مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 303 تموز 1996
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

محبرة مدلوقة في الذاكرة ـــ عبد الله عيسى

إلى ذكرى عائشة عيسى:‏

مات الموت مكبراً في قلبها‏

-1-‏

سأحضنُ ذاك البيت.‏

من بابه المُفضي إلى كهف أحلامي‏

القصيرة‏

حتى مطلع الفجر من قُب يسير على‏

الشبَّاك.‏

.. معتصماً بقوس تلك السنين المائلات‏

على عرائه،‏

بدعاء إله حين يرمي الجنُّ أنفاس موتاهمْ‏

على الريح،‏

بالمعطف المُلقى على عظم جدّتي كتعويذةٍ‏

أو ظلَّ شاهدةٍ تشقى.‏

سأحضنُ ذاك البيت.‏

فطرَ كلامٍ قد نسيناه، لا يزالُ، ينبتُ في الشرفات،‏

رعشات أيدينا ونحنُ، على خوفٍ، نعدّدُ أسماء العفاريت،‏

أو نرشّ ماء على عظامهمْ في مدافئٍ‏

تصدأ حتى الرماد في مساماتها،‏

أحزان أمّي حين لا تجيء الملائكُ البديعةُ‏

كي تُلقي على روحنا السلام‏

سأحضنُ ذاك البيت.‏

من سقفه المفتوح، مثلي، للأشباح يأتون‏

جمعاً أو فُرادى‏

يشدّون الفضاء بجلدنا طبولاً‏

ويمّحون في الليل،‏

حتى ما تبقى من السلوى على آيةِ الكرسيّ‏

فوق جداره الجنوبي‏

.. ساكباً على أرضهِ روحي كمحبرةٍ‏

مكسورة‏

بشرود طينها في الحديقة الضئيلةِ‏

حيث تنجزُ الرئةُ الهواء من قصب الآهات،‏

بالذكريات المُطرقات كصندوق قديم،‏

بملمس الأنين الكتيم في خلاياي،‏

بانتباهة الموت‏

أو لهاثة خلف مجرايَ النحيل‏

بما تبقى من الروح..‏

سأحضنُ ذاك البيت.‏

ثمّ أوزّع العراء على أحفاد عفريت جدّي،‏

أو ملائكةٍ في الأرض ترفعُ موتك الوديع‏

على أيّامنا الفانيات، بي، صلاة‏

كفحوى الله تبقى.‏

-2-‏

ليرتطم الموتُ، من أجل موتكِ، بالريح‏

حتى تدق حوافر هذا الغباء هواء الرئات‏

الثقيلة بالوحل،‏

مثل نجوم دواثرَ، من أبدٍ، تتهيّأْ‏

-مرميّة في ظلال القبور- ليوم قيامتها،‏

أو مدى لم يُضئْ زيتُ حكمته التائه في‏

غموض الخليقةِ‏

ذورته بعدُ.‏

.. مُحتشداً كالصلاة بأمينه‏

ومُعافى كسهم عدالته الأزليِّ..‏

ليرتطم الموت، من أجل موتكِ، بالبحرِ‏

حتى تسيل على قدمي شاطئٍ‏

يتناهشُ وقعُ صدى الصابرين الأخيرين‏

أعضاءَه،‏

بلهاث قراصنة غامضين توارى، مديداً،‏

وراء‏

عُصابات أعينهم،‏

وبقايا ضراعة أشرعة، لا تزالُ، على زبد‏

الريح‏

تبحثُ عن أثرٍ يُقتفى..‏

ليرتطم الموت، من أجل موتك، بالطين‏

كي يدلق الأنبياء وصايا محابرهم،‏

وكذاكرة الآس في قيظ مقبرة يستفيق‏

بمرآته الغيب.‏

حتى يُهيل على فمه الميّتون صلاة الغياب‏

الأخيرة.‏

مثل سراجٍ ترمّد في جوفه الزيتُ‏

من أبدٍ لا يُحدُّ يقوده أعمى‏

ليرتطم الموت، من أجل موتك، بالجمر‏

أو بالجحيم‏

لئلا تسحّ حراشفه الواخزات كإكليل شوكٍ‏

عجوز‏

على أفق ريش الملائكة الصاعدين رؤوس‏

الأصابع‏

كي يُوقدوا شمع مجد السلام الإلهي،‏

أو يحرسوا، بالدعاء المُضاء بعشب يفيضُ‏

على شفتيك،‏

مناسكَ روحك من عتمةٍ تتفكك حولك‏

مثل جماجم عمياء يرتطمُ الجنّ‏

حين يعود إلى جوف مثواه، مرتبكاً على‏

عرباتٍ‏

مُحمّلة بموات النفوس، بها؛‏

ولئلا يشعّ بمرآة عمري المسمّى.‏

ليرتطم الموت، من أجل موتك، بالموت‏

حتى نواريهما..‏

وكفى!‏

ولا بد أن تستيقظي:‏

بشرود الضوء فوق رموشك الثقيلة‏

بالنعاس،‏

أو بارتباك الليل حين يواري عنكِ آخر‏

نجمةٍ‏

كقبّعة الفطر الشتائيِّ يستفيقُ حلمك في‏

المرأة أيضاً،‏

ويقسمُ الفطائر للزوج الذي لا يزال النوم‏

سهران في عينيه‏

أو لدمى طفليكِ‏

لا بُدّ أن تستيقظي:‏

قبل أن تغشّ بائعة الحليب زوجك،‏

أو يرمي "مهند" حلوى الأمس للجدّ في‏

بروازه الكهل،‏

قبل أن تقلّد "آسالُ" الطيور التي حطّتْ‏

على سطح بيت الجار‏

في دفتر الرسم الصغير..‏

وقبل أن يعود إلى عاداته المطر الصيفيّ‏

ينقر كالغربان ذاكرة الزجاج‏

لا بدّ أن تستيقظي:‏

وعلى أهدابكِ اليوم عاديٌّ‏

سوى أن مسّاً من صداع الأمس‏

قدْ يُجَرّح بالأنين صوتكِ،‏

أو قدْ يرتدي البردُ لون وجهك،‏

لكن قد يُغيظك أن الموت ما زال يستلقي‏

جوارك‏

مثل ظلّ طيف دمٍ على السرير‏

-4-‏

كم قُلتِ إنكِ لن تنسي أصابعكِ السمراء‏

ذاهلةً‏

في شعر طفلتكِ الوسنان‏

كي لا يفوت يومها جرسُ الدرس‏

الصباحيّ!‏

: لست في حديقة بيتنا القديم‏

لتُبصري السماء قريبة كذاكرة في راحة‏

اليد..‏

.. لن تُضيّعي بشرودكِ الطفيف خلف كلامٍ‏

قُلْتِه‏

أثر الشيبات في لحية الزوجِ النحيلة!‏

: ليس الوقت نافذة أخرى‏

فنرمي أعقاب السجائرِ،‏

أو قشور فاكهة قديمةٍ،‏

ونطلّ، ساهمينَ، على غسيل جارتنا‏

.. وقُلتِ إنكِ لن تطوي عقارب ساعات‏

مضتْ‏

كما تطوىن ملابس موتى العائلةْ‏

في صناديق رمى الجدّ في بئر مفاتيحها‏

العمياء‏

ثمّ مضى مُلوّحاً بمزايا شاربيه على الأحفاد‏

كي لا يعكّروا استراحته في ظلِّ شاهدة‏

: ولم تكن فُسحة الفوضى بحجم يديكِ‏

حين كنتِ تهيلين الصلاة على موتاكِ‏

أو تسندين بالتسابيح أرواحهم المائلة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244