزقني‏

والبلوى تقصم ظهري وتحطمني‏

وعجوز النحس يجرسني‏

إن غبت قليلاً عن بيتي‏

فالبيت غدا سجناً أبدياً‏

والعيش هلاك‏

وغدا رب البيت السجّان‏

وروضني بالقهر‏

وطول العمر‏

وأنا كالنعناع الذابل في حضن النهر‏

لا يسقى ماءَ، بعداً للماء‏

واشتد حنين المرأة للشام‏

واتقد الشوق بعينيها ناراً‏

فتلظت‏

غامت رؤياها‏

فتراءت لي عصفوراً أزغب أو فرخ يمام‏

أثقله القيد وآلمه عسف السفاح‏

فاهتز على متن الريح جناح‏

واشتقت أنا أيضاً للشام‏

مرّت صور الغوطة والفيجة في البال‏

وتراءى لي بردى كملاك‏

ومرّت في البال ليالي الحب وأيام الحرمان‏

فاشتد على شفتينا البوح‏

لكن ما إن صاح الديك الأربد واقترب الصبح‏

حتى هبت واقفة كالرمح‏

أمسكت يديها أرجوها أن تبقى لتنام‏

فالليل ظلام‏

***‏

ومضت‏

طرقت باب البيت فلم يسمعها أحد‏

كانوا في سابع نوم‏

عادت‏

واعتذرت إذ نسيت أن تحمل معها‏

المفتاح‏

قلت لها: نامي نامي لا بأس عليكِ‏

لا تخشي إن أدركك الإصباح‏

فالبيت أمان‏

وأنا لك كف وبنان‏

فأجابت تخنقها حشرجة: "يقتلني‏

الشيخ إذا نمت هنا‏

ويقصب بالسيف عظامي"‏

أشفقت عليها من أعماقي‏

ووددت لو أني أحميها في جفني‏

وأغطّيها بشغاف القلب‏

وأمنحها كل الحب‏

وشددت يدي على كفيها‏

وهممت أقبل شفتيها‏

لكن إذ لقفت إحساسي‏

وأحست بلظى أنفاسي‏

هجمت نحوي مثل البرق‏

لثمت كفي بشوق‏

وانفلتت مثل السهم لفوق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244