مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 303 تموز 1996
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

محاولة للإنعاش... و... تأجيل الاحتضار ـــ سامي حمزة

-: اصبر ولا تقاطعني، فجلُّ ما أخشاهُ ألاّ أكمل كلامي.‏

امسح الدمعَ من عينيكَ، ولا تشهِقْ، فالدهشةُ ليستْ في أنْ أموتَ بين يديك، وأنت تنظر إليّ عاجزاً. فلا تُمعن في إيلامي متلهفاً لسماعِ الوصية.‏

هي رغبتي أيضاً... ثق بذلك؛ وإن لم تكن كما تبتغيها. لكنها آخرُ ما قاله جدي لأبي، وآخر ما أفضى بها جدك لي، وهو في النزع الأخير، وليس لدي أهم منها أختم بها ما تسمعه مني، فها أنت ترى كمْ عُمِّرتُ، وإن لم أتجاوز الخمسين بعدُ!.. إلا أنه في زمن القهر عمر مديد.‏

ابتسمْ إن شئت؛ بل لكَ أن تضحك، ما دمتُ في أول الكلام، لكني لن أغفر لك إن فهمت كلامي فبكيت،‏

فالدمع لا يليق بمثقف وإن رُمي بين سيوف صدئة.‏

امتشق همتك هيا، وكن وريثي في ذاكرتي، كي لا تنسى، فأضيع، وتُمسي أنت كلقيط في حجر مومس.‏

أرهف السمع وكنْ على قدر المسؤولية، فالوقت كرحى الطاحون إن تدحرج من علِ.‏

كن متيقظاً، فقد تثاءب الليل ناعساً في العيون المجهدة،‏

والدمع تفتت يابساً بين الجفون المتصحرة،‏

هجع اللسان وخمد في فراغ الفم المجفف كباذنجانة قعورتها الجدة،‏

والدم فسُد في الشرايين، وجاف في الأوردة،‏

وشابهت تلافيف الأدمغة عناقيد صارت حباتها زبيباً،‏

ولم تزل على أمّها وقد أمست خشبة.‏

فتساحقت الأزاهير، وتلاوطت الرياحين، وقد نبتت في كل كف أصابع ستة، فدست العطور أنوفها في رائحة واحدة!‏

وتمغنطت الغرائز والأحاسيس والمشاعر...‏

وتمعدنت ثم صُكّت في هيئة عملة مفردة، وتتلتلت في كف أملس كلسان أفعوان هلس من ذؤابات الرؤوس شَعْراً، أنبته متراصفاً متحاذياً في لحية كثة، تعمشْقها حيات حركت بأنيابها أوتار العود والكمان والقا......نون!!‏

ونقرت بأذيالها الرق والطبل والدف، ونفخت في الناي، فأصدرت جميعها نفحة المزامير كما موْسَقها حكماؤهم على السلم المختار!..‏

لا تجحظن عينيك، ولا تزُمَّ شفتيك مستهولاً أو متأسياً، ولتستفدْ من هول تجاربي، فأنا قد نكبت واعتدي عليّ، وانتكست ثم اجتحت في عقر داري.‏

ساقي بُترت، ويدي قُطِعت، وكليتي سُرِقت، اشفطوا مائي من بين صلبي والترائب.!‏

همهم أن يخصوني، وليس محالاً.‏

ولن يكون محالاً عليهم أن يفعلوا ذلك بك!‏

إن ارتضيت الاستنعاج أو استطبت التأرنب.‏

فحذار.‏

فليس محالاً، إن محوت من الذاكرة أمسنا، أو إن لم تر من غدك غير أن تنهب له يومك، وتستجيد النعال من جلود جباه أخوتك وأطفالك، على أنها خلا خيل الرجال!. أو إن كانت في فؤادك رغبة دافقة وأنت حصان، أن تكون ولو فأراً في عنابر- رامبو- الشيطان.‏

هذا أولاً، فحذار.‏

والبرد ثانياً... برد العواطف، برد المشاعر، برد القلب، برد الوجدان، برد الشتاء، سواء. وإن كان نقيض جهنم، فالمؤكد أنه مؤس مؤلم أكثر منها، والله أعلم؛ ومن عانى لا شك أنه أيضاً يعلم.‏

فبرد الذاكرة إن هو إلا كارثة، وداء النسيان مصيبة، وكيف لا؟. إن عدت لا تذكر برودة أعصاب القتلة، وقحة الناهبين، وصفاقة المرتزقة، وفجور المهللين!!.‏

أطلت عليك رغم أنك لست بحاجة لكل هذا الشرح، ولكنه حرصي على عدم تحريف ما سمعته من جدك، ورضعته مع حليب أمي، وسمعته ورأيته وقرأته في الصحف الأولى، صحف إبراهيم و...‏

ولكن هل سيمهلك الزمن المهرول لتقول ما سمعته مني لولدك؟.‏

لا تُشح بوجهك غضباً أو حزناً.‏

دع بريق عينيك ينبئني أن ذاكرتك قد امتصت من كلامي ترياقه، فهو الذي أبقاني رجلاً، عاش شهيداً، واستُشهِد حياً.‏

إنهم والبرد سببا كل علة. ألا هل بلغت؟‏

أشعر أني قد فعلت.‏

وقبل أن تسبل أجفاني، اعلم أني أموت وفي قلبي بغضهما...‏

وحب امرأة اسمها...‏

لا... لن أذكره لك، فأنا أخاف عليها منهم ومن البرد، فقد تتحامق إن رأيتها يوماً أن تصيح مفاخراً: هذي التي كان أبي يحبها.‏

بنيَّ...‏

ساعدني الآن على راحة نفسي فأنشدني عن ذات الخمار الـ...‏

*-: لم أعرف لونه، فتلك الكلمة ظلت في حنجرته، وأبقاها أبي حسرة في قلبي، فقد همد اللسان في فراغ الكتمان، وتثاءب الليل ناعساً في العيون العاشقة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244