مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 303 تموز 1996
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

لعبة البكاء ـــ د.جرجس حوراني

ذكرى -1-‏

عندما ابتلعه السجن، اختلفت آراء الشلة حول مروان.‏

ماري قالت: ما قام به ليس تصرفاً هاماً، لأنه لم يكن ذات يوم بمستوى أهمية الحريق.‏

لورا قالت: لعله حرق فشله عندما حرق هذا المطعم.‏

كفاح قال: أنتم مخطئون.. على المرء إذا لم يكن بإمكانه أن يفعل شيئاً، أن يرمي حجراً على الأقل.‏

نور (أخت مروان) قالت: على كل حال، الأمر ليس بهذه السهولة.. وليس بهذه الطريقة نحل مشاكلنا.. مروان تركيبة مزاجية انفعالية، ما كان عليه أن يتصرف على هذا النحو.‏

أما أنا فقد لفني الصمت ورحل بي بعيداً...‏

ذكرى -2-‏

كيف أصلُ إليكِ؟‏

عندما كنتِ تتحدثين عن أخيكِ، كنتُ أبحث في عينيك عن سر الحياة، وكنت أبحث أيضاً عن معنى الفشل، وأسباب الانهيار.. تمنيت أن أقول لك شيئاً ذلك الوقت، لكن الصمت غلبني.‏

ذكرى -3-‏

هل تذكرين يوم اختلفنا حول "دمشق"؟‏

مروان كان يقول: إنها مملكة الجنون والضياع.‏

كفاح كان يقول: بل هي مدينة المواقف وقلعة الرجال الأشداء.‏

ماري تقول عنها: دمشق مدينة الحب والألم والذكريات..‏

كنت أنتظر ساعتها بفارغ الصبر كي تتكلمي أنت، لكن الصمت لفك مثلي ورحل بك بعيداً...‏

ذكرى -4-‏

هل تعرفين أني حملت إليك حزني وأتيت..؟‏

أنت يا دمشق.. ماذا أسميك.. كيف أناديك!‏

فيك التقيت مع هؤلاء الأصدقاء الرائعين، منك عرفت مروان بمرحه ولا مبالاته.. وعرفت كفاح بتحديه وعنفوانه.. وعرفت ماري العذبة..‏

والتقيت بسري الأليم، أقصد نور..، طيري المسافر.‏

ذكرى -5-‏

مروان، كان عنصراً هاماً في الشلة، دائماً يشغلنا بمرحه، ودائماً كان يقول: لقد خلقتُ للرقص والغناء، وهذه الحياة لا تساوي ليرة دمشقية..‏

كنا نضحك.. وكنا نختلف..‏

كفاح يقول: لا.. الحياة أجمل وأغلى.. لكن لمن يعرف كيف يتعامل معها، إنها امرأة دمشقية تعشق الرجال الأشداء، أصحاب المواقف العنيدة.. عندما تمتلك لحظة حقيقية في حياتك تكون سعيداً.‏

وكنت أنتظرك كي تتكلمي.. لكنك كنت تستسلمين للصمت مثلي.‏

ذكرى -6-‏

هل تذكرين يوم التقيتك وحيدة‏

قلت لي: تعال نسر معاً‏

ومضينا.‏

كان الجو خريفياً، والورق الأصفر يرسم على الطرقات أحزاني، والسماء تبكي بهدوء..‏

على الطريق كنا وحيدين.. كأن الحياة خلت إلا من كلينا.. كنت أسمع وقع خطواتك وأتمنى أن أسمع قلبك.‏

-غني.. قلت لك‏

ابتسمتِ.. يبدو أنك مللتَ مني، وتود الهروب‏

نظرت إليكِ تمنيتُ أن آخذك بين يدي، أبحرت في عينيك‏

-أحب أن أسمع صوتك‏

-وهل سمعته قبلاً‏

-دائماً أسمعه.. حتى وأنت صامتة‏

يبدو أن الخريف فعل فعله.. وضحكتِ‏

ولفنا الصمت، بينما كان المطر يناديني.‏

ذكرى -7-‏

أتى ذات يوم إلينا وقال لنا: سنلعب لعبة جميلة.. رهان بسيط، والفائز به يأكل على حساب الشلة.‏

ضحكنا ووافقنا.‏

سألته ماري، ما الرهان، يا بطل؟‏

-سوف نرى مَنْ له القدرة على البكاء أولاً.‏

ضحكنا جداً وقتها، كيف خطرت على باله هذه الفكرة.. الشقي؟‏

ورحنا نعيش جواً جنائزياً.. وكل منا يفتش عن دموعه، يستحثها، يناديها كي تأتي.‏

كنت أنظر إليك وأتمنى من كل قلبي ألا يعكر صفو عينيك أية دمعة.. لكن صلواتي خابت‏

فزتِ بالرهان.. ورحنا نحدِّق فيك بدهشة.. لأننا أدركنا أنكِ بكيتِ من أعماقكِ..!!‏

ذكرى -8-‏

عندما بكيت، احترق قلبي.. وددت أن أسألك: لماذا تبكين.. وددت أن أمسح بشفتي دموعك سأحرق عمري إذا أردت لكن أرجوك لا تبكي، فدموعك تجرجرني إلى الهلاك.‏

بحثت بين الدموع عن عينيك.. تلك اللحظة لم أجد إلا قلبي.. كنت تبكين قلبي يا شقية.‏

ذكرى -9-‏

عندما زرناه في السجن، كان يضحك ويغني.. وكان يدخن..!!‏

-لن أموت.. لا تخافوا‏

ضحكنا.. حتى هنا لا تزال شقياً.‏

-لماذا فعلت ذلك يا مروان.. سألته ماري بحزن.‏

-هذا السؤال متأخر يا عزيزتي.. كل ما في الأمر أني أردت أن يجرب غيري طعم الحريق.‏

دهشنا.. وقبل أن نمضي قال لنا، لندخل الرهان الآن.. لنعرف من يبكي أولاً.‏

ضحكنا.. وخبأنا دموعنا.. ومضينا..‏

ذكرى -10-‏

بيني وبينك شيء ما، غريب جداً مثلك يا مروان.‏

يوم التقيت بك، حيرتني.. لغز أنت.. تركيبة غريبة.. متى تضحك.. متى تحزن.. لا أحد يدري، أعتقد أنك مثل الجميع لا تدري أيضاً.. لكنني كنت أشعر دائماً أنك تبكي.. وأنك دائماً محترق وتلك الأيام كان يشغلني كثيراً أن أعرف هل كانت هي أيضاً تبكي دائماً؟‏

ذكرى -11-‏

كنت تعرفين أني أحب المطر، لذلك قلت لي، أود أن أرافقك في رحلتك المطرية.. كنت تسمينها هكذا.. ومشينا معاً.‏

سألتني: لكنك لم تقل رأيك بما عمله مروان.‏

-لا أدري، لكنني دائماً كنت أشعر أنه يود أن يبكي عندما يعلن الرهان.. ويود دائماً أن يقول شيئاً ما.. وأنتِ لم تقولي رأيك في دمشق.‏

-أعشقها.. وهذا كل شيء.‏

ذكرى -12-‏

هل تذكرين لون النار.. يوم أتيتِ إلى غرفتي ومعك حقيبة، رقصت معي.. كنت مستسلماً لجنونك.. لا أدري ماذا تتصرفين، فتحت الحقيبة.. أخرجت صوراً كثيرة.. أخرجت ثياباً كثيرة وكتباً.. أشعلت عود ثقاب وأحرقتها وحضنتني.. ورحت تضحكين وتصرخين:‏

-أحبك أنت.. حرقت كل الزمن الذي قبلك.‏

ورقصنا من جديد.. استسلمت لجنونك من جديد.. غلبتني الدهشة، وغلبني الصمت.. بينما كنت أفتش بين ألسنة اللهب عن شيء في داخلي أقوله لك.. لم أجد.. تلك اللحظة- آهٍ ما أقسى الحياة.‏

لو وجدت تلك اللحظة شيئاً ما كان الأمر قد انتهى، ولم أكن الآن أعيش أسير حيرتي.‏

ذكرى -13-‏

هل تذكرين.. دخلنا الحديقة.. وحدنا كنا، وكان المطر يغني لنا.‏

ماذا سأقول لكِ.. هل أقول أحبك.. لعلك ستقولين لي تأخرت كثيراً.. ماذا أقول.. أعطني كلمة.‏

سألتكِ: ماذا تتمنين أن أقول لك الآن؟‏

ضحكتِ: لا شيء سوى ما تشعر به الآن.‏

-أنا حزين‏

ضحكتِ.. خداك كانا يبكيان وكنت أغار من حبات المطر...‏

-الحزن مرض مزمن.. ليس له دواء.. وليس له سبب محدد..‏

-لكنني أعرف سببه.. أحدده بدقة‏

-أمرك بسيط إذاً.‏

ذكرى -14-‏

عندما سألتك يا مروان: لماذا هذا الرهان.. لماذا لقبه البكاء؟‏

ضحكت وقلت لي: أي أعرف من منّا الأكثر حزناً.. لا تصدق أحداً يبكي غير أحزانه.‏

ذكرى -15-‏

-أحبك.. هذا سبب حزني‏

حدقتِ في البعيد.. ضحكت.. استدرت نحوي، ورحت تبكين.. بكيت بغزارة.. حاولت أن أعرف لماذا تبكين، لكن الصمت لفني.. بحثت بين دموعكِ عن عينيك منهما أستمد القوة.. لم أجد إلا قلبي يحترق..‏

ويلٌ لك، مرة أخرى تبكين قلبي يا شقية!!‏

***‏

عندما انتهى من قراءة ذكرياته، استلقت على صدره وقالت له:‏

-أبعد عشر سنين تصارحني بأنك كنت تحب واحدة قبلي، لماذا الآن؟‏

قال لها: لأني أحبك أكثر.‏

-دائماً تغلبني.‏

-سأصارح عينيك بحقيقة أخرى، بعد عشر سنين اكتشفت أيضاً أني معك دائماً خاسر، وبك دائماً منتصر...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244