مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 303 تموز 1996
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

حقيقة موت عطا عايش الصادق ـــ خلف الزرزور

شداد: كرّ يا عنتر‏

عنتر: العبد لا يجيد الكرّ والفر‏

... من أيام داحس والغبراء..‏

لا فرق أن تتوسدك الهموم، أو أنت الذي تعودت ألا تغفو إلا وهي تلف رأسك، لقد اقترنت بها منذ لا تدري.. أو هي اقترنت بك.. لا يهم... طفقت بثور الخيبة وسيماء العنة، والتاث الهواء بعد آخر حفلة توجت فيها قدماك مكان رأسك، وجعلتك الكهرباء تتذكر أسلافك إلى نبينا وأبينا آدم.. تعاتبهم وتلومهم... بل.. و...‏

وأجبروك وأنت في حجر الكرسي المتألق جداً.. جداً.. أن تصبح عمار بن ياسر بعد أن عشت بلالاً طوال عمرك.‏

وبصّموك بأصابعك العشرين على صفحات بيضاء.. وشتمت الذين يريدون... وحيّيت من يكبرون... وأقسمت بأن الشمس تشرق من حيث ووقت يحبون.. وجعلوك بعد قرن من السنين.. هكذا تقسم أنك ملأت جدراناً طولها من القطب إلى القطب، وترتفع بارتفاعك إلى السماء وقتما دخلت وقتما دخلت النفق الذي ظننته... وأنت لا تزال في وعيك من سراديب يوم القيامة..‏

ولهذا تقسم بآلهة الأرض وآلهة السماء...‏

أنك كنت تعدُّ الأيام والسنين..، وتنقشها بدمك على الجدران.‏

المهم أنهم جعلوك وجعلوا عينيك ترى الناس والأشياء بألوان قوس قزح قاطبة، تعرف عليك الناس وأهلك، لأنك ما عدت تعرف حتى نفسك وإلا ظللت تجوب الأرض والتكايا وبيوت الله... وتسأل.. لله يا... أعطوك أم منعوك...‏

لكنهم قالوا لك من تكون..، ولم تصدق.. حلفوا بأولادهم وحياتك... لم تصدق وما عرف أحد منهم أنهم بدلوا لك...‏

شيء واحد اقتنعت به وصدّقته...‏

هو أنك تحيا كي لا ترفع نسب الوفيات وتفضحنا بين الأمم.‏

فرح بك من خالطتهم دماؤك، ومن خالطتهم حينما كنت عطا عايش الصادق، ومن اقتسمت معهم اللقمة، وهموم أحذية الأولاد ومعونة الشتاء، حتى تستوي دراستهم، ومن دبكت ورقصت في أعراسهم، ومن حفرت قبور.. موتاهم، ومن ذدّت عن حياضهم، ومن...‏

تعرفوا عليك واقتنعوا أنك عطا...‏

متكأُ الضعيف، خمر معتق، سند الأيام القادمة، والحامي الذي لا يتنصل ولا يقعد عن طالب حاجة أو صرخة ملهوف مستنجد...‏

هم يعرفون عطا الأمس، ويؤمنون أنه هو الذي طرد المحتل، وهو الذي فجّر التابلين والـ بي بي سي..‏

وهو الذي جعل بضائع الانكليز والفرنساوي تتعفن في ملوحة البحر في اللاذقية وبيروت..، هو الذي تطوّع للقتال في حرب القناة...‏

وهو الذي أقام الوحدة، وقاد المظاهرات ضد الانفصال، و... و...، ولذلك حين رجعت بعد هذه الغيبة الطويلة التي صدّقوك أنها قرن من السنين.. فأنت لا تكذب...، ولكنهم يحسونها الآن وقد ذهبت...، إنها لم تكن سوى لحظات، فعطا عايش الصادق بشحمه ولحمه بينهم الآن...‏

أنت تشعر أن صدرك مزروع بالأثل والعلقم وحشرجة لم تألفها تستوطن رئتيك وتلوّن بصاقك بالأحمر...، لكنك ترى الناس والأشياء بالأطياف القزحية السبعة.‏

النساء يحسدن زوجتك، إنه عطا الذي كان ينتصب كالرمح ويسير كالنخلة ويكسر الجوز بأصبعه، والعجائز الحشريات يتندرن أنك لم تبق ضلعاً سليماً واحداً في زوجتك، ويقسمن أنهن كنّ يسمعن أصوات تكسير العظام حين يمررن من تحت نافذتك أثناء الليل.‏

لكنّ زوجتك المسكينة التي انتظرت عودتك على أحرّ من الجمر...‏

زوجتك وحدها الآن تعرفك حق المعرفة..، وقد قطعت الأمل من لحظة حياة واحدة، وتعيش في ذكرى عطا الأمس، واليوم عندما تهجَّم مجموعة من الزعران لديهم سلسلة طويلة من الظهور التي تدعمهم والتي قد تصل إلى الـ...‏

حين تهجموا..، ولم يكن الهجوم الأول..، لكنه كان كذلك بعد عودتك...، انتظر الناس وتساءلوا بعد أن صرخن واستغثن، وردد الأولاد والشيوخ والأمهات.. والوديان... والجبال... والسماء...، عطا.. عطا..، إلينا يا أبا الرجال...‏

باب دارك يهتز من ألم الصراخ، ويرتجّ من هول الاستغاثة..، وحده الصمت ولا شيء غير الصمت كان مقبرة في الداخل عندك..، لم يفتح بابك، وأُهينت بنات الحي..، وانتظرت طلعتك، نخوتك..، ثورتك، ...، ... أو..‏

يرتد صدى صراخهن ويشعل رجولتك، لكنهن بهتن وتطلعن ببعضهن البعض لتقرأ كل واحدة في وجه صاحبتها... مات عطا..؟.. مات عطا..؟.. مات عطا..‏

وا.. واأسفاه.. .. وأنت مقعٍ في دارك تأكل وتجتر كخروف مربوط...، وتلوك أشياء ملونة بألوان قوس قزح قاطبة...‏

والصراخ تحمله الريح بعيداً عنك دون أن يلامس جلدك.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244