|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
عبثية الموت ـــ أحمد فرحان الناصر إجازتي القصيرة، انصرمت أيامها سريعاً، فأودّع الزوج والولد، وأركب القطار المتجه نحو العاصمة، كي ألتحق بقطعتي، أغمضت عينيّ ورحت أفكر بخدمتي الاحتياطية هذه، أتراها ستطول، أم هي لا تلبث أن تكون كمثيلاتها، مجرد دورة تدريبية لبضعة أسابيع أعود بعدها لإكمال مشاريعي الخاصة، التي توقف تنفيذ بعضها وأجلت البدء بغيرها لما بعد انتهاء الخدمة. خيل إلي كأن القطار قد عطس ونتر ثم اهتز وتوقف، أسمع لغطاً متنافراً وصخباً غير عادي، يترجل بعض الركاب ويصعد آخرون، يلفت انتباهي من بينهم فتى توشّي وجهه مسحة حزن، يحمل حقيبة سفر صغيرة، يروح يتلفت بحثاً عن مقعد خالٍ، أحس أن شيئاً ما راح يشدني إليه، فأومئ له وأدعوه لمشاركتي مقعدي المزدوج، ابتسم ممتناً، دنا مني وحياني بتهذيب، اتخذ مكانه بجواري ملتزماً الصمت. أحسست براحة لاستجابته، أنفتل صوبه، أروح أتفحصه من جديد، فأظنه لن يكون رفيقاً مملاً ولا بد سيعينني على قتل الضجر الذي تملكني من رحلتي الطويلة. المسافة المتبقية لنهاية الرحلة، ستستغرق وقتاً غير يسير، وأنا من النوع الذي يجفوه الرقاد أثناء السفر، فكنت دوماً أبحث عن وسيلة أقطع بها دابر الملل، والوسيلة واحدة من اثنتين، صحبة رفيق دمث أو قراءة كتاب أو مجلة، والقراءة الآن مستعصية في ضوء شاحب لمصباح يعاني حالة احتضار. طبيعتي تفرض عليّ المبادرة، فأجد فيه إصرار على رفض محاولتي العابرة لاقتحام حمى ذهنه، لم أيأس ولم أستسلم، لأني لم أعدم القدرة على استدراجه، فلدي فاتحة لذلك، كانت ناجحة معظم الأحيان، فلأجربها معه، ألتفت إليه وأخاطبه بمودة: -رحلتنا طويلة أيها الأخ، وصمتنا يضاعف من طولها الباعث للضجر، فما رأيك لو يحمل أحدنا الآخر بعضاً من الوقت، إن وافقتني على ذلك أترغب أن تبدأ بحملي، أم تفضّل أن أكون أول من يبتدئ...؟ -بل سأكون البادئ، لو سمح لي سيدي النقيب... رد في شيء غير قليل من الاتزان والتهذيب ثم استطرد وهو يمسح وجهي بنظراته الطفلية، فاستخلصت من شلال كلماته أنه يدعى، هويش الأمين من قرية التريمسة، من أعمال محافظة حماة، وهو الآن مدعو للخدمة الاحتياطية برتبة رقيب مجند، وأنه يلبي الدعوة على مضض، مبرراً ذلك بسبب ما يلمسه من صمت عربي، لأنه ما انفك يحلم بيوم من أيام العرب إلا أنه يضطر في وضعه الراهن أن يعتقل حلمه ويرميه في عتمة واقعه المتردي، ويثني خياله الذي كان منسرحاً في متاهة أمل عقيم، كما لم يخف عليّ أنه أودع قلبه أمانة بين يدي خطيبته تضمه لصرة أحلامهما الوردية، في قريته المسيجة بأشجار المحبة وغراس التوادد، كلماته المتدفقة عطراً، أحسست أنها مجدولة بخيوط حزن، ترعش شغاف قلبي، فتنقلني معه حيث ماضيه الهاجع، فأتلمس معاناته وأدرك حاضره الواعد، فكنا في بوحنا المتبادل ، كأن بيننا معرفة ذات جذور ضاربة في القدم. *** تلاشت المسافات تحت عجلات القطار بسرعة ما كنا نتوقعها، فتلقفتنا شرايين العاصمة، وافترقنا لينصرف كل منا لشأنه، هرعت ملتحقاً بقطعتي، وقبل أن أسترد بعض أنفاسي، يستدعيني قائد الكتيبة، يبلغني أمر نقلي للخطوط الأمامية، ألتحق بموقعي الجديد تل الشحم، ألفيت معظم عناصر سريتي من المقاتلين المخضرمين، ألتقي بكثير ممن أعرفهم وكان اللقاء حاراً، حميمياً يبعث على التفاؤل. دعوت قادة الفصائل ومعاونيهم لاجتماع، وددت من خلاله الاستماع لآرائهم والتأكد من جاهزية فصائلهم التعبوية والقتالية، ولشد ما كانت دهشتي عظيمة حينما التقيت الرقيب هويش معهم: -أنت هنا..!!؟ -نعم سيدي النقيب، التحقت منذ لحظة ولم تسنح لي فرصة أقدم نفسي إليكم... -لا عليك... تعانقنا كصديقين قديمين التقيا بعد طول افتراق، تتالت لقاءاتنا، أتابعه عن كثب، أختبر معدنه فأكشف فيه كثيراً من المزايا. وللمزايا الخاصة، المفترض منها أو الملموس، يحق للقائد اختيار معاونيه أو انتقاء عناصر يعدهم للمهمات الصعبة، وهذا ما فعلته مع الرقيب هويش، فأكلفه بقيادة مجموعة، اخترت عناصرها بنفسي، وأروح أعدهم لساعة قد تتطلب المجازفة فيها، ولكن بحنكة، وتحتاج للمغامرة ولكن بتعقل. *** في فترات الاستراحة، ظلت تجيش في نفسه رغبات شتى، فتحفزه لينتحي ركناً قصياً يختلي فيه مع نفسه، ويروح بعينيه الدميعتين يحدق في مجالي الأرض البعيدة. أستغرب صدوفه عن مجالسة أفراد مجموعته وعزوفه عما يخوض فيه زملاؤه، أدنو منه أقطع عليه سلسلة أفكاره، أنتزعه من خلوته وأروح أعاتبه بمودة وألومه برفق على انفراده، فينتابه شيء من الضيق وينبري موضحاً موقفه بصدق: -لم أجف مجالسهم عن موجدة، ولم أزهد في صحبتهم عن كره، لكنني كنت أصبو لعزلة لعلني أجد فيها بعض الراحة... يسكت هنيهة، تختلج شفتاه ثم يردف بصوت متهدج: -أظن أن كل حبة رمل من هذه الأرض وكل ذرة من ترابها، عمّدتها دماء الأجداد، شهداء اليرموك وحطين، غسلوا أوشابها وسلموها لنا أمانة في أعناقنا، متحررة من كل قيد، طاهرة من كل دنس، إلا أننا لم نصن الأمانة، فرطنا فيها، لم نحافظ عليها، ضيعناها بأنانيتنا وانقيادنا لأهوائنا، واقتتالنا على الفتات، يستثمر الغرب فرقتنا، فيثب ينهش أطرافها يمزق بيرقها. يهب قلبها لقمة سائغة إلى لقيط مسخ ولدته أم عاهرة كأنه خلاصة آلاف النطف النجسة، وإني لأظن يا سيدي أن أرضنا تلك، ما زال أريجها رغم أنف صهيون يعبق بمسرات الماضي.. هززت له رأسي مؤكداً، فيما كانت غصة قاسية تتسلل إلى حلقي، ورحت أدمدم بكلمات مبهمات، أظنني أردت بها تعزية له ولنفسي، لم أستغرب منه كلمة مما سمعت. *** العين ضرة أختها، فالمتطوعون من صف الضباط، ولا سيما الذين تدلت كروشهم، راحوا ينظرون إليه ولعلاقتي الأخوية به التي انتفت فيها الصفة الرسمية نظرة شك وريبة لا تخلو من حسد، فيحاولون الكيد له عندي يريدون أن يوغروا صدري عليه فأصدهم صداً غير جميل. تدفعني مسحة الحزن المعسكرة على وجهه لأسأله عن سبب اكتئابه الدائم، فيرد باستغراب: -كل ما نحن فيه، وتريدني ألا أحزن أو أكتئب!!؟ -وما الذي نحن فيه!؟ يضحك بمرارة وينبري: -لا أظنك تجهل، فصمت أهلنا واستكانتهم، ألا يكفي لقتلنا حزناً..!؟ -الظروف الدولية تتحكم بما يريدون وتفرض عليهم ذلك... -إذن، لماذا بين فترة وأخرى نستدعى للخدمة، لم لا يؤجلون ذلك ريثما تتبدل الظروف، ويتاح لنا العمل الجدي...؟؟ -دعوتنا للخدمة بين حين وآخر، ضرورية يا أخي... -ضرورية لتعطيل مصالح الناس وتحميل خزينة الدولة أعباء إضافية ونفقات بلا طائل... -لا، بل للتدريب المستمر والاطلاع على ما يستجد من سلاح متطور، ولنحافظ على قدراتنا القتالية ورفع مستوانا المعلوماتي... -ليتنا بسلاحنا المتطور هذا أطلقنا رصاصة واحدة باتجاه العدو اللئيم... -لا بد من أن تأتي الفرصة المناسبة لذلك، التي يقدّرها الساسة وحدهم... -نحن نتحرق فوق جمر الانتظار على تخوم أرضنا المحتلة، والساسة يتابعون عروض الأزياء ولا ندري بماذا وكيف يفكرون، لقد زرعوا اليأس في صدورنا، وإننا سنموت سعداء لو تلمسنا بارقة من أمل أو خيطاً من فجر، أو... -أو، أو أزفت ساعة الحسم، أظن قيادتنا هذه المرة جادة، ثق يا هويش... قاطعته مجاملاً، فضحك ساخراً وعلّق قائلاً: -بل لا أظنها سوى سحابة صيف لا تبشر بمطر وما تلبث أن تنقشع.. بواكير تشرين أطلت علينا، فتهب نسيمات رفيقات تحمل إلينا بين طياتها رائحة المطر تبشر بموسم خيّر، تنعش النفوس وتزهر الأحلام. بعيد صلاة الفجر، رحت أتريض بين الخيام، أتوقف لأسترد بعض أنفاسي، أروح أحدق في الأفق الشرقي فأتبين على ضوء الفجر الخافت شبحاً يزدلف نحوي بخطى وئيدة، ظل يتقدم ويتقدم حتى صاقبني ووقف قدامي باستعداد، نتبادل التحية، أسأله عما يفعله في هذا الصباح الباكر، فيعيد إلي نفس السؤال بعد أن قال: -كنت أتخيل جند حطين، كيف كانوا، أتراهم يختلفون عنا بشيء...!؟ -لا يا رقيب هويش، بل نحو الذين نختلف عنهم... -ترى، ما هي عناصر الاختلاف بيننا...؟ -كثيرة، أهمها أننا شتى وهم كانوا قلباً واحداً... تساؤلات مؤرقة وخواطر متباينة راحت تحرك كوامن نفسه المتعبة، ترعش جسده، يهز رأسه ويروح يحدق في الأفق الجنوبي مشتت الذهن، وكمن يحدث نفسه، أسمعه يدمدم: -ها نحن نودع يومنا التاسع من رمضان بيسر وسهولة، ونستقبل تاليه برجاء... يسكت هنيهة، وكمن يستشرف معالم الآتي يردف قائلاً: -أتدري سيدي النقيب بأنني أتوقع أمراً جللاً سيحدث قبل أن ينصرم شهرنا هذا... تسرني أحلامه التي لا تفتأ تدغدغ مخيلته، أضحك بانشراح وأرد مداعباً: -وأنا أظن الصيام قد أثّر فيك لتروح تتخيل أموراً خطيرة ستحدث..! ينتابه شيء غير قليل من الضيق فيتغضن جبينه ويرد بانفعال: -سبق وأن قلت، بأن ما مر من رمضان كان هيناً وسهلاً...! أعتذر له، إلا أنني أروح ثانية أستفزه بمحبة: -ترى، ماذا سيفعل الرقيب هويش لو تفلّت زمام الحرب...؟ -ليتفلّت يا سيدي، وأعدك بأني سأسقي آخرهم بكأس أولهم، وسترى... رد عليّ بحماسة وثقة من غير أن يمنح نفسه لحظة تفكير، لكزته في صدره بلطف وطفقنا نضحك بمرح. *** فيما كنت أتفقد الجند وأتأكد من جاهزيتهم القصوى، راحت طائراتنا المقاتلة تدك أوكار العدو، تتناوب القصف المركّز مع مدفعيتنا الثقيلة، فتشتعل السماء ناراً وتتحول الأرض جحيماً لا يطاق، ويغمر الكون دخان خانق. يبدو أن ما يحدث، ليس مناوشات اعتيادية، إنها الحرب التي تفلّت زمامها بغتة، تروح الطائرات من الجانبين تتصارع في الجو بحركات بهلوانية، ثم تهوي بعضها محترقة عن يميننا وعن يسارنا، والقصف العنيف المتبادل على أشده. أرى عن بعد بمنظاري المقرّب رتلاً من دبابات العدو يتجه نحونا عبر ممر ضيق لا يتسع لغير دبابة واحدة. لأن مرتفعاً غير يسير يحصره من يمينه، وعن يساره منحدر سحيق، تروح الدبابات المعادية تتبختر متقدمة فوقه كأنها وحوش أسطورية تستعرض فرائسها. أروح أحصيها فإذا هي اثنتا عشرة، يتملكني هاجس قلق، أتوجس خيفة، لأول مرة تواجهني مثل هذه المسؤولية الخطرة، فاجتياز الدبابات لهذا الممر يعني تبدل الموازين في موازين الحرب لصالح العدو، على الأقل في قطاعنا، ولهذا، علينا أن نصمد بشكل بأي شكل، لا، بل علينا أن نوقف زحفه، أروح أبتهل بصدق إلى الله أن يمدنا بالقوة والصبر ويعيننا على دحر العدو. تواتيني فكرة بنت لحظتها، فأروح بين إقدام وإحجام، بين تردد وتصميم أتنقل بين الجند أشحذ هممهم، أوزع تعليماتي عليهم، وأوجه أمراً بعدم إطلاق أي رصاصة إلا بأمر مني، على أمل إنجاح تنفيذ خطة فرضتها الظروف الراهنة، إذا بصوت الرقيب هويش يخترق أذني مغاضباً: -أمجنون أنت يا نقيب صلاح، ألا ترى نفسك صيداً سهلاً لرصاص العدو..!؟ ابتسمت في نشوة، رفعت له يدي ممتناً، لحظات الخوف الحقيقي التي انتابتني ولت مسرعة تلاشت منذ الرصاصة الأولى، إلا أنني صحوت لنفسي واتخذت مكاناً مناسباً يجعلني على صلة بجميع عناصر سريتي، ومنه أتمكن من رصد تقدم العدو وتحركه. *** بينما كنت أراقب بقلق الدبابات المتقدمة نحونا ببطء شديد، كان الرقيب هويش أيضاً يتابع تقدمها بيقظة وحذر يخامره شعور بالترقب المتوتر، فأراه يترك مكانه، يدنو مني ويسر في أذني رأياً استجبت له دون مناقشة، لثقتي بجديته ومهارته، يعود حيث مكمنه يتناول مدفعه ويروح يتقدم، يتبعه معاونه وباقي مجموعته، في البدء كانت خطواته مترفقة، حذرة، لحظات وإذا بي أرى ما أدهشني، أراه يقفز بخفة ورشاقة لا تتناسب ووعورة الأرض، يكمن خلف كثيب رملي صغير وأظنه راح يصلي بإخلاص وهو يتلفت نحوي بانتظار الإشارة. الدبابة الأولى غدت قريبة من نهاية الممر على تخوم المنفسح من جانبنا، يلتقط إشارتي، يصوّب مدفعه ويرمي قذيفته خشم الأولى ويعطبها، يتبعها بقذيفة ثانية تعطل الدبابة الأخيرة، وفيما اشتعلت النار فيها راح يصيح بفرحة طفلية: -الله أكبر، الله أكبر حاصرنا الوحوش وأصبحت غنماً مطيرة، هيا يا شباب... كلماته راحت تدوي هاتفة، مرنانة في أسماع رفاقه فيروحون بصوت واحد يرددون: -الله أكبر الله أكبر... لم أكن مخطئاً باختياره، لقد استثمر ذكاءه وجرأته بما حقق لنا ما كنت ابغي، فبفضل حنكته ودقة تصويبه تمت محاصرة الدبابات العشر المتبقية، ينتهز ورفاقه فرصة ربكة العدو فيروحون يتصيدون الشياه المطيرة واحدة تلو أخرى، حتى جاءوا على آخرها. لقد صدق هويش بوعده لي يوم قال لي، سأسقي آخرهم بكأس أولهم، كم كان سروري عظيماً بما قام الرجال، أظنهم فثؤوا شيئاً من سورة غضبهم. صمتت المدافع وتلاشى صليل المجنزرات، يثب الرجال من مكامنهم، يتحلقون حوله وهو ينفض الغبار عن ثيابه وقد زايله خجله وتردده، يعانقهم واحداً واحداً، يحملونه على أكتافهم ويروحون يغنون مبتهجين سكارى بنشوة النصر، يتجهون صوبي، أستبق ما كانوا يودون عمله فأحتضنهم، أهنئهم وأشاركهم الغناء، لحظات وأرى هويش يعتزلنا، يختار كثيباً غير مرتفع يجلس على قمته، يلتقط أنفاسه، يسترد طمأنينته وسكينته، يغرق في بحيرة صمت صقيعية، يتطامن رأسه خجلاً ويروح يجهش باكياً. *** قذائف المدافع وشظايا القنابل أخطأتنا كما تخطانا الموت مراراً، لأن للعمر بقية ولينأى عنا الشرف العظيم، تسترد إدارة المهمات ما سلمتنا من عتاد وسلاح، ونعود لسالف أيامنا نختزن ذكريات الحرب وأهوالها تتوج رؤوسنا أكاليل الغار. في إحدى رحلاتي الخاصة للعاصمة، التقيت صديقاً مشتركاً من قرية مجاورة لقرية تريمسة أسأله عن هويش وهل تزوج، يروزني الصديق بعين دميعة ويروح يحدجني بنظرات باهتة ويرد: -بلى، لقد زف منذ شهر ونيف وسط حفل لا مثيل له،... -يا له من مخادع، ألم يعدني بأنه سيدعوني لحفلة زفافه، سأذهب لمحاسبته، لن أغفر له زلته ولن أصفح عنه، بسيطة يا هويش، سأكون عندك قريباً، أنا آت إليك... قاطعته بغضب، يحدجني بنظرات زائغة من عينين دامعتين، يهز رأسه وينبري بمرارة: -هوّن عليك يا صاحبي، فإنك لن تجده... -ماذا، هل غادر القطر أم تراه هجر القرية للمدينة كما فعل غيره من الشباب الحائر...!!؟ يجهش باكياً، يحتضنني وهو يقول بصوت متهدج: -لا هذا ولا ذاك، بل رحل إلى الأبد يا صلاح... -ماذا تقول، كيف، قل لي بربك، أفصح يا رجل..!!؟ أقاطعه بدهشة وانفعال حزين، فيرد علي بمرارة واستسلام: -لقد قتل يا صلاح... -كيف، ومن الذي قتله!!؟ -قتلته رصاصة عمياء من مسدس فتى طائش كان يتباهى في عرس ريفي أمام أقرانه... يا لعجائب صنع القدر وحكمته، كم أخطأه الموت، تحاشته القذائف، لم تجرؤ شظايا القنابل وزخات الرصاص على الدنو منه، وتأتي رصاصة طائشة من فتى أرعن، تروح وتبحث عنه بين حشد المتفرجين والمشاركين، تعثر عليه وترديه قتيلاً، ياه، ما أقسى عبثية الموت المجاني وأبشعه، حظه العاثر حال دون تمتعه بشرف الشهادة في تل الشحم، فكان الموت العبثي متربصاً به في تريمسة ليقتله بلا ثمن وهو يلهو ممراحاً في عرس صديق. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |