مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 303 تموز 1996
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ريما تبكي ـــ ميسون عبد العزيز عمران

صورة شخصية:‏

وريما لم تعرف أعياد الميلاد.. لكنها تعرف أن عمرها صار عشر سنوات وأمامها سنين طويلة.. تعيشها كي تصير كجدها وحكاياه التي لا تنتهي... حتى عندما تهرب الشمس يلاحقها ليل مشاكس يجلب معه القمر وضحكته التي تهديها العيد... وصلّت لربها ذات مساء وطلبت منه أن يعطي القمر بيتاً... حتى لا يبرد في الشتاء وكي لا تلبسه أمه معطفاً حزين الألوان... كمعطفها.‏

وركضت في السهول سفينة بلا مرساة... لتصل إلى حقلهم الذي يستلقي في آخر الضيعة... وتتحول سنبلة تهيم عيناها في الحقل سماء لا تعرف الغيوم...‏

(1)‏

غداً العيد:‏

تنتظره منذ زمن.. وفي خزانتها المتواضعة رقد ثوب أحمر بدلال... بعد أن صلب شهوراً في واجهة المحل قبل أن تجمع خلاصه...‏

نظفت حذاءها الأسود العتيق، ونسجت نظرات أمها من مجهول لذيذ الطعم مستقبلاً لابنتها الجميلة.‏

"أمي سأمضي إلى الحفل قليلاً وسأسبقك إلى بيت جدي وادعٍ".‏

وتقبّل صورة والدها وتخبره أنها تساعد أمها... وأنها أصبحت كبيرة... وتمنّت لو أنه يقدم من الجنة ليعيّد معها...‏

وفي الطرقات تركت وراءها ضفيرة تطير إلى السماء غيمة بيضاء...‏

وغداً... ستلبس الفستان الأحمر...‏

بهجة لا يحملها الكلام انتشت في أوصالها... تملّكتها فرحاً شافعاً أكبر من الضيعة والكروم وشعرت أن الشمس الرائعة لها وحدها.‏

(2)‏

"ديما"‏

"اسمي ريما يا عم"‏

نظرت إليه إنها تعرفه هذا القادم من عصور الرغبة... رأته منذ ثلاث سنوات وأمها تطرده وتصرخ... أطلت الدهشة من عينيها عصفورة كانت سجينة... "ريما.. كان يريد سرقة القمر الذي يسكنه أبوك..."‏

مع ذلك.. لم تكرهه.. كان يشبه أباها..‏

وشعرت بحنين يؤجج الذكريات التي اندفعت تتراقص في صورة الحاضر... تمنت لو أنها تقول له "أبي" لكنها خجلت...‏

"تعالي معي"‏

أمسكت بيده ومشت بسعادة يشوبها قلق غامض تمضي معه تتواثب إلى الكروم...‏

غداً ستلبس الفستان الأحمر... وتحرر شعرها من الضفيرة التي تزحف دون هدف على ظهرها ليل بلا قمر يتسرب إلى اللحظات الجميلة... وقد أمسك ثوبها العتيق ليعلن السقوط...‏

شعرت بخجل عارم يعنّفها... وقد نفيت ثيابها إلى الأرض القاسية تنتحب بصمت يلتهم السكون الأسود...‏

(3)‏

نسمات المساء تصطك بوحشية بجسدها العاري وقد استلقى باستكانة على أرض صلبة وتشردت ضفيرتها شمساً أضاعت سماءها...‏

تمنت لو يأتي والدها ويقول لها: "كل عام وأنت بخير يا حبيبتي"‏

شعرت في عينيه عيداً جميلاً لم تبصره في شبيه والدها الذي بدأ ينتزع ثيابه عنه.‏

رأت القمر يسترق النظر إليها والشحوب يتطفل على وجهه الذي بدد الجمود شبابه.‏

لا تدري أي نصل مزق روحها... وقد أجفل طريق الابتسامة من وجهه الحزين... انتهى العيد من عينيه...‏

"أحس بالبرد يا عم"‏

"سأدفئك يا حلوة"‏

تمزقت ابتسامة غريبة على شفتيه واستلقى معها... ضمها إليه وحنين مجنون باغتها وارتحل بها إلى أبيها يودعهما.. حيث ابتلعته المسافات اليائسة وعلى ظهره بندقية عجوز وخوذة باردة حطت على رأسه وانتظرت العيد منذ ذلك اليوم.‏

انطلقت يده يلف خصرها كما فعل أبوها ذلك المساء الأخير...‏

وشعرت بسعادة تسيطر على جسدها الذي التصق بشدة به... وقالت له "أبي"... لكنه لم يسمعها... ولم تشعر بعد ذلك بتلك السعادة عندما مزّق ألم أحشاءها بوحشية... وانطلقت في نحيب مرّ تردد صداه في لحظات سنوات مرت... عندما استشهد أبوها وعرفت أنها ستنتظر العيد طويلاً...‏

أغمضت عينيها الواسعتين اللتين رأت فيهما الموت... والحياة... والضيعة... وأمها... وصورة والدها الشهيد... والقمر... واللتين انتظرت فيهما عيداً صغيراً يهرب إلى اللانهاية.‏

(4)‏

شبيه والدها... والدها... أمها... القرية والكروم... جدها... العيد... كانوا في انتظارها، وكانت ريما مبللة بالدمع والمطر... وقربهم جلس خنجر ينتظر... آه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244