مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 303 تموز 1996
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

خروج ـــ محمد أبو حمود

مكفهراً عاد إلى بيته.‏

مغلق القلب آبَ إلى المساحة الضيقة الباقية له تحت هذه السماء المليئة بالعيون التي ترصد أفكاره وقصائده.. وأنفاسه.. وأحلامه.. و.. و..‏

طبول همجية تفكك بقايا هدوء في رأسه.‏

وقائع أمام عينيه تصمت النبض والمسام.. والعين.. والأفق.‏

تمتم شامتاً (وهل يملك سوى الشتم؟) النفط والدولار وبطرس غالي.. والنظام الدولي الجديد.. والتلفزيون.. وكرة القدم... وغيرهم.‏

أسرع إلى غرفته.. شاعراً بحريق يتأجج في كل أجهزته. أراد أن يطفئ بعضه بالماء.‏

قرب كأس الماء الفارغ على الطاولة.. ضبط نملة. راقبها بنظرة عنترية اختبأ وراءها قهرٌ معتّق من أيام سقوط غرناطة أبي عبد الله الصغير.‏

قلب الكأس فوق النملة. طبق عليها حظر تجول خارج دائرة فتحة الكأس، خطر له أن يحرك الكأس المقلوبة. فعل. ليوهم النملة أنها غير محاصرة. ثم ترك الكأس مع فريسته واندلع يراقب المعركة بعينين متوسعتين.. واهتمام استنفر كل ما بقي له من حواس.‏

سارت النملة بهدوء. لم تكن قد اكتشفت حصارها الشفاف. كلما شعرت بطرف الكأس يعيقها.. غيّرت اتجاهها بحثاً عن سبيل. ثم تسارعت حركتها وهي تدور بانفعال جلي.. ثم تشظى هدوؤها.. واستحالت نملة ممسوسة.. تلوب.. تلوب ظمأ لمنفذ. دقائق غير قليلة مرت.. حين لاحظ أن النملة تحاول التسرب من تحت الكأس.. بعد أن اهتدت إلى شرخ صغير للغاية على سطح الطاولة الخشبية القديمة.‏

تناوبته مشاعر غامضة من الارتياح.. والانزعاج.. حين نجحت النملة بالانفلات من حصارها الشفاف شبه المحكم.‏

من جديد سيطرت عليه فكرة أخذ قسط من الراحة.‏

رمى نفسه على سريره. تدثّر بغطاء بني سميك.. دفن تحته جسده كله.‏

استدار رأسه المثقل إلى اليمين.. ثم إلى الجانب الآخر.. عسى أن يسعفه مكان مريح على الوسادة.‏

لم تتوقف استدارة رأسه.. هنا.. هنا.. هناك.. حتى استسلم لوضعية ما.‏

كل ما فيه وتر مشدود إلى درجة التمزق.‏

ظلام.. ظلام..‏

بدأ يستمتع بالاسوداد الحالك.. وعيناه الجاحظتان تجوسان العتمة المهيمنة تحت الغطاء.‏

تذكّر الأحوال.‏

تقلب.. تقلب أرقاً.‏

تحرك تحت الغطاء.‏

ودّ لو أن هذا الغطاء تحول إلى إسمنت.‏

تذكّر الأحوال..‏

تقلّب.. تقلّب.. أمعنت أفكاره في التشرذم.‏

لم يكن يحب اسوداد الليل منذ ولادة ذاكرته. الآن أمسى اسوداد الليل عالمه المريح.. مرتعه الذي يهرب إليه من كل شيء.‏

تذكر الأحوال..‏

تقلّب.. تقلّب..‏

... ثم انجذبت مقلتاه صوب شعاع ضوء.. اندفع من ثقب في الغطاء.‏

حاول الهروب من الشعاع.. الذي بدأ يعبث بعالمه الحالك، حاول إغماض عينيه..‏

لكن الشعاع تسرب بين رموشه ألواناً قوس قزحية.‏

راقه النظر إلى تلك الألوان.. التي أخذت تعيد توجيه مؤشر بوصلة رأسه.‏

ذكر النملة التي حاصرها.. وأفلتت..‏

تذكر حكاية شبيهة قرأها أيام الصفاء في كتب الطفولة المدرسية.‏

قذف الغطاء بكلتي قدميه.‏

انتصب..‏

رفع فراشه.. امتشق من تحته بندقية كاد يعلوها الصدأ.‏

.. وخرج.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244